الشؤون العربية والإسلاميةدراسات

الثورة المضادة: ثورة استعادة النظام الفاسد

محمد الأحمري | أواصر

من المهم أوّلاً في البدء إدراك مفهوم الثورة المضادة[1]، وهي انتقام عناصر النظام القديم الخاسر في الثورات من الشعوب التي حققت حريتها بالثورة؛ ذلك أن إعلان الشعوب الخروج من ظلمات النظام المفسد السابق، ثم ممارسة هذا التحرر، يعني تنظيف المجتمع الجديد من فساد القديم، وصناعة حكومات ودولاً جديدة ونقية من رموز الإفساد ومؤسساته وأفكاره التي مارسها النظام المغلوب بالثورة، وبناء منظومة أخلاقية واقتصادية وعلاقات دولية مبنية على مصالح شعب حر، وليس على شهوات مجموعة مفسدة قديمة.

قادة الثورة المضادة أشخاص فقراء الفكر صنعهم الرعب من الثورات، ثقافتهم الخوف والتخويف وترويع المجتمع من عواقب التوجهات الديمقراطية. ولأن الديمقراطية من شروطها الأمن، فهم يصنعون الخوف ودعاية الخوف وأوهام الأخطار المتربصة، ليسهل عليهم قهر المجتمع واستعباده، حيث يجمع بينهم موقف واحد وهو الانتقام من الشعوب التي خرجت على النظام القديم ومساوئ أخلاقه وممارساته. ليس هذا فحسب، فهم يرفعون شعارات الإنقاذ من الثورة ومما تجلبه بداياتها من اضطراب، فتغشاهم أمراض غرورهم وشعورهم بقوتهم الجديدة التي تنقذ المفسدين السابقين من طموحات الشعوب، وتستولي عليهم نرجسية المنتصرين والتطلع فوق إمكاناتهم وقدراتهم الشخصية والفكرية والإدارية، ويدخلون المجتمع في منظومة أمراض شخصية وأوهام عظمة هم من يصنعها ويؤيدها، لتغطي على مساوئ المظالم التي يستعيدها النظام وينشئ أسوأ منها. ليس هناك حد لأوهام العظمة وخرافات هؤلاء الأغبياء المغرورين وفضائحهم، فقد شهدنا إعلامهم يساويهم بالأنبياء[2] وعظماء الفاتحين، بينما يعلم الكل أنهم غالبًا مجرد أدوات محلية بأيدي الأعداء من الخارج، صنعوهم أمام أعين الجميع ترويجًا وتمويلاً وتخطيطًا وتنفيذًا، ثم وضعوا هؤلاء الأقزام في واجهة الانتقام، وجمعوا الجموع وأجلبوا بإعلامهم ومالهم لمصادرة ما حققته الثورات.

هذه القيادات تتميز بالشعبوية والانتقام من كل ما تعنيه الثورات ومن كل خطاباتها وأهدافها، ويجمعون سقط العالم وأعداء المجتمع لانتهاك كرامته وتعذيب وجوهه وأعيانه، واغتيال مستقبله بثقافة متطرفة وعنصرية وإلهاب شعبوي لمشاعر الناس لخدمتهم، بزعم أنهم حماة الوطن وحماة الاقتصاد، وهم الذين يعيدون للدولة القوة والشباب والعزيمة، ويغرقون الناس في حال من الأوهام بالمشاريع العملاقة والمستقبل البراق، وقلب المجتمع عاليه سافله وسافله عاليه، وتغفيله وترفيهه بحجة إسعاده، بينما غايتهم إلهاء المجتمع عن الحقائق بالأوهام والأكاذيب، وإشغالهم بالضحك والتصفيق عن التفكير، واستغفالهم بالتسلية، فليست برامجهم وأفكارهم إلا:

“انتهاكًا بشعًا للغرائز النبيلة لدى الجنس البشري، إذ إنهم يقفون إلى جانب القوة ضد الإقناع، وإلى جانب القلة ضد الكثرة، وإلى جانب العبودية ضد الحرية، وإلى جانب الجهل ضد المعرفة، وإلى جانب السلطة ضد البحث الحر غير المقيد، وإلى جانب اللاعقل ضد العقل. وهذا السبب في أنهم يضعون ادعاءات العنصرية فوق مطالب البشرية، وهذا هو السبب في أنهم مضطرون إلى غلق أبواب المعرفة في وجه كل من ينبذ عقائدهم التعصبية الجامدة. وهذا هو السبب في أنهم ينبذون الحقائق العلمية الموضوعية[3]… ويلتجئون إلى ألوان الفراسة القبلية الضيقة[4]… ويحاولون جعل رجال ونساء عاديين عبيدًا كالعجماوات لزعيم متأله ليس لهم أن يجرؤوا على مناقشة إرادته…وليس الرجل العادي في نظرها إلا مجرد أداة لتحقيق أغراضها [سلطتهم]، فالتفكير بالنسبة إليه [يعد] ترفًا محرمًا، والشك [في الزعيم] جريمة… و[إبّان الثورة المضادة] في إنجلترا نادوا بالحق الإلهي للملوك[5]… والثورة المضادة مرغمة على فرض عادات الطغيان… وتصور نفسها في صورة نظام جديد… [وأن] يوسعوا نطاق سلطتهم فهم في الداخل يلجؤون إلى الإرغام، وفي الخارج يشنون الحرب. وبعبارة أخرى إنهم نبذوا كل أمل في إقناع الناس ولجأوا إلى قوتهم في إشاعة الخوف فيهم. ومن ثم فليس من الحوادث العرضية أن رمز نظامهم الجلاء ومعسكرات الاعتقال، ولا أن أول ضحاياهم حيثما ذهبوا هم الرجال الذين كانوا يحاولون توسيع نطاق المعرفة البشرية، فهم يدركون أن الفكر نفسه هو عدوهم الأول”[6].

يكاد النص يتحدث عما نراه من أفكار وممارسات أعداء الشعوب، أصحاب الثورة المضادة لثورة الربيع العربي، فأجواء الثورات والثورات المضادة تكاد تستجيب لصور وأشكال ثابتة عبر التاريخ. وهو يلاحظ أيضًا أن “دعاة الثورة المضادة وعدوا بمستقبل فيه تجديد ثوري للقوى ورتابة توفر على الناس مجهود التفكير”[7].

غير أن البنية الفاسدة القديمة لها مكوناتها وقوتها السياسية والمالية والدولية التي ستحاول استعادة كيانها بأي طريقة. وعالمنا المضطهد من الداخل بمحتلين محللين يمثلون النظام المهزوم لهم مؤيدون من الخارج يعيشون على تعزيز الفساد والاستتباع، ولن يقبلوا بسهولة أن يذهب المحتل الداخلي بمجرد الثورة عليه، فيجمعون صفوفهم وأصواتهم وأموالهم وكل ما يمكنهم لإعادة الفساد والاستعباد والاستلحاقية لهذه الدول والمجتمعات، وإعادتها إلى حظيرة المستعمر الخارجي والمحتل الداخلي الذي يعجبه دائمًا أن يخادع بشعارات وطنية فارغة، وهو لا يعرف من الوطن إلا نهبه وتدمير حياة سكانه.

وثورة استعادة الفساد تعني إنكار حق الشعوب في نيل حريتها وكرامتها، وإلغاء فكرة أن يكون لحياة الإنسان في تلك البلاد معنى وقيمة وطموح وآمال يسعى لها، فهي إيقاف للتعقل ولحياة الضمير من أجل جمود الماضي[8]، فينتفي حقه في نيل سعادة، أو مشاركته في تدبير شؤونه وشؤون بلاده، فكل شيء لغيره وهو مجرد دمية لا قيمة لها تحت أقدام المستعمرين من الخارج والمحتلين لمصلحتهم من الداخل، وأي سعادة في مجتمع يقوم على القهر والاستغلال وحرمان الناس من الوصول إلى حقوقهم في التحرر والغنى والكرامة البشرية والمنافسة الشريفة، بل حتى حرمان المجتمع كله من حق أن يكون له رأي، فضلًا عن وجود أي هدف آخر يخالف أهداف المحتلين للسلطات؟

 وسواء سميناها الثورة المضادة، أو ثورة الاستعادة اليائسة للنظام القديم، فإن ما يجري اليوم من حركة سياسية وعسكرية وثقافية جارفة في عالمنا العربي صراخ الخائف المرعوب من الثورات ومآلاتها. ويخطئ من يظن أن هوس المشغولين باستعادة النظام السابق على الثورات مما يسهل ترشيده أو توجيهه لحلول وسط؛ فهم شهدوا الثورات وهي تعصف بنظمهم بلا رحمة، وتمزق تاريخهم، وتغذي المجتمع بثقافة الرفض والمطالبة بالحقوق.

إنها، من ناحية ثورة ضد الشعوب وما أنتجته الاحتجاجات من حرية وديمقراطية، وهي محملة بكل الأحقاد ضد ما حققته هذه الشعوب، إذ تعمل على تغيير سلوك المجتمع وثقافته إلى سلوك وثقافة أخرى جديدة تمامًا، فتثور على قيم الثورة كهدف أولي، ولكنها لا تملك رؤية إلا الماضي. إنها ثورة تتغنى بالماضي القديم للمستبدين، ثورة “كنا في الماضي”، تعلن كم “كنا منسجمين مع المستعمرين”، وتحسّن أوصافهم وتسمّيهم القوى العظمى، أو العالم الحديث، أو العالم الحر. يخاطبهم البردوني:

القاتـــلون نبوغ الشـــعب ترضـــيةً            للمعتدين ومـــا أجدتهم القُربُ

تنسى الرؤوس العوالي نار نخوتها            إذا امتطاها إلى أسيادهِ الذنبُ

يكفيـكَ أن عـدانا أهـــدروا دمــــــنـا          ونحن من دمنا نحســو ونحتلبُ

  كما إن الثورات المضادة عبودية جديدة، يخاطب أصحابها الشعوب بالتاريخ الهامد الفاسد السابق للثورات، ويمتدحونه وللأسف في زماننا، ويفتخرون أن التبعية والخنوع السابق للمحتلّين كانا من فضائلهم التي لا تعد، ويجب استعادة بريقها وإسناد الماضي البائس إلى قادة ثورة الاستعادة، ويفتخرون بأنهم كانوا خاضعين ومنسجمين وأنهم كانوا ينافسون العالم في التقرّب للمحتلين وخدمتهم، ويضعون كل قراراتهم القادمة رهنًا لرغبات المحتلين، ويسعون لاستعادتهم بأي سبيل ليؤمّنوا مستقبلهم ضد شعوبهم، زاعمين أن استعادة المحتلين تأمين ضد الثورة. والحقيقة أنهم يؤمّنونهم من الشعوب في الداخل، وهم مقتنعون إلى حد الإيمان أن المحتلين لهم الحق والواقع في أن تكون كل القضايا السياسية الدولية بأيديهم ويجردون أنفسهم منها. كما قال، وفعل، السادات حين قال إن الأوراق مئة بالمئة في يد أمريكا[9]. وكان ذلك إعلانًا عن التخلي عن الدولة ووضعها تحت نفوذ المحتلين.

كل هذه القناعات والثورة ضد الشعوب وتسخيرها للخارج لا تنفعهم لزمن طويل، بل سوف تتسبب في تسريع تحفز الشعوب للثورة والتغيير، وتنمّي وسائل الوعي والاحتجاج.

ضرورة الثورة

الثورات ضرورية للأمم وتبعث فيها الحياة والفكر، حسب رأي دجيلاس في كتابه الطبقة الجديدة[10]. وهذا القول ليس جديدًا؛ لأن الشعوب لو طمحت إلى خطوة أمامية في الحياة فلا بد من أن تكسر أغلالها، وأقرب الأغلال وأشهرها في عيونها هو الاستبداد السياسي الذي يصنع الركود وفقدان الأمل، فإذا جمع إليه أغلالاً أخرى كانت أسباب الثورة أكثر إقناعًا وفاعلية. وحين تخرج الشعوب مما يشبه الموت يصعب عليها العودة إلى الخمول والسكون والاستسلام، وكل المواصفات التي يضعها المخططون لاستعادة الركود القديم مجرد معالجات تبقى على السطح ولا تنفذ للداخل، ولا تصنع روحًا بديلة لروح السخط على المفسدين؛ لأنهم حين يحاولون استعادة الهيمنة على الشعوب فإنهم يشاركون بدور أساس لتراكم استيفاء شروط الثورة.

وفي الثورة تجديد للروح التحررية، وللثورة على النفس من جديد، تغني المجتمع وتوائم بين أعضائه، وتنهي الطبقيات المكونة لعناصر التعالي والدونية ولعناصر الخنوع أو التكبر، وتقلب الأحوال وتزيل الركود، ويستعيد الإنسان إنسانيته وفاعليته. ومن هنا كانت كلمة الثائر المفكر للثورة الأمريكية في حرب الاستقلال الرئيس جيفرسون، الذي قال إن أمريكا تحتاج إلى ثورة كل عشرين سنة. وقد أسس هذه المقولة وبرر الحاجة إليها وإلى تأثيرها، وقد شاعت وعرفت في الدراسات الثورية. وقد كان للانقلاب الساداتي[11] على ثورة ناصر بعد نحو من عشرين عامًا ما أوحى بذلك، وتخيلوا أن إيران ستسقط ثورتها بعد استكمال عشرين عامًا، ولكنها أتمت الأربعين عامًا.

ما الذي جعل مجتمعات وشعوبًا متقدمة ومؤثرة تستمر دون لحظات ثورية مشهودة؟ الذي حدث أن الثورات بروحها التجديدية قد تأسست في خيال تلك المجتمعات وواقعها، فأسست حرية التغييرات ومرونة القوانين، وأسست الخلاص من نفوذ الفرد في رأس السلطة؛ فيندر أن يطيل حاكم مهما كانت قدرته مدة حكمه فوق الحدود المرسومة لبدئه ونهاية عهده، وأسست البرلمانات المنتخبة المعبرة عن تقلب آراء الناس أيًّا كانت تلك الآراء؛ فبالتصويت يحسم كل شيء وتغير القوانين ويدخل الراضون والغاضبون والمحتجون إلى نسغ الحياة عبر دخولهم في المؤسسات، وتطويع المؤسسات للمصالح العامة، والرقابة على ممارسي الإدارة والسياسة بما يضمن مصالح الشعوب، فكأنها صنعت مرونة تصنع الثورة وتذللها وتسوسها، فالمجتمع دائمًا يشعر أن بإمكانه الثورة في كل دورة انتخابات حزبية أو رئاسية.

دين قيصري

تستخدم الثورات المضادة الدين وسيلة قمع للمجتمع، من جهة، بإبراز نصوص تدعو للسكون والخمول والطاعة العمياء، وتحرم انتقاد الطغاة الجدد، وفي الوقت نفسه تستخدم الدين وسيلة لتعبيد الناس لشهواتها، وتجنيد المغفلين والأغبياء وشحنهم لتنفيذ أعمال إرهابية وهمجية ضد المعارضين والصامتين الذين لا يسيرون في ركاب الثورة المضادة. وقد لاحظنا أن بعضًا ممن كانوا من المجموعات السلفية السكونية الخاملة تحولوا فجأة إلى جماعات خارجة على الشعوب، وتعبد الطغاة، وتطوّع الناس لهم، بحجج يسوقونها في غير مكانها، لتمكن المصالح الشخصية من هؤلاء، وغياب الأخلاق والمواقف الدينية المزعومة في مرحلة سابقة، فتحولوا إلى جماعات غدر واغتيال ومندوبي إرهاب واحتلال، رغم ما كانوا يزعمون ويدعون من شعارات التسلف والعقائد التطهرية التي طالما خدعوا بها الناس.

وهم في الوقت نفسه يزعمون أنهم يدعون ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فإذا هم يغدرون بالأحرار والعلماء والخطباء ويمارسون أساليب الحشاشين في أسوأ صورها، من اغتيال العلماء والمثقفين والدعاة من اليمن إلى ليبيا، وهذه النماذج من أقذر ما جاءت به الثورات المضادة، إلى جانب تشويههم للدين وجعله مجرد مبرر لهيمنة فرعونية متوحشة تنادي بـ”الضرب بالمليان”[12]، بمعنى القتل للأبرياء والأحرار. ويطلق المفسدون هذه الشعارات أيضًا على بعض من أذلهم فسادهم وما يمسك عليهم سادتهم من فضائح يشتركون فيها مع قادتهم.

 هل المستعيدون معاقون؟

قادة استعادة النظام القديم معاقون ذهنيًّا، فلا يستطيعون علاج أنفسهم بالخروج من داء الاستبداد، فهم غارقون في ظلمات عصرهم الذهبي، “ظلام النظام القديم” ونهبه، حيث يخطفون ذهب الشعوب وصوتها ومجدها وإعلامها، ويسخرونه لشهواتهم فقط، مع حرمان تام لأصحاب الحق من الوصول لحقوقهم. هم نسخ من الماضي العتيق، مهما تظاهروا بالجدة والتجديد، ولا يتقدمون للشعوب إلا بمسكنات عارضة، تجمع السخط، وتؤلف المعارضة، وتسمح لها بالنضوج المرحلي لدور احتجاج فثورة عاصفة. أو هم معاقون لأنهم رسل ماضيهم الجميل المحبب لهم يوم لم يكن الحديث عن عيوبهم ينتشر بسهولة، وكان يُحجب عن الوصول للأسماع والأعين.

مكافحتهم التقدم وتطوير الوسائل والخدمات

يرى المستعيدون في الوسائل التي ساعدت في انتصار الثورات مكانًا لرواد التقنيات ومستخدمي الإعلام الحشدي، فيقضون بهوس وخوف وترتيب لوسائل ثورة الاستعادة. وقد لاحظنا فيما حدث كيف عانى إعلام المستعيدين من انحطاط لفظي وتدنٍ أخلاقي، ونشر لكل ما يضع قدر الشعوب وآراءها التحررية؛ فالتحرر في نظرهم عيب عظيم، واستعادة الماضي تقتضي عندهم التلويث للذوق العام والأخلاقي الذي تصنعه الثورات في قلوب الشعوب وعقولها وأرواحها، فلغة الشتائم العامة لغة البائسين المصممين على الاستعادة لأزمان الفشل والجمود والإرهاب الحكومي.

إنهم يقفون في طريق كل وسيلة حققت للناس خيرًا ويحولونها لتكون وسيلة لإنهاء المصالح العامة، وتركيز السلطة والمال والقرار في أيدي استبداد مستعاد؛ فيفقد التطور البشري دوره وعمليته في البناء والتحرير، وتنتكس الحياة. حينها تتحول وسائل التحرير إلى وسائل استعباد وقمع وإهانة.

كانت الهواتف بأيدي الثوار في مصر وسائل تواصل وتحرر وحشد ومعرفة، لكن ثورة الاستعادة تجعلها وسائل قد يتفجر منها الرعب والخوف والتخوين، حين يوقفون جلاوزتهم على أفواه السكك يلزمون عامة الناس أن يفتحوا لهم هواتفهم ليراقبوا ويدينوا حاملها بجريمة ما.

لماذا يفشل الثوار أحيانًا ويكسب الخصوم؟

الثورة هياج شعبي عام يعرف ما لا يريده وهو النظام الفاسد القائم، ويختلف في تعريف ما يريد. وحين يقوم الثوار بتقويض النظام القديم فإنهم يخلدون للفرحة والراحة من القديم، وتصبح حياتهم عبارة عن حفلة انتصار، وغفلة من انتقام المهزومين ومما حققوه من حرية؛ إذ هي جديدة عليهم ومفاجئة لهم. ثم تغرق قيادات الثورة في التنافس على مكاسب الثورة وتغفل عن خصومها، ويحرصون على إعلان خلافاتهم في رؤية مستقبل الثورة وبرامجها، أو حين لا تستطيع الثورة إنجاب قادة في مستوى المسؤولية، بينما لا يفطنون إلى أن المهزوم دائمًا أخطر من المنتصر؛ فهو يستعد للنقمة من لحظة سقوطه، ولا يوقف انتقامه إلا فقدان كل عناصر قوته، حين يستولي عليه اليأس. ثم إن الثوار المنتصرين سيعانون من علل مستقبلية كثيرة، أولها تفرق شملهم، وبروز الخلافات بينهم، ويكون ما حققه الفرد أقل مما أراده وطمح إليه ويستولي عليه إحساسه بالفشل[13]. كذلك من أسباب الفشل ركون القادة إلى الانتصار وغياب التوعية بالمخاطر[14].

ومن أخطر ما يواجهه الثوار انكشافهم أمام أنفسهم، فخلع الحجب والقيود وكسر الصمت يجعل الثوار يجدون نفسهم سواسية أمام أنفسهم في مغامرة جديدة للمشاعر الإنسانية لم يألفوها من قبل، فلأول مرة يرون أنفسهم مسؤولين عن مصيرهم وعن صياغة قانونهم وعن تحديد قادتهم، فيرون القوة الثورية تتحول إلى الضعف البشري، والعجز عن التغيير في الاقتصاد وسلوك المجتمع ونيل المكاسب المأمولة، فتصبح أي حكومة عاجزة ومذنبة لأنها لم تحقق خيالات الثوار. وهنا إما أن يستمر السخط، أو ينطوي الفرد على نفسه مهزومًا أمام سقوط أحلامه الكبرى. ثم ينفي جميع العقائد والأفكار التي رأى مرة أنها ساعدته على الثورة والنهوض، وتصبح الثورة مجرد ذكرى لفشل مكروه بكل ثقافته ومكوناته وتقاليده.

وفي هذه الحال يظهر للجماهير أن “أهل الثورة المضادة متحدون وخصومهم مترددون”[15]، وتصبح النفوس قابلة لليأس والاستتباع والخصومة والشجار، ومن ثم العودة إلى ربقة القيود الأولى، حين يتهيأ لها قوة معادية للثورة من النظام القديم تستخدم الخصوم واليائسين والفاشلين في معركة وصراع ضد الثورة وما كانت تمثله، ويتحول كثير من رواد الحرية والثورة إلى جلاوزة لموجة استعباد جديدة أقسى وأشنع من عبوديتهم القديمة، ويشهد المجتمع ردة قاسية.

عدوانية الثورة المضادة

يستولي هوس الانتقام من الشعوب على قيادات الثورة المضادة، فيرون أن طموحاتها أو مهمتهم في تدمير الشعوب لا تقف عند البلاد التي قهروا سكانها، وأزاحوا منها مكاسبها في حقوق الإنسان والتحرر والكرامة واختيار مصيرها؛ إذ يشعرون بوصاية على كل مكان ذاق طعم التحرر، ويتجهون لتدميره وإلحاقه بمعسكر المتسلطين الناقمين من المتحررين. لاحظنا أنه بعد أن نجحت الثورة المضادة في إنهاء الثورة المصرية عام 2013، وبعد استعادة مساوئ النظام القديم، بل تأسيس ما هو أشر وأشنع من مذابح الماضي، كمذبحة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في الرابع عشر من أغسطس 2013، لم تقف ثورتهم عند ذلك؛ فمدت طموحاتها لاستعباد اليمن وليبيا وتركيا وتونس، وحاولت إطفاء نور التطور السياسي في المغرب وإعاقته، وكذا حاولت صنع مشاكل لمجتمع الأردن وتدمير السلم والأمن فيه بصناعة مواجهة مع بعض مكوناته. وغالبا دافع هذه الحروب الخوف من الفشل الداخلي، وإسكات المجتمع، وإشغاله في الخارج، وتخوين المعارضين، وكذلك الخوف من الانكشاف الخارجي.

هذا التوجه العدواني المكرر تجده سلوكًا ثابتًا للثورات المضادة، فبعد أن تقضي الثورة المضادة على خصومها في الداخل، وهم غالبًا التوجهات الديمقراطية المعتدلة، يفسدون “العلاقات الخارجية بوصفها مصدرًا لكارثة محتملة، فالعالم لا يمكن أن يظل بالنسبة إليهم نصف حر ونصف عبد، ومن ثم كان غزوه شرطًا ضروريًّا لبقائهم… [بعد أن] قدموا لضحاياهم من مواطنيهم قمعًا وحشيًّا في الداخل والخارج، مع نصيب في أسلاب الغزو”[16]. كما أن بقاء الثورة المضادة في السلطة مشروط ببقاء قدرتها على النهب الداخلي والخارجي، وبضعف خصومها، واستسلامهم للجور، وتشتت رؤيتهم.

دساتير الثورة المضادة

يكتب الطغاة الجدد دساتير وقوانين في روحها انتقام من الثورة الضرورية، ويصوغونها فردية، تناسب أشخاصهم ورغباتهم، ليس للشعب فيها وجود إلا وجود التسخير لهم والخضوع والصمت، ويسنون كل يوم قانونًا لحرمان الشعب من إنسانيته، فما هو إلا خاضع تابع خادم لمصالح الأقلية المعادية له. فروح قوانينهم الخوف والتمكن وإرغام الشعب على الخضوع والتبعية، يقررون ذلك بقوانين قد تظهر سماوية، أو أرضية، سيان مصدرها المكذوب أنها استلهمته منها، فمصدرها الطاغية المستعيد للطغيان، إذ تدور حول المصالح الجديدة والأفراد الجدد ومكاسبها واستدامتها وتقييد الاعتراض عليها. وبدلًا من أن تحقق مصالح الشعب تكتب ضد مصالحه، ثم يقولون هذا هو المرجع والحق وتم الإجماع عليه، وما أسهل الإجماع في دكتاتوريات المستعيدين لنفوذهم.

ويسخر النظام الجديد كل شيء كان في الماضي لخدمة تأليه القوة الجديدة، ويجد كل عنصر مكانه في تسييج الثورة المضادة وقادتها بسياج الحصانة من النقد والإبعاد أو الانقلاب عليهم، ويسير ذلك بالتوازي مع كثرة السجون ومصادرة الحقوق وقتل المعارضين للمستعيدين وتعذيبهم، فتعمر سجونها برجال الثورة، وتصدر ضدهم محاكمات وإدانات وأحكامًا أقرب إلى الهمجية والانتقام الوحشي، فيقتلون وجوه المجتمع وقادته في الشوارع، أو يعذبونهم بالموت البطيء في السجون.

محافظون أم متمردون؟

من المهم ألا نبقى أسرى للأوصاف والألقاب القديمة الجاهزة، فلكل ظاهرة شخصيتها، وإن رغبنا دائمًا في وجود أنماط مكرورة مفهومة. ليس لأصحاب الثورة المضادة لون واحد ثابت، فهم محافظون من حيث رعاية الفساد في النظام القديم، ومن حيث استخدام الوسائل المفيدة لهم مما وجدوه، ولكنهم حذرون من بقاء عناصر قوة في المجتمع القديم، فيكون همهم الأول التمرد على ثقافة الاحتجاج والإصلاح والنقد والتطور، وما تحمله ضدهم من تمكين الشعب من عناصر القوة، أيًّا كانت قوة أفكار أو سلوك، وهم أشد الخصوم للتفكير والنباهة في المجتمع؛ لأن الوعي والتفكير يشكك في قطعياتهم الاستعبادية للمجتمع.

تستلهم الثورة المضادة قوتها ونصرها من الذين يسمون في الغرب “المحافظين الجدد”، أولئك يرون أنفسهم روادًا لما أصبحوا يسمونه “الحضارة اليهودية المسيحية”، فيحافظون على الداروينية الاجتماعية والرأسمالية الجافية، وعلى قيم الاحتلال والتغلب على الشعوب والثروات والقوة والتأثير، يسخرون ذلك لمستعمرين محافظين يزعمون الحفاظ على قيم التدين والهوية، التي لا تتضارب مع الظلم والغزو وعبادة القوة والحقد على المسلمين ومناصرة الإرهاب الصهيوني.

يرى المحافظون الجدد انتصارهم في انتصار الثورة المضادة في العالم العربي؛ ذلك أن هناك يقينًا عند الصهاينة أن الشعوب المسلمة معادية لهم ثقافة وسلوكًا، وحاضرًا ومستقبلاً، وترى أن نفوذها وتأثيرها في مصير عالمنا يتوقف على فوز أفراد من الموالين لها أو الخاضعين الخائفين بمناصب القيادة المستبدة في بلداننا. وقد ظهر للجميع مقدار التواؤم والمناصرة بين الطرفين، هذا إن لم يكن المحافظون الجدد هم من صمم وفكر وخطط للثورة المضادة للربيع العربي[17]. وقد قام الكيان الصهيوني بدور قيادة الثورة المضادة لاستعادة النظام الفاسد ليعيد هيمنته على الحكم والمجتمع، وحرب الحريات والغدر بالمحتجين، ومن ثم قيادة الحملة الإرهابية على التوجهات الديمقراطية والإسلامية ودعاة التحرر[18].

عن مستقبل الثورة

الثورة المضادة أو حركة المستعيدين لعصر الظلمات عابرة، ولن تصنع مستقبلًا يحترمه الناس ويؤملون فيه خيرًا؛ لأنها ثورة انتقام ضد الشعوب وضد مصالحها. وقد شهد العالم هذه الانتقامات الهامشية من الشعوب وعرف بؤسها وفشلها. ولا يصنع الأمم إلا ثورات جارفة تصنع إنسانًا وتاريخًا بعيد الأثر والأمد، فليست لحظة سريعة وتذهب، بل هي حصاد لتراكم من المعرفة والتفكير والطموح تنجح بالاعتدال، وليست مجرد حصاد لتراكم بغي المفسدين في المجتمع، ولا لحظة للخلاص العابر منه. إنها حشد قوى الإنسان مجتمعة ليصنع عالمه الذي يريد، ويجرف في طريقه الإعاقات الفكرية والسلوكية والنظم المتخلفة والجائرة.

وإذا كانت الثورات الكبرى معالم في حياة الإنسانية، وأبعدها مدى ثورات الغرب كالثورة عبر الأطلنطي (الثورة الفرنسية والأمريكية) في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، فإن الثورات التي نراها كثيرة، وقد نقول إنها صغيرة الأثر عندنا الآن ولكنها قد تتسع، ستكتب فصلاً عظيمًا في تاريخ البشرية، ومنطقتنا مؤهلة أكثر من غيرها للتكامل والتأثير في مسيرة العالم. أما مشاعر الفشل واليأس من المستقبل فهو ما يجب أن ندفنه ونتجاوزه لنور الغد، فالإنسان في منطقتنا ذاق لحظات من التحرر والمواجهة لقوى التخلف والشر والعمالة للمستعمرين في النظم المكسورة، وفي النظم المستعيدة للظلامية، وأصبحت نوافذ النور تلوح له في كل مكان، وهو يرى مظالمه تزداد، وإمكاناته تتعاظم، وقواه تتجدد.

[1]            هناك عدد من الدراسات عن الموضوع عالميًّا سبقت ظهور هذه المأساة ضد الربيع العربي، وهي أحيانًا تحكيبصورة تكاد تكون حرفية جهود المستعيدين للفساد أعداء الثورات والشعوب، منها كتاب الانقلاب المضاد لكيرمت روزفلت،ضابط الاستخبارات الأمريكية الذي قاد الثورة المضادة لثورة الشعب الإيراني التي كان أبرز قياداتها مصدق، والتي كان أهمبرامجها استعادة ملك النفط الإيراني من شركة النفط البريطانية. وقد لخص قصته ومهمته في صناعة ثورة مضادة واستخدامالشاه ليستعيد عرشه وتستعيد بريطانيا وأمريكا امتلاك النفط الإيراني عام 1953. وهناك تلخيص مهم لهذه الأحداث فيمصادر عديدة منها كتاب ستيفن كينزر كل رجال الشاه (All the Shah’s Men) وقد ترجم إلى العربية. ومن قبل هذهالأعمال دراسة المفكر والبرلماني البريطاني هارولد لاسكي تأملات في ثورات العصر، وفيه فصل طويل عن ظاهرة الثوراتالمضادة، وقد ركز على النازية والفاشية الإيطالية.

[2]            وصف سعد الدين الهلالي، رئيس قسم الفقه في جامعة الأزهر، عبد الفتاح السيسي ووزير خارجيته حينها محمد إبراهيمبأنهما رسولان من عند الله، مثلهما مثل موسى وهارون:

https://bit.ly/38bAmAp

[3]            لكأن الكاتب يرى مخترعات جنود السيسي لعلاج الإيدز أو يرى “جهاز الكفتة”، وهو الجهاز الذي أعلنت اختراعهالهيئة الهندسية للقوات العسكرية المصرية سنة 2014. زعمت الهيئة أن الجهاز يعالج من الإيدز وفيروس سي.

[4]            في الثورات المضادة للشعوب ظهرت خطابات وممارسات قبلية بدائية خاصة في الجزيرة العربية، بحجة الحشدضد دول أخرى، بينما هي تهدم كيان من يرفع الشعار القديم البائد، وتعطي أهمية للنسب فوق القدرة، وللماضي على حسابالحاضر.

[5]            سبق أن أشرت في كتاب الديمقراطية: الجذور وإشكالية التطبيق إلى بعض الاتجاهات الاستخباراتية المغلفةبغلاف إسلامي، وعلاقتها بحركة وثنية ظهرت في بريطانيا تنادي بتقديس الملك ضد البرلمان والتوجهات الديمقراطية، وهؤلاءخرجوا من مجتمعات سنية ولكنها معادية لعقائد أهل السنة  التي تلزم الحاكم بالمساءلة أمام الأمة.

[6]            انظر هارولد لاسكي، تأملات في ثورات العصر، ترجمة عبد الكريم أحمد، القاهرة: دار القلم، دون تاريخ، ص351-353.

[7]            المرجع نفسه، ص 356.

[8]            المرجع نفسه، ص 354.

[9]            من المقولات التي شاعت عن السادات، وقد أثبتها جيرمي سيوري من مذكرة محادثات السادات مع كيسنجر:

Suri, Jeremi. Henry Kissinger and the American Century. Cambridge: The Belknap Press of Harvard University Press, 2007. p. 263.

[10]           ميلوفان دجيلاس، الطبقة الجديدة، بيروت: دار الكاتب العربي، 1970.

[11]           قرار السادات إنهاء التبعية لروسيا السوفيتية سياسة واقتصادًا، وتحويل مصر إلى التبعية لأمريكا في الحربالباردة، أوحى إلى بعضهم أنه خلاص من المآسي الشيوعية وبؤس الاشتراكية وفقر الإنسان إلى البريق الرأسمالي وإلى حريةالاقتصاد. وليست المقارنة هنا بين ثورة وثورة، بل مجرد مراقبة زمنية للثورات. وفي الواقع لم تخل التوجهات من ثورة وثورةمضادة، غير أن الأولى كانت أيديولوجية استقلال في لبها وفي المضادة أيديولوجية التبعية للغرب وضد الاستقلال، وكانت الأولىقسرية للمجتمع، والتالية مضادة فيها مما نرى من شعارات وممارسات الثورة المضادة.

[12]           هكذا طلب مفتي مصر السابق علي جمعة من قيادة الثورة المضادة قتل الأبرياء والمتظاهرين السلميين.

[13]           لاسكي، مصدر سابق، ص 354.

[14]           كان الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل، الذي ترشح للرئاسة قبل أن يتم استبعاده، من الذين نبّهوا إلى مخاطرالانتصار السريع مع بقاء القوى المضادة نافذة ومتحكمة، وطالب الثوار بالاستمرار، ولكن استعجال الراحة كان من أسبابالفشل وعودة المستعيدين.

[15]           لاسكي، مصدر سابق، ص 355.

[16]           لاسكي، مصدر سابق، ص 366.

[17]           يعد مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا (2014-2015) الإسباني برناردينو ليون من الموالين للمحافظين الجدد،وكان له دور في تصميم الثورة المضادة. انظر اتهامات البرادعي له في التخطيط للانقلاب على مرسي، على الرابطhttps://bit.ly/35K3e0o :

[18]           عن ردود فعل الكيان الصهيوني إزاء ثورات الربيع العربي يمكن الرجوع إلى بحث الدكتور يحيى محمد عبد اللهإسماعيل “الكيان الصهيوني وثورات الربيع العربي”، في هذا العدد من مجلة أواصر.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق