الفكردراسات

الديمقراطية والشورى

النموذج الإسلامي للديمقراطية

د.شريف البوشي | أستاذ القانون العام في جامعة أسيوط

لقد عانت البشرية من الاستبداد وانتهت بعد مسيرتها الطويلة وهي تبحث عن نظام الحكم الملائم إلى الأخذ بمبادئ عدة، أهمها “مبدأ الشورى” الذي رأت فيه أساساً لا غني عنه من أسس الحكم وأسماه الغرب “المبدأ الديمقراطي”، وفيه يحكم الشعب نفسه بنفسه، فتكون الأمور مردها في النهاية إليه، يقول فيها كلمته ويفرضها على الحكام، فيكون – الشعب – صاحب السيادة ومصدر السلطات وتعلو إرادته على إرادة الحكام، فهم عندما يحكمون إنما يحكمون باسمه ويؤدون في النهاية الحساب إليه، فالهدف الأساسي “للديمقراطية الغربية” هو حماية الشعب من تسلط الحكام.

وقد مرت الديمقراطية بمراحل متباينة بدءاَ من ديمقراطية أثينا إلى الديمقراطية البرجوازية لتستقر تحت اسم الديمقراطية السياسية فالاجتماعية، والتي تستدعي القيام بالتنشئة الديمقراطية ودعم المبادرة الشعبية وتحقيق قدر مناسب من العدالة الاجتماعية تمكن الجماهير من ممارسة دورها في دعم التطور الديمقراطي للمجتمع، مما يساهم في تجسيد مبدأ حكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه.

وللديمقراطية تاريخ طويل ومتجدد، ففي ظل ظروف محلية وإقليمية ودولية مغايرة جذريا مع الأصل التاريخي لنشأتها، يعود الحديث والاهتمام بالديمقراطية بمعناها الواسع والمتمثل في مشاركة الشعب في اتخاذ القرار ومراقبة تنفيذه والمحاسبة على نتائجه، مما يعني أنها مجرد صيغة ومنهج لإدارة الصراع في المجتمع بالوسائل السلمية من خلال الاحتكام إلى قواعد وأسس متفق عليها سلفاً بين جميع الأطراف تضمن تداول السلطة بين الجميع على أساس انتخابات دورية حرة ونزيهة[41].

وما سبق يؤكد أن الديمقراطية ليست نظام شامل أو عقيدة أيدلوجية ثابتة، وإنما هي مجرد منهج وآلية ارتضتها الشعوب والمجتمعات بعد تجارب مريرة من الاستبداد والطغيان تمكنهم من ضبط السلطة القائمة وكبح جماحها[42].

وفي هذا الصدد يجب التفرقة بين الشورى كأساس لفن الحكم، والشورى كأساس من أسس الحكم في الإسلام، حيث تواجه – الشورى – الحاكم وقد استقر في منصبه وقد اخذ يتهيأ للحكم، فنقول له كيف يحكم؟، وكيف يتصرف؟، وكيف يقود؟، أياً كانت نصوص الدستوري الذي يحكم البلاد، وأياً كان حجم السلطات الممنوحة له، لأن – الشورى كفن من فنون الحكم – تقوده في ممارسة سلطات واختصاصات جعل له فيها الدستور الكلمة الأخيرة، وأصبح في وسعه أن يمارسها كما يريد، متحملاً في النهاية نتيجة قراره.

أما الشورى كأساس من أسس الحكم في الإسلام، فنجد أنها كفلت للشعب أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة في شئون الحكم، يخضع لمشيئته الحكام جميعاً، ويلتزمون بتنفيذ إرادته، وهو وحده الذي يقيم في الدستور المجلس النيابي الذي ينوب عنه في وضع القوانين المنظمة للمجتمع في شتي جوانبها لقلة من البشر أو لفئة من البشر يعينهم الحاكم بإرادته ويعزلهم بإرادته، فلا يختار منهم من يعارضه في الرأي أو يناقشه في الحساب[43].

فهي بهذا المضمون علاج لمشكلة الاستبداد السياسي وآلية من آليات إقامة دولة المشروعية الدستورية والحرية السياسية، وهي النتيجة التي تجعل من الشورى العلاج الناجح للاستبداد السياسي، لذلك يقول “الكواكبي” بعد دراسته لطبائع الاستبداد: “وقد تمحص عندي أن أصل الداء الاستبداد السياسي، ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية”[44].

ومع أهمية النظام الديمقراطي تكون الحاجة ماسة إلى تعميق التجربة الديمقراطية، لكي تسهل من التقريب بين عملية صنع القرار السياسي، وللديمقراطية الغربية مقومات أساسية لن تتحقق بدونها نجملها في الآتي[45]:

– إقرار مبدأ سيادة القانون، وقيام دولة المؤسسات، واعتماد مبدأ استقلال القضاء.

– الاعتراف بالحقوق والحريات العامة وحمايتها.

– الفصل بين السلطات.

– الاعتماد على مبدأ الانتخاب كأساس لتداول السلطة.

– وجود آليات ومؤسسات فعلية تضمن تمثيل الإرادة العامة للشعب، وتضمن للحقوق والحريات العامة فعاليتها.

وفي الفقه السياسي الإسلامي يلاحظ سبق النظام السياسي الإسلامي في تقرير كل هذه المقومات، مما يعني أن النظام السياسي الإسلامي قد أرسى هذه القواعد قبل أن يعرفها الغرب بقرون من الزمان.

فضلا عن ذلك فإن النظام السياسي الإسلامي يتميز بأصل هام وهـو “سيادة الشريعة” أو مبدأ “الشريعة الإسلامية” وكثير من الدساتير العصرية تشير إلى مبدأ “سيادة القانون”، كما يتغنى بـه كثيرون ممـن تستهويهم الشعارات الحديثة، وقد يظن البعض أن “سيادة الشريعة” لا تتجاوز ما تعرفه النظم العصرية باسم سيادة القانون أو مبدأ الشرعية الوضعية، ولكن مبدأ الشريعة الإسلامية هو نتيجة حتمية للطابع الإلهي للشريعة والمصادر الإلهية لها قواعدها الأساسية[46].

صحيح أن الإسلام لم يحدد صورة معينة من صور الحكم، إلَّا أن الأحكام العامة التي وردت في الشريعة الغراء بشأن التنظيم السياسي، وما أقرته الدولة الإسلامية الأولي من مبادئ سامية وضوابط عادلة وأسس في منتهي المثالية خاصة بأمور الحكم، تؤكد أن المجتمع الإسلامي قد تضمن شتي الأسس التي تقام عليها الديمقراطية المعاصرة، بل زادت عليها في الفحوى والمضمون.

ومن هذه الأسس موافقة الأمة على الخليفة أو الحاكم، ومساهمة الإرادة الشعبية في إدارة شئون الحكم، وخضوع الحكام والمحكومين لأحكام الشرع الإسلامي، وتطبيق مبادئ العدالة والشورى والمساواة والتكافل الاجتماعي[47].

وفيما يتقرر بمبدأ اختيار الحاكم ومراقبته وعزله، نجد أن النظام الإسلامي في هذا الجانب كان له فضل السبق فيه، لأن الأمة هي صاحبة السلطة الأصلية في الدولة باعتبارها مصدر السلطات، تفوض الخليفة في ممارستها نيابة عنها، وهو مسئول أمامها، فليس للحاكم في الإسلام سلطة معصومة بل هو بشر يعدل ويجور، ومن حق الأمة أن يسددوه إذا أخطأ، ويقوموه إذا اعوج، وعلى هذا يعتبر نظام “الشورى” وسيلة لتداول السلطة وممارستها ومراقبتها في إطار مبادئ الشريعة الإسلامية ومقاصدها[48].

والاستدلالات السابقة ما هي إلَّا جزء بسيط من أجزاء الشورى التي تُعد أوسع نطاقاً من ذلك وأعمق أصولاً، فالشورى هي أساس حماية الفرد في الجماعة التي تعطيه حقه الفطري في المشاركة في إصدار القرارات الجماعية، فالحرية والمشاركة في الرأي حق أساسي لجميع الأفراد – المكلفين منهم – ولهم الحق في ممارسته على قد المساواة، والمساواة لا يمكن أن يتمتع بها الجميع إلَّا بالعدالة، ومن ثمَّ فإن غاية الشورى هي “العدالة” التي تقيم توازناً عادلاً ودقيقاً بين حرية الفرد والجماعات من ناحية، وبين وجود سلطة عامة تفرض حدوداً وقيوداً على هذه الحريات، وهذا التوازن يقيمه الفكر الحر والحوار المتبادل والتشاور على أساس مبادئ ثابتة ومستقرة تنبع من عقيدة وشريعة تسمو على إرادة الجميع، وتهيمن على فكر الجماعة ونظامها، وبذلك تكون الشورى ميزاناً تمثل الحرية احدي كفتيه، والسلطة الديمقراطية هي الكفة المقابلة لها، وترتكز كلتاهما على محور شرعي ثابت مستقر من أصول الشريعة ومبادئها السامية.

وأول ما يجب تقريره لضمان هذا التوازن هو أن السلطات لا يمكن أن تفرض قيوداً أو حدوداً على الحريات إلَّا ما تقرره الأمة بالشورى الحرة التي يكون لكل مكلف أن يسهم فيها بحرية ومساواة كاملة بين الجميع.

فتقرير مبدأ الشورى أساساً لولاية السلطة الديمقراطية في الإسلام هو ضمانة لحقوق الإنسان وحرياته، وتقرير مبدأ الشورى في المجتمع معناه ضمان الإسلام للحريات والحقوق الإنسانية التي يشار إليها في فقهنا باسم “الحرمات”، فحرمة العقيدة والنفس والعقل والعرض والمال، وحماية هذه الحرمات تكريم للإنسان الذي نص عليه القرآن.

وبذلك المفهوم يكون هناك فارق بين الديمقراطية بالمنظور الغربي كعقيدة فلسفية تعطي عقل الأمة صلاحية التشريع المطلق، وبين الديمقراطية كمنهج في ممارسة السلطة سلمياً، فالشورى كنظام للحكم الإسلامي في مختلف المجالات الاجتهادية في حدود دائرة الفراغ التشريعي فيما لا نص فيه هي من قبيل الديمقراطية كمنهج للحكم، ففي المصطلحين – الشورى والديمقراطية – توافق بين جوهر المبدأين[49]، من حيث محاربة الحكام المتألهين والملوك المستبدين والظلمة الجبارين بمختلف الآليات والأساليب المقيدة لسلطة الحكام واحترام الحقوق والحريات، كالإقرار بمبدأ سيادة القانون والشريعة، وخضوع أعمال السلطة التنفيذية للمسألة والمحاسبة بما فيهم الحاكم، والرقابة القضائية، وكلها – وغيرها – ضمانات لابد منها لتحقيق العدل واحترام حقوق الإنسان والوقوف في وجه طغيان السلاطين العالين في الأرض[50].

أيضاً فإن الشورى بسبب جذورها الإسلامية وأصولها الشرعية نجدها محصنة عن تأثير الفلسفات الأوربية، بل يمكن تقديمها كعلاج للديمقراطية لأنها بسبب هذه الأصول تتوفر لها خصائص عقائدية وأخلاقية تجعل منها منهاجاً اجتماعياً شاملاً تكسب الديمقراطية المكملة لها محتوي تضامنياً يحصن نظام الحكم – النظام السياسي للدولة – من مساوئ الصراع على السلطة التي تميزت بها الديمقراطية، لذلك فإنه يمكن القول إن الشورى أسمي مراتب الديمقراطية[51].

ونظراً لأن النظام الإسلامي في أول عهده لم يعرف بعض آليات الديمقراطية الحديثة مثل إجراءات التصويت والانتخابات بصورها الحديثة، فإن هذا دعا بعض المستشرقين مثل المستشرق “مارجليوث” إلى القول إن هذه المصطلحات – يقصد الديمقراطية – لم تعرف في الشرق إلَّا حديثاً، متناسياً بذلك مبدأ هام وهو أن الأسماء لا تهم إذا وضحت المسميات، فلكل عصر وزمان مصطلحاته وتعبيراته اللُغوية والسياسية المتغيرة، لكن الأهم وجود المبدأ ذاته بغض النظر عن اسمه، فالمضمون أهم من الشكل، والجوهر أهم من المظهر.

فللحكم الديمقراطي حقائق وأشكال أو كما يقول أهل المنطق جوهر وعرض، أما الجوهر فهو نصوص الدساتير وقوانين الانتخاب وصناديق الاقتراع وما إليها، لأنه قد توجد في بعض النظم دساتير وقوانين انتخاب وصناديق اقتراع ولا ديمقراطية – أي لا حرية -، وقد تكون هناك ديمقراطية حرة بلا شيء من هذه الوسائل والآليات، لذلك فإن من ينظر إلى العرض ويترك الجوهر مدعياً أن مبايعة الخلفاء لم تجر وفقاً للقواعد الديمقراطية، فإنما يقصدون أنها لم تجر باقتراع في صناديق الاقتراع، وهذه النظرة بلا شك نظرة سطحية للأمور، وتقديم القشور على اللباب، فالمهم في الأمر هو حرية المبايعة وليست إجراءات صناديق وأوراق اقتراع[52].

وإن كان ذلك لا يمنع من الاستفادة من الثورة التنظيمية التي توصلت إليها النظم الديمقراطية الحديثة لعملية الانتخاب والترشح لها، وتشكيل المجالس النيابية وإدارة المناقشات الحرة فيها والتصويت، وما إلى ذلك من قواعد تنظمها اللوائح الداخلية لتلك المجالس، فضلاً عن إجراءات الاستفتاء الشعبي، وتمكين الناخبين مـن الإجابة عن الأسئلة المطروحة للاستفتاء، خاصة أن تعطيل تطبيق الشورى في المجال السياسي قد حرم الشعوب من ممارسة كل هذه الحقوق[53].

ولعل أنصع دليل على ما سبق ما حدث في يوم السقيفة، ومبايعة الخليفة الأول “أبو بكر الصديق” رضي الله عنه عقب وفاة النبي صلي الله عليه وسلم مباشرة، إذ أسفر هذا الاجتماع عن عدة قرارات ذات صفة تشريعية دستورية، وأخري ذات صفة سياسية[54]، وإن لم تستوفي هذه البيعة أو الانتخاب الإجراءات الشكلية التي تنبع من الديمقراطيات المعاصرة من الترشح والانتخاب وصناديق الاقتراع، إذ الأهم من هذه المسميات النتائج المترتبة على هذا الإجراء “الديمقراطي” والتي نذكر منها:

– إن أمور المسلمين يجب أن تكون شورى بينهم بكل ما تستلزمه الشورى من حرية كاملة في إبداء الرأي ومناقشة الآراء الأخرى، والمساواة بين جميع أفراد المجتمع في ممارستهم لحق الشورى وتمتعهم به، بما يستوجب ذلك من حرية الرأي والحق في المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالشئون العامة.

– إن تعيين ولي الأمر أو الحاكم هو أحد الموضوعات التي يجب أن يتم التشاور بشأنها، مع وجوب الالتزام بالقرار الذي يصدر بعد الشورى، سواء صدر بالإجماع أو بالأغلبية، وهذا هو المبدأ الدستوري الأول الذي تقرر يوم السقيفة.

– إن اختيار الخليفة الأول “أبو بكر الصديق” رضي الله عنه ليكون أول رئيس للدولة الإسلامية بعد وفاة النبي صلي الله عليه وسلم مباشرة وبعد نقاش حر شارك فيه الجميع دون تعسف أو إقصاء ليعد من أهم القرارات السياسية الهامة التي اتخذت يوم السقيفة.

– إذا كان الذين اجتمعوا يوم السقيفة لم يكونوا كل أهل المدينة فإنهم كانوا أهل الحَـل والعقد، وكانوا كذلك أهل الاجتهاد باعتبارهم أكابر الصحابة مـن المهاجرين والأنصار، وهذا أيضاً بعد دستوري آخر هام، وهو نيابة أهل الحَـل والعقد عن الأمة في ممارسة الشورى في النطاق السياسي.

– من النتائج الدستورية الهامة والتي أرست قيم الشورى – الديمقراطية – قبل أن يعرفها العالم بقرون – بغض النظر عن مسمي الإجراء ذاته – البيعة للخليفة الأول ” أبو بكر الصديق ” رضي الله عنه في اليوم التالي من عموم المسلمين في مسجد الرسول صلي الله عليه وسلم في استفتاء شعبي كامل.

وبذلك تكون البيعة لأبي بكر رضي الله عنه قد تمت على مرحلتين، الأولي الترشح والانتخاب من أهل الحَـل والعقد، والمرحلة الثانية الاستفتاء الشعبي للموافقة على القرار الأول الصادر من أهل الحَـل والعقد، وكلاً من الإجراءين يُـعدا من قبيل الإجراءات الدستورية الراقية التي لم يعرفها العالم إلَّا حديثاً.

لذلك يمكن القول إنه وإن اشتركت آليات الديمقراطية والشورى معاً في النظم الوضعية الحديثة والنظام الدستوري الإسلامي فإن المبادئ التي اقرها النظام الإسلامي تتميز عنها فضلاً عن السبق الزمني، فهي تتميز عليها بمصدرها، وبسبب هذا التميز في المصدر نجد أن هذه المبادئ – ومنها مبدأ الشورى – تمتاز بفاعلية أقوي من فاعلية الديمقراطية في النظريات الحديثة، فالشورى أقوي فاعلية وأكثر عمقاً واتساعاً وشمولاً من الديمقراطية[55].

وإذا كان اختيار الخليفة الأول بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم بطريق الانتخاب الحر المباشر، نجد أن أبو بكر رضي الله عنه استخلف بعده الخليفة الثاني “عمر ابـن الخطاب” رضي الله عنه وبايعه الناس، لكن ومن المهم القول إن إسناد السلطة إلى “عمر ابن الخطاب” رضي الله عنه لم تكن نتيجة استخلاف أبو بكر له، ولكن إسناد السلطة جاء بعد البيعة، فترشيح أبو بكر الصديق لعمر بن الخطاب كي يخلفه إن لم يجد قبولاً من الصحابة رضوان الله عليهم لما اقروا له البيعة خاصة بما هو معروف عنهم من شجاعة في قول الحق وإنهم ما كانوا يخشون في الله لومة لائم، ومن ثمَّ فقد كان لديهم من القوة والشجاعة التي تجعلهم أن يرفضوا هذه الترشيح إن لم يجد لديهم قبـولاً، ولكـن لولا قـوة “عمر” وكفاءته والتي تؤهله لقيادة الأمة ما بايعوه، فهو لا يعدو أن يكون أكثر من ترشيح لاقي قبولاً فبايعوه.

في حين كان اختيار الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه مختلف تماماً عن سابقيه، إذ كان اختياره عن طريق ترشيح عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل وفاته لسبعة من الصحابة، من بينهم ابنه “عبد الله بن عمر” ولكن لم يكن له حق الترشح، ولكن حقه في التصويت فقط، ويختاروا – السبعة – واحداً منهم.

وهذا التنوع في طرق اختيار الحاكم لهو من عبقرية هذا الدين وسعته، فكل هذه الآليات لم تخرج عن الإطار العام الواجب الالتزام به – وهي الشورى المنضبطة بقواعد الشريعة – أي التي لا تصطدم بنص قطعي، ومن ثمَّ فلا يوجد أدني مشكلة في تنوع الأساليب.

فالآيات الدالة على الشورى لم تحدد أسلوباً معيناً للشورى واجب الإتباع، ولكن اكتفت بوضع المبدأ العام، ولم يثبت أن النبي صلي الله عليه وسلم قد حدد الجزئيات والتفصيلات الخاصة بهذا المبدأ، فلم يرد عنه صلي الله عليه وسلم أنه بيّن كيف تكون الشورى وكيف تقوم وكيف يكون نظامها، وهذا ما جعل الإسلام – لأنه خاتم الرسالات السماوية – صالحاً لكل زمان ومكان، فقد راعي في مبادئه التشريعية ما تقتضيه اختلاف البيئات وتباين الأزمنة من اختلاف وتباين في القواعد التي تحكم هذا المجال أو ذاك من مجالات الحياة البشرية.

ففي المجالات التي لا يتصور أن يختلف فيها الوضع باختلاف الأمم أو الزمان جاءت الأحكام فيها على درجة عالية من التفصيل، فعرضت للقواعد العامة والتفصيلية على السواء، وهذا شأن العبادات وأحكام الزواج والطلاق والمواريث.

أما المجالات التي من المتصور أن تختلف أوضاع الحياة باختلاف البيئات والأزمنة فإن الأحكام المنظمة لها قد اقتصرت على وضع المبادئ العامة والقواعد الأساسية تاركة التفصيلات لكل امة تضعها بما يلاءم وظيفتها، حتى تكون كل امة على امتداد الزمان كله – في سعة من أمرها تشرع وتفرع دون أن تحس بقدر من الضيق أو شيء من الحرج، وهذا شأن الأحكام الدستورية، والتي يندرج تحتها أحكام مبدأ الشورى، والتي يختلف أسلوب تطبيقها من بلد إلى بلد ومن عصر إلى عصر.

فالشورى من الأمور التي أمر الله تعالي بها كأصل عام في حين ترك تفاصيل تنظيمها للناس دون تحديد رحمة بهم غير نسيان، توسعة عليهم وتمكيناً لهم من اختيار ما يتاح للعقول وتدركه البشرية الناضجة، وما دام المقصود هو أصل المشورة والوصول بها إلى قوانين التنظيم العادل التي تجمع الأمـة ولا تفرقها والتي تعمر وتبني ولا تخرب ولا تهدم، ومن ثمَّ فإن الأمر في الوسيلة سهل وميسور[56].

وقبل أن نختم هذه العلاقة بين الشورى في النظام الإسلامي والديمقراطية في أنظمة الحكم الوضعية المعاصرة، فإنه من المهم الإشارة إلى أنه ليس هناك تناقض جِذري بين الشورى والديمقراطية الصحيحة، وإنما من الممكن إيجاد نوع من التكامل بينهما في ظل أن هدفهما في المجال السياسي، وهو تمكين الأمة من الحرية الكاملة في تقرير مصيرها واختيار حكامها وممارسة سلطانها عليهم بالتوجيه والمسألة والمحاسبة، وتمكين أفرادها من ممارسة حقوقهم الإنسانية الفطرية بحرية كاملة، لأنها هي أساس السلام والتقدم فـي المجتمع البشري[57].

فالمشترك بين الشورى والديمقراطية يسمح بإيجاد مثل هذه المساحة من التكامل بينهما، فعند تطبيقهما سوف نجد العديد مـن القواسم المشتركة بينهما، والذي نشير إليهما بإيجاز في الآتي:

– وجود قواعد مشتركة في النظم التي تطبق كلاً منهما، أهمها المبدأ الأساسي وهو حق الجماعة في تقرير مصيرها واتخاذ القرارات المصيرية بحرية كاملة.

– وجود مساحة معينة للاجتهاد في القواعد التفصيلية مما يفتح الباب للتنوع في النظم التي تطبق كلاً منهما.

– وجود مخاطر تهدد كلاً منهما نتيجة تعطيل بعض أحكامها أو الانحراف في تطبيقها بسبب فساد المجتمع أو سيطرة الأهواء والنزوات التي لا تهتم بالمصالح العليا للجماعة.

– حاجة كل النظم السياسية إلى مظلة من المبادئ العليا التي تكون سقفاً معروفاً مقدماً تقف عنده جميع السلطات البشرية، سواء بنيت على الشورى أو الديمقراطية.

ولكن وعلى الرغم من هذه القواسم المشتركة بين الشورى والديمقراطية الذي تجعل من الممكن وجود علاقة تكامل بينهما إلَّا إنه من الإنصاف أن نصف الشورى عند تكاملها مع الديمقراطية بأنها “ديمقراطية إسلامية”، وهذا ليس تغيير في المصطلح أو التسمية، لكنه تصحيح جوهري لصالح الديمقراطية ذاتها، لأنه تحصين لها من الانحراف عن مبادئ الأخلاق، ومن ثم كانت الشورى أعلي مراتب الديمقراطية.

لذلك نجد أن البعض من الفكر الإسلامي المعاصر لا يتحرج من وصف الدولة الإسلامية بأنها “دولة شورية تتوافق مع جوهر الديمقراطية”[58].

لقد جاء الإسلام بمبادئ سامية وأحكام نيرة ومثل عليا في شئون الحكم، إذا طبقتها الدول الإسلامية لوصلت إلى الديمقراطية “الإسلامية” الحقة التي تبهر الأبصار وتحظي بالتأييد والتي لا زالت حلماً يراود الشعوب والمجتمعات المعاصرة [59].

الهامش

[41]د. عبد الغفار شكر – المجتمع المدني ودوره في بناء الديمقراطية – طبعة 2003 – صفحة 20، 21.

[42]د. محمد مسلم – الهوية والعولمة – طبعة 2002 – صفحة 74.

[43] د. مصطفي أبو زيد فهمي – المرجع السابق – صفحة 318.

[44] عبد الرحمن الكواكبي – طبائع الاستبداد ومصارع العباد – دار النفائس – الطبعة الثالثة سنة 2006 – صفحة 30.

[45]د. عبد الغفار شكر – المرجع السابق – صفحة 23.

[46]د. توفيق الشاوي – المرجع السابق – صفحة 65.

[47]د. محمد سلام مدكور – المرجع السابق – صفحة 23.

[48] د. منير حميد البياتي – النظام السياسي الإسلامي مقارنا بالدولة القانونية “دراسة دستورية وشرعية وقانونية مقارنة” – الطبعة الأولى سنة 2003 – صفحة 317.

[49]د. داود الباز – الشورى والديمقراطية النيابية “دراسة تحليلية لجوهر النظام النيابي مقارنا بالشريعة الإسلامية” – دار الفكر الجامعي – الإسكندرية – طبعة 2004 – صفحة 103.

[50]د. يوسف القرضاوي – من فقه الدولة في الإسلام – صفحة 132.

[51]د. توفيق الشاوي – المرجع السابق – صفحة 24.

[52] الأستاذ عباس محمود العقاد – الديمقراطية في الإسلام – صفحة 52.

[53] د. توفيق الشاوي – المرجع السابق – صفحة 24.

[54]د. توفيق الشاوي – المرجع السابق – صفحة 50.

[55]د. توفيق الشاوي – المرجع السابق – صفحة 129.

[56] فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت – المرجع السابق – صفحة 383.

[57] د. توفيق الشاوي – المرجع السابق – صفحة 16

[58]د. يوسف القرضاوي – الدين والسياسة – دار الشروق – الطبعة الأولي سنة 2007 – صفحة 171.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق