الشؤون الدولية

سياسة الولايات المتحدة الخارجية في انتخابات 2020: أي خيارات في الشرق الأوسط؟

تشارلز دبليو دن | المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

مقدمة

سارت الحملة الرئاسية الأميركية على وقع عددٍ محدود من القضايا؛ الوباء وآثاره الاقتصادية الضارّة، والاحتجاجات الجماهيرية المطالِبة بالعدالة العرقية، وأخيرًا النزعة الاستقطابية وشخصية الرئيس دونالد ترامب. لم يطرح الناخبون قضايا السياسة الخارجية حتى الآن إلّا لمامًا، لكن عليهم القيام بذلك، لأن مكانة أميركا في العالم تتنازعها رؤيتان مختلفتان جدًا. فالسياسة الخارجية للرئيس ترامب تتعيَّش على التقلب واستحالة التنبؤ بها، ويسودها نهج انفرادي أربك الحلفاء والأعداء على حد سواء، ما يثير الشكوك في استمرار صلاحية الولايات المتحدة للقيادة العالمية. أما نائب الرئيس السابق، جو بايدن، فيعود إلى الأفكار المستمدة من السياسات التقليدية ليسار الوسط، ولا سيما سياسة المشاركة الدبلوماسية التي تهدف إلى خفض الالتزامات العسكرية الأميركية في الخارج، إلى جانب تعزيز النظام الدولي الذي ساهمت الولايات المتحدة في إرسائه بعد الحرب العالمية الثانية. إن حدود تطبيق هذه الاستراتيجيات المتنافسة في ولاية ترامب الثانية أو في رئاسة بايدن، ستترك انعكاسات كبيرة على المصالح الأميركية في الداخل والخارج.

من المرجح أن تكون السياسة الخارجية في ولاية ترامب الثانية استمرارًا لسياسته في الولاية الأولى، وقد حددت استراتيجية الأمن القومي للبيت الأبيض الصادرة في عام 2017 مبادئها العامة بما يلي: “تستند استراتيجية الأمن القومي لسياسة أميركا أولًا على المبادئ الأميركية، والتقييم الملموس لمصالح الولايات المتحدة، والتصميم على التصدي للتحديات التي نواجهها. وهي استراتيجية واقعية تستند إلى المبادئ وتسترشد بالنتائج وليس بالأيديولوجيا. كما تستند إلى فكرة الحفاظ على السلام والأمن والازدهار من خلال دول قوية وذات سيادة تحترم مواطنيها داخليًا وتتعاون خارجيًا لتحقيق السلام، وترتكز على إدراك أن المبادئ الأميركية هي قوة دائمة للخير في العالم”[1].

من الناحية العملية، أملت هذه الفلسفة نهجًا في السياسة الخارجية هيمنت عليه نزعة أحادية أميركية قائمة على المصالح الذاتية الضيقة، وليس على المبادئ[2]، وقام هذا النهج بالأساس على أهواء الرئيس وغرائزه “الحشوية”، وبدرجة أقل بكثير على مسارات السياسات التقليدية ومراعاة الخبرة أو التوافق طويل الأمد بين الحزبين. ونتيجة لذلك، شهدت السياسة الخارجية للولايات المتحدة تحولات غير متوقعة وانتكاسات مفاجئة طوال ولاية ترامب.

إن الانسحاب المفاجئ من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ؛ تلك الكتلة الاقتصادية التي تضم 12 دولة وتهدف إلى موازنة ثقل الصين، وكذلك الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، مثّلَا غارةً أولى في الحرب على الأعراف الدولية التي كان دعمها والدفاع عنها مبدأً رئيسًا للولايات المتحدة طوال سبعة عقود. إن الاتهامات الموجّهة إلى حلف شمال الأطلسي وحلفاء الولايات المتحدة الآخرين بزعم استغلال الجيش الأميركي، وكذلك انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقيات الحد من التسلح كاتفاقية الأجواء المفتوحة ومعاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، أوجدت شعورًا بعدم ثبات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وتركت حلفاء وخصومًا عديدين غير متأكدين، على طول الخط، من موقف الولايات المتحدة حيال قضايا مختلفة عديدة.

وإذا نجح ترامب في إعادة انتخابه، فمن المرجح أن يشعر بالتشجيع والصدقية في الداخل والخارج، وأن يتابع مساره المنفرد في الشؤون الخارجية من دون قيد من مبدأ أو حزب[3]. كما يُرجح أن ينعكس ذلك في تكريس سياسات متعددة مثيرة للجدل في الشرق الأوسط.

ترامب والشرق الأوسط

تخلى الرئيس ترامب عن الخط الذي تعتمده الولايات المتحدة في عملية السلام في الشرق الأوسط منذ ثلاثين عامًا، واستبدله بخطة سلام فلسطينية – إسرائيلية “صفقة القرن”[4]، ستكون سببًا في الإجهاز على أي ادّعاء بأن الولايات المتحدة تقوم بدور وسيط نزيه لا يَمسّ ما يسمى قضايا الوضع النهائي، وتجسّد التخلي عن ذلك الخط في قرار الإدارة نقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس في أيار/ مايو 2018، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان في آذار/ مارس 2019. وستواصل إدارة ترامب في ولايته الثانية دعمها للمواقف الإسرائيلية، إلى جانب تكثيف مساعيها لعزل السلطة الفلسطينية والضغط عليها، واستبعاد القضية الفلسطينية فعليًا من المعادلة السياسية الإقليمية. كما ستضاعف هذه الإدارة في الوقت نفسه جهودها لإقامة علاقات سياسية واقتصادية وأمنية ثنائية بين الدول العربية وإسرائيل، استنادًا إلى اتفاقيات أبراهام التي تعتبرها انتصارًا دبلوماسيًا استثنائيًا[5].

ومن بين أهداف استراتيجية ترامب العربية – الإسرائيلية إضافة ثقل عسكري ودبلوماسي إلى التحالف الإقليمي المناهض لإيران الذي تسعى الإدارة الأميركية إلى تشكيله، وإرسال تحذير صارم إلى طهران بأن واشنطن مستمرة في ممارسة سياسة “الضغط الأقصى”، وأنه إذا كان ثمة أي جديد في ولاية ترامب الثانية، فهو تكثيف هذا الضغط الذي ضاعفته الإدارة الأميركية بالفعل، إذ أعلن وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في 20 أيلول/ سبتمبر 2020 أنه بسبب عدم امتثال إيران للالتزامات المنصوص عليها في الاتفاق النووي لعام 2015 (المعروف رسميًا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة)، “يُعاد تفعيل” عقوبات الأمم المتحدة المعلّقة، وأن الولايات المتحدة ستستخدم قوانينها لفرض الامتثال على إيران والدول الأخرى. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة رسميًا من خطة العمل الشاملة المشتركة في عام 2018، أعرب المجتمع الدولي عن رفض واسع لطلبها فرْضَ “إعادة تفعيل” عقوبات الأمم المتحدة. لكن استعداد الولايات المتحدة لفرض عقوبات على الحكومات الصديقة وشركاتها وضع واشنطن في مسار تصادمي مع الحلفاء الأوروبيين، ولا سيما ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة. ومن المرجح أن تتفاقم هذه التوترات في الولاية الثانية.

إضافة إلى مضي ترامب في مساري السلام العربي – الإسرائيلي وإيران، فمن المحتمل أن يستمر في توثيق علاقاته مع ممالك الخليج والحكام المستبدين الآخرين في المنطقة، بمن فيهم “دكتاتوري المفضل”[6]؛ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. ويرى ترامب أن هؤلاء القادة ينسجمون تمامًا مع أجندته، ليس من الناحية الدبلوماسية فحسب، بل من ناحية شراء الأسلحة والمنتجات الأميركية الأخرى أيضًا؛ وهو محرك رئيس لسياسته الخارجية. وتستطيع الأنظمة التي يعتبرها ترامب صديقة له أن تعتمد على استمرار البيت الأبيض في حمايتها من ضغوط الكونغرس الأميركي وانتقاداته لسجلاتها في مجال حقوق الإنسان، كما فعل ترامب مرارًا وتكرارًا مع المملكة العربية السعودية، على الرغم من قتل الصحافي السعودي المقيم في الولايات المتحدة، جمال خاشقجي، وحربها الكارثية في اليمن[7].

قد تنتظرنا بعض الأحداث المفاجئة في ولاية ترامب الثانية. فإذا كانت النتيجة الوحيدة التي تُرضي الإدارة الأميركية هي انهيار النظام في طهران (وإن لم تكن لديها خطة واضحة لذلك)، فقد يحدث تحول مفاجئ نحو عقد صفقة دبلوماسية شاملة، ربما تندرج أيضًا في أشكال الأداء الاستعراضي الذي يفضله ترامب. وقد أشار بالفعل إلى أنه قد يتراجع عن موقفه، عندما دعا طهران في حزيران/ يونيو 2020 لعقد “صفقة كبرى” قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية[8]. وقد يُطرح شيء مشابه لذلك بعد الانتخابات، على الرغم من إشارة قادة إيران إلى عدم اكتراثهم بذلك حتى الآن. كما قد يفكر ترامب في الوفاء بوعوده بإخراج الولايات المتحدة من “حروب لا نهاية لها” في المنطقة، وربما يسحب جميع القوات المتبقية في العراق وسورية على نحو مفاجئ، ويخفض عدد القوات العسكرية الأميركية البالغ قرابة 50000 جندي من أماكن أخرى من المنطقة، ولا سيما في دول الخليج العربية. وقد يستبدل ذلك بطلب مليارات إضافية أخرى من الحكومات المضيفة ثمنًا لإبقاء هذه القوات.

وعمومًا، لن تكون سياسة ترامب في الشرق الأوسط في ولايته الثانية إلا نسخة مكثفة جدًا عن السياسات التي انتهجها خلال ولايته الأولى؛ نسخة أخرى تحركها أهواؤه، ونهجه المحدود في عقد الصفقات مع القادة الأجانب، وازدراؤه لحقوق الإنسان. وحيث إنه لا يتقيد بوزارة الخارجية التي هُمّشت وأصبحت مسيّسة تمامًا، ولا بمؤسسة الأمن القومي (مجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع ومجتمع الاستخبارات) التي استكانت بعد نوبات ارتيابه العاصفة وباتت تحت قيادة موظفين من الدرجة الثالثة والرابعة، فإن استحالة التنبؤ بسياسته في الشرق الأوسط، بل في السياسة الخارجية عمومًا، ستستمر وتزداد أكثر من السابق.

الرئيس بايدن: استئناف، إنما ليس من الصفر

سيعود جو بايدن، إذا أصبح رئيسًا، إلى النهج التقليدي ليسار الوسط في السياسة الخارجية، ولا سيما التركيز على إعادة بناء سمعة أميركا وتحالفاتها الخارجية، والتأكيد على الديمقراطية في الداخل والخارج، والتشديد على أولوية العمل الدبلوماسي، وليس العسكري، في تعزيز مصالح الولايات المتحدة. يعتقد بايدن[9] أن الولايات المتحدة تواجه مجموعة تحديات عالمية؛ من تغير المناخ إلى انتشار الأوبئة، تتطلب مقاربات عالمية. وإن صعود الاستبداد والشعبوية المتطرفة يزيد صعوبة مواجهة هذه التحديات. وقد ذكر بأنه سيتخذ عدة إجراءات على الصعيد المحلي لـ “تجديد قيمنا الأساسية”، بما فيها تعزيز حقوق التصويت واستقلال القضاء وتحسين فرص التعليم وإصلاح نظام العدالة الجنائية وضمان نزاهة الانتخابات وإنهاء فصل العائلات على جانبي الحدود[10]. وإضافة إلى ذلك، يعد بايدن بتبنّي “سياسة خارجية للطبقة الوسطى” من خلال تنفيذ مجموعة سياسات مصممة لضمان اقتصاد يشارك فيه الجميع، وتصميم سياسات تجارية تدخل بموجبها الشركات الأميركية في “ساحة تنافس عادلة”.

وذكر بايدن أنه سيباشر بخطوات على الصعيد الدولي، تنطلق من التركيز على الديمقراطية، لإعادة بناء تحالفات أميركا ودورها القيادي. وقال إنه سيستضيف “قمة عالمية من أجل الديمقراطية” خلال السنة الأولى من ولايته، تجمع “الديمقراطيات في العالم لتعزيز مؤسساتنا الديمقراطية، والقيام بمواجهة صريحة مع الدول التي تتراجع عن الديمقراطية، وصياغة أجندة مشتركة”. وحدد مكافحة الفساد عاملًا رئيسًا في تنفيذ هذه الأجندة. كما يسعى بايدن للضغط على روسيا، وكذلك تطبيق إجراءات “صارمة” حيال الصين بالتنسيق مع الحلفاء والشركاء لمواجهة انتهاكاتها في مجال حقوق الإنسان، وسرقة حقوق الملكية الفكرية، والممارسات التجارية غير النزيهة.

كما سيعمل على تفعيل الدبلوماسية الأميركية، التي يعتقد هو ومستشاروه أن إدارة ترامب قد انتقصت من شأنها، من خلال إعادة بناء وزارة الخارجية والاستثمار في السلك الدبلوماسي والموظفين الكبار الذين غادر معظمهم في السنوات القليلة الماضية. وقد يفكر بايدن في إعادة تعيين كبار الدبلوماسيين الذين تركوا مناصبهم أو أُجبروا على تركها في ظل إدارة ترامب، كما يرجّح أن يطرح زيادات كبيرة في اعتمادات وزارة الخارجية وبرامج المساعدات الخارجية.

بايدن والشرق الأوسط

إن كل ما سبق هو سياسات نموذجية لديمقراطي تقليدي شغل منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ أو عمل عضوًا بارزًا فيها مدة 17 عامًا، وكان نائبًا لرئيس اشتهر بميله إلى تجنب المخاطر. فكيف سيختلف نهج بايدن في الشرق الأوسط عن نهج ترامب؟

أولًا، وقبل كل شيء، سيترجم تركيز بايدن على الديمقراطية مباشرةً في تبنّي نهج جديد تجاه السعودية ومصر والحلفاء الاستبداديين الآخرين. ومع أنه لن يقوض العلاقات الأمنية المتينة التي تربط الولايات المتحدة بهذه الدول، فإنه سيشدد على تفعيل المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان مقابل الاستمرار في علاقات الأعمال. فهو لن يعطي مصر “شيكًا على بياض”[11] متغاضيًا عن “الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان”، وبعد انتخابه ستخضع مبيعات الأسلحة للتدقيق على الأقل. أما بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، فقد ذكر مستشاروه أنه سيسعى في حال انتخابه إلى إقامة شراكة أوثق مع الكونغرس بشأن تقييد مبيعات الأسلحة لها بسبب الحرب التي تخوضها في اليمن، والنظر في حظر منح تأشيرات دخول لولي العهد محمد بن سلمان وكبار المسؤولين الآخرين المتورطين في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، وهو الأمر الذي يحظى بدعم الكونغرس، وسبق لترامب أن رفض الموافقة عليه. باختصار، يعتقد بايدن أن هذه العلاقات تخدم مصالح الولايات المتحدة، لكنها تحتاج إلى تعديل على قاعدة أكثر “واقعية”.

ومن ناحية إيران، سينظر الرئيس بايدن في العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، على نحو ليس تلقائيًا[12]. ولن يقوم بذلك إلا إذا امتثلت إيران للقيود المفروضة في خطة العمل على اليورانيوم عالي التخصيب وأجهزة الطرد المركزي. كما ستحاول إدارته إصلاح عيوب وثغرات هذه الخطة التي تعرضت لانتقادات واسعة: البنود المتعلقة بالمدد الزمنية التي تسمح لإيران بعد انقضائها باستئناف أنشطة نووية معينة، وغياب القيود على برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، وحقيقة وجود منشآت عسكرية محظورة على المفتشين الدوليين. ولن يتسرع بايدن برفع العقوبات الإضافية التي فرضها ترامب، إلا أنه من المرجح أن يستخدمها ورقةَ مساومة لإغراء إيران بالعودة إلى الامتثال لشروط خطة العمل، والدخول بعد ذلك في حوار أوسع مع الولايات المتحدة بشأن قضايا تتعلق بأنشطة طهران الهدامة في المنطقة وانتهاكاتها لحقوق الإنسان. كما سيحرص على التنسيق الوثيق مع مجموعة “5 + 1” والاتحاد الأوروبي بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة والعقوبات، تجنبًا للمواجهات التي أثارتها إدارة ترامب مع هؤلاء الحلفاء.

أما بشأن قضايا السلام بين العرب وإسرائيل، فلا يزال بايدن ملتزمًا رسميًا بحل الدولتين، وقد رحّب باتفاقيات أبراهام على أنها خطوة في الاتجاه الصحيح. وجاء في بيان حملته “إنه لأمر جيد أن تعترف دول شرق أوسطية أخرى بدولة إسرائيل، وحتى أن تقبلها شريكًا. وستبني إدارة بايدن – هاريس على هذه الخطوات”[13].

من غير المرجح أن يقوم بايدن بإلغاء القرارات الأساسية التي اتخذها ترامب، وإعادة السفارة الأميركية إلى تل أبيب، أو أن يتراجع عن الاعتراف بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان. لكنه سيحاول إعادة التوازن إلى حد ما إلى علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل والفلسطينيين. ويشمل ذلك إعادة فتح مكتب الاتصال مع الفلسطينيين في القدس الشرقية، وإعادة برامج المساعدات التي أوقفتها إدارة ترامب في عام 2019 [14].

ومن غير المرجح أن تكون علاقة بايدن ببنيامين نتنياهو أو أي رئيس وزراء إسرائيلي آخر بمستوى علاقة ترامب، لكنه سيتجنب الأخطاء التي ارتكبها أوباما في بدايات إدارته وأدت إلى حالة توتر دائم في تلك العلاقة. وربما لن يتنصل بايدن رسميًا من خطة ترامب للسلام، لكن سيتجاهل بعض عناصرها أو يستبدلها، ولا سيما السماح بضم الكتل الاستيطانية الإسرائيلية التي يُتوقع أن تعارضها إدارة بايدن بشدة. بينما قد يتبنّى بقوة عناصر أخرى، كتشجيع التنمية الاقتصادية والاستثمار الدولي في الأراضي الفلسطينية.

يبدو مستقبل الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة أحد المجالات التي يتفق فيها بايدن وترامب عمومًا. وعلى غرار ترامب، يريد بايدن إنهاء “الحروب التي لا نهاية لها”، وسيحقق ذلك عن طريق إعادة “الغالبية العظمى من قواتنا إلى أرض الوطن من الحروب في أفغانستان والشرق الأوسط”[15]، وترك مهمات صغيرة نسبيًا تركز على هزيمة تنظيمَي القاعدة والدولة الإسلامية.

وعلى أي حال، فإن بايدن سيوقف دعم الولايات المتحدة لتدخّل السعودية في اليمن، ويسعى بدلًا من ذلك إلى تفعيل الدبلوماسية الأميركية لإيجاد حلول للنزاعات الإقليمية التي تؤثر في مصالح الولايات المتحدة. وهذا لن يقتصر على اليمن، بل سيشمل الشقاق الخليجي الحاد الذي يؤلب السعودية وحلفاءها ضد قطر. كما يُتوقع أن تشجع إدارة بايدن إجراء محادثات بين إيران والسعودية. وقد تكون سورية جاهزة للدبلوماسية الأميركية الجديدة والمساعدات الإنسانية، بعد إجراء ترتيبات لإنهاء نظام الأسد من خلال اتفاق دولي. كما قد تصبح ليبيا محور جهدٍ دبلوماسي أميركي جديد، حتى لو اقتصر على محاولة وضع بعض القيود على تدخلات حلفاء الولايات المتحدة في الحرب الأهلية الدموية الدائرة فيها.

يقول مستشارا بايدن؛ جيك سوليفان ودانيال بينيم، إن استراتيجية إدارة بايدن ستكون “أقل طموحًا من الخط التقليدي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأكثر طموحًا في آن معًا: أقل طموحًا من حيث الأهداف العسكرية التي تسعى الولايات المتحدة لتحقيقها وفي مساعيها لإعادة تشكيل الدول من الداخل، وأكثر طموحًا من حيث استخدام النفوذ والدبلوماسية للضغط من أجل تخفيف حدة التوترات والتوصل في نهاية المطاف إلى فرض تسوية مؤقتة جديدة بين الجهات الإقليمية الفاعلة الرئيسة”[16].

خاتمة

على غرار التناقض الواضح بين شخصيتَي المرشحيْن، تقدّم سياساتهما الخارجية خيارًا واضحًا للناخب الأميركي. وهذا الخيار هو إما المشاركة والقيادة العالمية للولايات المتحدة مع زيادة التركيز على الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإما زيادة مستوى الرفاهية في عالم يزداد فيه مستوى الاستبداد. وأيًا كان القرار الذي يتخذه الناخبون، فإنه سيترك أثرًا طويل الأمد في مكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي، وفي مستقبل هذا النظام أيضًا.

[1] “National Security Strategy of the United States of America,” The White House (December 2017), accessed on 13/10/2020, at: https://bit.ly/2IqE01d

[2] Charles W. Dunne, “How Principled is US Realism in the Middle East?” Policy Analysis, Arab Center for Research and Policy Studies – Washington DC, 22/2/2019, accessed on 13/10/2020, at: https://bit.ly/3dnyCas

[3]

قررت اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري ألّا تطرح برنامجًا حزبيًا جديدًا في هذه الدورة الانتخابية، وأصدرت بدلًا من ذلك قرارًا “بدعم أجندة الرئيس أميركا أولًا”. ينظر:

“Republican Platform 2016,” The Republican National Committee, accessed on 13/10/2020, at: https://bit.ly/3jYJoGI

[4] لا تسمح صفقة القرن إلا بدولة فلسطينية مجزأة تخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية كاملة وقائمة شروطٍ طويلة يجب على الفلسطينيين الوفاء بها قبل إقامتها. وإضافة إلى ذلك، فإنها تسمح بضم فوري للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، واستبعاد أي “حق عودة للاجئين الفلسطينيين”، ومنح القدس بكاملها إلى إسرائيل، عدا “عاصمة” فلسطينية مستقبلية محتملة على مشارفها بالقرب من جدار الفصل. للاطلاع على مزيد من التفاصيل، ينظر:

“Peace to Prosperity: A Vision to Improve the Lives of the Palestinian and Israeli People,” The White House (January 2020), accessed on 13/10/2020, at: https://bit.ly/3hhRFUj

[5] اتفاقيات التطبيع التي وقعتها إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين في البيت الأبيض في 15 أيلول/ سبتمبر 2020. ينظر النص الكامل والبيانات ذات الصلة:

“The Abraham Accords,” U.S. Department of State, accessed on 13/10/2020, at: https://bit.ly/2SOG98T

[6 Nancy A. Youssef, Vivian Salama & Michael C. Bender, “Trump, Awaiting Egyptian Counterpart at Summit, Called out for ‘My Favorite Dictator’,” The Wall Street Journal, 13/9/2019, accessed on 13/10/2020, at: https://on.wsj.com/33SaBFg

[7] في تموز/ يوليو 2019، استخدم ترامب حق النقض (الفيتو) لمنع سريان تشريع مشترك من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لوقف بيع الأسلحة إلى السعودية والإمارات على خلفية تدخلهما العسكري في اليمن؛ هذا التدخل المسؤول بالدرجة الأولى عما وصفته الأمم المتحدة بأسوأ كارثة إنسانية في العالم. وفي معرض تبرير ترامب لإصداره هذا الفيتو، قال إن هذا التشريع من شأنه “إضعاف القدرة التنافسية العالمية لأميركا” في سوق الأسلحة. ينظر:

Merritt Kennedy, “Trump Vetoes Bills Intended To Block Arms Sales To Saudi Arabia,” National Public Radio, 25/7/2019, accessed on 13/10/2020, at: https://n.pr/2T2nI0J

[8] David E. Sanger, Farnaz Fassihi & Rick Gladstone, “Urging Iran to ‘Make the Big Deal,’ Trump Ties Nuclear Negotiations to Election,” The New York Times, 5/6/2020, accessed on 13/10/2020, at: https://nyti.ms/2FstvJI

[9] Joseph R. Biden, Jr., “Why America Must Lead Again: Rescuing U.S. Foreign Policy After Trump,” Foreign Affairs (March-April 2020), accessed on 13/10/2020, at: https://fam.ag/33QH12Y

[10] اتخذت إدارة ترامب إجراءات متشددة حيال دخول المهاجرين غير الشرعيين عبر الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، بما في ذلك فصل الأطفال عن آبائهم وأمهاتهم. ينظر مثلًا:

“Family Separation under the Trump Administration – A Timeline,” Southern Poverty Law Center, 17/6/2020, accessed on 13/10/2020, at: https://bit.ly/2FnFWGw

[11] حملة على الإنترنت مع مستشاري بايدن في السياسة الخارجية، 15 أيلول/ سبتمبر 2020.

[12] Joe Biden, “There’s A Smarter Way to be Tough on Iran,” CNN, 13/9/2020, accessed on 13/10/2020, at: https://cnn.it/3dkCOrH

[13] “Statement by Joe Biden on the agreements between Israel, the UAE, and Bahrain,” Joe Biden for President: Official Campaign Website, 15/9/2020, accessed on 13/10/2020, at: https://bit.ly/3lKCyVT

[14] Yolande Knell, “US stops all aid to Palestinians in West Bank and Gaza,” BBC, 1/2/2019, accessed on 13/10/2020, at: https://bbc.in/371njDB

[15] Biden, “Why America Must Lead Again.”

[16] Daniel Benaim & Jake Sullivan, “America’s Opportunity in the Middle East: Diplomacy Could Succeed where Military Force has Failed,” Foreign Affairs, 22/5/2020, accessed on 13/10/2020, at: https://fam.ag/2FnIdBy

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق