الفكرمقالاتملفات

 ثقافةُ الهامِش

عائشة بلحاج | العربي الجديد

يشغلُ موضوع الهامش الثقافي معظم الأحداث الثقافية التي تُشير إلى تحقّق كسر الهامش هيمنة المركز، إن كان الحدثُ في الهامش، وضرورة كسره إذا كان في المركز. يحدث هذا على الصّعيد الوطني لكل مشهد؛ وعلى المستوى العربي، إذا تعلّق الأمر بحدثٍ إقليمي، يُصرّح على هامشه “هذا هامش آخر مختلف”، إن المغرب، مثلًا، لا يلقى تقديرًا لثقافته، ومثقّفيه، من الشرق. وفي الشرق يُطرح الموضوع نفسه، إذا تعلق الأمر بدول غير التي عرفت بروزًا كبيرًا لثقافتها، وفي المغرب الكبير يُطرح الأمر بين دوله، فحُضور المغرب يختلفُ عن حضور موريتانيا، وهكذا، كلٌ يعتبر نفسه هامشًا لمركز ما، يحتاج للإنصاف ممن؟ لا أحد لديه جواب أكيد، ومن لديه قرار تحويل الهامش إلى مركز أو العكس؟ لا جواب لذلك أيضًا، أو لا جواب حقيقيا بالأحرى.

مفهوما المركز والهامش أصلُهما سياسي، حاول من خلاله الباحثون تفسير الصّراع الاجتماعي بين المناطق والفئات؛ ويعني أنّه في مجتمع معين ذي مجموعاتٍ متعدّدة الثقافات والأعراق، تشكّل إحدى هذه المجموعات مركزًا يمارس سلطة ثقافية، وسياسية واجتماعية على باقي المجموعات التي تلعب دور الهامش. وعلى المستوى الاقتصادي، برز مصطلحا المركز والهامش، كمفهوم لنظرية تعمل على تفسير التّخلف، وتعتمدُ على فكرة وحدة الاقتصاد العالمي الذي يتكوّن من الدُّول الرأسمالية المتقدّمة التي تمثل مركز هذا الاقتصاد، والدول المتخلفة أو الدول النّامية، هي هامشُ أو محيط هذا الاقتصاد. إذا، فالمركزُ والهامش مصطلحان، يحيل أولهما إلى القوة، وحضور السّلطات بمختلف أصنافها، ويدل ثانيهما على الهشاشة والضعف، أو في بعض الأحيان على الغياب.

من الهامش إلى التّهميش كمفهوم سياسي اجتماعي، يتعمّدُ فيه المركز تهميش وإقصاء الوسط الجغرافي، أو الاجتماعي أو الاقتصادي، أو الثقافي، الأقل إنتاجًا، ووصمه بهذه الصّفة التي تصبح عامل إغراق أكبر في بئر الخصاص. في المغرب، تم التّقسيم، خلال الاستعمار، بين مغرب نافع ومغرب غير نافع، وورّث الاستعمار هذا التّهميش لمناطق شاسعة من البلاد، للإدارة المركزية التي واصلت عملية التّهميش، وكانت النتيجة تفاوتًا صارخًا بين مستويات العيش والتّنمية، والخلاصة: احتقانٌ اجتماعي كبير، نجمَت عنه حركاتٌ احتجاجيةٌ قوية، أبرزها في الحسيمة في الشمال الشرقي، وفي الجنوب في جرادة.
ولكن اللافت أنّ المدن الصّغيرة في الهوامش تُقبل على الثقافة أكثر من المدن الكبيرة التي شغلت أهلها بالرّكض من أجل اليومي والعابر، لشدة الصّراع بشأن المكاسب التي تمكنّهم من عيشة أكثر رفاهية، لكن ليس أكثر هناء، بينما أهلُ المدن الصغيرة ما زالوا ينظّمون فعاليات ثقافية مستمرة، يحضرونها بكثافة، حتى لو كانت متواضعة القيمة، بينما كبار الكتاب في مدن المركز، لا يجدون من حضور لأنشطتهم، إلّا أقل من عشرة أو عشرين؛ حيث العلاقات هي أكثر جاذب للجمهور، عدا ذلك لا أحد مشغول بحضور ندوة أو أمسية، إلا بالطبع إن كان الأمر يتعلق بكاتب من المركز الإقليمي، كيوسف زيدان مثلًا.

هناك هوامش متعدّدة: هامش وطني وهامش محلي، هامش جغرافي وهامش زمني، هامش جنسي وهامش جيلي.. وإلى جانب ذلك، يبرزُ الهامش الدولي مصدر قلقٍ حقيقي، حينما تنتمي لدول على هامش التّنمية، وفي آخر ترتيب الدّول على كل المستويات، ما يؤثّر على إنتاجها للمعرفة، بحيث نصل إلى ظاهرة تدويل الثقافة التي استشفّها أتو بوير، ولكنّه ميز بين المضامين المادية المحكوم عليها بالتماثل، والمضامين الرّوحية التي تسير باتجاه التّمايز الدائم؛ فاندماجُ فكرة قادمة من الخارج في الثقافة الموجودة لأمّة ما يعني اندماجها في كل تاريخ هذه الأمّة، بمعنى أن دخول فكرة جديدة إلى ثقافة قومية أُمّ، يعني المشاركة في تحديدها من هذه الأخيرة، ولكن ليست هناك ثقافة عالمية برأيه، إنّما هناك قوى متغيّرة، وصراع عالمي بين الهوّيات الثقافية من أجل وجودها.

الهامش مسألةٌ ذهنية، تفترضُ وجود سياقٍ مساعدٍ على التّنمية الثقافية، وهاجس جمعي يتصوّر الثقافي مجموع نتاج معرفي، تُقدّمه ثقافة منطقة جغرافية، بينما المعرفة التي تحقق فارقًا في حياة منتجها والآخرين هي منتوج فردي. صحيح أنّه تحقّق بمجهود تراكمي، وباستهلاكه ما أُنتج قبله من معرفة، لكنه يُقدم بشكل فردي من شخصٍ امتلك دوافع داخلية تتعلّق به هو، لا بمنطقته الجغرافية، أو فترته التاريخية، أو سياقه الاجتماعي أو الثقافي، إنّه شخصٌ منتجٌ معرفيًا، وهو أمر لا يتحقّق لكل المشتغلين بالثقافة.

ومع الحديث عن مركزية الثقافة، لا بدّ من التّعريج على مركزية مفهوم المثقّف، فهو أيضًا، يعرف تمركزًا لمثقفٍ معين، يدّعي أنّه يمثل ثقافة ما، على الرغم من أنّه قد لا يكون نصيبه منها، سوى الادعاء، وعلى الرغم من صعوبة اقتناع بعضهم بالثقافة لأجل الثقافة، والأدب لأجل الأدب، حيث لا أمكنة أو أزمنة تهمّ، إذ لا شيء غير نبع المعرفة، في كل تجلياتها، الإبداعية والعقلية. ولا شيء غير أن نشرب من مائها، ونعيش عبرها، كل حياة اشتهينا أن نتذوّق، مثلما قال الشاعر البولندي ميسلاف ميوش: “جمعتُ دواوين الشّعراء من مختلف الأمصار، والآن/ أجلس قارئًا ومندهشًا. / يا حلاوة التّفكير بأنّني كنت رفيقًا في حملة/ لا تتوقف أبدًا عبر تعاقب القرون/ ليست الحملة من أجل جزةٍ ذهبية لشكلٍ كامل وإنّما/ لأنّها ضرورية كالحب”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق