القضية الفلسطينيةدراسات

معركة الكرامة 21 مارس 1968 كما تعكسها الوثائق البريطانية …

مركز الزيتونة | د. محسن صالح 

ملخص:

تعدُّ معركة الكرامة (21 آذار/ مارس 1968) أحد المفاصل التاريخية لحركة المقاومة الفلسطينية وللتاريخ الفلسطيني المعاصر. إذ شكلت نقلة نوعية للعمل الفدائي الفلسطيني الذي بدأ يعيش عصره الذهبي في الأردن. كما كانت إيذاناً بسيطرة حركة فتح على العمل الوطني الفلسطيني، وعلى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

ويحاول هذا المقال إلقاء أضواء جديدة على هذه المعركة من خلال دراسة الوثائق البريطانية غير المنشورة المتعلقة بالمعركة، التي سُمح بالاطلاع عليها منذ سنة 1998، والمحفوظة في مركز السجل العام Public Record Office، أو ما صار يعرف لاحقاً بالأرشيف الوطني National Archives The في لندن.

وقد كان من الواضح أن تصاعد العمل الفدائي المنطلق من قواعد له في غور الأردن قد دفع الكيان الإسرائيلي إلى القيام بهجوم واسع لتدميرها خصوصاً في منطقة الكرامة. غير أن صمود الفدائيين والجيش الأردني وما بذلوه من تضحيات، قد أدى إلى نتائج معاكسة تماماً لخطط الإسرائيليين. إذ وقعت خسائر كبيرة نسبياً في القوات الإسرائيلية، وانكسرت أسطورتها بأنها تملك جيشاً لا يقهر. كما أدت إلى تصاعد شعبية العمل الفدائي ونفوذه خصوصاً في الأردن. وجعلت الكيان الإسرائيلي في حالة من الحيرة، إذ إن هجماته تزيد العمل الفدائي قوة وشعبية، كما أن سكوته يعطي هذا العمل فرصة للتوسع والتمدد.

مقدمة:

تكتسب معركة الكرامة التي وقعت في 21 آذار/ مارس 1968 أهمية كبيرة في التاريخ الفلسطيني المعاصر. إذ تعدُّ نقطة تحوّل باتجاه سيطرة العمل الفدائي الفلسطيني—وخصوصاً حركة فتح—على الساحة السياسية الفلسطينية وعلى منظمة التحرير الفلسطينية. وقد أدت إلى ترسيخ الوجود الفدائي شرقي الأردن وأعطته زخماً شعبياً كبيراً فلسطينياً وعربياً. كما أسهمت في تكريس خيار “حرب العصابات” و”حرب التحرير الشعبية” ضدّ الكيان الصهيوني، بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب حزيران/ يونيو 1967 واحتلال الصهاينة للضفة العربية وقطاع غزة والجولان وسيناء.

ويحاول هذا المقال دراسة معركة الكرامة كما تعكسها الوثائق البريطانية غير المنشورة المحفوظة في “مركز السجل العام البريطاني Public Record Office” أو ما صار يعرف لاحقاً بالأرشيف الوطني National Archives The في لندن؛ والتي سُمح بالاطلاع عليها منذ سنة 1998. ويُدرك كاتب هذه السطور كثرة ما كتب عن هذه المعركة في المصادر العربية وغيرها، غير أنه يحاول أن يلقي أضواء جديدة من خلال دراسة تلك الوثائق، وهو بُعد يراه مهماً في استكمال الصورة المتعلقة بتلك المعركة ونتائجها. ولذلك فإن محور الدراسة والمعلومات هنا هي الوثائق البريطانية، ويتم اللجوء إلى المصادر الأخرى على سبيل التوضيح أو المقارنة، واستكمالاً للبنية العامة للمقال. وستستفيد هذه الدراسة بالذات من تقارير وبرقيات ورسائل سفراء بريطانيا في عمَّان وتل أبيب إلى الخارجية البريطانية، بالإضافة إلى تقريري الملحقيْن العسكريين البريطانيين في البلدين، فضلاً عن مراسلات أخرى من بيروت وواشنطن، وردود الخارجية البريطانية وتوجيهاتها لسفرائها.

أولاً: الظروف التي أدت إلى المعركة:

أدت حرب الأيام الستة في حزيران/ يونيو 1967 بين العرب والكيان الإسرائيلي إلى كارثة كبيرة. فقد مُنيت الجيوش العربية المصرية والأردنية والسورية بهزيمة ثقيلة، واحتل الكيان الإسرائيلي بسرعة خاطفة الضفة الغربية التي كانت تحكمها الأردن (5878 كم2)، وقطاع غزة الواقع تحت الإدارة المصرية (363 كم2)، وبذلك استكمل احتلال باقي فلسطين وفق حدودها الحديثة التي وضعت في أثناء الاستعمار البريطاني. كما احتلت شبه جزيرة سيناء المصرية (61198 كم2)، والجولان السورية (1150 كم2). كما أدت الحرب إلى تشريد 330 ألف فلسطيني انتقل أغلبهم إلى شرقي الأردن. [1]

لقد كانت حرب 1967 صدمة كبيرة للشعب الفلسطيني والشعوب العربية التي انتظرت بفارغ الصبر طوال 19 عاماً (منذ 1948) ما كانت تَعِدُ به الأنظمة العربية من القضاء على الكيان الإسرائيلي. ولذلك أضعفت هذه الحرب الثقة بالأنظمة وجيوشها، وسعى الفلسطينيون إلى أخذ زمام المبادرة بأيديهم، وعدم انتظار تحقّق شعارات “الوحدة طريق التحرير” و”قومية المعركة” التي كانت سائدة من قبل، فضلاً عن انحسار الآمال تجاه جمال عبد الناصر لتحقيق الوحدة والتحرير. وتكرست بشكل أكبر الهوية الوطنية الفلسطينية، وتطلعت الأنظار إلى المنظمات الفدائية الفلسطينية كبديل أفضل.

وقد قامت حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” بإعادة ترتيب صفوفها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأعلنت انطلاقتها الثانية في 28 آب/ أغسطس 1967 في بيانها الخامس والسبعين. [2] وحسب مصادر فتح نفسها قام مقاتلوها خلال الفترة المتبقية من عام 1967 بـ 79 عملية عسكرية، أدت إلى قتل وجرح 218 صهيونياً. [3] وقد أصبحت فتح—في تلك الفترة—العمود الفقري للمقاومة في الوقت الذي أخذت تتشكل فيه منظمات فدائية أخرى شاركت بدرجات متفاوتة في عمليات المقاومة.

ويظهر أن رؤية الفدائيين في الأشهر الأولى التي تلت الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع كانت مبنية على إمكانية إنشاء “القواعد الارتكازية” الثابتة والمتحركة في الأرض المحتلة سعياً إلى إيجاد مناطق محررة تكون منطلقاً لإزالة الوجود الإسرائيلي، وهي رؤية حاولت أن تستفيد من تجربة الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939 التي نجحت في السيطرة على الريف الفلسطيني والمناطق الجبلية فترة من الزمن. وقد دفع الفدائيون بنحو ألفٍ من عناصرهم إلى الضفة والقطاع ليقوموا ببناء التنظيم السري والقواعد الارتكازية، وكان على رأسهم زعيم فتح ياسر عرفات الذي تولى إعادة تنظيم المقاومة في الضفة الغربية بنفسه. [4] ولكن يبدو أن هذه المحاولة لم تنجح في إنشاء أيٍّ من القواعد الثابتة، بالرغم من الجهود المضنية التي بذلها الفدائيون، إذ إن الإجراءات العسكرية والأمنية الصهيونية العنيفة أدت إلى مطاردة مئات الفدائيين، واستشهد ما يزيد عن ستين فدائياً، واعتقل ألفٌ آخرون. وقد أدى هذا إلى توجه الفدائيين إلى إقامة القواعد الثابتة في الضفة الشرقية لنهر الأردن. [5] وأخذت القواعد السرية القليلة التي كانت موجودة شرقي غور الأردن تبرز إلى العلن في مطلع 1968، في الوقت الذي أخذ فيه كثير من الفدائيين المطاردين في الضفة الغربية بالانتقال إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن. وقد أدخل ذلك العلاقة بين الأردن والفدائيين في مرحلة جديدة، كما لفت أنظار الكيان الإسرائيلي لضرب القواعد الفدائية في شرقي الأردن مما صعَّد من احتمالات المواجهة مع الجيش الأردني، والقيام بهجمات انتقامية ضدّ مدن الأردن وقراه، وضدّ بنيته التحتية والاقتصادية.

وقد لاحظ تقريرٌ للمخابرات العسكرية البريطانية في الشرق الأدنى أنه منذ حرب 1967 حدثت زيادة كبيرة في أنشطة الفدائيين وفي عدد منظماتهم. وأشار إلى أن معظم العمليات الفدائية كانت تتم قبل الحرب من قطاع غزة وسورية، ويمرُّ الفدائيون أحياناً من لبنان أو الأردن، ولكن كل العمليات ضدّ “إسرائيل” بعد الحرب تمت عبر الأردن، ونتيجة لذلك كانت معظم انتقامات الإسرائيليين موجهة ضدّ الأردن. [6]

ويؤكد تقرير السفير البريطاني في تل أبيب هادو R.M. Hadow الذي بعثه إلى الخارجية البريطانية حول معركة الكرامة، أن مجموعات فتح حصرت عملها—في الثلاثة أو أربعة أشهر الأولى التي تلت حرب حزيران/ يونيو 1967—إلى حدّ كبير في الضفة الغربية. حيث سعى الفدائيون (وهو عادة يستخدم لفظة إرهابيين أو مخربين في الإشارة إلى الفدائيين) لتطوير مقاومة فلسطينية تربك بشكل جاد الحكومة الإسرائيلية. وقال إنهم لم ينجحوا في جهودهم، ورأى أن سبب ذلك يعود بشكل جزئي للإجراءات الإسرائيلية المضادة الفعالة، أما السبب الأكبر فيعود—حسب رأيه—إلى أن الفدائيين فشلوا في اجتذاب الدعم الشعبي الذي أَمِلُوا في تحقيقه. وأضاف أنه مع نهاية عام 1967 “قَبِلَ الإرهابيون بالهزيمة في الضفة الغربية، ورجعوا إلى شرق الأردن، حيث يقومون بأعمال تخريب ضدّ إسرائيل… خصوصاً في منطقة بيسان، ثم وبشكل أقل في مناطق وادي عربة بين البحر الميت وإيلات”. [7] ولسنا بصدد مناقشة رأي هادو في أن الفدائيين فشلوا في اجتذاب الدعم الشعبي، وافتقار رأيه هذا إلى الموضوعية؛ ولكننا نلاحظ أن كلا المصادر العربية والبريطانية تتفق على أن محور تركيز العمل الفدائي في الأشهر الأولى التي تلت حرب 1967 كان الضفة الغربية والقطاع، وأن هذا المحور قد اتخذ من الأردن قاعدة ارتكاز علنية منذ مطلع 1968، وأن الأردن كانت—في كلا الفترتين—مركز العبور الأساسي للداخل الفلسطيني.

وبينما كان الكيان الإسرائيلي يطارد العمل الفدائي في الضفة الغربية والقطاع فإنه كان ينظر بقلق إلى نمو وتجذّر قواعد الفدائيين في شرقي الأردن، وإلى الدعم الشعبي الذي يلقاه، بل وتغاضي أو دعم عناصر من الجيش الأردني للفدائيين، فضلاً عن دعم وحدات الجيش العراقي المتمركزة في الأردن. وقد أشار هادو في تقريره إلى أنه قد تجمعت لدى الإسرائيليين معلومات عن “إنشاء قوة إرهابية كبيرة في شرق الأردن، وعن تواطئ سريٍّ فعال معها، من قِبَل الجيش الأردني، على الأقل على مستوى الرتب الأدنى”. [8] وقد أشارت برقيتان من السفارة البريطانية في تل أبيب إلى الخارجية البريطانية في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 1967 إلى سعادة الإسرائيليين بالقضاء على ما أسموه “عصابة فتح في القدس” حيث تم القبض على 24 فدائياً، وأن التحقيقات معهم تُظهر أنهم تلقوا مساعدات من الجيش الأردني في أخذ معداتهم إلى نهر الأردن إعداداً لاجتيازه نحو الضفة الغربية. وتضيف أن الإسرائيليين يزعمون أن الفدائيين الذين نفذوا عملية 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1967 استفادوا من غطاء ناري أردني في أثناء انسحابهم إلى شرق الأردن. [9] كما أشارت برقية أخرى في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967 إلى تمكّن السلطات الإسرائيلية من القبض على “قائد فتح” فيصل الحسيني الذي كان قد تسلّل قبل ثلاثة أسابيع إلى القدس. [10] كما ذكرت إحدى الوثائق نقلاً عن “راديو إسرائيل” أن موشيه كشتى Moshe Kashti، مدير وزارة الدفاع الإسرائيلية، أعلن في 4 كانون الأول/ ديسمبر 1967 أنه منذ حرب الأيام الستة (حزيران/ يونيو 1967) فإن قوات الأمن الإسرائيلية قبضت على 300 فدائي وقتلت 60 آخرين. [11]

وأضاف هادو في تقريره أن صفوف ما أسماه “الإرهابيين” استوعبت أعداداً كبيرة من الشباب الفلسطيني من البلاد العربية الذين تدربوا في سورية ومصر والجزائر، وممن تلقوا تعليماً عالياً، ودوافعهم أيديولوجية بشكل أكبر مما أسماه “طراز المرتزقة القديم”. وقال إنَّ الإسرائيليين يدّعون أن هؤلاء مسلحون تسليحاً جيداً، ويلبسون ملابس التمويه الحربية، ويظهرون بشكل علني في عمَّان وغيرها. وأنهم لم يعودوا يستخدمون الأردن فقط كممر للهجوم على “إسرائيل” أو كملجأ أو مكان للراحة بعد العمليات. فلقد نقلوا ثقل منظمتهم الرئيسي إلى وادي الأردن، وأنشأوا قواعد ومراكز للتدريب، كما يُعتقد أن قيادتهم موجودة هناك. وقال إن الجيش الأردني لم يقنع بتوفير تغطية نارية للفدائيين ليساعدهم على العودة بعد اكتمال مهامهم، وإنما ظهر أنه يقصف المستعمرات الحدودية وخصوصاً منطقة بيسان. [12]

ويحاول السفير البريطاني في عمّان توضيح مسألة التعاون بين الفدائيين والجيش الأردني في تلك الفترة، فيؤكد أن دعم الجيش الأردني للفدائيين هو أقل بكثير من ذلك الذي تزودهم به وحدات الجيش العراقي المتواجدة في الأردن، وأنه يُعتقد بشكل عام أنه غير مقبول وسط الضباط من رتبة عقيد فأعلى، وأنه في كل الأحوال مخالف لأوامر الملك حسين والقيادة العامة. ولكن الضباط الصغار عُرفوا بتقديمهم المساعدة على شكل استخدام سيارات الإسعاف ووسائل المواصلات باتجاه طريق الشمال – الجنوب في وادي الأردن، وعلى شكل مرافقة الفدائيين. أما ما وراء هذا الطريق (غرباً) فإن الفدائيين يعملون بأنفسهم، ويوفر الجيش الأردني أحياناً مواصلات وسيارات إسعاف لاستقبال الفدائيين العائدين، كما يوفر عادة تغطية نارية للمجموعة المنسحبة.[13] وقد أكد مشهور حديثة الجازي، قائد الفرقة الأردنية التي كانت ترابط في منطقة الغور، أنه كان من سياسته دعم العناصر الفدائية، بل والمبادرة أحياناً بقصف المواقع الإسرائيلية في الضفة الأخرى من النهر [14]

تابع قراءة الدراسة كاملة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق