القضية الفلسطينيةمنوعات

النكتة السياسية.. “هَمّ يبكي وَهَمّ يضحك”

نور الدين الأعرج | متراس

قد نتوهّم بأنّ “السُّلطة” تسمح لنا بأنْ نقولَ ما نريد لساعاتٍ طويلة دون أنْ تقاطعنا، إلا أنّها وبكلّ بساطة تحدّد لنا المواضيع التي يجب الحديث عنها، فتحجب ما يزعجها، وتمنح فضاءاتٍ لِما يتماشى معها. فبحسب عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، إنّ المؤسسات السلطويَّة تفرض الوهم بأنّ هنالك وجوداً للرأي العام، بصفته جمعاً تراكمياً بحتاً لآراء شخصيّة. وتفعلُ ذلك من خلال التلاعب بالمواضيع، وتحديدها، فتفرض رأياً عاماً على الأفراد، عن طريق استدخال المواضيع التي تريد لنا التطرّق لها، من وجهة نظر السلطة، وتشغل خواطرنا بها.

وبفعل احتكار السُّلطة للمواضيع وللفضاءاتِ العامَّة، تنتج دائماً مساحات وفضاءات اجتماعية خاصَّة بالأفراد، تكون سرّيَّة في معظم الأحيان، وتمثّل الصفحات الساخرة على السوشال ميديا واحداً من هذه الفضاءات. ما يميّزها هو أنَّها حيّز أكثر راحة للأفراد، وأقلّ عرضة لسيطرة السلطة على مواضيعهم، فهي محاولة لمقاومة التغييب الذي تمارسه السلطة اتجاه مواضيعهم الحقيقية.

ميم نشرتها صفحة Palestinian Memes بعد استشهادِ صياديْن فلسطينيّيْن بنيرانٍ مصريَّة في عُرض البحر.

يحتوي هذا الفضاء حكايات الأفراد وهمومهم، واستطاعوا من خلاله، عبر الأعوام، طرح مواضيع لم تطرحها السُّلطة من قبل، فهي ليست مواضيعَ تختارها السلطة وتعرضها على قنواتها الرسميَّة، بل قصصاً ونكاتاً يتداولها الأفراد مع ذواتهم ضمن مجموعاتهم قد أخذت تطفو على السطح، في وجه السُّلطة؛ صارت الآن وكأنّها ممارساتٌ يقاوم من خلالها الأفرادُ احتكارَ السلطة لمواضيعهم.

خلاصة القول، إنَّ رواج هذه الصفحات، وإقبال الشعوب المهيمَن عليها لهذه الأنماط من الممارسات والتفاعل معها، مرتبط بكونها تخلق فضاءً اجتماعياً يمثّل هذه الشعوب ويبرز مواضيعها، ويروي حكاياتها، ويركز على همومها.

النكتة للتغيير

يخلُص معارضو الطرح السابق، والذي يعرّج على أهميّة هذه النكات، إلى أنّ هذا الخطاب- أعلاه- قد يحيّد فضاءات أخرى للنقد، ربّما أكثر فاعليّة وجديّة من السخرية. ويعتبر آخرون أنَّ الصفحاتِ الساخرة ما هي إلا تعبير عن الإحباط، ولا ينظرون إليها كفضاءٍ مقاومٍ للواقع والسُّلطة.

يجادل المفكّر فرانز فانون مثلًا أنَّ هذا الخطاب- الذي يمجّد السخرية- ما هو إلا تحايل على الواقع ولا يؤثّر على مجرياته. فيرى فانون أنَّ هذه النكات أو الحكايات تعمل على تهدئة المستعمَر والمُضطَّهَد. بمعنى أنَّ هذه الممارسات قد تحلّ محلّ الفعلِ الثوري الحقيقيّ في وجه السلطة، فتكونُ، حسب فانون، مُخدّراً للأفراد مقابل أيّ عمل حقيقيّ على أرض الواقع.

فيما يعتقد مهدي عامل، المفكّر اللبنانيّ، أنّ الثقافة المناهضة للسلطة مستترة، تتجلى رموزها في حكايات الأفراد، وهي بالتأكيد أكثر تمرداً على الواقع القائم وأشد رفضاً له. ولكنها، حسب عامل، عاجزة عن تغيير العالم.

يقولُ إنَّه ليس بالحلم تكون الثورة، وإنّما بالفعل الثوريّ، وإنْ كان الحلم شرطاً ضرورياً لها. والحلم الذي يقصده عامل هو تخيّل واقعٍ أفضل من خلال هذه الثقافة المستترة، يتجلّى في ممارساتٍ على غرار القصص الشعبية والحكايات، فهي بالنهاية تمثّلات للحلم في الحياة اليوميّة للأفراد.

مكان الغائب

من جانبٍ آخر، يحلّل الأنثروبولوجيّ الأمريكيّ جيمس سكوت الخطاب المستتر في المحتويات الساخرة من السُّلطة، ويفرّق بينَ نوعيْن من الخطاب المستتر: أحدهما يظهر فيه المرسِل ولا تظهر الرسالة، والآخر تظهر فيه الرسالة ولا يظهر المرسِل. ولعلَّ الثانية أقرب هنا، في سياق الحديث عن صفحات السوشال ميديا الساخرة، فأغلب مؤسّسي هذه الصفحات مجهولون، ولكنَّ نصوصهم وتصميماتهم موجودة.

وحتى على افتراض أنّ بعض مؤسّسي هذه الصفحات معروفون مثل صفحة “Palestinian Memes”، إلا أنّ هذه الصفحات عادةً ما تنشر رسائل يرسلها الأفراد لهم مع إخفاء أسمائهم الحقيقية، وبالتالي تخفي المرسل، لا على مستوى المؤسسين لهذه الصفحات فقط، وإنما للمشاركين فيها.

ذلك الخطاب المستتر، حسب سكوت، لا يمكن أن يحيّد أي فضاء آخر قد يبدو أكثر فاعلية، لأن هذا الخطاب ببساطة يظهر فقط حين يفقدُ الناس أيّ فضاءاتٍ اجتماعيَّة ديمقراطيَّة يعبّر فيها الأفرادُ عن مواقفهم بأريحيَّة. وغيابُ تلك الفضاءات هو ما تشترك فيه معظم الدول العربية بشكل عام، وفلسطين بشكل خاص.

إذ دائماً ما تعمد السلطة إلى قمع أي ممارسة لخلق فضاء احتجاجيّ يستطيع الفرد من خلاله التعبير عن رأيه، وبالتالي تكون هذه النكات هي السياسة عندما لا يكون هناك سياسة حقيقية كما وصفها سكوت.

إنَّ فاعليَّة هذه الممارسات تتجلى في محاولتها خلقَ فضاء تضامنيّ بين المقموعين، وهذا ما كان واضحاً في حملات التضامن الأخيرة مع الصحفي عبد الرحمن ظاهر على صفحة “مش هيك” فقد نشرت الصفحة في عدة مرات- بأسلوبٍ ساخر- دعوات للتعليق على صفحات مسؤولين ومؤسسات للإفراج عن الصحفي المعتقل في سجون السلطة الفلسطينية.

صورة نشرتها صفحة “مش هيك” تضامناً مع الصحفي عبد الرحمن ظاهر المعتقل في سجون السلطة.

لم يدَّعِ سكوت، ولا غيره، أنَّ هذه الممارسات كفيلة بتغيير الوضع الراهن، ولكنَّها بالتأكيد تبقي العداء موجوداً في الحوار اليومي بين الناس. وبالتالي قد تكون هذه الممارسات كفيلة بتهيئة الناس لأيّ حدث حقيقي فاعل ضد السلطة السياسيَّة، وهي بالضرورة مزعجة ومقلقة لأصحاب السلطة، ما دفع السلطة الفلسطينيَّة مثلاً إلى حجب مواقعَ وصفحاتٍ ساخرة على مواقع السوشال ميديا. فكانت صفحة “حل عنا” وصفحة “حبطرش” وغيرها، من الصفحات الساخرة من الصفحات التي شملها قرار الحجب.

ميم نشرتها صفحة “حبطرش” الساخرة حول دور السياسي عزّام الأحمد في المصالحة.

في النهاية، لا يمكن اعتبار صفحات السوشال ميديا الفلسطينية مصدراً للفكاهة فقط، فهي في الحقيقة مرآة للخطاب الشعبي، وقد استطاعت إظهارَ غضب الشعب الفلسطيني على الأوضاع السياسية بشكل ساخر، ومباشر، من خلال التعليق وإبداء آراء على جميع الأحداث السياسية الراهنة وشخصيّاتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى