مقالاتمنوعات

لجان الزَّكاة.. فصلٌ من تدمير العمل المجتمعيّ

هنادي قواسمي | متراس

في أوقات الأزمات كالانتفاضتين الأولى والثانية، وكذلك في أوقات الرخاء، شكّلت لجان الزّكاة في الضّفة الغربيّة شبكةَ أمانٍ لمحدودي الدخل والفقراء واليتامى وأهالي الشّهداء. كما قدّمت مراكزها الصحيّة ومشاريعها التعليمية والتشغيليّة خدمات أساسيّة للناس، وشكّلت رافعةً ومعيناً لهم على الصمود.

بعد الانتفاضة الثانية، بدأت الهجمة بالتزامن: “إسرائيل” تعتقل أعضاء لجان الزّكاة وتحظر عملها، والسّلطة الفلسطينيّة في المقابل تُعيّن لجاناً جديدة ضمن معاييرها وسياستها الأمنيّة، وتُحوّلها إلى هياكل ومُسمّيات بلا إنجازات أو أثر.

وبعد قرابة 13 عاماً، زارنا فيروس “كورونا” وما معه من آثار صعبة على جيوب النّاس ولقمة عيشهم، فوجدنا في فضاءٍ اقتصاديٍّ اجتماعيٍّ مُدمر وسياسات اقتصاديّة رسميّة لا فعالية فيها إلا للبنوك، وهي فعالية في إفقار النّاس لا رفعهم، وملاحقة لناشطي العمل الخيريّ خارج مؤسسات السّلطة.

في هذا المقال، عرضٌ سريعٌ للتجربة الاقتصاديّة- الاجتماعيّة التي خاضتها لجان الزّكاة في الضّفة الغربيّة، ما بين نهاية السبعينيّات إلى عام 2007 تقريباً، ولمعالم مساهمتها في بناء قدرة صمود مجتمعيّة مستقلة، وبالأخصّ في أوقات الأزمات- أوج حاجة النّاس لها. وذلك قبل أن تُحارَب من “إسرائيل” تارةً، ومن السّلطة الفلسطينيّة تارةً أخرى.

بدايات

نشأت لجانُ الزكاة في الضّفة الغربيّة في سبعينيات القرن الماضي، وتحديداً عام 1977، عندما سجّلت وزارة الأوقاف الأردنيّة لجاناً طوعيّة بوصفها لجان زكاة. كانت أول لجنةٍ سُجلت في حينه هي لجنة زكاة نابلس، والتي توّسع نشاطها وبان أثره على الأرض. توالى بعد ذلك تأسيس اللجان في مدن الضفّة وقراها، من شمالها وحتّى جنوبها.1

في كلّ لجنةٍ من لجان الزكاة، كان ينشط ما بين 8 إلى 15 عضواً، يوافق على تعيينهم مدير الأوقاف في المدينة، وذلك حسب قانون الزكاة الأردنيّ الذي كان معمولاً به في الضّفة آنذاك. كلّهم، بلا استثناء، عملوا تطوعاً، دون أن يتقاضوا أجراً.

تنوّعت الخلفيّات السياسيّة والاجتماعيّة لأعضاء اللجان، بين مقربين من “حماس” ومن “فتح” ومن “حزب التحرير”، وبين شيوخ ورجال أعمال وشخصيات اجتماعيّة. يوجد ناظمٌ واحد لهذا التنوّع، عبّر عنه بلال أبو صفيرة، أمين سرّ لجنة زكاة طولكرم: “كان الأعضاء ممن عندهم دين وأمانة، ومن الناس الثِقات الذين لهم وضعهم الاعتباريّ الاجتماعي في البلد”.

من بداياتها، قدّمت لجان الزكاة المساعدات الماليّة لمُستحقيّ الزكاة وفق الشّريعة الإسلاميّة، وطرقت أبواب المُحتاجين في المدن والأرياف والمخيّمات. وفي المواسم، كالأعياد وشهر رمضان، وبدء السّنة الدراسيّة، كانت تُكثف نشاطها بتوزيع الحقائب المدرسيّة، والملابس الجديدة، والوجبات الغذائية. كما خصّصت جزءاً مهماً من نشاطها لكفالة الأيتام ورعايتهم.

مع مرور السّنوات، وزيادة ثقة النّاس بها، لم تكتفِ اللجانُ بإغاثة العائلات المستورة، بل توّسع عملها ليشمل إنشاء مشاريع خيريّة في القطاع الصحيّ والتعليميّ والتشغيليّ-الاقتصاديّ. عُمل بهذا التوّسع على ثلاث مستويات تتقاطع مع بعضها؛ الأول: إخراج الفقراء من دائرة الفقر بتوفير فرص عمل لهم، والثاني: توفير متطلبات الحياة الأساسية في قطاعات الصّحة والتعليم، والثالث: استثمار الأموال في مشاريع تجاريّة لزيادة المدخولات.

هكذا تدرّج العمل من تقديم المساعدة الماليّة للفقراء، مروراً بخلق فرص عملٍ لهم، وتمويل رعايتهم الصحيّة والتعليميّة ببناء المؤسسات التي تكفل ذلك، وصولاً إلى إنشاء المشاريع الاقتصاديّة التي تساهم في ضمان استمرارية كلّ ما سبق. “بعض من كنا نعطيهم مبالغ شهريّة بصفتهم مستحقين للزكاة، أصبحوا بفضل هذه المشاريع من دافعي الزكاة”، يقول الشيخ عبد الرحيم الحنبلي، رئيس لجنة زكاة نابلس.

وعن هذا التدرّج يقول الحنبلي إنّهم كانوا يعطون المساعدات الماديّة للفقير المُعدم الذي لا يمكنه العمل بأي حال، أما الفقير القادر على العمل، فكانت اللجنة تحرص على توفير مصدر دخلٍ له. في إشارة إلى هذه الرؤية المصرّة على إخراج النّاس من دوائر الفقر إلى دوائر الإنتاج يشرح الحنبلي: “امرأة تتقن الخياطة-نوّفر لها ماكنة خياطة، رجل يحبّ التجارة- نساعده في استئجار محلٍ صغير أو كشك، رجل يستطيع تربية النحل – نشتري له ليبدأ مشروعه”.

كما تميّزت لجان الزكاة على مستوى القطاع الصحّي، حيث أنشئت عيادات ومستوصفات لتقديم الفحص الطبيّ مجاناً. بعض أطباء هذه العيادات كانوا يحرصون على الوصول إلى مخيمات اللاجئين ليلاً لمعالجة من يحتاج، إذ تغلق عيادات الـ”أونروا” أبوابها مساءً.

وقد أنشأت اللجان مستشفيات في المدن التي كانت تفتقر لخدمات طبيّة متقدمة؛ عام 1991 بنت لجان الزكاة أوّل مستشفى لها؛ “الرازي” في مدينة جنين. تبعه مستشفى “الزكاة الأهلي” في طولكرم الذي افتتح قبل يومين فقط من الاجتياح الإسرائيليّ للمدينة عام 2002، وشُغّل رغم الظروف الصعبة، ومن ثم مستشفى لجنة زكاة نابلس -والذي أصبح اليوم مستشفى جامعة النجاح الوطنيّة.

كذلك كان للجان الزكاة مُساهمةٌ في القطاع التربويّ، إذ بنت مدارس ودوراً لرعاية الأيتام ومراكز تحفيظ للقرآن. في طولكرم مثلاً، بنت اللجنة مدرستين؛ واحدة للذكور، وأخرى للإناث، كل واحدةٍ بأربعة طوابق، إضافة إلى مسبح في كلّ واحدة. في نابلس كذلك، بنت اللجنة مدرسة جيل المستقبل، وأكاديمية القرآن الكريم.

العمل في منع التجوّل!

برز هذا النشاط الخيريّ خلال فترتي الانتفاضة الأولى والثانية، وفي حظر التجوّل بالذات. يصف أبو صفيرة، تلك الفترة بأنّها “فترة الممارسة الحقيقية لعمل لجان الزكاة”، لأنها قامت بمساندة الناس ووفّرت لهم مقوّمات الصمود اليوميّة في أكثر الأوقات صعوبةً.

أصبحت اللجان في الانتفاضة الأولى “قنوات هامّة لجلب التمويل الخارجيّ للضفة الغربية، وقد قامت بتنظيم أنشطة تعليمية وتقديم خدمات صحيّة للتعويض عن الخدمات التي غابت نتيجة للانتفاضة المستمرة”.2 كما نظّمت ما اسمته “قوافل الخير”، وهي سيارات إسعاف حملت الدواء والغذاء مجاناً للقرى والمناطق النائية عن مراكز المدن، وساعدت في إخلاء الحالات الطارئة.

في الانتفاضة الثانيّة، استمرّت اللجان بهذا الدور، وقدّمت مساعداتٍ ماديّة للفقراء ولدوائر أوسع من المتضررين بفعل منع التجول أو بعد قصف منازلهم. ولأجل الالتزام بتقديم المُساعدات والخدمات للناس، كانت سيّارات الإسعاف تنقل موظفي لجان الزكاة أثناء حظر التجوّل إلى مكاتبهم لإنجاز أعمالهم ومساندة الناس في الظرف الصعب، كما يروي أبو صفيرة.

مصادر التمويل

شكّل الأثرياء ورجال الأعمال من كل مدينة مصدر التمويل الأوّل للجان الزكاة. تواصلت اللجان معهم حتّى يُقدّموا زكاة أموالهم كلّ سنة، عدا عن الحملات والحفلات الخيريّة للمّ التبرعات. كما جاب أعضاء اللجان عواصم عربيّة، بالأخص الخليجيّة، لتجنيد الأموال من: الفلسطينيين المقتدرين والمغتربين في تلك البلاد أولاً، ومن الأثرياء ورجال الأعمال الخليجيين ثانياً، ومن المنظمات الإسلاميّة الخيرية ثالثاً، كالبنك الإسلامي للتنمية، ومنظمة الإغاثة الإسلامية، وهيئة الأعمال الخيرية.

يعكس تصاعد ميزانيّة لجان الزكاة سنويّاً ثقة الناس في هذا المشروع. يذكر أبو صفيرة أن لجنة طولكرم بدأت عام 1981 بميزانية تُقدّر بـ1300 دينار أردنيّ، ارتفعت عام 1982 إلى 3500 دينار أردنيّ، فيما وصلت بعد عقد واحد إلى مئات الآلاف ومن ثمّ الملايين. فمثلاً، جمعت اللجنة مليون دولار أميركي عام 1994 في حفلٍ خيريّ نُظّم في طولكرم بهدف تجنيد أموالٍ لإستكمال بناء المستشفى الأهلي.

لم تتوقّف الثّقة على الناس، إنّما طالت أيضاً المُتبرعين والداعمين من المؤسسات العربيّة والإسلاميّة، والذين اعتمدوا لجان الزكاة كمؤسسة نزيهة، وكمصدرٍ موثوق للاستعلام عن نزاهة ونشاط مؤسسات فلسطينيّة محليّة.

“الصفا” Vs “تنوفا”

مع ذلك، لم تُبقِ لجان الزكاة نفسها رهينةً لتلك الأموال، بل حرصت على الاستثمار في مشاريع اقتصاديّة تتبع لها، كمشاريع تربية الأغنام، ومشاريع الدجاج البيّاض، أو بناء العمارات وتأجيرها. ضربت هذه المشاريع عصفورين بحجر: وفّرت فرص عملٍ لفقراء عاطلين عن العمل، وصبّت بعض الأرباح في ميزانية لجان الزكاة، لتصرفها على بقية مشاريعها.

إنّ مشروع “الزكاة التأهيلي لمنتجات الألبان”، والمعروف باسم “مصنع الصفا”، مثالٌ على هذا الجهد. بدأ العمل في المصنع التابع لـ”لجنة زكاة نابلس” عام 2000، وكان أول مصنعٍ فلسطينيّ يُنتج الحليب المعقم، إلى جانب غيره من منتجات الألبان.

يعود الحنبلي بذاكرته إلى التسعينيّات، حين بدأت اللجنة بـ”مشروع الأبقار التأهيلي”. كانت اللجنة وقتها قد وفّرت أبقاراً لعائلات فقيرة، لتُنتج منها الحليب وتبيعه لتعتاش منه. يقول الحنبلي: “تُنتج البقرة 20 لترٍ في اليوم، كان ذلك يعود بـ 40-50 شيكلاً”. ظهرت صعوبات في تسويق الحليب لدى العائلات بعد أن كثُر إنتاجه، ما ذهب باللجنة إلى التفكير في إنشاء مصنع لإنتاج الحليب وبيعه.

استُعين لذلك بخبرات سويديّة وفرنسيّة، وأخذت اللجنة قرضاً مُيسّراً من البنك الإسلاميّ للتنمية لشراء الآلات الحديثة. بدأت بعدها في مصنع “الصفا” بإنتاج الحليب بعد تعقيمه عن طريق الحرارة العالية جداً -130 درجة- لمدة 3 ثوانٍ، ومن ثمّ يُحفظ في علبة كرتونيّة دون الحاجة لوضعه في الثلاجات أو لإضافة مواد كيميائية.

وفقاً للحنبلي، كانت القدرة الإنتاجية اليوميّة للمصنع 60 طناً. لذلك، إضافة إلى الاعتماد على “مشروع الأبقار التأهيلي”، منحت اللجنة قروضاً تشجيعية لعائلات أخرى لشراء أبقار، “عائلات من نابلس إلى الخليل” كما يقول الحنبلي. كان المصنع يأخذ من هؤلاء الحليب مجاناً في الشهور الستّة الأولى إلى أن يُسدّدوا القروض، ومن ثم يبيعون الحليب للمصنع بيعاً.

إضافة إلى ذلك، تعاقد المصنع مع وزارتي الشؤون الاجتماعيّة والتربيّة والتعليم على توفير كوب حليب يوميّاً للمدارس ومراكز التأهيل في الضّفة والقطاع، وذلك ضمن عمل اللجنة على توفير الرعاية الصحيّة في المجتمع.

حقّقت مُنتجات المصنع نجاحاً في السوق الفلسطيني، وصبّت أرباحه في تحقيق أهداف ومشاريع مُجتمعيّة أخرى للجنة. ضمن هذا النجاح، نافس المُنتج الفلسطيني المُنتج الإسرائيلي وأزعجه. يذكر الحنبلي أن شركة “تنوفا” الإسرائيلية أوعزت إلى وكيلها في الضّفة الغربية أن يُخفض أسعار الحليب في محاولة لضرب ومنافسة منتجات “الصفا”.

الخاتمة برعاية “تجفيف منابع الإرهاب”

لم تَسلم هذه التجربة الغنيّة على مدار 30 عاماً من الاستهداف. أوّلهُ حظرُ أميركا، على خلفيّة أحداث 11 سبتمبر، عدداً من منظّمات الإغاثة الإسلاميّة، منها ما كان يُموّلُ جزءاً كبيراً من نشاطات لجان الزكاة. كما دوهمت مقرّاتها، وصودرت أموالها الموجودة في البنك العربيّ، وحُقّق مع أعضائها عدة مرات، سواء من قوّات الاحتلال أو الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة.

ضمن جهودها في ضرب البُنى الاجتماعيّة والاقتصاديّة للانتفاضة الثانيّة، هاجمت “إسرائيل” لجان الزكاة واعتقلت عدداً من أعضائها، واتهمتهم بارتباطهم مع حركة “حماس” وبمساعدة عائلات الاستشهاديّين. بعضهم أُدين وقضى فترات محكومية متفاوتة في سجون الاحتلال، وآخرون أفرج عنهم بعد تحقيق قاسٍ.

من العام 2005 حتى 2008، أعلن الاحتلال تباعاً عن هذه اللجان “جمعياتٍ محظورة” ومنع بذلك عملها، بحجة أنّها “تدعم الإرهاب”. بالموازاة مع القرار الإسرائيليّ، أعلنت السّلطة الفلسطينيّة برئاسة سلام فيّاض، في أكتوبر/ تشرين الثاني 2007، عن حلّ جميع لجان الزكاة، وعددها 92 لجنة في مدن وقرى الضّفة الغربية. وعوضاً عنها، أعلن فيّاض عن تأسيس 11 لجنة جديدة، تمثل كلُّ  لجنة منها محافظة من محافظات الضفة. شمل القرار استبعاد أعضاء اللجان القدامى، واختيار أعضاء جدد لم تثق الناس والمؤسسات الداعمة بهم، جلّهم من المقربين للسّلطة، أو ممن تبيّن أن سِجلّهم الأمني “نظيف”، كما أُنهيت خدمات بعض الموظفين.3

وقد رافق القرار حزمةً من القرارات الماليّة، من بينها إقرار قانون لمنع غسيل الأموال، وحلّ  أكثر من 130 جمعية خيريّة، تتنوّع بين لجانِ زكاة وأنديةٍ رياضيّة واجتماعيّة، بحجة أنّها وهميّة. أمّا حجج الوزراء: وزير الأوقاف جمال بواطنة، ووزير الخارجية رياض المالكي، كانت بأنّها “لجان فاسدة”، “تحوّلت إلى إمبراطوريات مستقلة عن مؤسسات السلطة”، أو في اقتباس من الحجة الإسرائيلية أنّها “البنية التحتيّة لحركة حماس”.

انتهت الانتفاضة ووقع “الإنقسام”، ولم تعد إعادة هندسة المُجتمع مجرّد اصطلاح، بل تجسّدت على شكل تصفية مشاريع اجتماعيّة وتنمويّة. هكذا بدأ نجم لجان الزّكاة بالأفول، وتراجعت مشاريعها بعد أن أشرف عليها أعضاء جدد لم يمتلكوا نفس الخبر والنزاهة، وأُقصي أعضاؤها السابقون. أما ما نشأ بعدها من مشاريع مجتمعيّة وأهليّة، فظلّ محصوراً -في غالبه – بتقديم المساعدة للفقراء، ولم يطوّر رؤيةً شاملة لبناء المشاريع وتقديم الخدمات ومحاربة الفقر. وبين هذا وذاك، ازدهرت المشاريع ذات التمويل المشروط، أو القطاعات المشروطة، أو تلك التي ظلّت اسماً على ورق، واستفاد منها غير ذوي الحاجة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى