القضية الفلسطينيةدراسات

صفقة ترامب ومتلازمة اللامبالاة الشعبية الفلسطينية

مجلة الدراسات الفلسطينية | أنيس محسن 

السؤال المطروح بشدة هذه الأيام هو: لماذا هذا الضعف في ردة الفعل الشعبية الفلسطينية على مقاربة إدارة ترامب لتصفية المسألة الفلسطينية؟ وهي مقاربة تتناقض مع نضالات الفلسطينيين كلها منذ ما يربو على مئة عام، أي منذ مطلع عشرينيات القرن العشرين عندما بدأت تتضح معالم المؤامرة الغربية – الصهيونية لضرب تطلعات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته ذات السيادة بعد اندحار العثمانيين أمام دول الحلفاء، ووقوع فلسطين تحت حكم الاستعمار البريطاني.

لا جواب علمياً عند مَن يُفترض أنهم صنّاع قرار، و/ أو مثقفون ملتزمون بالقضية الفلسطينية، أو الجيل الصاعد المفترض به أخذ الراية ممّن سبق، فمنهم المتشائم الذي يكتفي باستبعاد أي أمل في مواجهة الصفقة “الصفعة”، ويتحدث عن غياب الرؤية لدى القيادة الفلسطينية، وعدم وجود منظمات مجتمع مدني مستقلة تقود أي مواجهة، بل عدم وجود نيّة لدى الجمهور، سواء على أرض فلسطين، أو خارجها، في خوض أي مواجهة شاملة على غرار الانتفاضة الأولى (المدنية غير المسلحة)، أو الانتفاضة الثانية (شبه المسلحة)؛ ومنهم المتفائل ولو من دون مؤشرات آنية، والذي يتحدث عن إحباط شعبي من القيادة والفصائل الفلسطينية، يقود إلى رفض جماعي لملاقاة حتى دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى مقاومة سلمية. وهذا الرفض الجماعي لا يعني اللامبالاة، وإنما العمل على اختيار التحرك وفقاً للتوقيت الشعبي، فضلاً عن توقّع ازدياد الهجمات الفردية التي لا بد من أن تتحول في لحظة ما إلى سيل جارف من المواجهة المتعددة الأوجه والأساليب؛ والأنكى من الرأيين السابقين، عدم اكتراث الشباب بالاطلاع على الصفقة، فقد أظهر فيديو نشره مشروع “كامبجي” في مواقع التواصل الاجتماعي، واستهدف شباناً فلسطينيين في مخيمات في لبنان، اكتفاء بعضهم باحتمال وجود التعويض المالي، أو برفض الصفقة لأن القيادة الفلسطينية رفضتها، وبالتالي لا داعي لمعرفة تفصيلاتها، أو بعدم الإجابة مطلقاً، مع توافق بين الجميع على أن أياً منهم لم يطّلع على نص صفقة القرن، على الرغم من أن مضامينها وبعض تفصيلاتها معروفان سابقاً!![1]

 تحركات محدودة وغير كافية

بعد شهر على إعلان الصفقة خلال مؤتمر صحفي عقده الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 28 شباط / فبراير الماضي في واشنطن، وإلى جانبه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، لم تتعدّ الاحتجاجات الشعبية الفلسطينية بضع تظاهرات متفرقة قليلة العدد في الضفة الغربية تخللتها مواجهات مع قوات الاحتلال سقط خلالها شهداء وجرحى، لكن تميزت بعدم كثافة المشاركين، وتظاهرات في قطاع غزة لا تختلف عن مسيرات “العودة” التي باتت روتيناً غير ذي معنى، ولا تُسفر سوى عن شهداء وجرحى أيضاً. أمّا في مخيمات الشتات، وخصوصاً في لبنان حيث لا يزال هناك مخيمات، فكانت التظاهرات والاعتصامات أقل شأناً بكثير من تلك التي شهدتها في نهاية تموز / يوليو ومطلع آب / أغسطس 2019، احتجاجاً على خطة وزارة العمل اللبنانية لمكافحة اليد العاملة الأجنبية غير الشرعية، والتي تأثر بها اللاجئون الفلسطينيون.

أمّا على المستوى الرسمي، فكان الموقف رافضاً خطابياً، وبدأ فور إعلان صفقة ترامب، باجتماع للقيادة الفلسطينية في رام الله برئاسة عباس، حضره ممثلان عن “حماس” والجهاد الإسلامي، وأعلن فيه الرئيس الفلسطيني سلسلة مواقف تركت ارتياحاً سياسياً وشعبياً فلسطينياً، إن لجهة وقف التعاون مع إسرائيل بمختلف أشكاله، أو رفضه أحادية وساطة الولايات المتحدة في العملية السلبية، وصولاً إلى تشديده على ضرورة إنهاء الانقسام، ودعوته إلى مقاومة شعبية. وتكررت مواقف عباس خلال اجتماع الحكومة الفلسطينية وقيادت “فتح”، وكذلك أمام اجتماع مجلس الوزراء العرب، غير أن الأمر بدا كأنه يأخذ منحى تنازلياً، مع خطاب عباس أمام مجلس الأمن في 11 شباط / فبراير، وبعد تأجيل توجه وفد منظمة التحرير إلى غزة، والذي لا يزال مؤجلاً، وعدم البدء بتحركات جديّة نحو إنهاء الانقسام، فتحول الارتياح إلى ارتياب ربما يكون ساهم في محدودية التحركات الشعبية الفلسطينية اليومية.

 

 جدول بالتظاهرات والأمكنة والمصدر الذي استُقي منه الخبر

التاريخ مكان التظاهر الخسائر المصدر
28/1 مدن الضفة وغزة وحيفا الجزيرة – “العربي الجديد”
31/1 الضفة الغربية وغزة ومخيمات لبنان 109 جرحى عرب 48
1/2 باقة الغربية (أراضي 48) عرب 48
3/2 الضفة الغربية 22 جريحاً يورونيوز
5/2 الضفة الغربية شهيد وجرحى عرب 48
7/2 الضفة الغربية شهيد وجرحى عرب 48
10/2 تظاهرة نسائية في غزة فلسطين أون لاين
11/2 الضفة الغربية شبكة الصين
14/2 غزة وكالة معاً
15/2 الضفة الغربية وقطاع غزة فرانس 24
17/2 الضفة الغربية (ضد الصفقة واحتجاجاً على مؤتمر تطبيعي) وكالة صفا
21/2 الضفة الغربية وقطاع غزة جرحى رؤيا نيوز

الإحباط واللامبالاة الجماعية

للتعمق فيما يمكن أن تكون أسباب هذا الضعف في ردة الفعل على صفقة ترامب، يمكن الاتكاء على بعض الدراسات النظرية، مثل دراسات متلازمة اللامبالاة الجماعية (apathy syndrome)، الحديثة العهد، وخصوصاً اللامبالاة الجماعية السياسية التي ترى تلك الدراسات أنها ناتجة من الإحباط لدى أفراد كثر في مجتمع ما إزاء الواقع السياسي واحتمالات التغيير، وهو ما يتمظهر جماعياً، عبر استنكاف عام عن المشاركة في نشاطات ذات صلة بواقع سياسي معين.

ووفقاً لتعريف القاموس الإلكتروني Texico/Oxford، فإن الإحباط هو الشعور بالاستياء والانزعاج نتيجة عدم القدرة على التغيير أو إنجاز شيء ما.

وتعتبر الدراسات النفسية أن الإحباط العام يولد اللامبالاة التي يَعدّها علم النفس حالة وجدانية سلوكية، تدفع المرء إلى التصرف من دون اهتمام في شؤون حياته، أو حتى في الأحداث العامة كالسياسة وإن كان هذا في غير مصلحته، مع عدم توفر الإرادة على الفعل، وعدم القدرة على الاهتمام بشأن النتائج. كما تعتبر تلك الدراسات أن اللامبالاة هي قمع الأحاسيس مثل الاهتمام والإثارة والتحفز أو الهوى، فاللامبالي هو فرد لا يهتم بالنواحي العاطفية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، علاوة على أنه قد يبدي الكسل وعدم الحساسية. وربما يكون سبب هذا التصرف هو عدم قدرة المرء على حل المشكلات التي تواجهه أو ضعفه أمام التحديات، فضلاً عن استخفافه بمشاعر الآخرين أو باهتماماتهم الثانوية كالطموح والأمل والهوايات الفردية أو المشاعر العاطفية المختلفة كالحب والكراهية والخصام والحسد وغيرها، إذ إن اللامبالي لا يجد أي فرق بين تلك المشاعر كلها، وإن لم يُظهر هذا الأمر صراحة أمام الآخرين.[2]

أمّا فيما يتعلق باللامبالاة السياسية، فقد بدأ هذا التعبير يظهر في خمسينيات القرن الماضي وأوائل ستينياته، وتحديداً بعد نشر كتاب “الثقافة المدنية” (Civic Culture)[3] لمؤلّفَيه غابرييل ألموند وسيدني فيربا (Gabriel Almond and Sidney Verba)، في سنة 1963.

على أن دراسات متلازمة اللامبالاة الجماعية السياسية لم تنتشر إلّا مؤخراً، وتركزت بصورة خاصة على دراسة لامبالاة الأميركيين في السياسة. وقد نُشرت مقالة بحثية مؤخراً بعنوان “متلازمة اللامبالاة: كيف تعودنا ألّا نبالي بالسياسة”، استفادت من الدراسات الأُخرى، وتناولت اللامبالاة السياسية لدى العامة في روسيا،[4] ويمكن مطابقتها على ما يحدث فلسطينياً.

وبينما بات ملاحظاً على المستوى الدولي، حضور اللامبالاة السياسية لدى الجمهور وعدم المشاركة في الحراكات الاجتماعية / السياسية، فإن المقالة البحثية التي أشرنا إليها، تفيد بأن دور العواطف في الحراكات الاجتماعية والتعبئة كان محل اهتمام كبير في الأبحاث الحاضرة، غير أن ميكانيزمات العاطفة التي تنتج اللامبالاة وعدم المشاركة لا تزال في قيد الدراسة.

استندت المقالة البحثية إلى عيّنة من 60 شخصاً في عمر الشباب في مدينتين روسيتين، في أعقاب الاحتجاجات المناهضة لنظام فلاديمير بوتين في سنتَي 2011 و2012، وبحثت في متلازمة عدم المبالاة، والتي هي مزيج من ميكانيزمات العاطفة والمعايير الثقافية التي أنتجت اللامبالاة السياسية. وأظهر البحث أن الإحباط الشخصي يتطور في اتجاه الاستخاف الطويل الأمد واللاقناعة بجدوى النشاطات الجماعية، وهو عملية تتفاقم من خلال تحولها إلى لامبالاة تجاه العائلة والنُّظم التعليمية، وكذلك المعايير الثقافية ذات الصلة بالعواطف الملائمة.[5]

تقارن تلك المقالة البحثية بين الاحتجاجات الكبيرة التي شهدتها فرنسا بعد الاعتداء الإرهابي على مجلة “شارلي أبيدو” في باريس في سنة 2015، والتي ضمت أكثر من مليون مشارك، وتلك التي رافقت مساءلة الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف في ساوباولو في سنة 2016 وشارك فيها 1,4 مليون، والمسيرات النسائية في واشنطن في سنة 2017، والتي شارك فيها نصف مليون شخص، وبين التظاهرات التي شهدتها موسكو في سنة 2011 احتجاجاً على التزوير في نتائج الانتخابات، والتي شارك فيها ما بين 85,000 و150,000 شخص، علماً بأن موسكو كانت شهدت تظاهرات بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في سنة 1991، شارك فيها نحو نصف مليون شخص.[6]

ومن الأسباب التي قال المستَطلعون أنها السبب وراء اللامبالاة وعدم المشاركة في الاحتجاجات ضد النظام الروسي في الفترة محل البحث: عدم الثقة؛ القرف؛ الازدراء؛ الشعور بالخجل؛ الغضب؛ إلخ.[7]

 مستفيدون… ومحبطون

يمكن تطبيق مخرجات الدراسة الروسية على الوضع الفلسطيني، فالشعور العام إزاء تصرفات القيادات الفلسطينية والفصائل، بحسب آراء عدد من المتابعين الميدانيين، يميزه الغضب وعدم الثقة، علاوة على الخجل ممّا أوصلت القيادات الوضع إليه، ومن تصرفاتهم إزاء الاحتلال وحالة الانقسام، والقرف من الشعارات الممجوجة والنشاطات الاستعراضية عند حدوث أمر ما، أو إحياء ذكرى ما.

صحيح أنه لا يوجد دراسات وافية عن متلازمة اللامبالاة السياسية فلسطينياً، غير أن المقارنة مع ما يجري في أمكنة مجاورة تجوز، وخصوصاً على أساس مخرجات البحث الروسي السابق الذكر؛ فعلى سبيل المثال، عاش العراق ولبنان خلال الفترة ذاتها التي أُعلنت فيها صفقة ترامب، احتجاجات على الفساد المالي والسياسي والأزمات المعيشية المتفاقمة، وتجمّع وفقاً لأدنى التقديرات في بيروت في 27 / 10 / 2019، نحو 450,000 – 500,000 متظاهر، بل وفقاً لتقديرات أعلى، فاق العدد في بيروت المليون شخص، ونحو 1,5 مليون في بيروت وسائر المناطق. وتكرر المشهد نفسه في العراق على مدى أشهر، أمّا في فلسطين، وفي الشتات الفلسطيني، فكانت الاحتجاجات خجولة مقارنة بهول الحدث، أي إعلان صفقة ترامب.

إن تدحرج الأحداث فلسطينياً منذ الانتفاضة الأولى التي انطلقت في سنة 1987، والخفة في استخدام نتائج هذه الانتفاضة من طرف القيادة الفلسطينية، والتي تميزت بالمشاركة الكبيرة والتضحيات الكثيرة التي بذلها الجمهور الفلسطيني المنتفض في أرجاء فلسطين التاريخية وفي الشتات، مروراً بخيبة الانتفاضة الثانية، وتفشي الفساد في الحيز الذي تديره السلطة الفلسطينية – أفقياً وعمودياً – وترك الشتات الفلسطيني نهباً للأحداث التي شهدها بعض الدول، وخصوصاً سورية ولبنان، والتي أسفرت عن تهجير مئات آلاف اللاجئين مجدداً، وفي ظروف في غاية الخطورة، وإصرار طرفَي الانقسام: “فتح” و”حماس” على استدامته، وتغوُّل الاستيطان في الضفة الغربية الذي يقابله الإصرار على التنسيق الأمني، وتورط رجال أعمال ومسؤولين في بناء جدار الفصل العنصري وفي تتبيع الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي، ونشوء فئة كبيرة من المستفيدين من السلطة الفلسطينية وأموال المساعدات التي تصل إليها، وبروز فئات محدثي النعمة في الضفة الغربية وقطاع غزة، أمور كلها أوجدت وضعاً بات فيه الجمهور الفلسطيني يعاني متلازمة اللامبالاة السياسية، وخصوصاً مع فقدان الثقة بالتغيير نحو الأفضل، بل اليقين من أن التغيير كله يتم نحو الأسوأ؛ حتى إن العمليات الفردية التي كانت تنفّذ في فترة ماضية قريبة، باتت غائبة، أو شبه غائبة في أقل تقدير.

ومن مؤشرات هذه المتلازمة، الأجوبة التي أعطاها شبان في مخيم فلسطيني في لبنان، في فيديو مشروع “كامبجي” الذي بُثّ في وسائل التواصل الاجتماعي، رداً على سؤال عمّا يعرفونه عن صفقة القرن، والتي تراوحت بين عدم الاهتمام وعدم الاطلاع واقتصار الاهتمام على المردود المالي الشخصي الذي يمكن أن يستفيد منه صاحب الجواب.[8]

 المأمول والواقعي في مواجهة الصفقة

إن الإحباط والوقوع الشعبي الفلسطيني في حالة متلازمة اللامبالاة، أمر حقيقي، وما يثبته هو القيام بقليل من الأبحاث واستطلاعات الرأي، اعتماداً على هذه النظرية الجديدة، واستفادة ممّا نُشر من مواد في وسائل الإعلام العالمية.

غير أن الأمر المهم أيضاً، هو تحليل أسباب حالة المتلازمة، والبناء عليها من أجل الخروج منها نحو استعادة الاهتمام بفلسطين وبقضيتها، خارج سياق الشعاراتية والمهرجانية، بدءاً بالإجابة عمّا يلي من الأسئلة:

– هل ثمة اقتناع لدى القيادة الفلسطينية والفصائل المتعددة على اختلاف مشاربها الفكرية، بضرورة إعادة النظر في استراتيجياتهم وتكتيكاتهم السياسية، والتخلي عن ذهنية امتلاك الحق والحقيقة، ولا سيما الحق في التصرف في القضايا الوطنية كأنها حق شخصي لهذا القيادي أو ذاك، ولهذا الفصيل أو ذاك؟

– هل من وسيلة للخروج من لوثة الانقسام الداخلي المستدام والمتفاقم، والكف عن الكذب على الجمهور عند كل مفصل خطر، من خلال التوجه نحو إعادة اللحمة الوطنية، ثم القفز عن ذلك في اليوم التالي؟

– هل ستبقى قيادة مرحلة أوسلو، وأصحاب “مقاومة غزة” عند النقطة التي يقفون عليها، فيدافعون عن سياسات عقيمة تتسبب بعدم اهتمام شعبي بشأن القضية الفلسطينية ومساراتها؟

– هل سيبقى المثقفون في برجهم العاجي، أو أسرى ثقافة السلطة، أم أنهم سيسعون لإيجاد سبل التواصل مع الشباب وتفهّم أفكارهم؟

– وأخيراً، ألا يعي الشباب أن امتلاكهم ناصية المعرفة التقنية للتقانة المتقدمة، لا تكفي كي يواجهوا احتمالات المستقبل، بل عليهم الانخراط وبقوة في العملية السياسية – الثقافية – الاجتماعية، وانتزاع شارة القيادة من الجيل الذي سبق أن ناضل وضحى، لكنه وصل إلى طريق مسدودة؟

إن الإجابة عن تلك الأسئلة، تضع مجدداً الأحصنة أمام عربة النضال الفلسطيني، وتقوده إلى مسارات جديدة يمكنها مواجهة آخر هجمة شرسة تسعى للقبض نهائياً على أسس الصراع، وإخماده إلى الأبد. غير أنه، بينما المأمول أن يُجيب أصحاب المصلحة عن الأسئلة السابقة إيجاباً، الأمر الذي يؤدي إلى البدء بالتغيير الفعلي، فإن الواقع يدل على غيبوبة لدى أولئك لا تحيدهم قيد أنملة عن الأخطاء التي لا يرونها.

إن الواقع يدل على عقم في ذهنية أصحاب القرار الفلسطينيين، ناجم عن إحباط لديهم لا يثنيهم عن التمسك والتمسمر في مراكز القيادة، وسط فراغ فكري وعملي لدى الفصائل يجعلها تتمسك بالمهرجانية لتعداد “الإنجازات” في التقارير الداخلية، إذ يتم تعداد الحفلات والاحتفالات والورش التي نُظمت من دون النظر إلى مَن يحضرها، وإلى نوعية المخرجات التي تنتج منها، ووسط لامبالاة شعبية باتت تهدد باندثار القضية الفلسطينية إلى الأبد.

لقد بتنا في مرحلة أصبح فيها اتفاق أوسلو ثقافة وليس مجرد اتفاق، فقد أوجد منهج بنية اجتماعية ومكتسبات نفعية ومصالح استهلاكية لا يمكن الفكاك منها بسهولة، وتسبب بشيوع فكرة استحالة التغيير والتسليم بالعجز والفشل والتعايش مع الواقع، بل أرسى ثقافة الهزيمة التي ترى أن لا جدوى من المقاومة حتى بصورها وأشكالها الشعبية والمدنية وغير المكلفة.

لكن هل الرد المطلوب هو في سياسة التمنيات والاستجداء حتى ممّن هو مسؤول عن النتائج، وهل يمكن أن يراهَن عليه لطرح البديل؟

اللامبالاة هي أن نظل رهائن لمتلازمة الفشل والعجز والاستجداء وأنه لا خير في العالم، وأن القضية تراجعت وليس في الإمكان أفضل ممّا كان، وبالتالي الجمود في المكان والإصرار على المسارات الخطأ.

في المحصلة، فإن الحل الحاضر، وربما الوحيد، قد يكون بالتخلي عن جميع السياسات التي اتُّبعت منذ ما بعد الانتفاضة الأولى، وبحل جميع الأطر التنظيمية والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية التي نشأت جرّاء توافقات أوسلو، سواء لدى أصحاب أوسلو أو معارضيه، والأهم من ذلك هو حل الأطر الفصائلية وإعادة بنائها بمنطق العمل السري، وقبل هذا كله، إعلان رسمي وفصائلي فلسطيني أن فلسطين كلها تحت الاحتلال، وأن الفلسطينيين في الداخل والخارج هم شعب مستعمَر يقع تحت احتلال استيطاني.

——————

[1] لمشاهدة مقطع الفيديو انظر صفحة “كامبجي” في الفايسبوك، في الرابط الإلكتروني التالي

[2] موسوعة ويكيبيديا، في الرابط الإلكتروني التالي

[3] Gabriel A. Almond & Sidney Verba, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations (New Jersey: Princeton University press, 1963), https://tinyurl.com/spsvhmn

[4] Anna Zhelnina, “The Apathy Syndrome: How We Are Trained Not to Care about Politics”, “Social Problems” (3/7/2019).

[5] Ibid.

[6] Ibid.

[7] Ibid.

[8] مقطع فيديو “كامبجي”، مصدر سبق ذكره.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق