الفكرمقالات

ترامب.. والردة الأصولية العالمية

د. باسم عثمان | المركز الديمقراطي العربي

للأصولية تعريفات عديدة ومنها حسب رأي علماء الاجتماع: الأصولية هي منهج فكري يقدم توصيفا شاملا للحياة والمجتمع وأحيانا للدولة، ويرتكز على التسليم بمجموعة أفكار أساسية، تكون غالبا دينية أو أيدلوجية أو قومية، وهي أفكار تعود للماضي القريب أو البعيد؛ لا يقبل المنهج الأصولي التنويع أو الاختلاف بل ينطلق من أحكام مطلقة، تستند إما إلى تفسير أصولي للدين أو الأيديولوجيا، أو إلى قراءة أحادية تقديسيه لحركة التاريخ ,أما الردة: فهي التراجع إلى الوراء فكريا وزمنيا وسلوكيا.

في ذات السياق ,الردة الأصولية العالمية : هي ارتداد جماعات بشرية ذات وزن بمجتمعاتها بالعودة الى لملمة وتوضيب منظومتها الفكرية إلى منهجيات وموروثات وأفكار من مقدسات الماضي، وفي العصر الحالي هناك عدة تيارات تجسد هذه الردة الأصولية لعل أهمها, الظاهرة الترامبية: وهي ارتداد منظومة فكر “أمريكي” إلى منهجية أيديولوجية وسياسات قديمة، كالسياسة الانعزالية او الارتداد إلى أساليب الحرب الباردة من مضاربات اقتصادية وسياسات إعلامية تحريضية حول أعداء خارجيين وداخليين؛ كذلك إلى منهجية التعصب القومي وترسيخ شعارات على شاكلة “أمريكا العظمى”. الخ، وهناك ارتداد اليمين الأوروبي المتشدد والمتطرف إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى والدعوات القومية المتعصبة، ومنها ايضا ارتداد الجماعات الإسلامية السياسية إلى فترات الخلافة الإسلامية أو إلى تعليمات وشرائع الائمة والفقهاء السلفيين السابقين.

هذه الظاهرة بدأت في كل مجتمع من المجتمعات في مراحل مختلفة من صيرورته التاريخية ولأسباب خاصة به (اقتصادية –اجتماعية وفكرية)، لكنها تتشابه فيما بينها في أنها رد فعل “غير متوقع” على تحول العالم وبالشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي إلى قرية صغيرة كونية، يُفترض بها التقريب بين البشر وليس زيادة مشاكل التمايز بين البشر حسب العرق والدين والطائفة والأيدلوجيا والثقافة والمستوى المادي.

الظاهرة الترامبية :

أظهرقدوم ترامب إلى البيت الأبيض ما برز على السطح من مجموع التحولات الاجتماعية والأيديولوجية التي كانت مستترة داخل المجتمع الأمريكي وافرازاتها الفوقية في المنظومة الفكرية – الثقافية والسياسية للنظام الأمريكي، وهدم الفكرة القائلة: إن الرئيس الأمريكي تختاره كبرى اللوبيات والشركات الاقتصادية والإعلام الكبير؛ فترامب لم يمثل مصالح الشركات الأمريكية الكبرى بتوجهاته الاقتصادية، وقد وقف في وجهه غالبية الإعلام الأمريكي الكبير, وأيضا سياسيا لم يكن ترامب رجل صداقات سياسية يستقطب دعم السياسيين ,و كذلك لم يكن مرشح اليهود أو الصهيونية المفضل، حيث انتخب ترامب من اليهود فقط 23 بالمئة من اليهود الأمريكيين، مقابل 71 بالمئة منهم انتخبوا هيلاري كلينتون.

إذا، الظاهرة الترامبية هي توسع وازدياد قوة تيار الردة الأصولية في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، أي الارتداد أمريكيا إلى منهجيات التشدد أو التعصب القومي والعرقي والديني وحتى المادي، فهي ظاهرة تتشابه في المنهجية مع تيار اليمين المتطرف الغربي في أوروبا، وتيارات القومية المتشددة في روسيا وتركيا، وتيارات الإسلامية الأصولية والسلفية الجهادية.

لذلك يعتبر بعض الباحثين أن مصطلح “الترامبية” هو تعبير عن تيار فكري آخذ بالتبلور منذ تولّي ترامب الإدارة في البيت الأبيض، وهو ليس عابراً أو ظرفياً، وإنما هو امتداد طبيعي و موضوعي لتراكم طويل الأمد في بنية المجتمع والسياسة الأمريكية، في حين يراها آخرون أنها ردّ فعل سياسي طارئ ومؤقت ومرهون بوجود ترامب على رأس السلطة في الولايات المتحدة.

وثمة تساؤل يتمحور حول جوهر “الترامبية”: أهي وليدة التطورات الجديدة والشاملة في الأوضاع الدولية؟، خصوصاً بعد تراجع دور الولايات المتحدة عقب غزو أفغانستان 2001 واحتلال العراق 2003 وفشل سياساتها لمواجهة “الإرهاب الدولي”؟ أم هي محاولة شعبوية لرئيس امتهن التجارة وسعى لوضع السياسة في خدمتها، لاسيّما برفع أكثر الشعارات المتطرفة والعصبوية متجاوزاً بذلك ما هو مألوف من سياسات تقليدية داخلية وخارجية صبغت المنظومة السياسية الامريكية بألوانها المعتادة؟؟.

هل أصبح الوقت كافياً لتحديد الملامح الأساسية للترامبية سواءً أكانت تياراً فكرياً جديداً أم نهجاً سياسياً ارتبط بشخص ترامب نفسه وسُجّل ماركة تجارية باسمه؟ ثم ما هي خصائصها وسماتها داخل منحى السياسة الأمريكية وانعكاساتها عالمياً، لاسيّما مستقبل العلاقات الدولية.

الملامح الأساسية:

“الترامبية” سواءً أكانت تياراً فكرياً جديداً أم نهجاً سياسياً ديماغوجيا “البزنس مان” ارتبط بشخص ترامب نفسه وسُجّل “ماركة تجارية: باسمه؟ ما هي خصائصها وسماتها في منحى السياسة الأمريكية وانعكاساتها عالمياً، لاسيّما مستقبل العلاقات الدولية.

– ” المصلحة التجارية ” او سياسة “البزنس مان”: و يمثّل جوهر “الترامبية” فكراً وممارسة، لأنها تقوم على فلسفة توظيف السياسة في خدمة المصالح التجارية وهو لم يتصرّف أكثر من كونه “رجل أعمال” ,وقد كرس بسلوكه “السياسي التجاري” شوطاً بعيداً الى حدّ التطرّف بإخضاع السياسة والعلاقات الدولية  لاعتباراته التجارية.

– إضعاف مراكز القوة في القرار السياسي الامريكي -وزارة الخارجية ووزارة الدفاع “البنتاغون” – ومراكز القوة الأخرى المؤثرة في السياسة الامريكية.

– إملاء الإرادة على الحلفاء والاصدقاء الإقليميين والدوليين وفقا للمصالح الاقتصادية الامريكية العليا وبلغة القوة العسكرية والاقتصادية.

– التفرّد في منهجية وسياسة القطب الأوحد للسياسة الخارجية الامريكية والعلاقات الدولية، حيث ازدادت واشنطن في التدخل بشكل مباشر في اختيار قيادات المنظمات والهيئات الدولية، من خلال تصرّفات فجّة ومنفّرة للدبلوماسية الدولية ,في الوقت الذي عبر المجتمع الدولي عن ذلك بعدم ثقته بالسياسة الخارجية الامريكية والتزاماتها الدولية وبخصوص العديد من الاتفاقات والمعاهدات الدولية المبرمة (الاتفاق حول الملف النووي مع ايران ,اتفاقية الشراكة التجارية الدولية عبر المحيط الهادي ,اتفاقية باريس للمناخ , الانسحاب من اليونسكو ومجلس حقوق الانسان ,تجميد المبالغ المخصصة للأونروا…الخ).

– صناعة الفوضى المجتمعية في دول العالم (ذريعتي النصرة و داعش)، وتفتيت الدول والبلدان وهتك سيادتها وفرض الحصارات والعقوبات الاقتصادية عليها , وإضعاف الثقة بميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي والاتفاقيات والمعاهدات الدولية بما يزعزع أركان النظام الدولي ويشيع جواً من التوتر وعدم الاستقرار.

–  التهديد بالقوة وسياسة الابتزاز اللاقانونية واللاأخلاقية للعديد من دول العالم للتأثير على سياساتها الدولية وابتزازها من خلال هيمنة الشركات الكبرى والسيطرة على الموارد وفرض العقوبات الاقتصادية.

 النهج: المنفعية والذرائعية، بنفي حق الشعوب بتقرير مصيرها واستقلالها , القضية الفلسطينية وإعلان ترامب حول سيادة “إسرائيل” على الجولان السوري المحتل ,على خلاف وتعارض مع قرارات الشرعية الدولية,

بينما الاسلوب: إدارة وافتعال الازمات والخلافات بين الدول المتجاورة لإدامة النزاعات بينها وصناعة ” أعداء وهميين” لها على حساب العدو الرئيسي ,

ودعم التيارات الأصولية المتطرفة والانفصالية داخل المجتمعات ذات السيادة الكاملة.

أسباب صعود الظاهرة الترامبية والردة الأصولية عموما:

هذه الظاهرة هي جزء من حركة تغيَّر اجتماعي –اقتصادي عالمي ,بدأت ببطء منذ تسعينات القرن الماضي وليزداد تسارعها بعد الأزمة المالية العالمية 2008-2009، وصولا إلى يومنا هذا.

بعد انهيار كتلة الاتحاد السوفييتي في تسعينات القرن الماضي، وضعت الولايات المتحدة استراتيجية لملء الفراغ الحاصل من خلال اقتصاد السوق الحر؛ فاطلقت مشاريع وطروحات النظام العالمي الجديد تحت مسميات “تحرير التجارة الدولية”، والتي تعني فتح الحدود الدولية أمام حركة الأموال والاستثمارات، وتقليص الحمايات الجمركية على المنتجات الوطنية، ومنح حماية دولية للشركات العابرة للقارات تتجاوز في كثير من الأحيان القوانين السيادية للدول؛ فهذه الاتفاقيات التجارية كانت بالواقع توسيع لنظام النيوليبرالية الاقتصادية على مستوى عالمي ,فاصبح الصراع منذ التسعينات يتصاعد ما بين الاستراتيجية الأمريكية الغربية، وما بين الاقتصاديات الصاعدة بقيادة التنين الاسيوي، ولاحقا دخول روسيا على الخط في وقت ليس ببعيد, وتوسع آفاق هذا الصراع أكثر فاكثر.

لقد ساهم هذا التغيير الكبير في المنظومة الدولية في تعزيز نوع من الفوضى بدأت تسود العالم مع بداية الألفية الثالثة، فوضى في الرؤية والتفاعل والصراع الدولي والشعبي؛ هذه الفوضى استشعرتها “المجسات” الأمريكية مع حرب العراق في العام 2003، لكنها افترضت أنها محدودة في الشرق الأوسط ووسط آسيا، فأطلقت كوندليزا رايس مصطلح “الفوضى الخلاقة”، مشيرة به إلى الشرق الأوسط بشكل أساسي، لكن ما أثبتته الأزمة المالية العالمية وصعود اليمين المتطرف الغربي للسلطة، ووصول ترامب للبيت الأبيض، وصعود الإسلامية السياسية والإسلامية المتطرفة , أن الفوضى بالواقع تعم العالم كله تقريبا.

إن صعود ترامب وتأسيس الظاهرة الترامبية كأقوى تعبير عن صعود اليمين الغربي المتطرف ,وإلى حد ما صعود الإسلامية السياسية المتطرفة ، يعود أساسا للفوضى الهدامة التي نتجت عن الفراغ الحاصل مع سقوط معسكر الاتحاد السوفييتي، وعن التسرع الغربي في تأسيس ما يسمى النظام العالمي الجديد منذ نهاية التسعينات،

اذا ,الظاهرة الترامبية هي نتيجة لما سبقها من دوافع وتفاعلات اجتماعية –اقتصادية عالمية وحركة تاريخية فوضوية تفاقمت بعد سقوط السوفييت، وبسبب تهافت النظم الغربية على اقتسام تركة السوفييت بتسارع غير محسوب النتائج؛ و بسبب حجم القوة والمال والإعلام الواقع تحت يد ترامب و” ظاهرته”، فإن ذلك شكل دفعا خطيرا جدا لكل حركات الردة الأصولية حول العالم، سواء تعاطفت معها هذه الظاهرة او دعمتها ,مثل اليمين الأوروبي المتطرف  وحركات “الإسلام السياسي” المتطرفة بكل أشكالها والوانها.

ان الظاهرة الترامبية هي التعبير الأقوى عن حركة الردة الأصولية المتطرفة والتي تجتاح العالم الغربي وبقية العوالم الأخرى، وهي حركة تاريخية قد تؤدي لنتائج أخطر من المتوقع ولن يستطيع السياسيون والإعلام والنخب الثقافية التقليدية مواجهتها دون التحرر من منهجيات العمل المستمرة منذ القرن الماضي.

لعل الخلاصة حول شخصية ترامب، تأتي ضمن الدراسة المطولة التي أصدرها معهد الشؤون الخارجية الملكي في بريطانيا (شاذام هاوس) في بداية العام 2017، ويحاول من خلالها عدد من باحثي المعهد توقع ما سيحصل من تغييرات مع ترامب، فمن ضمن البحث كان توصيفا مقتضبا لشخصية ترامب، حيث وصفوه من الناحية الشخصية بأنه: “متهور، غير قابل للتنبؤ، متناقض، ولا يتقبل النقد أو التجريح “.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق