الفكركتب

نشأة الفكر السياسي الإسلامي وتطوره

مراجعة كتاب

نزار الفراوي | مجلة أواصر

المؤلف                                        : امحمد جبرون

عدد الصفحات                             : 254 صفحة

الناشر                                          : منتدى العلاقات العربية والدولية-الدوحة 

الطبعة الأولى                             : 2015

يحمل كتاب نشأة الفكر السياسي الإسلامي وتطوره، للباحث المغربي امحمد جبرون، نبض الجدل الراهن حول الظاهرة السياسية في العالم العربي الإسلامي، من حيث شكل الدولة ومرجعية النظام السياسي، وغيرهما من القضايا التي تتمحور حول السؤال الكبير والمزمن لعلاقة الدين بالدولة. إنه السؤال الذي ازداد اشتعالا مع دخول الحركات الإسلامية بقوة إلى ساحة التدافع حول السلطة، كما يعكس حرقة الانشغال بحالة الاستقطاب المذهبي والفكري الحادة في المجال السياسي بالعالم العربي الإسلامي حول مكانة الدين وتحديدا النص المقدس: قرآنا وحديثا نبويا، سواء كمرجعية فكرية وعقدية أو كنظام قانوني سياسي لتأطير المجتمع وتنظيم الدولة.

مقاربة تاريخية

يعود جبرون في الكتاب، الذي حاز به (مناصفة) جائزة المغرب للكتاب عام 2016 في صنف العلوم الإنسانية، إلى مخاضات تشكل مختلف تيارات الفكر السياسي الإسلامي في دولة ومجتمع وجد نفسه مطالبا بإيجاد أجوبة عملية للمستجدات والتطورات التاريخية في مرحلة ما بعد الرسول صلى الله وعليه وسلم. يقتفي جذور الاجتهادات الفكرية في مجال التنظيم السياسي والتشريعي للدولة التي تعقدت حاجياتها وتوسعت حدودها واختلطت عناصرها، وتفاعلت التيارات التاريخية والحضارية المؤثرة فيها. كما يسائل الكتاب علاقة النص الديني، قرآنا وسنة، بالسياسة، ليكشف المفارقة المتمثلة في تكريس الطابع المدني لمرجعية الدولة ومنطلقات الفعل السياسي، فكرا وممارسة، في حياة الرسول (ﷺ) ومرحلة ما قبل التدوين، قبل أن تنبثق ظاهرة ترحيل السياسة من طابعها التاريخي المدني المتغير إلى قدسية مفترضة تحيل إلى النص الديني الذي أصبح يستدعى بشكل توظيفي في خضم صراعات ومصالح سياسية ومذهبية صرف.

وهكذا توزعت مباحث الكتاب بين فصول أربعة تناولت إشكالية الجذور المدنية للفكر السياسي الإسلامي، وإشكالية أصالة الفكر السياسي الإسلامي، وعلاقة الوحي بالسياسة، ثم طبيعة الدولة بين المدني والديني في الفكر السياسي الصوفي.

ينبري المؤلف للبحث في نشأة الفكر السياسي الإسلامي وتطوره من خلال مقاربة تاريخية تبدو مبررة بكون الإسهامات التي تم تقديمها في باب الفكر السياسي سليلة أمينة لهواجس العصر وصراعاته، ومرآة عاكسة لتجاذبات التيارات القائمة التي تنافست على احتكار الحقيقة الشرعية، إما في اتجاه تسويغ السلطة القائمة أو إيجاد مظلة نصية قدسية لمعارضة الحكم. إنها مقاربة دشنها الباحث باستعراض مقومات السلطة السياسية في دولة الرسول (ﷺ)، وتحليل تراث الفكر السياسي الإسلامي قبل عصر التدوين، ومتابعة تطوره خلال ذاك العصر، قبل أن يعرج على استنطاق الفكر السياسي في المتون الصوفية.

عن أهمية هذه الدراسة، يكتب الناشر في تقديم الكتاب: ” وإذا كانت عملية توثيق العبارة السياسية الإسلامية وجمع بعضها إلى بعض عملية مهمة واستراتيجية في مثل هذا العمل، فإن ربط هذه العبارة بسياقها المحلي والإقليمي لا يقل أهمية عن التوثيق، ومن ثم رام المؤلف في أكثر من موضوع إيجاد الصلة والرابط بين العبارة السياسية من جهة، وبين ما كان يعتمل في أرضها من صراعات وتحيزات من جهة ثانية، الشيء الذي يجعلها في كثير من القضايا تتخذ شكل سوسيولوجيا تاريخية للأفكار”.

يذكر أن امحمد جبرون من المشتغلين على الحقل الفكري السياسي والإصلاحي. وهو حاصل على الدكتوراه في التاريخ، وله مجموعة من الأبحاث والدراسات، من بينها: الفكر السياسي في المغرب والأندلس في القرن الخامس الهجري، فصول من تاريخ المغرب والأندلس، المقاصد في الفكر الإصلاحي الإسلامي، إمكان النهوض الإسلامي.

الدولة النبوية مدنية لا كهنوتية

يذكر الباحث بأن أول ظهور للسلطة السياسية في المجال الإسلامي كان بعد هجرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة، حيث مارس وظائف الإمامة والقيادة السياسية. واعتبر وثيقة الصحيفة أو دستور المدينة شهادة ميلاد هذه السلطة التي عكست هاجس إنشاء جماعة سياسية مدنية جديدة، فوق القبيلة ومتخطية للكثير من أعرافها السياسية، تقوم العلاقات داخلها على السلم والأمن، ونبذ الظلم والعنف الاجتماعي، دون إغفال قضايا الأمن الخارجي والتهديدات التي حاقت بالدولة الفتية.

ورغم ثقل الوجود الرمزي والفعلي للنبي (ﷺ) في الدولة، فإن المؤلف يشدد على أن السلطة السياسية التي بلورها الاجتماع السياسي الإسلامي أول الأمر في المدينة استمدت شرعيتها من المجتمع المديني وحاجيات سكانه وإملاءات التاريخ؛ ومما يزكي ذلك عدم وجود أمر إلهي بتأسيس هذه السلطة، ومدارج النضج والتحول التدريجي في طبيعتها وآلياتها حسب الأحوال والظروف. يكتب جبرون “كان الرسول الإمام صلى الله عليه وسلم مع صحابته يتخذ القرار الذي يراه مناسبا في النوازل والأحداث، مستحضرا الغايات الأخلاقية والإنسانية لرسالة الإسلام، وبإمكانات مدنية (عقلانية)، وكان الوحي بعد ذلك ينزل على الرسول النبي (ص) مزكيا، أو معدلا أو لاغيا للقرار”(ص 41).

وفي إطار مقاربة آليات الدولة ومؤسساتها زمن الرسول (ﷺ)، يتوقف الكاتب عند الدور السياسي للمسجد الذي كان بمثابة مقر لرئاسة الدولة، وعند مهام النبي كقائد للدولة بأسلوب بسيط منفتح على الشورى وقابل للمراجعة، فضلا عن إرهاصات بروز الجيش والقضاء والوظيفة العمومية والعلاقات الخارجية.

لقد قام الاجتماع السياسي الإسلامي على مفهوم العدل، الذي جرد من كل أشكال الميز والتفاوت التي حفلت به ثقافة العصر. أما القيم الاسلامية فأعطت شعورا حماسيا بالهوية المشتركة المتعالية على الانتماء القبلي والعشائري، لكنها لم تتدخل في تفصيل المؤسسات وصناعة القرارات التي ظلت مرتبطة بغايات موضوعية تاريخية. إنها دولة تاريخية خرجت من رحم الظروف السياسية لوسط الجزيرة العربية، واستعانت بثقافتها السياسية وانسجمت مع بنياتها الاجتماعية.

ما قبل التدوين وما بعده

أما في مرحلة ما قبل عصر التدوين التي تغطي أكثر من قرن من الزمن منذ وفاة النبي (ﷺ) سنة 11 هجرية إلى مقتل آخر خلفاء بني أمية، مروان بن محمد سنة 132ه، فإن الكاتب ميز تطور الفكر السياسي الإسلامي على ثلاثة أطوار: طور الخلافة الراشدة، وطور الفتنة، والطور الثالث الذي يبتدئ ببيعة معاوية وينتهي بتولي أبي العباس السفاح.

هي مرحلة مخاض واضطراب في تاريخ الفكر السياسي لم تنجل معالمه إلا في عصر التدوين، حيث تشتت الفكر السياسي الإسلامي بين أجناس معرفية وثقافية متفرقة، وتوزّع بين كتب الأمثال والآداب والرسائل ونصوص المتكلمين وأحكام الفقهاء.

وبالانتقال إلى عصر التدوين، يرصد الباحث تحولات كمية ونوعية في إنتاج أدبيات الفكر السياسي، تزامنا مع بسط السيطرة العباسية وما طبع هذه المرحلة من صراع مذهبي طائفي وتحولات سوسيو-ثقافية ناجمة عن الاحتكاك بتيارات حضارية أخرى، والازدهار الذي يعود أيضًا إلى العناية الخاصة للدولة العباسية بالمجال الثقافي والعلمي.

من هذا المنطلق، شهد عصر التدوين ازدهارا ملحوظا في الكتابة السياسية، حيث ارتفعت أعداد الإصدارات السياسية وأخذت في التبلور كجنس معرفي مستقل. وتوزعت إسهامات مفكري السياسة بين أربعة أجناس هي: الكلام والفقه والآداب والفلسفة.

أجناس ومصادر الفكر السياسي الإسلامي

في إطار علم الكلام، وإن كان ذا طابع عقدي أساسا، شكّل موضوع الإمامة، وهو موضوع سياسي بامتياز، بعدًا أساسيًا في النقاش الكلامي منذ البدايات الأولى. اقتفى الباحث آراء الفرق الكلامية في هذا الباب حيث توقف تحت مظلة الكلام السياسي الشيعي عند الاجتهادات النظرية للزيدية والاثني عشرية والإسماعيلية. كما استعرض خلاصات الكلام السياسي الخارجي خصوصا من فرقته الباقية، الإباضية، قبل أن ينكب على عرض كلام الجمهور وأهل السنة في الإمامة.

ويخلص الكاتب الى أن نظريات الفرق الكلامية في الإمامة هي في جوهرها نظريات شرعية السلطة السياسية الناشئة في المجال الاسلامي، وكانت تجيب عن سؤال رئيس: هل الحاكم الآخذ بمهمة التدبير تجب طاعته والتسليم له أم لا؟ وما هو سند الطاعة؟ وتعكس هذه النظريات تأثرا متفاوت القوة بثلاث عناصر حيوية: النص الديني، البيئة الثقافية، الوضع السياسي. وهي في جميع الحالات جاءت انعكاسا لشكل وطبيعة الصراع على السلطة السياسية وأيضا للثقافات الداخلة للإسلام.

وهنا يؤكد الباحث أن قضية الإمامة في أصلها ومبدئها لم تكن قضية دينية أو عقدية “كما توهمنا بذلك المذهبيات والفرق الكلامية، ولا يوجد في القرآن والسنة ما يدل عليها قطعا”، غير أن الصراع السياسي الذي تفجر بعد اغتيال الخليفة عثمان والطوارئ الجديدة التي عرفها الاجتماع السياسي الإسلامي بسبب الفتوحات الناجحة في آخر الخلافة الراشدة وفي العصر الأموي، أنتجت تأويلا سياسيا جديدا للإسلام، تغذى من ثقافات الجمهور الوافد على الإسلام من فارس وخراسان.

إنها محطة فارقة لاتزال تلقي بظلالها على واقع الاستقطاب الفكري السياسي حتى اليوم، وبشكل أكثر درامية. فالمشكلة التي يعانيها الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، حسب الكاتب، تتمثل في هيمنة أنماط التأويل السياسي الثلاثة للإسلام: الشيعي والخارجي والسني، التي تقدم نفسها كتعبيرات وحيدة وصادقة عن الإسلام السياسي.

 يبدو الطابع المدني والتاريخي للفكر السياسي في الآثار التي حفظتها متون الفقه السياسي؛ ذلك أن أغلب فقهاء السياسة كانوا من بطانة سلطة الخلافة، وجل النصوص الرئيسية التي يرجع إليها اليوم صدرت عن مقربين من الخلفاء في العصر العباسي الأول والثاني، على غرار القاضي أبي يوسف والماوردي في الأحكام السلطانية.

الأحكام السلطانية: دستورانية مبكرة

أولى الباحث اهتمامه في هذا الباب بالأحكام السلطانية كمظهر أساسي للفقه السياسي الإسلامي، تناول الهيكل المؤسساتي للدولة الاسلامية من الإمامة والوزارة والإمارة والولايات المختلفة. ويرى الباحث، مع آخرين من الباحثين في الفكر الإسلامي، أن هذه الأحكام السلطانية تشكل ملامح “دستورانية مبكرة” في التاريخ الإسلامي. ويسجل في هذا الباب أن الماوردي وأبا يعلى اقتصر دورهما على جمع ما تفرق في أبواب الفقه المختلفة حول الموضوع السياسي، وتقديم التسويات التي تمت على مدى ثلاثة قرون تقريبا في شكل قواعد وأحكام فقهية.

ولم تخل النصوص الأدبية من تأملات في الشأن السياسي، وتوجيهات للحاكم، لذلك يتوقف الباحث عند نصوص ابن المقفع والجاحظ وابن قتيبة والطرطوشي. وجاءت هذه النصوص أيضا حاملة للخامة الثقافية التي طبعت عصر التدوين، من حيث الحضور القوي لتجربة العرب وحكمتهم، وتجربة الفرس وآثارهم، وخبرات الروم في السياسة، فضلا عن تجاوب هذه الآداب مع الشكل السياسي للدولة.

ولم تتخلف الفلسفة عن إخضاع الظاهرة السياسية للتأمل وفق المناهج والآليات العقلية الفلسفية، على غرار ابن سينا وابن مسكويه وإخوان الصفا والفارابي. وهذا النظر الفلسفي لقضايا السياسة في المجال الإسلامي ساهم في تكريس الطابع المدني للاجتماع السياسي الإسلامي، والاحتجاج العقلاني له، وترسيخ تاريخيته.

الهجرة إلى النص الديني

لكن، يجدر الانتباه إلى أنه مع حلول عصر التدوين سجل ازدياد في الطلب على النص الديني، والتنافس حول تأويله لصالح شرعية سياسية معينة. وانعكس هذا الطلب في الجدل بين الشيعة والخوارج والمعتزلة. ومن الملفت أن هذا التطور في علاقة الفكر السياسي بالنص الديني المقدس يعزى أساسا إلى عامل خارجي يتمثل في الاستلاب الثقافي الفارسي مع بداية العصر العباسي الأول، من حيث تقليد الربط بين الدين والملك الذي كان راسخا في الثقافة السياسية للفرس. وتنامت نزعة “التديين” بالتالي لتظهر بقوة في مباحث الإمامة لدى المتكلمين وفقه السياسة والآداب السياسية. ويعلق جبرون، من موقع الزمن الراهن، على هذا التطور قائلا: “وإذا كان هذا التأثير أو التسرب طبيعيا، ومفهوما من الناحية التاريخية، وأدى أدواره كاملة خلال العصر الوسيط، فإن غير الطبيعي وغير المفهوم، هو أن يتحول الفكر السياسي الإسلامي ‘المفورس’ مع مرور الوقت إلى شرع ودين، متعال عن الزمان، يتقرب به إلى الله عز وجل، كما هو الشأن بالنسبة لعدد من التيارات السياسية الإسلامية المعاصرة”. (ص 185).

خلاصات تاريخية لانتكاسات الراهن

الأصل المدني لقضية الإمامة، النمو التدريجي لفقه السياسة، فقه السياسة ترجمة لثقافة العصر، الآداب السياسية تجسيد لمراد الحكام، الفلسفة السياسية ودورها في تكريس الطابع المدني للاجتماع السياسي الاسلامي، ثم تغير مكانة النص في الفكر السياسي الإسلامي من مرحلة أولى استغنى فيها الفكر عن النص وعالج القضايا السياسية بعقلانية واضحة الى مرحلة ثانية وسمها اللجوء المكثف للنص القرآني والحديثي والتنافس حول دلالاته…تلك مجموعة من الخلاصات التي تفضي إليها هذه الدراسة المؤكدة على مدنية السلطة في المجال الإسلامي مع استنادها إلى المرجعية القيمية الاسلامية. “فقد ترك للقائمين عليها كامل الحرية في اختيار شكل تحققها وبناء عقلانية انسانية إسلامية تقدمية. وقد كانت دولة الرسول (ص) دولة تاريخية خرجت من رحم ظروف الجزيرة العربية، ولم تكن دولة كهنوتية، وكذلك جاء الفكر السياسي الإسلامي قبل عصر التدوين فكرا تاريخيا منفتحا على أسئلة وتيارات عصره وظروفه، كما نقل أصداء التأثير الفارسي والصراع الداخلي حول الإمامة”.

ومن هذه الرؤية التاريخية النقدية، التي تحمل هم الاضطراب الراهن المفضي إلى تناحر مدمر وانسداد حضاري معطل، يخلص محمد جبرون الى أن إصلاح الفكر السياسي الاسلامي اليوم يحتاج الى مراجعات صعبة على الوجدان الديني الموروث، ومتحررة من الهويات الأيديولوجية القاتلة، ومتشبثة بالنظر العلمي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق