القضية الفلسطينيةتقارير

باسل الأعرج … في حضرة الفكرة والشهادة قراءة في كتاب «وجدت أجوبتي»

قراءة في كتاب

مركز دراسات الوحدة العربية|  محمد العبد الله

عامان مرّا على ذلك الفجر الدامي ليوم السادس من شهر آذار/مارس 2017 حينما بادر مُطارد فلسطيني إلى إطلاق النار على عناصر وحدة «يمام» في جيش الغزاة المحتلين، الذين طوقوا المكان الذي يختفي فيه منذ عدة أشهر في مدينة البيرة بالضفة الفلسطينية المستباحة، بهدف إعدام/تصفية «باسل الأعرج». قاوم «المطلوب الرقم (1)» المتحصن في سدة المونة في المنزل المحاصر، ببسالة ثورية حتى استُشهد، ولم يرفع الراية البيضاء كما قال شقيقه في نعيه: «لم تُسَلّم لهم، ومثلك لا يعرف التسليم. اخترت أن تكون مقاوماً وأن تموت شهيداً مقبـلاً مشتبكاً لا خانعاً».

رغم سنوات العمر الـ «32» التي عاشها باسل، فهي، رغم قصرها، كانت زاخرة بالإنجازات. فما بين التحصيل الجامعي «الصيدلة» والامتلاك المعرفي – النظري فقد «أتم قراءة 3000 كتاب، حتى الخامسة والعشرين من عمره، في كل المجالات من التاريخ والسياسة والاجتماع والفكر والعسكرية التي ركز عليها في الفترة الأخيرة» (الاقتباس من حوار على موقع بيلست الإخباري في 20 آذار/مارس 2017 مع شيرين الأعرج عمة الشهيد باسل، وهي الأكثر قرباً منه، إذ أسهمت بصقل شخصيته في المراحل الأولى من حياته).

لهذا لا يمكن بضع صفحات أن تكون كافية للتحدث عن حياة الشهيد بما تدّخره من معرفة وتجربة ودور. هذه الحياة التي نجد تكثيفاً لها في كتاب وجدت أجوبتي(1). هذه  الحدود المتاحة لا تكفي لعرض ما يمتلكه عقل مثقف ومناضل في كل المواقع التي وُجد فيها، ولا لسماع نبضات قلب مُفعمة بالثورة وحب الشعب وأرض الوطن. لأننا أمام سردية تاريخية، وطنية وقومية وأممية، كتبها الشهيد في فترات متقطعة، وتم جمعها على يد أصدقاء وصديقات لباسل بعد استشهاده: «عدد من الأبحاث والدراسات، والتعليقات والبوستات على شبكة التواصل الاجتماعي، والمحاضرات واللقاءات التي أنجزها في جولاته الميدانية في القرى والبلدات على اليوتيوب» التي «تُقَدر بآلاف الصفحات». وقد تمكن أحبة باسل، الشخص والنهج، بجهد استثنائي في ظروف الاحتلال، من تجميع جزء منها في كتاب وجدت أجوبتي… هكذا تكلم الشهيد باسل الأعرج، الذي طُبع في القدس المحتلة في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاده، ليُطبع بعدها بأسابيع قليلة في بيروت. بعض ما نُشر له علاقة بالحدث السياسي المباشر، والجزء الأكبر منها، استحضار للتجارب الوطنية بكل تفاصيلها ومنمنماتها، لتحليلها واستخلاص الدروس والعِبَر منها لتَستفيد منها الأجيال في معركة التحرر الوطني التي تخوضها ضد الغزاة المحتلين. لأن الشهيد قد تعامل مع تلك «الأحداث والتجارب» بخلفية نظرية، نهلت من الأفكار التحررية العالمية لمفكرين ثوريين أمثال غيفارا وماوتسي تونغ وفرانز فانون ومالكولم إكس وعلي شريعتي. وسأحاول في الحدود المتاحة لي استعراض أبرز ما تضمنه الكتاب، رغم أن مئات الصفحات التي كوّنت محتواه، نجد فيها ما يمكن أن يُشكل مادة للحوار في عدة لقاءات، لأن أهمية الموضوعات تأتي كونَهَا جزءاً مما صاغه باسل في حياته من أفكار وملاحظات واستنتاجات.

لم يكن استهداف استخبارات المحتلين وأجهزة التنسيق الأمني لباسل على مدى السنوات السابقة بسبب نشاط شاب في التظاهرات التي كانت تشهدها ميادين رام الله المستباحة وفي مواجهة حواجز الاحتلال العسكرية، فقط؛ بل لكون هذا «المتمرد الثوري» رأس حربة في كل المواجهات ودينامو الحراك الشبابي، والأخطر، أنه العقل الذي يصوغ الشعارات والأهداف، من خلال ما كان يكتبه أو يتحدث به في جولاته وزياراته الميدانية للأماكن التي لها دلالاتها في حدث سياسي أو مواجهة مع المحتل أو في موقعة لاستشهاد قائد أو مجموعة فدائية في مواجهة المستعمر. ولكون هذا الشاب قد ثبت في مواجهة المحققين، في سجون السلطة التي دخلها مع خمسة من رفاقه في شهر نيسان/أبريل 2016 بتهمة التحضير لعمل مسلح ضد المحتلين، بعدما اعتُقل وبعض رفاقه في وديان قرية عارورة في قضاء رام الله. في أثناء التحقيق، تعرض الشباب لأشد صنوف التعذيب، حتى إن قلب باسل توقف عن النبض ثلاث مرات، كما قالت والدته بالصوت والصورة (شريط فيديو)، وهذا ما اضطر جهاز التحقيق لتحويله إلى الخدمات الطبية عدة مرات. وقد اضطرت السلطة بعد عدة أشهر لإطلاق سراح الموقوفين الستة بعد أن خاضوا إضراباً عن الطعام منذ تاريخ 28 آب/أغسطس ولغاية 6 أيلول/سبتمبر، واستطاعوا بإرادتهم الصلبة، إطلاق حملة شعبية واسعة وضاغطة، أثمرت تحويلهم لأول مرة إلى المحاكمة وتم إطلاق سراحهم، بكفالة، يوم 8 أيلول/سبتمبر.

لم تكن شوارع المدن هي المجال الحيوي للتحرك الشبابي الشعبي الذي يكون باسل في مقدمته، بل إنه جال في قرى وجبال الوطن ووديانه وسهوله، باحثاً في تربتها وصخورها وكهوفها عن تاريخ الناس وعلاقتهم بالأرض، وعن كل فدائي قاتل واختفى بعيداً من عيون المخبرين والعملاء والمحتلين من أجل الانطلاق لجولة جديدة من القتال، ثم استُشهد. كان باسل يستلهم من دروس كل التجارب في نقاشاته العديدة مع الفلاحين في تلك المناطق، تقديم النماذج المضيئة في تاريخ الشعب، بهدف ربط الماضي بالحاضر من أجل صياغة المستقبل: التحرر من الغزاة المحتلين.

بعد ذلك، أخذ الباسل قراره، توارى عن الأنظار، بعد أن اعتقل العدو بعضاً من رفاقه. قرر الاختفاء، ليس خوفاً أو جُبناً، بمقدار ما كان لصوغ خطة عمل ونهج كفاحي يجب العمل عليه، لجيل يقود المعركة مع المحتلين. تنقل باسل متخفياً تحت اسم مستعار، في حركة حذرة، لمتابعة تواصله مع الحلقة الضيقة التي تحيط به والتي مثلت ديمومة العلاقة مع الحراك الشبابي. اختفى، من أجل أن يستعد ويتحضر للساعة الحاسمة والفاصلة. جَهَّز المكان بضرورات الحياة البشرية من طعام وماء، ومن غذاء العقل: الكتب. خبأ السلاح والطلقات وأصبح بكامل جهوزيته. واستطاع بعد كل تلك التجارب والدروس، أن يصل إلى الإجابة عن كل تلك الأسئلة الكبرى المرتبطة بالوطن والتحرر من الغزاة المحتلين ومن كل مظاهر التخلف والقهر والزيف والتضليل التي روج لها صانعو «اتفاق أوسلو» بالحديث عن «سلطة بدون سلطة»، كما قال رئيسها أمام مجلس الأمن الدولي يوم 20/2/2018. هذه السلطة التي قامت بتسجيل سابقة تاريخية غير معروفة حينما حاكمت الشهيد باسل على وقائع استشهاده.

ارتقى الباسل شهيداً بعد أن «عاش نيصاً وقاتل كالبرغوث» كما كتب عنواناً لإحدى مقالاته. قاتل من المسافة صفر، وهو المُعجب بعمليتي «وادي عيون الحرامية» قرب بلدة سلواد 3/3/2002، و«زقاق الموت» الخليل 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2002.

في وصيته التي افتتحها بـ «تحية العروبة والوطن والتحرير» تكثيف واضح للثوابت التي آمن بها الباسل. فقد كانت العروبة بالنسبة إليه انتماءً ووعياً ومقاومة. لهذا كانت زيارته للبنان، تجسيداً لذلك الانتماء وترجمة لعمق الوعي المقاوم. أما الوطن والتحرير فقد تجسدا فكراً واستشهاداً، بالتوأمة بينهما. أما خاتمتها، فتحمل من كاتبها اعترافاً بالقناعة التامة بما وصل إليه، بوعيه وثقافته التي مارسها على أرض الواقع: أنا الآن أسير إلى حتفي راضياً مقتنعاً وجدت أجوبتي، يا ويلي ما أحمقني وهل هناك أبلغ أو أفصح من فعل الشهيد. وكان من المفروض أن أكتب هذا قبل شهور طويلة إلا أنَّ ما أقعدني عن هذا هو أن هذا سؤالكم أنتم الأحياء فلماذا أجيب أنا عنكم فلتبحثوا أنتم. أما نحن أهل القبور فلا نبحث إلا عن رحمة الله.

مقتطفات مختصرة مما كتبه باسل:

1 – في «البوستات» التي امتدت لتسعين بوستاً، بعضها سطر واحد ومعظمها عدة صفحات، كتب خلالها الشهيد، تعليقات سريعة على الأحداث، كما عالج بعضها بتفصيل من أجل الاستخلاصات المهمة. في أحد النصوص الرائعة، كما تجسد في البوست الرقم (6) ص 235 الذي يحمل عنوان «مدونات بانوراما اغتيال زئيفي» نجد أنفسنا للوهلة الأولى أمام كاتب لم يتخيل الحدث، بل شارك في صناعته، إذ يعتقد القارئ أن الشهيد باسل كان ضمن المجموعة التي نفذت إعدام الوزير السابق المجرم المستعمِر «رحبعام زئيفي» صاحب نظرية الترانسفير للفلسطينيين. لهذا يعتقد القارئ بأنه كان مع «مجدي الريماوي وحمدي قرعان وباسل الأسمر» وعلى معرفة بالقائد المخطط والمشرف، مسؤول الجناح العسكري للجبهة الشعبية في الضفة الغربية «عاهد أبو غلمة» الذي قدمه، قائداً ثورياً مُجرباً، مُطلقاً عليه صفة «مثقفٌ مشتبك بكل معنى الكلمة».

وفي البوست الرقم (8) ص 245 يكتب «سنن ثورية فلسطينية» عن شكل الثورة المتوج والمتحرك وعن تيارين يتصارعان داخل الشعب (التعامل مع العدو ورفض التعامل) وعن فترات الكمون بالحركة الشعبية وتفجرها.

وفي «البوست الرقم (41) ص 282» يقوم باسل بطرح مجموعة قضايا مجتمعية، تبدو للوهلة الأولى وكأنها تعبير لإبراز سذاجة وبساطة سكان الريف الفلسطيني. فتحت عناوين «قصة الحمامات العامة وقصة الشلحات النسائية وقصة الكهرباء» يتوجه باسل لكشف مضمون تلك الحالة الشعبية الرافضة لكل منها، لسبب واضح ومحدد أنها «جاءت من اليهود المحتلين» وهي كما يؤكد الكاتب «نوع من أنواع المقاومة الخفية التي تملكها المجتمعات لكل ما هو استعماري».

أما في «البوست الرقم (90) ص 326» كتب باسل (لماذا نذهب إلى الحرب) نصاً يرقى إلى نوع الحوار مع الذات، حتى ولو أنه جاء بصيغة رسالة توجه بها إلى «صديقي العزيز». هنا، نجد مصارحة في تقييم التجربة الذاتية النضالية التي استمرت لسنوات عديدة من خلال ما يكتبه بـ «دهشة الأطفال وإيمان الأنبياء» ليصل للإجابة عن السؤال، إننا «نذهب للحرب بحثاً عن الرومانسية، رومانسية الحرب التي تخلق صنفاً آخر من البشر، فلا أحد قبل الحرب كما بعدها، نطارد الرومانسية ولا يوجد أي شيء في الدنيا قادر على أن يُثير الرومانسية أكثر من الحرب». نستنتج من هذا النص أن باسل قد وصل للإجابة عن سؤال الوجود لباحث عن المعرفة في الكتب والسيَر والسرديات، ولمُثقف مناضل ومقاتل بالكلمة والحجر وصولاً إلى السلاح الناري، التزاماً بما أعلنه «إذا بدّك تصير مثقف، لازم تصير مثقف مشتبك، ما بدّك تشتبك، ما في فايدة لا منك ولا من ثقافتك». لهذا، وحتى لا تتحول الثقافة والمعرفة إلى حبر على ورق، أو للتسويق على إحدى وسائل الإعلام، لئلا يتحول ذلك الجهد النظري إلى ترف، حسم قراره واستعد للحظة الحقيقة: ساعة الاشتباك والمواجهة المباشرة مع الغزاة المستعمرين.

2 – يكتب باسل عن مسار الانتفاضات والثورات المسلحة والمعارك التي قاتل فيها الشعب ضد الغزاة، العديد من الدراسات والأبحاث: في فصل «الكفاح المسلح في ثورة 1936» يتحدث عن تلك الثورة بعد سردية تاريخية مهمة عن سنوات الركود «1921 – 1925» التي انتهت باشتباكات آب/أغسطس 1928 التي مهدت لثورة البراق عام 1929 لتنتشر حينها شرارة الثورة لتشعل النار في كل مناطق وجود الغزاة المستعمرين. من القدس إلى الخليل فصفد إلى يافا وعمال الموانئ، وهو ما وفر البيئة الشعبية الوطنية لتنطلق بعدها بسنوات ثورة عز الدين القسام تشرين الثاني/نوفمبر 1935 التي كانت بروفة لثورة 1936. وقد شكلت الثورة الكبرى في ذلك العام انعطافة مهمة في تطوير الوعي ورفع درجة الاستعداد للمواجهة الشاملة، وهذا ما ظهر في التنسيق الكامل بين العمليات العسكرية والتمرد الثوري الشعبي الذي استمر في إضرابه الشهير لستة أشهر.

كما كتب باسل عن معارك الدفاع عن المدن والقرى في مواجهة العصابات اليهودية الصهيونية المسلحة والمدربة جيداً. ويشير إلى دور القادة الكبار: فرحان السعدي وأحمد طافش وعبد الرحيم الحاج أحمد وأبو ابراهيم الكبير وعبد الحليم الجولاني وعبد القادر الحسيني وعارف عبد الرزاق. ولا ننسى دور الشهيد باسل في التركيز على فدائيَّين أسطوريَّين هما: فوزي نامق القطب وأنطوان جميل بارود. فوزي القطب: الفدائي الشبح الذي أفقد العدو صوابه، لأنه العقل العلمي والتقني، وقائد فرقة التدمير العربية وأحد أبرز القيادات الفدائية المتخصصة بتصنيع المتفجرات وتفخيخ السيارات، كما يُسجل له أنه كان سباقاً في صناعة البالونات المتفجرة – استمرارها اليوم في غزة – وإلقاء القنابل على مقاهي اليهود. أما الفدائي الآخر أنطوان بارود، فهو المقاتل الأممي، الفلسطيني الجذور، لأسرة من بيت لحم هاجرت إلى أمريكا الجنوبية، الكولومبي المولد عام 1909، الذي قاتل تحت قيادة عبد القادر الحسيني وبشراكة كفاحية وعملية مع فوزي القطب، ثم عاد إلى أمريكا الجنوبية ليقاتل في أكثر من مكان ضد الجيش الاستعماري الأمريكي وليدخل مع كاسترو وغيفارا هافانا، وبعد ذلك رافق غيفارا إلى بوليفيا وقاتل معه. وقد انضم لاحقاً إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ووافته المنية في الكويت في أغسطس/آب 1969 أثناء زيارةٍ لأقاربه هناك.

تصدى باسل مباشرة لما يتعرض له مقاومو شعبنا في الجزء المحتل من الوطن الفلسطيني عام 1948 على يد أجهزة العدو السياسية والإعلامية التي تصف كل فدائي بأنه «مريض نفسي»!؟. الكارثة هنا، كما يكتب باسل، أن يردد ذلك بعض أبناء الشعب، ويستشهد بما دار من ثرثرات وترهات عن الفدائي نشأت ملحم الذي نفذ العملية البطولية في شارع ديزنغوف في تل أبيب في 1/1/2016 ولوحق لمدة أسبوع قبل أن يسقط شهيداً في اشتباك مع وحدة «يمام» . لقد كتب باسل في تحليل السقوط الوطني والأخلاقي لبعض أبناء الشعب من خلال تبنيهم تفسير المحتلين، مشيراً إلى أن «فرانز فانون» عالج هذه الظاهرة في الجزائر، وذلك من خلال كون المستعمَر يشعر بالدونية مما يجعله يتبنى ما يقوله المستعمِر الذي ينفي الصفة الوطنية والقومية عن المقاوم ويُقدمه كحالة مريضة فقط، من أجل تسخيف روح المقاومة وإسقاط أي فكرة للمواجهة.

تحت عنوان «الانتفاضة دمرتنا» يتحدث باسل عن هذه الادعاءات مفنداً ما يردده بعض أفراد الشعب من تكرار لما تقوله ماكينة العدو الإعلامية (ص 122) يكتب باسل: «المطلوب لكي يكون النقد موضوعياً ووطنياً وثورياً، أن يقوم على مراجعة التطبيق وليس النظرية أو الأيديولوجيا التي تقف وراء التجربة».

وفي معالجة باسل أهمية دور الشباب والشابات في معركة التحرر، يمكننا الاستنتاج أن التحليلات والاستخلاصات تكون أقرب إلى الموضوعية منها إلى التوصيف المجرد. ففي فصل «حزب الكنبة الفلسطيني، ص 176» المنشور في مجلة الدراسات الفلسطينية المجلد الرقم (23)، عام 2012 بالمشاركة مع زيد الشعيبي، تأكيد أن الشباب كانوا هم وقود جميع المراحل النضالية وجنودها. لكنهم الآن بمرحلة الإقصاء أو العزوف عن المشاركة بالحياة السياسية، بخلاف دورهم في انتفاضتَي 1987 و2000، والسبب في رأي الشهيد: دور السلطة في قيادة المجتمع من خلال مؤسسات بيروقراطية تعمل بمحددات اتفاق أوسلو، بهدف تشويه الرموز الوطنية في عقول الجيل الجديد، وهو ما أدى إلى انتشار ثقافة الخلاص الفردي على حساب المصلحة العامة، وهنا يبرز دور المنظمات غير الحكومية (NGOs) بالتخريب الناعم. على الجانب الآخر، يؤكد باسل ضرورة أن يعمل القادة الشبابيون داخل الحراك الشعبي، من أجل إعادة تفعيل وتنشيط القيم الوطنية الجماعية لإعادة النهوض بالشعب، بعدما بدأت معاول قوى التخريب المحلية والاحتلالية في هدمها.

في فصل «لا تكن مع الاحتلال ضدهن»، (ص 191) يُقدم باسل رؤية فكرية معرفية جذرية لتبديد العديد من أنماط التفكير، وأساليب التعامل مع المرأة. يكتب «تنشأ عند أبناء المجتمعات المقهورة، والواقعة تحت الاستعمار، خاصة، علاقة ازدراءٍ ضمنية للذات والآخر «داخل المجتمع» فَتُصَبُّ على غيرهم من أفراد المجتمع حيث يعكسون العار والمأساة ضمن منهجية واحدة. وعندما يجاهر المقهور بمقولات مسيئة لغيره من الواقعين تحت القهر ذاته، إنما هو يعبر عن مدى شعوره بالضعف والدونية والذنب، وذلك من أجل الحصول على توازن نفسي والتخلص مما يحيط به من توتر وانفعال». لهذا فإن رفض استلاب المرأة انطلاقاً من استلابها العقائدي لدورها بالمجتمع، إلى رفع الظلم الذي يلحق بها بالاستلاب الاقتصادي ووضع العراقيل لمنعها من الاعتماد على إنتاجها الذاتي، ثم استلابها الجنسي. لذلك، فإن رفع التسلط الداخلي الذي يحيط بالمرأة، ضرورة من أجل تمكين نصف المجتمع للانتقال من موقع الضحية إلى موقع الحرية والتحرر من غلال التخلف والنظرة الدونية، وبالتالي، إلى رحاب الميادين في مواجهة المحتل الذي يضطهد كل الشعب.

دَرَسَ باسل البيئة الطبيعية المحيطة به ليستنتج منها الدروس والعِبَر. في النص الذي حمل عنوان «عش نيصاً وقاتل كالبرغوث» (ص 166)، الذي كتبه في أواخر عام 2013 اقتباس من حياة حيوان النيص في عالمه الخاص داخل جوف الأرض عبر الأنفاق. وعن قدرة تلك الحشرة الصغيرة جداً «البرغوث» التي تمتص دم ضحيتها من خلال معرفتها بنقاط الضعف الجسدي، وبقدرتها على القفز والتنقل الدائمين فوق ذلك الجسد. في ذلك النص الجميل والبسيط، أراد باسل أن يقدم لكل مهتم بالمقاومة تلك النماذج التي يعرفها أبناء الريف الفلسطيني، للتعلم من أسلوب حياتها في الاختفاء والحركة.

في فصل «وهم اليسار المتضامن» (ص 146)، يتصدى الشهيد لكتبة يعملون بسوء النية لتحسين صورة الاحتلال ولدفع الأجيال الصاعدة لسراب السلام، الذي هو الاستسلام. يدحض باسل واحدة ممن يُصفق لها البعض في مجالسهم وكتاباتهم، الكاتبة الصحافية عميرة هس. يكتب باسل «عميرة هس لا تختلف عن أي مثقف من مثقفي المُستَعِمر، وهي ليست إلّا جندياً في المعركة الخلفية التي يطلقها المستعمر في ميدان الثقافة والقيم… تعترف بـ «حقوقك» لكن بشروط، وأهم تلك الشروط أن تظل تدور في فلكها وأن لا تحاول التمرد على ما تُلقنه لك، وصار لزاماً على المستَعمَر أن يهضم ثقافة مضطهديه».

يكتب باسل عن المجلس الوطني، وكأنه بيننا ومعنا في مراقبته ومتابعته للمجلس ولكل مؤسسات المنظمة. يقول «في كل المظاهرات التي شهدتها شوارع بعض مدن الضفة وقادها الحراك الشبابي، بُح صوت الشباب والشابات بهتاف «الشعب يريد مجلساً وطنياً جديداً». ويغوص باسل في تفاصيل الهدف المنشود: كيف تتم الانتخابات لعضوية المجلس؟ وعلى أي أرضية نقف؟ وهل نتوجه لها وفق التزامات منظمة التحرير أم وفق الميثاق المشوَّه «المُعدل»؟ وهل يتم ضمن سياسة الكوتا والمحاصصة بين الفصائل؟ أم بما يخدم مصالح الكومبرادورات وهوامير المال والأعمال؟ يجيب الشهيد عن ذلك باستفاضة (ص 203) ليصل إلى استنتاج: «أنا لا أؤمن إلا بالتغيير الجذري للنظام الاجتماعي والسياسي».

استنتاجات

بعد هذه الجولة السريعة على بعض الأفكار التي كتبها أو تحدث عنها باسل، يمكن تكثيف القضايا التي ركز عليها في ثلاث نقاط أساسية:

1 – أهمية الوعي النظري المنغمس في قضايا الناس – الطبقات الشعبية، والمُعبر عن تطلعاتها في التحرر؛ لأن هذا الوعي هو الذي يوفر للشعب ومناضليه، القدرة على تحليل الراهن: الاحتلال والاستعمار، الاضطهاد والاستغلال، التخلف والاستبداد، وصولاً إلى مقاومته بالعنف الثوري من أجل تغيير الواقع. لهذا فإن «التخفف من الأيديولوجيات» كما احتوت مقدمة الكتاب، لا يعني أن الحيادية في الصراع الأيديولوجي والنظري كانت سمة الشهيد، لأن انحيازه إلى الطبقات الفقيرة بالمجتمع كان واضحاً ولا يحتمل الالتباس، انطلاقاً من وعي بتحالف الرأسمالية مع الصهيونية في مواجهة حركات التحرر. وهذا ما عبَّرَ عنه ص 307: «حربنا لن تنتهي حتى يتم انهيار إسرائيل وانهيار الرأسمالية العالمية».

2 – المقاومة، بكل أشكالها، وفي مقدمتها الكفاح المسلح. وقد أفرد الشهيد في أوراقه مساحات لتحليل الهبّات والانتفاضات الشعبية في مسار الصراع الأبدي مع الغزاة. وتناول تجارب المقاومة الاقتصادية: نموذج بيت ساحور خلال انتفاضة 1987. كما كان للمقاومة من أجل التنمية، مُركزاً على نظرية التنمية بالحماية الشعبية، أي المقاومة الاقتصادية: مقاطعة بضائع العدو والاعتماد على الإنتاج المحلي من خلال المشاركة الجماعية المحلية، كنهج مُقاوم في مواجهة الدعوات التضليلية التي أطلقها بعض دعاة الارتباط بالسوق الاقتصادي للمستعمر من خلال «التنمية تحت الاحتلال».

3 – حماية النسيج المجتمعي الفلسطيني من الأمراض الاجتماعية، وبخاصة عند الشباب: الاستلاب وترسيخ الاكتئاب الوجودي لديهم، والنظرة الاستهلاكية في رسم أسلوب الحياة، وترسيخ مفهوم الدولة القُطرية وتشجيع الشوفينية الفلسطينية في الترويج لمتسابق فلسطيني في برامج الفضائيات الغنائية من أجل تصنيع «قدوة» مزيفة لشعب يقاتل الغزاة. يكتب باسل في البوست الرقم (24) (ص 263): «أنا شخصياً أُصوت لحذاء الدقامسة ولا أُصوتُ لأكبر رأس مشارك في مثل هذه البرامج».

خاتمة

في داخل ساحته التي استعد فيها للمواجهة وللإجابة عن الأسئلة التي طرحها الواقع المباشر، كانت أدوات الإجابة تختزل أي اجتهادات وتوفر الوقت لكل باحث عن الحرية: الكتاب/الوعي والبندقية المُسيَّسة والإرادة.

باسل الأعرج، كان مثقفاً ثورياً وفدائياً مقاتـلاً من أجل قضيته وقضيتنا جميعاً ونموذجاً للمثقف المشتبك. وقد جمع في ذاته نموذجين بارزين في حركتنا الوطنية التحررية: غسان كنفاني ووديع حداد.

يكتب شهيد قضية التحرر الوطني والقومي غسان كنفاني: «كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح، وإنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء احترمه».

الباسل أحد أولئك الرجال الحقيقيين الذين مزجوا الأفكار مع النضال الميداني، من أجل حرية وطنهم وكرامة شعبهم.

باسل/سنبقى نردد ما أكدته «لا تحلموا بعالم سعيد ما دامت «إسرائيل» موجودة».

المصادر:

(*) نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 482 في نيسان/ أبريل 2019.

(**) محمد العبد الله: كاتب سياسي فلسطيني.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق