الفكردراسات

تجديد التفكير الديني: معادلة الفلسفة والتجربة الروحية – «الإمام الغزالي وإقبال وطه عبد الرحمن»

كمال القصير | أواصر

من المهم الوقوف مقدّما عند الأهمية التي يمثلها التمييز بين تجديد «التفكير الديني» وتجديد «الفكر الديني»؛ فتجديد الفكر هو تجديد للمنتج في صيغته النهائية، في حين يعتبر تجديد التفكير الديني تجديدا للوسائل وأدوات إنتاج هذا الفكر، وبذلك فإن مجال البحث والنظر هو في أدوات التفكير التي بإمكانها إعادة إيصال العقل المسلم إلى فكر يتجدد بتجدد أدوات التفكير نفسها.

ويقع مفهوم التجديد لدى الكثيرين في الضفة الأخرى مقابلا مفهوم القديم، وهي الفرضية التي لا ينبغي التسليم بصحتها، فالتجديد ليس مفهوما زمنيا يحدد ويقيد عملية التجديد ضمن حيز زمني معين؛ لكنه أداة منهجية تتحرك داخل المنتج العقلي في صلته بالوحي عبر الزمن لاختيار الأنسب لتطور العقل المسلم ضمن مصادره، حتى لو تطلب الأمر العودة إلى أفهام سابقة زمنيا.

ولا يفترض كذلك في دعوى تجديد التفكير الديني، بمختلف منطلقاته ومستوياته، التسليم بوجود النقص في أدوات التفكير القديمة فهي بنت عصرها، وقد تكون دلالات القديم أحيانا كثيرة أبلغ من دلالات المعاصر، وقد يكون القديم تأسيسيا كما قد يكون الجديد تكميليا. وكثيرة هي النصوص التي تطالب العقل المسلم وتدعوه إلى أن يكون ندّا لها في قراءتها وتأويلها وتنزيلها على الواقع فهما وممارسة، ومن هنا تنشأ علاقة التلازم بين تجديد التفكير الديني وتجديد الإنسان نفسه ضمن مسارين (الفهم والممارسة) لا يقبلان الانفصام والقطيعة.

لا يتوقف تجديد التفكير الديني على امتلاك الأدوات المنهجية المناسبة لذلك فحسب، بل يتطلب الأمر جرأة عقلية لطرح الأسئلة الصعبة كذلك السؤال الذي طرحه إقبال من قبل، وهو على قدر بساطته وإثارته للاستغراب أبان عن قوّته وعمقه الفلسفي، وهو: هل الدّين أمر ممكن؟ وكان حق هذا السؤال في كتاب إقبال تجديدالتفكير الديني في الإسلام أن يكون هو مقدمة الكتاب وتمهيده النظري، لكنه جعله الأخير من حيث الترتيب المنهجي، والسبب في ذلك أنه اعتبر الإجابة عنه هي نفسها نتيجة البحث في مقاربات وأدوات تجديد التفكير الديني.

وفي هذا المجال أود الاستهلال بأسئلة مهمة تؤطر الموضوع بأكمله، طرحها أحد الباحثين في مقاربة أدوات تجديد التفكير الديني، تتعلق بقضايا الإنسان والدين عامة، وهي «مـن الـذي يفتـرض الاشتغال عليه أولا، الدين أم الإنسان؟ وما هو الحقل الأول للتجديد؟ بمعنى من أين نبدأ مشوار التجديد؟ من الداخل، مـن تحليـل النصوص وطريقة التعامل معها لتتغيّر عبر ذلك حياتنا وتتجدد وتتقدم؟ أم من الخارج بما يصلح وعينا العام وثقافتنا ويطوّر أجهزتنا المعرفية ويحسن مستوياتنا العلميـة؟»1.

إن إعادة ترتيب عناصر معادلة الإنسان والنص الديني تفرض تخليص هذا النص من وضع يكون فيه وحده هو موضوع التجديد وهدفه؛ ذلك أن تجديد التفكير الديني يتعلق ضرورة بالقارئ والمشتغل بالنص وضمن سياقه، وحاجته إلى النظر في أدواته التفكيرية، وإخضاعها للنقد والمراجعة. وأي عملية تجديد بشكل أوسع في الفقه أو الأصول أو الكلام تأخذ تطور الواقع بعين الاعتبار، وتجعله طرفا في معادلة التجديد، وإذا لم تستحضر الأبعاد الفلسفية والاجتماعية، فإنها تضع نفسها في مواجهة تحدي ضغوط تطور الرؤى الفلسفية والمعرفية للكون والخالق والإنسان، بما ينتهي بعملية التجديد إلى إنجاز فقه وأصول ورؤى غير واقعية.

إن النظام الاجتهادي للفقيه أو الأصولي أو المتكلم لا يتيح وحده منفردا نسقا متكاملا؛ فهنالك مداخل عديدة في تناول أدوات تجديد التفكير الديني يهمّنا منها في هذا المقام أحد المناهج التي اعتمدت لتجديد التفكير الإسلامي، ويتمثل اختصارا في معادلة «الفلسفة والتجربة الروحية». وتجديد التفكير الديني الإسلامي من منطلق فلسفي يعني تجدد أدوات النظر إلى العلاقة بين الإنسان والكون والخالق، بما تتيحه عملية التجديد من إمداد التصور الإسلامي بالإجابات اللازمة لتشكيل رؤيته الكونية التي تواجه باستمرار تحدّيات التطور العلمي والفلسفي وتساؤلاته المتجددة. فقد مثلت عملية تجديد التفكير من منطلق الجمع بين البعدين الفلسفي والتجربة الروحية العملية في تاريخ المسلمين مدخلا مهما في استقرار وحفظ رؤية الإسلام الكونية وإبراز أبعادها، متى ما قامت الدواعي المعرفية لمثل هذا النوع من التجديد. وسنحاول الوقوف عند نماذج لا تمثل كل المجهود التجديدي تاريخيا، لكنها تمثل حلقات مهمة ومفصلية لا يمكن تجاوزها في هذا الباب.

لقد جمعت معادلة «الفلسفة والتجربة الروحية» بين ثلاثة أسماء في مجال تجديد التفكير الديني حسب التسلسل الزمني: أبو حامد الغزالي ومحمد إقبال وطه عبد الرحمن، وهي لازالت تبرهن على فعاليتها وراهنيتها المستمدة من ضرورة التجديد باعتباره سنة كونية وشرعية من ناحية، وكذلك لمواجهة حالة السيولة في التنظير الفلسفي والأخلاقي المتدفق إلى المجال الإسلامي عبر مدارس الغرب الفلسفية والفكرية، من ناحية أخرى. وهو ما يفرض منهجيا الخروج من حالة تقديم الإجابات إلى حالة صنع البدائل المعرفية.

تأسيس المعادلة

من الناحية التاريخية، كانت بداية هذه المعادلة مع الإمام أبي حامد الغزالي الذي ساهم دون شك في منع تدفق تأثير الفلسفة اليونانية إلى العالم الإسلامي خلال القرن الخامس الهجري وما بعده. حيث نقض عددا من مقولاتها في عصره، لكنه أعرض بعد ذلك عن استكمال بناء مشروع فلسفي على أنقاض ما هدمه، لا تقليلا من أهمية الفلسفة، فقد درس مقاصدها، وإنما لاستقرار مقولاتها آنذاك على خلاف الرؤية الإسلامية للخالق والكون والإنسان. وإذا كان أبو حامد قد وصف الفلاسفة بالتهافت فإنه لم يصف الفلسفة نفسها بالتهافت. لتبقى دراسة جوانب ومساحات كثيرة من اشتباكه مع الفلسفة وردود مخالفيه عليه مع مرور الزمن ضمن مجال تاريخ العلوم والأفكار والفلسفات، دون توظيف تلك المواقف في العلاقة مع الفلسفة عموما.

قطع الغزالي إذن مع أجزاء تصورية كبيرة في فلسفة زمنه بعد صراع نظري استوعب فيه مقولاتها السائدة حينها كما يظهر في إنتاجاته، خاصة كتابيه مقاصد الفلاسفة و تهافت الفلاسفة، وهو بذلك استبعد أجزاء منها من مشروعه الإحيائي، وأضعف مكانتها ضمن أدوات تجديد الخطاب الإسلامي.  فعلاقة أبي حامد بالفلسفة إذن كانت علاقة هدم لم يعقبها محاولة إعادة بناء فلسفي بعيدًا عن هيمنة مقولات الفكر اليوناني المؤثرة آنذاك. وهو بذلك أعاد توجيه أحد طرفي معادلة «الفلسفة والتجربة الروحية» من خلال علم المنطق، واختار بناء إحيائه الديني على التجربة الروحية التي اعتبرها تجربة عملية.

الغزالي، الذي اعتبره محمد إقبال متشكّكًا فلسفيًا بما لا يخدم الروح القرآنية، وجد ضالته في علم المنطق، وجعل أحد أهم محاور تجديد التفكير الديني متعلقا بأداة التفكير الأولى وهي المنطق، بل جعله مقدمة لمشروعه الأصولي، ودافع عنه كمقدمة نظرية ضرورية للدخول إلى العلوم. وهو القائل «وليست هذه المقدّمة من جملة علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها فلا ثقة بعلومه أصلا»2. وبعد أبي حامد توالت جهود تعاملت مع هذه الأداة على رأسها جهود ابن تيمية، إلا أنه منذ تلك المرحلة ارتبط تطور هذا العلم بالغرب بشكل أكبر.

لقد ارتأى الغزالي تطوير جهود الإمام الشافعي واضع أصول الفقه وابتعاده عن أي توظيف لأدوات التراث اليوناني في المنطق والفلسفة. وإن كان بعض الباحثين قد أورد النزاع حول تأثر الشافعي بالفلسفة اليونانية من عدمه؟ واحتمال اطلاعه الوارد على ما كان متوفرا من التراث اليوناني3. لكن تطور مذهب الشافعي في نهاية الأمر آل إلى استيعاب علوم المنطق ضمن أصول الفقه.

اختار الغزالي علم المنطق لأنه «منهج عقلي وصورة مجردة تعبر عن عقلانية أي مذهب أو نسق فكري، فهو تعبير عن نمط الفكر ووظيفته معا، ووسيلة لتأييد الفلسفات التي انطلق منها المنطق»4 في قوله: «وأما المنطقيات فأكثرها على منهج الصواب والخطأ نادر فيها. إذ غرضها تهذيب طرق الاستدلال، وذلك مما يشترك فيه النظّار»5. بل يؤكد معادلة التصديق المنطقي حتى في ميدان التصوف وربط الذوق الصوفي بالبرهان المنطقي. حيث ذكر في إحياء علوم الدين أنه «أثناء المجاهدة قد يفسد المزاج ويختلط العقل ويمرض البدن. وإذا لم تتقدم رياضة النفس وتهذيبها بحقائق العلوم نشبت بالقلب خيالات فاسدة تطمئن النفس إليها مدة طويلة، إلى أن يزول وينقضي العمر قبل النجاح فيها. فكم من صوفي سلك هذا الطريق ثم بقي في خيال واحد عشرين سنة، ولو كان قد أتقن العلم من قبل لانفتح له وجه التباس ذلك الخيال في الحال. فالاشتغال بطريق التعلم أوثق وأقرب إلى الغرض»6.

لم يقصد الغزالي تجديد أصول الفقه فحسب؛ فقد تنبه إلى أن أصول الفقه الذي يعتمد لغة العرب يمثل عمود الاستدلال في الخطاب الإسلامي، وتنبه أيضا إلى أن الخطاب الإسلامي ليس للعرب فحسب، بل لجميع الأمم بما تمثله من ثقافات ولغات مختلفة، وهي معطيات تفرض أن يتم تجديد عمود الخطاب الإسلامي بعلم المنطق لتمكينه من استيعاب معطيات التمدد الحضاري. ولذلك فخطوة الغزالي لم تكن خطوة تعليمية فحسب، فقد كانت متعلقة بطبيعة الفكر الديني بشكل عام وتأثيره في مجتمعات المسلمين على اختلافها. إذ المنطق جامع للعقول ومانع من بروز التصورات والرؤى المتباينة. وقد وصف أحد الباحثين صنيع الغزالي مع المنطق وصفا جميلا، حيث اعتبر أن الغزالي «طبيب حضاري، إذ شخّص مشكلة الفكر الإسلامي، وقدّم بناء على هذا التشخيص الدواء الذي اعتقده مناسبا، وهو أسلمة المنطق الأرسطي والتأصيل له قرآنيا»7.

وهذا يعني بالضرورة أن أصبح علم المنطق ذي الأصول اليونانية شرطا وعنصرا من عناصر الاجتهاد الذي يعتبر محركا أساسيا في عملية التجديد. وإذا كان جهد الغزالي يظهر أهمية الترابط في التجديد بين علوم الدين، إذ يصعب أن يتجدد الخطاب الديني بالاقتصار على أحد فروعه، فإنه ينبغي الانتباه إلى أن إدخال علم المنطق إلى الفضاء الأصولي لم يكن عملية تعليمية كما سلف، بل إدماجا لأداة من أدوات التفكير في صلب عملية التفكير والاستدلال العقلي الإسلامي. لقد أدت تلك الخطوة دورا مهما، لكن أدوات علم المنطق نفسها قد عرفت تغيرات كبيرة وانتقادات وتعديلات خاصة في الفكر الغربي، تجعل علم المنطق بحاجة إلى تجديد في المجال الإسلامي، بعد أن وجهت انتقادات قوية للمنطق الأرسطي وكيفية اشتغاله منذ محاولة الفيلسوف بيكون في كتابه المنطق الجديد الأرغانون الجديد.

إقبال وتجديد وسائل إنتاج الفكر الديني 

إن إحدى المفارقات ونقاط القوة في آن واحد عدم تأثر محمد إقبال بضغط السياق الزمني والتحولات الهائلة التي حدثت في وقته في المجال الإسلامي على أسلوب تفكيره، ويتمثل في اختياره المنطلق الفلسفي لتجديد التفكير الديني الإسلامي ضمن سياق عرف سقوط الخلافة الإسلامية، ولعل ذلك كان يفرض عليه الاهتمام بأدوات التجديد في السياسة والحكم كما فرض على الكثيرين، إلا أن إقبال أعاد الانطلاق من نفس المعادلة كأساس للتجديد. إلا أنه مع حماسته لأهمية المقاربة الفلسفية في التجديد فقد غلب عليه منحى بيان مقولات الفلسفة الغربية وتوظيفها، ثم الرد على ما لا يتلاءم منها مع الرؤية الإسلامية. ومع أهمية كثير من الأفكار والتأملات الفلسفية التي أبدعها، بما يظهر للدارس عمقا فلسفيا قويا، إلا أنه لم يتمكن من إنجاز عناصر فلسفية جديدة وبدائل على مستوى المفاهيم.

في مشروع محمد إقبال، الذي لم يستطع منهجيا أن يتجاوز تراث أبي حامد الغزالي الواضح في إنتاجه، هنالك سعي لإعادة تقوية وتوظيف البعد الفلسفي ودمجه في عملية تجديد التفكير الإسلامي، وصولا إلى معادلة تعيد صياغة العلاقة بين الفلسفة والتجربة الروحية صياغة حديثة، لكن مع الاعتراف بحاجة المقاربتين الفلسفية والروحية نفسيهما إلى تجديد. وبوعي معرفي أو من غير استحضار هذا الوعي، لم يستطع إقبال الخروج من عباءة أبي حامد مع سعيه الكبير لتعديل وجهة تجديد التفكير الديني، فقد ظل إقبال ساعيا إلى إصلاح أوضاع طرفي معادلة «الفلسفة والتجربة الروحية» كمدخل لمشروعه التجديدي في سياق نزعة توفيقية.

وضع إقبال مداخل نظرية عديدة تؤسس لتجديد التفكير الديني الإسلامي، ويعتبر المدخل الفلسفي أحد هذه المداخل الأساسية. ويبدو هذا المنحى واضحا من الصفحات الأولى التي صرح فيها بأنه «أخذ بعين الاعتبار المأثور من فلسفة الإسلام، إلى جانب ما جرى على المعرفة الإنسانية من تطور في نواحيها المختلفة»8. إلا أن ما أسماه إقبال مأثورا من فلسفة الإسلام كان بضاعة متواضعة، إذا استثنينا توظيف عدد محدود من الأفكار الأشعرية المهمة عن الجواهر الفردة وتوظيف إقبال لها مقارنا ذلك بالعلوم الحديثة، ثم توظيفه لبعض مقولات محدودة للغاية لفيلسوف المعتزلة إبراهيم بن سيار النظام. لكن محصلة المأثور الفلسفي في الإسلام لم يتضح في مشروعه، فضلًا عن ابتعاده عن ذكر الفلاسفة المشتغلين تاريخيًا في المجال الإسلامي. لقد واجه إذن معضلة تواضع المأثور الفلسفي الإسلامي، واستبدل بهذا المنحى تأملات فلسفية أبدعها حول القرآن والسنة في بعض الأحيان. كما أننا نستطيع أن نصف مجال العلوم الإنسانية في شقه الفلسفي في العالم الإسلامي بأنه متواضع أو ضعيف من ناحية الإنتاج المعرفي مقارنة بالغرب. ولذلك فإن أهمية استحضار التطور الفلسفي الغربي، وإدراك أبعاده واتجاهاته، يستمد ضرورته في تجديد التفكير الديني؛ من كون جزء مهم من عملية التجديد تتمثل بالأساس في مواجهة تحديات معرفية متواصلة تطرح على العقل المسلم، وتدفعه إلى إعادة قراءة علاقته بالنصوص التأسيسية وكيفية توظيفها.

أدرك إقبال منذ البداية أهمية البعد الفلسفي في عملية تجديد التفكير الديني، ولذلك اعتبر أنه «ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أن التفكير الفلسفي ليس له حدّ يقف عنده، فكلما تقدمت المعرفة وفتحت مسالك للفكر جديدة أمكن الوصول إلى آراء أخرى، فالواجب يقتضي ترقب تقدم الفكر الإنساني»9.

استلهم كثيرا من فكر ونظر أبي حامد، وهو واضح جليا في التركيز على مقاربة إعادة بناء العلاقة مع ميدانين: التجربة الصوفية والفلسفة، ودورهما في إعادة تشكيل الخطاب الديني. لقد تصور إقبال التجديد ضمن دائرة النظر في العلاقة مع التصوف والفلسفة، وكيفية تجديد هذين المدخلين في البناء الأكبر لعملية التجديد. وأكد النتيجة التي اتضحت في أعمال حجة الإسلام الغزالي مع تعديل فيها بقوله: «إن الفلسفة اليونانية مع أنها وسعت آفاق النظر العقلي عند مفكري الإسلام، فقد غشّت على أبصارهم في فهم القرآن»10.

لم يخف إقبال ميوله للمدرسة الأشعرية ومقولاتها، واعتباره أن البناة من مفكري الأشاعرة كانوا على طريق الصواب، حيث سبقوا الفلسفة المثالية إلى قدر من أحدث آرائها. وإذا كان إقبال يشبه الغزالي بالفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، إلا أنه اعتبر أن التشكك الفلسفي الذي اصطنعه الغزالي قد أضعف المذهب العقلي في العالم الإسلامي. وهي النتيجة التي عمل إقبال على خلافها في مشروعه الذي ركز على توطين الاتجاه العقلي في التجديد الديني. ولذلك تحدث إقبال عن أن الدين، نظرا لوظيفته، هو «أشد حاجة حتى من المبادئ العلمية المسلّمة إلى أساس عقلي لمبادئه الأساسية، فقد يتجاهل العلم الإلهيات التي تعتمد على العقل، بل لقد تجاهلها حتى الآن. ولكن الدين لا يكاد يستغني عن السعي إلى التوفيق بين المتضادات التي نجدها في عالم التجربة»11. لكن ذلك مع استحضار أن النظر العقلي في الإيمان ليس معناه التسليم بتعالي الفلسفة على الدين. ولذلك اعتبر إقبال أن «التماس الأسس العقلية للإسلام قد بدأ بالرسول صلى الله عليه وسلم نفسه»12.

نفى إقبال أمرين أساسيين مناقضين لمفهوم التجديد، وهما «العبثية والكمال»، عند وقوفه على رؤية القرآن المصدر الأول للعقل المسلم، من خلال الإجابة عن السؤال الأول الذكي بنيويا، وهو ما طبيعة العالم الذي نعيش فيه كما صوره القرآن؟ ثم يجيب بأن خلق العالم ينفي العبثية أولا، أما ثانيا فإن العالم «ليس كتلة أو إنتاجا متكاملا، وهو ليس جامدا غير قابل للتغيّر والتبدّل، بل ربما استقر في أعماق كيانه حلم نهضة جديدة»13.

وتدفع الإجابة المتقدمة إلى الحديث عن طبيعة الاتجاه التجريبي الذي اعتبره اتجاها عاما في القرآن، وهو ما كون في أتباعه شعورا بتقدير الواقع. فالقرآن يرى أن العالم له غايات جدّية؛ إذ إن تطوراته المتغيرة تحمل الحياة على التشكل بصورة جديدة. وهذا الاتجاه التجريبي يمتد ليشمل الجوانب المادية والروحية، التي سماها إقبال «الرياضة الدينية»، فهي في نظره جزء من التجربة الإنسانية التجديدية. وبما أن «القرآن يسلم بأن الاتجاه التجريبي مرحلة لا غنى عنها في حياة الإنسان الروحية، فإنه يسوّي في الأهمية بين جميع ضروب التجربة الإنسانية باعتبارها مؤدية إلى العلم بالحقيقة النهائية»14. ومؤدّى الاتجاه التجريبي في القرآن يجعل من غير الصواب تقبل مستويات ومداخل في التجديد دون أخرى قد تكون ذات أهمية كبيرة. لكن بالمقابل، فات إقبال حين انتقد الغزالي في تأسيسه ما أسماه إقامة الدين على دعائم من التشكك الفلسفي، وهي بالنسبة إليه غير مأمونة العواقب ولا تسوغها روح القرآن، أن المنهج التشكيكي الذي تبناه الغزالي هو الذي فتح الأبواب لعصر العلوم التجريبية في أوربا منذ الفيلسوف ديكارت. وكان الأولى بإقبال في هذا الجانب البناء على منهج الغزالي الذي لا يخالف فيما يبدو روح القرآن في الانطلاق من الشك للوصول إلى اليقين، كما ورد في قصص الأنبياء ومناهج البحث والاستدلال العقدي في سيرهم.

لقد اعتبر إقبال أن أحد مداخل التجديد يمرّ عبر تجديد النظر إلى وظيفة الرياضة الدينية، وبالنسبة إليه فإن «مجال التجربة الصوفية من حيث هو سبيل إلى المعرفة مجال حقيقي، لا يقلّ في ذلك عن أي مجال آخر من مجالات التجربة الإنسانية، ولا يمكن تجاهله لمجرد كونه لا يرجع في نشأته إلى الإدراك الحسّي»15. وبالنتيجة فإن «الدّين ليس علم الطبيعة أو الكيمياء الذي يبحث عن تفسير للطبيعة في قوانين السببية، ولكن غايته الحقيقية هي تفسير ميدان من ميادين التجارب الإنسانية، هو ميدان الرياضة الدينية الذي يختلف عن ميادين العلوم، والذي لا يمكن ردّ أسسه إلى أسس علم آخر»16.

وبخلاف علاقة الغزالي بالفلسفة، سعى إقبال إلى إعادة توجيه طبيعة العلاقة بين الدين والتفكير الفلسفي؛ عندما اعتبر أن الفلسفة إذا تهيأت للحكم على الدّين، فهي لا تستطيع أن تفرد له مرتبة دنيا بين الموضوعات التي تتناولها؛ لأن الدين ليس أمرا جزئيا وليس فكرًا أو شعورًا مجرّدًا، ولا عملا مجرّدًا كذلك، بل هو تعبير عن الإنسان كلّه، ولا مناص للفلسفة من التسليم بأن للدين شأنا جوهريا في التأليف بين ذلك كله تأليفًا يقوم على التفكير.

وحاول تجاوز معادلة حجة الإسلام الغزالي من خلال ربط التجديد بأبعاد روحية كما أراد الغزالي في التصوف، لكن مضافا إليها أبعاد فلسفية كانت مستبعدة بالنسبة إلى أبي حامد الذي اعتبر الفلسفة بوضعها في زمنه لا تمثل مصدرًا لتجديد التفكير إلا من خلال الاستفادة من بعضها بعد تفكيكها. وقد اختار إقبال عنوانا ذكيا في الفصل الثاني من كتابه حول تجديد التفكير الديني، يعكس الربط الذي تحدثنا عنه سابقا حين سمّاه «البرهان الفلسفي على ظهور التجربة الدينية»، وأظهر فيه نفسًا وقدرة فلسفية كبيرة في مقاربة التجديد الديني من منطلق فلسفي مع رده على عدد من الفلاسفة الغربيين.

إن تجديد التفكير الديني ليس تجديدًا للدّين فحسب، بل هو تجديد للحياة بأكملها لما يحمله ذلك من معنى التغيير، وبالنسبة إلى إقبال فإن الطبيعة لا ترينا شيئا سوى التغيّر؛ إذ هي لا تستطيع أن تخلق فينا فكرة الكائن الكامل. وبهذا المنطق من التحليل يغدو تجدّد التفكير الديني تجدّدًا للإنسان نفسه؛ لأن التجديد يتنافى مع مبدأ الكمال، سواء بالنسبة إلى الإنسان أو العلم.

وفي فلسفة التجديد عند إقبال هنالك ارتباط بين مفهوم التجديد والخلق، وكل ذلك ضمن أبعاد الزمان والمكان المتغيرة. و«الخلق يضادّ التكرار الذي هو من خصائص الفعل الآلي، والعلم (science) يسعى إلى إيجاد تماثل واطّراد في التجربة أي قوانين التكرار الآلي، لكن الحياة بما فيها من إحساس عميق التلقائية تقيم قواعد الاختيار، فتخرج بذلك عن نطاق الجبر»17.

يحمل التجديد القرآني معاني وصفات النمو والتمدّد في المناهج والأفكار، ولذلك مازال يقدم مشروع إقبال فهمًا عميقًا للغاية عن ارتباط تجديد التفكير الديني بطبيعة نظرة القرآن إلى العالم. و«ليس أكثر بعدا عن نظرة القرآن من القول بأن العالم تنفيذ في سياق الزمان لخطة سبق وضعها، فالعالم في نظر القرآن قابل للزيادة، هو عالم ينمو، وليس صنعا مكتملا خرج من يد صانعه من حقب بعيدة ممتد في الفضاء، أشبه ما يكون بكتلة ميتة من المادة لا يفعل فيها الزمان شيئا»18.

إن أحد العناصر المهمة في سلسلة مشروع التجديد يرتبط بمجال الثقافة الإسلامية وروحها. ويرتبط أيضا بنظام الاجتهاد الذي يعتبر ثمرة ختم النبوّة. ويقف إقبال عند ما يسمّيه القيمة الثقافية لإحدى الأفكار الإسلامية العظيمة وهي فكرة ختم النبوّة، فرغم انتهاء النبوّة فإن «الطريقة التي استعمل بها القرآن الوحي تبين أنه صفة عامة من صفات الوجود، والحيوان الذي ينشئ له تطوره عضوا جديدا ليمكنه من التكيف مع بيئة جديدة، والإنسان المستلهم للنور من أعماق الوجود كل أولئك أحوال من الوحي، تختلف في طبيعتها وفقا لحاجات من يستقبل الوحي»19. فالتجديد بهذا المنطق يعتبر استمرارا لنوع ونمط من أنماط الوحي المختلفة.

إن مولد الإسلام إذن هو مولد العقل الاستدلالي، وإذا كان تجديد الدين من ضرورات مرحلة ما بعد ختم النبوّة، فإن «النبوّة في الإسلام لتبلغ كمالها الأخير، هو في إدراك الحاجة إلى إلغاء النبوة نفسها. وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمدا إلى الأبد على مقود يقاد منه، وإن الإنسان لكي يحصل كمال معرفته لنفسه ينبغي أن يترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو»20. ولحظة تأسيس فكرة الاجتهاد منذ البداية مثلت لحظة ظهور الأفكار الحرة والمتحركة في الإسلام، وهي أدق اللحظات في تاريخه حسب إقبال. وارتباطًا بهذا المنحى، هنالك ملاحظات في غاية الأهمية العلمية والمنهجية في مشروع إقبال تستمر راهنيتها والحاجة إليها، وترتبط بفهم واستيعاب مبدأ الحركة في بناء الإسلام الذي يصفه بأنه حركة ثقافية. وبهذا الاعتبار فإن الاجتهاد بمختلف مجالاته يقع في صلب مبدأ الحركية في الإسلام، بما يتيحه من الحق الكامل في التشريع.

وضع إقبال سؤالا مهمّا حول قابلية شريعة الإسلام للتطور؟ وهو مهم لأن التجديد والتطوّر متلازمان. وبالنسبة إلى إقبال فإن مصادر الفقه والتشريع الهائلة العدد تجعل الناقد بمنجاة من الرأي السطحي القائل بجمود الشريعة. لكن بالمقابل فإن النقص الكبير في هذا المجال يتمثل في ضآلة الدراسات النقدية لكتب الفقه والتشريع. ولذلك فإن «الدرس الدقيق لمدارس الرأي الفقهي على اختلافها في ضوء التاريخ السياسي والاجتماعي المعاصر، يبيّن أن المشرّعين تحولوا شيئا فشيئا عن طريقة الاستنباط في تأويلاتهم إلى طريقة الاستقراء»21.

وتتمثل إحدى القضايا المنهجية ذات الأهمية في ارتباط البعد التجديدي الفلسفي بالأبعاد الفقهية والتشريعية، ولذلك خصّص إقبال فصلا مهمّا لدراسة دور ووظيفة مصادر الإسلام من القرآن والسنة والإجماع والقياس، وجعل البحث حولها جزءًا من بحثه الفلسفي الأعم. وفي قضايا التشريع يضع إقبال المصادر الأربعة منطلقات للتجديد، لكن قدرته التحليلية في هذا الجانب كانت أضعف تنظيريًا مقارنة بالمقاربة الفلسفية التي قدمها. والتاريخ يقول إن أصحاب المذاهب الفقهية أنفسهم لم يدّعوا أن تفسيرهم للأمور واستنباطهم للأحكام هو آخر كلمة تقال فيها. و«حكم القرآن على الوجود بأنه خلق يزداد ويترقى بالتدريج يقتضي أن يكون لكل جيل الحق في أن يهتدي بما ورثه من آثار أسلافه، من غير أن يعوقه ذلك التراث في تفكيره وحكمه وحل مشكلاته الخاصة»22.

والإجماع أحد أهم الأفكار التشريعية في الإسلام، وهو يمثل، باعتباره مصدرًا من مصادر التشريع، مدخلاً ومنطلقًا للتجديد. وفي هذا الموضع أبدى إقبال استغرابا من نشوء الخلاف العلمي حول أهم الأفكار التشريعية، و«قلما اتخذ الإجماع شكل نظام دائري في أي بلد من بلاد المسلمين»23.

تجديد التفكير الديني في مشروع إقبال يمرّ أيضا عبر تجديد أدوات خطابات فرعية أخرى تجسدها مدارس التدين المختلفة. ومع تأكيده الأدوار التي اضطلعت بها المدرسة الصوفية وأسلوبها الذي نمت به الحياة الدينية، فقد أضحى في حاجة إلى تجديد يدعم الفرد وإعداده للمشاركة في موكب التاريخ. و«السّمو إلى مستوى جديد في فهم الإنسان لأصله ولمستقبله من أين جاء، وإلى أين المصير، هو وحده الذي يكفل له آخر الأمر الفوز على مجتمع يحرّكه تنافس وحشي، وعلى حضارة فقدت وحدتها الروحية بما انطوت عليه من صراع بين القيم الدينية والقيم السياسية»24.  وسنرى استكمال حلقات هذه المعادلة في مشروع طه عبد الرحمن الأوسع تفصيلا وتنظيرا.

طه عبد الرحمن وسعي استكمال المعادلة

ليس بعيدا عن الصواب إذا بدأنا بملاحظة أن المطلع على مشروع طه عبد الرحمن يحصل لديه انطباع بأنه «غزالي صغير». فهو بلا شك ينتمي إلى نفس الدائرة والمعادلة التي تحدثنا عنها سابقا، ويشتغل ضمن سياقها، لكنه أضاف إليها أبعادًا ومقاربات وبدائل ذات أهمية منهجية ومعرفية كبيرة تجاوز بها محاولة محمد إقبال بمراحل. وساعده في ذلك اتساع اطلاعه على الثقافة الإسلامية. وربما اختلفت درجة استيعاب محمد إقبال الفلسفة الغربية مقارنة بطه عبد الرحمن أو العكس، أو استويا في ذلك، لكن الواضح أن استيعاب طه عبد الرحمن للثقافة الإسلامية أوسع، وهو ما يتيح له الغوص بشكل أعمق في التنظير والتأصيل ضمن الرؤية الإسلامية.

الإنسان، ببعديه العقلي الاجتهادي والروحي القيمي، هو محور التجديد عند طه ضمن فلسفة القيم النظرية والأخلاقية. وقبل التفصيل في هذه المسألة، فقد قسّم طه في كتابه بؤس الدّهرانية القيم إلى نوعين: القيم الزاحفة؛ التي تحصر تطلعات الإنسان في نطاق الحياة المادية، فحيثما توجّه لا يجد إلا أفق المحسوسات، حتى كأنه يزحف على بطنه في عالمه، فهذه القيم تتحدد بها «الإنسانية الزاحفة». أما القسم الآخر فيسمّيه «القيم العارجة»؛ التي ترفع همّة الإنسان إلى الانطلاق في آفاق أرحب من العالم المادي، فهذه القيم تتحدد بها «الإنسانية العارجة»25.  وبالنسبة إليه، فإن «الدين منهج كامل يحيط بكل فعاليات الإنسان في تكاملها، وتعالق بعضها بعضا»26.

وطرح في كتابه سؤال الأخلاق سؤالا حول شروط وموانع تجديد الفكر الديني الإسلامي. وقام بتفصيل شروط هذا التجديد التي تنقسم إلى شروط عملية وأخرى نظرية.  فلا «تحقق الشروط العملية الشمول والتكامل في الإسلام إلا إذا تعلقت بأخص أوصاف الإنسان. ومعلوم أن أخص أوصافه هي الأخلاق، فلا تجديد ديني بغير تجديد الأخلاق»27.

وتأكيدًا على أهمية المعادلة الروحية، ينتقد طه تيار الانبعاث الإسلامي الجديد «الذي لم يعر لحد الآن كبير اهتمام لهذا الجانب الروحي من الممارسة الإسلامية، وتسابق إلى إيلاء كل عنايته إلى الجانب المادي من هذه الممارسة، مثل الجانب السياسي أو الاقتصادي، منزلا الأصل منزلة الفرع، واللاحق منزلة السابق، استعجالا من المسلم لتدارك التقدم الحضاري»28.

إن إحدى خلاصات مذهبه في مفهوم التجديد في هذا الجانب أن «التجديد في منظور الإسلام ليس هو مجرد التشييد للصرح الدنيوي من حظوظ خاصة ومصالح مشتركة، بل هو أشرف من ذلك درجات نظرا إلى أنه يطمح إلى تشييد علاقة الإنسان بربه، ولا هو مجرد التغيير في الوعي السياسي للأفراد، بل هو أوسع من ذلك درجات؛ لأنه ينزع إلى تغيير الإنسان بوصفه كلاّ متكاملا»29.

وحدد الشروط النظرية للتجديد في ثلاثة: أولاً التحقق بالعمل الشرعي، وثانيًا استعمال العلم، وثالثًا التوسل في النظر بمفاهيم عملية شرعية. ويقصد من التحقق بالعمل الشرعي «أن تكون الإنتاجية الفكرية قائمة على التحقق بصفات العمل الشرعي، فتنال هذه الإنتاجية حظا من التوفيق الإلهي فيما تتجه إليه من مقاصد»30. ويقصد باستعمال العلم أن يعمل العالم بما يعلم، «فالعلم الذي يدعو إليه صاحبه وهو لا يعمل به هو نظر واقع في محظورين: السقوط في التجريد، والقصور عن الفائدة»31. وأما مقصوده بالتوسل في النظر بمفاهيم عملية شرعية، فهو «التوسل في تشييد البناءات النظرية بمقولات وبنيات متولدة من التحقق بالعمل ومستمدة من الاشتغال الشرعي، وليس المقصود بهذا الإمكان ما وقع فيه بعض الطالبين للتأصيل الإسلامي للمعرفة من تزيين إسلامي للبناء العلمي المنقول عن الغرب»32.

ينطلق إذن طه عبد الرحمن من نفس المعادلة التاريخية للتجديد، وهو أكثر تفصيلا وإنجازا للبدائل الفلسفية ضمن هذه السلسلة. لكن الصعوبات التي تواجه مقاربته تتمثل في كونها تقع زمنيا ضمن سياق تغلب فيه المقولات الفلسفية الغربية، وتشغل الحيز الأكبر في مجال العلوم الإنسانية في شقها الفلسفي، وتقع أيضا في ظل التعقيدات التي يواجهها الاعتماد على مدخل التجربة الروحية. والمطّلع على فكر إقبال من قبل يدرك أنه كان سباقا في إلماحه وملاحظته للسرعة الكبيرة التي ينزع بها المسلمون في حياتهم الروحية نحو الغرب. فكلا طرفي المعادلة في حاجة إلى عملية التجديد بالنظر إلى وضعيهما؛ ذلك أن صعود الفلسفات يعقبه تأثير في المساحات التي يشغلها الدين.

ويبدو ضروريا الإشارة إلى إحدى الإشكالات الأساسية التي ترتبط بمشروع طه عبد الرحمن؛ وتتمثل في تعقيد أسلوب توظيف وتوليد الاصطلاحات العلمية التي يفترض فيها الوضوح. بالمقابل، فإن استخدامه مصطلحات وتقسيمات فلسفية جديدة هو أمر بالغ الأهمية من الناحية المنهجية، ويقدم الكثير للمعرفة الإسلامية؛ إذا تجاوز منطق الموائمة وتحرّر من التعقيد في بناء الحدود التعريفية والاصطلاحية. ويبقى عملاً تجديديًا واضحًا في مؤلفاته التي نجد فيها الربط بين معادلة التفلسف وتصديقها بالتجربة الروحية.

ويتحرك طه عبد الرحمن ضمن مجال إسلامي لا يبدو فيه التراكم الفلسفي الإسلامي قاعدة انطلاق ذات قيمة كبيرة. وربما اعتبر أن ما يسمى فلسفة إسلامية مع فلاسفة أمثال: ابن سينا والفارابي وابن رشد وغيرهم لا تستحق أن تسمّى فلسفة إسلامية إلا من باب انتماء أصحابها إلى المجال الإسلامي، لا لكونها تمثل رؤية فلسفية إسلامية. وقد تقدم خطوات مقدّرة في سعيه إلى بناء مشروع فلسفي يضع بدائل مقابلة لعدد من المقولات الفلسفية الغربية؛ بدائل تنطلق اجتهادًا واستلهامًا وتوليدًا من المعجم الإسلامي اصطلاحًا ومضمونًا، مثل تقسيمات العقل على سبيل المثال بين مجرّد ومؤيد ومسدّد، وغيره كثير. إن تجديد التفكير ليس مجرد مواءمة للتراث مع منتجات الفلسفة الغربية، والسعي وراء التجديد بناءً على المقولات الفلسفية الغربية، خاصة في ما يخص فلسفة الحداثة وما بعد الحداثة على سبيل المثال، وحالة السيولة الفلسفية المتنامية يوقع في مزيد من التناقض مع الرؤية الكونية للإسلام، بل يجعل حتى عملية الموائمة في حدها الأدنى فلسفيا أكثر تعقيدا وخطورة، ويبدو ذلك واضحا في أعمال طه عبد الرحمن وقوة الرفض للمقولات الفلسفية الغربية، وتخصيص حيز كبير من إنتاجاته للرد عليها ودحضها.

وتتمثل أكثر التحديات التي يواجهها هذا المشروع في القدرة على التعامل مع حالة السيولة الفلسفية التي يتم عبرها إعادة بناء مفاهيم جديدة للمعنى الأخلاقي، وإيجاد نماذج ومقولات تعيد تعريف القيم الإنسانية بعيدًا عن الثوابت عامة دينية أو عقلية. وللمثال أظهر طه عبد الرحمن مجهودًا مقدرا لإعادة توجيه وتعريف مفهوم الحداثة الغربية، وفرق بين روح الحداثة الممكن وواقع الحداثة المرفوض، بحثا عن تأسيس حداثة إسلامية مغايرة للحداثة الغربية، لكن تمثلاتها مازالت غائبة في الواقع. ذلك أن هذا البحث عن الحداثة يقع في سياق تجاوزت فيه حالة السيولة في الفلسفة الغربية المقولات التي ارتبطت بفكرة الحداثة، ولتبقى حتى «ما بعد الحداثة» مجالا سائلا. وهو ما يفرض ملاءمة ومتابعة أخرى لهذا النزوع الفلسفي السائل والضاغط، ذي الأذرع الكونية المختلفة من حيث نماذجه الاقتصادية والذوقية والثقافية المجتمعية. وبات التركيز على المقاربة الأخلاقية التي تعتبر أن ماهية الإنسان-تُحدِّدها الأخلاق-غير كافية لوحدها، وهو ما انتبه له محمد إقبال من قبل.

إن إحدى الأفكار المهمة في عمق تجديد التفكير الديني في مشروع طه عبد الرحمن اعتباره أن «الدين هو أول مشروع مفتوح بحكم دوام أهله على تنزيل ما يجدّ من الحوادث على القواعد العامة المأخوذة من نصوصه المنزلة، بحيث لا ينفك فقهه يتقلب في أطوار منفتحا على الممكنات»33.  وقوام مشروع التأسيس النظري لتجديد التفكير الديني يمر من خلال تركيب فلسفي عقلاني يستند إلى تجربة إيمانية حية. وهو بذلك يمثل محاولة معتبرة لاستكمال تجربتي الغزالي وإقبال سواء بقصد أم من غير قصد.

التجديد مناقض للتقليد ومصاحب للاجتهاد، ولذلك فإن طه عبد الرحمن، مثل إقبال، يركز على أهمية الاجتهاد لكن بمفهوم أكثر اتساعا خارج دائرة الفقه وارتباطاته، وبالنسبة إليه هنالك فئتان: فئة تقليدية تقلد المتقدمين، وفئة الحداثيين التي تقلد المتأخرين، وجميعها بعيدة عن مجال الاجتهاد ولا تقدم فائدة للعقل المسلم. وفي تقسيمه لطرق التقليد يرى أن تقليدهم ليس «تقليد منافسة» رغبة في مزاحمة غيرهم في البلوغ والإدراك، وليس «تقليد مماثلة» بأن يأتوا بمثل ما أتى به غيرهم انتزاعا للاعتراف لأنفسهم، وليس «تقليد تشبّه» يمكّن من الخروج إلى وضع التحقق. وهذا التقليد الأعمى في نظره هو «تقليد تعبّد» طوعا، فهو «عبودية فكرية»34.

يلتقي طه عبد الرحمن مع إقبال في كون الفكر الفلسفي الغربي بات أكبر عائق في سبيل الرقي الأخلاقي للإنسان. لهذا فإن الدين المتجدد في نظرهما هو وحده القادر على إعداد الإنسان العصري إعدادًا أخلاقيًا.

خاتمة

لكل عصر مشاريعه الفكرية، وله كذلك البناة والغوّاصون في مكونات تلك المشاريع وأسسها.  وإذا كانت معادلة «الفلسفة والتجربة الروحية» قد أسّست للتلاقي بين هذه المشاريع العلمية الثلاثة في مجال التجديد على قاعدة البعد الفلسفي والروحي، فإن اختلاف زوايا النظر بينها وكيفية توظيفها يزيد أدوات التجديد تكاملا. ذلك أن السياق الزمني وأوضاع العلوم قد تطوّرت خلال المراحل الزمنية التي اشتغلت في نطاقها هذه المشاريع. فلا الفلسفة في زمن الغزالي هي نفسها في مرحلة محمد إقبال ولا في فترة طه عبد الرحمن الحالية. كما أن حضور وتأثير التجربة الروحية في إطارها العلمي والاجتماعي مختلف أيضا. إن إحدى النتائج الأساسية التي يمكن استخلاصها، من لدن الغزالي إلى إقبال حتى طه عبد الرحمن، تظهر أن الفلسفة الناشئة خارج المجال التداولي الإسلامي تمثّل ضغطًا وتحديًا زمنيًا ومعرفيًا متجدّدًا بالنسبة إلى طريقة اشتغال النظام المعرفي الإسلامي في المحاور الثلاثة الأساسية: الخالق والكون والإنسان.

إن علاقة أبي حامد بالفلسفة كانت علاقة هدم لم تعقبها محاولة إعادة بناء فلسفي، فالهدم بالنسبة إليه كان مدخلا لتجديد الفكر الإسلامي، بينما علاقة إقبال بالفلسفة علاقة توظيف لمكوناتها في تجديد الرؤية الإسلامية، في حين يبدو أن طه عبد الرحمن سلك منهج الجمع بين توظيف الفلسفة وإيجاد البديل والمقابل الإسلامي لعدد من قضاياها التي يشتغل حولها.

إن الغزالي قد غلّب حضور التجربة الروحية في عملية تجديد التفكير الديني ومنحها المساحة الأكبر، لكن إقبال توسّط في بحثه عن التوفيق بين المجالين الفلسفي والروحي من خلال السعي إلى البرهنة على خضوعهما معًا لمنطق التجربة العلمية. في حين يوازن طه عبد الرحمن بين دور الفلسفة والتجربة الروحية ومحاولة صبغ الفلسفة بالروح والتخلّق.

الهوامش

  1. حيدر حب الله، «مشروعية تجديد الفكر الديني، هواجس ومسوّغات»، ثقافتنا للدراسات والبحوث، العدد 22، 2010، ص 64.

http://www.thaqafatuna.com/article_323_62.html

  1. المستصفى في علم الأصول، تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي، بيروت: دار الكتب العلمية، 1993م، ص 10.
  2. جاسر عودة، مقاصد الشريعة كفلسفة للتشريع الإسلامية: رؤية منظومية، تعريب عبد اللطيف الخياط، فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2012، ص 130.
  3. بوصالحيح حمدان، «الصورة المنطقية عند الغزالي في أصولها الأرسطية وبعدها الإسلامي»، مجلة دراسات وأبحاث، الجفلة- الجزائر: جامعة زيان عاشور، ع. 5 (2011)، ص 174.
  4. الإمام الغزالي، مقاصد الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، القاهرة: دار المعارف، 1961، ص 32.
  5. أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، بيروت: دار المعرفة، 2004م، 3/20.
  6. عبد الكريم عينات، أسلمة المنطق: الأرغانون الأرسطي بين يدي الغزالي، بيروت: منشورات الاختلاف ومنشورات ضفاف، 2013، ص 78.
  7. محمد إقبال، تجديد التفكير الديني في الإسلام، بيروت: منشورات الجمل، 2015، ص 7.
  8. نفسه.
  9. السابق، ص 13.
  10. نفسه، ص 10.
  11. نفسه، ص 12.
  12. السابق، ص 23.
  13. نفسه، ص 28.
  14. إقبال، المصدر السابق، ص 39.
  15. نفسه، ص 42.
  16. السابق، ص 74.
  17. نفسه، ص 80.
  18. السابق، ص 173.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى