تجارب ثورات التحررمقالاتمنوعات

فضيلة العصيان

محمد الأحمري | أواصر

قبل الذهاب بعيدًا في احتمالات العنوان يجب أن نبين العصيان المقصود، وأعني به استعادة الإرادة من أي أحد يصادر عليك إرادتك فتعصيه، سواء كانت مصادرة الإرادة باسم وطن أو دين أو دنيا، باسم حاكم محلي مستبد أو أجنبي محتل، أو أي مفسد للحياة مصادر لحق الاختيار طاعة وعصيانًا، إذ لا وجود لك في حال المصادرة إلا في حال العصيان، أما الطاعة المطلقة فهي تأكيد لعدم الاختيار، ولجبرية لا تبقي على الإنسان لا مختارًا ولا مسؤولًا ولا مستحقًّا لثواب أو عقاب.

يلتبس الحق بالزيف في مساحة فكرية واسعة من ثقافتنا؛ إذ نجد إظهارًا مبالغًا فيه هذه الأيام لمقولات منتشرة في تراثنا تشيد بفضائل الطاعة والإذعان، وتقلل بالضرورة من مقولة “إنما الطاعة في المعروف”. ولهذا تستجد أهمية الحديث عن فضيلة العصيان، وما تحمله من حضور الذات الواعية وتقدير النفس وخلع الخنوع. وحين يأتي السؤال: لماذا لا نجد حديثًا كافيًا عن فضائل العصيان؟ فذلك لأن التمرد والعصيان على الدولة والتنظيم كان ظاهرة في مجتمعات العرب والمسلمين في العصور الأولى، ولم يُتعوّد وجود قيادة عامة تطاع خارج نظام القبيلة، فكانت الدعوة إلى العصيان تعني التفكك والانهيار للكيان الإسلامي في مجتمع يعيش حرية مبالغًا فيها. أما في زماننا، حيث أصبحت الحكومة أشد هيمنة على الفرد والمجتمع بأكثر مما حصل في عموم التاريخ المعروف للبشرية، وحيث الصوت والصورة والحركة والسكنة أصبحت مراقبة ومرصودة، فإن الإنسان قد فقدَ بهذه الطريقة الجائرة الكثير من إنسانيته.

ذكر مؤلف كتاب مبس: صعود محمد بن سلمان إلى السلطة[1] أن بعض سكان البلاد حين يتحدثون معه فإنهم كانوا يضعون الهواتف الجوالة في الثلاجة بهدف عزل الصوت. وقد كنا قديمًا نكتفي بفصل سلك الهاتف لنتمتع بحرية القول، غير أن تطورات التقنية أصبحت تسير في اتجاه معاكس لكرامة الإنسان وخصوصيته، وبتطرف في مجتمعاتنا؛ مما يوجب إنجاز معالجات صارمة لحماية عقول الناس وكرامتهم من طغيان المتحكمين الذين يلغون الذات الإنسانية ويسخرونها بدنًا وأذنًا، وجعلها حنكًا يصرخ بطاعتهم، وبدنًا يسير في خدمتهم بلا أدنى وعي ولا اعتراض، فهذا زمن نرشد فيه البشرية لاستعادة القدرة على العصيان في أوج ثقافة الإذعان ومصادرة إنسانية الإنسان.

غياب المسؤولية

 سمع كثيرون عن الكلمة الأسوأ التي تكاد تشق الأذن، بعد أن تدل على موت الإنسانية وغياب الفضيلة وتمكن التفاهة، وهي قول أحدهم بعد أن ينفذ جريمة “إنه ينفذ القانون”، بينما السبب هو خضوعه لميزان القوة؛ إذ إن حكومات الاستبداد تجعل القوانين خادمة لغاياتها وتعبيرًا عن قوتها[2]. أو قد يقول المطيع لأوامر الجريمة مبررًا جريمته: “إنني عبد مأمور”. وطالما سمعت هذه الكلمة من الذين يعتذرون عن فسادهم وظلمهم وجرائمهم، وهذه خيانة للكرامة والقلب والعقل والدين والمجتمع، بل لإنسانية القائل نفسه، فهذا القائل لو سألته كم ثمنه في السوق، سوق العبيد، لاستنكف وربما قاتلك، بينما يعترف من العبودية بنفسه بأنه في أدنى دركات العبودية، دركها الأحقر الفاقد لكل اختيار.

كان العبيد في المجتمعات القديمة يرعون المروءة والكرامة، وعبيد الطغاة في عصرنا لا يرعونها؛ ذلك أن المنقاد المذعن يسلي نفسه بأنه تخلى عن المسؤولية، وعن قرار مصيره ومصير بلده، وأصبح لا مسؤولًا ولا ملامًا ولا ممدوحًا ولا مذمومًا بسبب أي قرار نفذه أو فكرة قالها. فالآخرون، حكامًا كانوا أو قادة أو مفكرين أو علماء، قالوا وفعلوا هذا أو ذاك، وهم الذين يقع عليهم اللوم، أما دور هذا المنقاد في الحياة فقط فهو مدح القرارات الحكيمة التي يتخذها المسؤولون. فالتخلي عن المسؤولية عنده فضيلة، بل متعة، فإذا كانت “هناك مباهج لافتة للتملص من المسؤولية”[3]، كما قال أحدهم، فإن هذا التملص سقوط في التفاهة والتبعية. يجني هذا التملص على النفس والمجتمع أسوأ ما يفعله مجتمع أو فرد بنفسه، متعة غياب المسؤولية، وحينها يصبح المسؤول شخصًا أو بلدًا أو أمة أخرى تدبر وتصنع للمستقيلين عن مسؤوليتهم مسؤوليات تنفعها وتضر المتخلين.

إن العصيان والمشاركة فيه في وجه الطغيان هو صناعة مسؤولية تقع على الجميع ويتشاركون فيها، والذي يسبقها ويعوقها هو الرعب منها والخوف من وقوعها فردية، وكأنها ستقع كاملة على الفرد العاصي، بينما الحقيقة أنها في حال العصيان ستؤخذ من المهمل المضيع المفسد وتقع على الجميع، وتكون حصة كل فرد منها محدودة قطعًا[4]. وهنا توجد الحياة الحقيقية وتولد المسؤولية ويولد الأحرار والمجتمع الحر، إذ قبلها لا وجود لأحد إلا لفرد، فمئات الملايين من المطيعين المذعنين الغائبين عن المسؤولية لا يساوون شخصًا حرًّا واحدًا.

عصيان الملوك من إرهاصات النبوة والسيادة

كان مما هيأ العرب للرسالة ما تميزوا به من الترفع والشموس عن الدونية، والترفع عن الذل للملوك. قال عمرو بن كلثوم في معلقته:

وأيام لنا غر طوال    عصينا الملك فيها أن ندينا

أما عنترة بن شداد فإنه يمتدح فرسه بأنها عزيزة مترفعة، لا تشرب من حياض العجم من الفرس وغيرهم، فضلًا عن أن تدين لهم وتطيع. يقول:

شربتْ بماء الدحرضين فأصبحت     زوراء تنفر عن حياض الديلم

وكان من إرهاصات تميز قريش ورفعتها بين العرب أنهم لم يخنعوا لفارس ولا للروم، كما حدث لبعض إخوانهم، فقد كانوا لقاحًا[5] يترفع أحدهم أن يكون ملكًا ولا أن يكون خاضعًا لملك. وإليك هذا النص القيم المذكور في مصادر كثيرة منها المفصل. فقد حاول بعض رؤسائها ووجوهها التحكم بأمر مكة وإعلان نفسه ملكًا عليها، يحلي رأسه بالتاج شأن الملوك المتوجين، ولكنه لم يفلح ولم ينجح، حتى ذكر أن بعضهم التجأ إلى الغرباء لمساعدتهم بنفوذهم السياسي والمادي والعسكري في تنصيب أنفسهم ملوكًا عليها فلم ينجحوا، كالذي ذكروه عن عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، المعروف بـ”البطريق”، من أنه طمع في ملك مكة، فلما عجز عن ذلك خرج إلى قيصر، فسأله أن يملِّكه على قريش وقال: أحملهم على دينك فيدخلون في طاعتك، ففعل، وكتب له عهدًا وختمه بالذهب، فهابت قريش قيصر وهموا أن يدينوا له. ثم قام الأسود بن المطلب أبو زمعة فصاح، والناس في الطواف: إن قريشًا لقاح، لا تملك ولا تملك. وصاح الأسود بن أسد بن عبد العزى: ألا إن مكة حي لقاح، لا تدين لملك. فاتسعت قريش على كلامه، ومنعوا عثمان مما جاء له ولم يتم له مراده، فمات عند ابن جفنة؛ فاتهمت بنو أسد ابن جفنة بقتله، وابن جفنة هو عمرو بن جفنة الغساني.[6]

أنا أعصي إذن أنا موجود

نحن لا نعصي لرغبة مجردة في ا لعصيان، بل بسبب إنسانيتنا الواعية بمسؤوليتنا، وهذا هو الإنسان الواعي المسؤول المختار. فالمطيع السلبي لطالما قرر مسبقًا أنه مسلوب الإرادة، وما الجرائم الكبرى في التاريخ إلا بسبب الطاعة العامة للمفسدين والمتجبرين والمتكبرين. فجرائم النازيين مثلًا جرائم طاعة للحاكم، وأكبر محاكمة في التاريخ هي محاكمة النازيين؛ إذ “كانت جريمتهم الطاعة”، وكانت محاكمات نورنبيرغ (1945-1946) لأن المجرمين تعللوا بالطاعة ولم يقتحموا العقبة، وتجردوا من الفضيلة الواجبة -فضيلة العصيان- وهانوا وأصبحوا دمى مجردة من الإنسانية والشجاعة والمسؤولية.

قد يكون العصيان أحيانًا فضيلة الإنسان الوحيدة في مواجهة تجريده من إنسانيته. وهو في وجه الطاغية فضيلة لم يتمتع بها كثير من الرجال في التاريخ، فوجود العصيان يعدل الكفة ويثير الانتباه ويفتح مجالًا للتفكير والتصويب ومعرفة الفضيلة من الرذيلة. صحيح أن العصيان قد لا ينجح؛ إذ لم ينجح الذين عصوا هتلر ولا كثير من الذين واجهوا صدام وحافظ وبشار والقذافي إلا متأخرًا جدًّا، لكن الذين عصوا وضحوا هم الشجعان والشرفاء الذين أحيوا العصيان، وتلك فضيلة الشعوب الحية. وقبل أن نستمع لمن يزوق الطاعة يجب أن نعلم أن الطاعة المطلقة شر مطلق.

العصيان والقانون

طاعة القانون تكون حين نقبل به ونشارك في صياغته، أما القوانين التي نشكو منها فإنها لا تخضع لهذين الجانبين؛ إذ لم تصنعها الأمة لنفسها ولا قبلت بها، فهي قوانين حكومات تضطهدنا صاغها محتل خارجي ثم ورّثها لمحتل داخلي، وهي بهذا فاقدة لشرعية سنّها في المنزلة الأولى، ثم فاقدة لمراعاة المصالح العامة، تراعي فقط مصالح المحتلَّين الخارجي والداخلي. ولا تزال أجهزة الاحتلال في مجتمعاتنا تسن كل يوم قانونًا يتوجه إلى الإضرار بالناس بهدف إخضاعهم واستتباعهم وحرمانهم من الوصول إلى استقرار أو حياة حرة مقبولة. فلا مبرر لسماع محامي المحتلين وهم يبررون قوانينهم ويحرمون الضحايا من فضيلة العصيان، ويفرضون على المجتمع رذيلة الطاعة العمياء لهم؛ لأن مصدر الطاعة والمعصية في هذه الحالة ليس شريعة سماوية ولا قانونًا أرضيًّا ارتضاه الناس بينهم، ولو صاغه البشر ضد قوانين الشريعة، بل مجرد شهوات للمفسدين ولسادتهم المحتلين. ومن هنا ترى أن المسلم يأنس ويقبل ويعيش سعيدًا في ظل قانون بشري في مجتمع غير مسلم، ولا يقبل ولا يرضى بالعيش في مجتمعه المسلم الذي اغتصبه المحتل المحلي، ليس اغتصابًا لأرضه وثرواته فحسب، بل اغتصاب لقوانينه وأخلاقه.

إنها معاناة بين أن يعيش إنسان بين توحش جماهير منفلتة وتوحش طاغوت مفسد، كلاهما شر وغير إنساني. والذين ردّدوا: “حاكم ظلوم خير من فتنة تدوم” لم يعلموا أنها حالة اضطرار، ولم يعرفوا أن شر الظلوم في زماننا مضاعف، وأقرب إلى القتل والموت. في زماننا تلبّس الظالم بالتوحش فجمع الشرين: الظلم والفتنة، وأصبح أوجب الواجبات على كل إنسان عاقل أن يسعى في إسقاط قوانين فتنته المتوحشة الظالمة. فإذا ما زاد على ظلم الاحتلال المحلي المتوحش أنه يستخدم أحدث التقنيات المعاصرة للإضرار بالمجتمع وكبته وترهيبه وسرقته، يصبح العصيان من أعلى الفضائل المقدسة. فالواقع البائس ونتائجه المدمرة تسقط كل نظريات سابقة في ظروف مختلفة قيلت في غير مكانها وزمانها.

المعصية: فضيلة أم رذيلة؟

الطاعة عند أرسطو فضيلة حين تمنح للحاكم السياسي الحكيم، وهي فريضة على العبيد. أما الحر فيطيع ويطاع بحسب طبقات اليونان. ولا يمكن قبول كلام أرسطو مطلقًا لكونه خطأ في المنزلة الأولى، وقد ترك الأحرار هذه الطبقية في الطاعة والعصيان، وكلامه كان تأسيسًا على واقع اليونان آنذاك. ثم لا يقبل قوله لسبب آخر وهو تغير الظروف وتغير القناعات وتمييز الحق من الباطل؛ فليس مجتمع اليونان بالمجتمع النموذج، فما كان كذلك ولن يكون. فالعبد عندهم يؤمر فيطيع دون سؤال ولا تردد، ويعاملونه أشبه بآلة عمل منه كإنسان. هذه صور منحطة لا يقبلها الإنسان إلا في حال تجرده من إنسانيته، فإذا كانت الطاعة خير فضائل العبيد عندهم فإن العصيان خير فضائل الأحرار. فالأحرار يطيعون بحرية ويعصون فيما يضر بالإنسان. يطيع بعضهم بعضًا طاعة سيد لسيد لغاية تجمعهم وهدف لا يتحقق إلا بطاعة الأحرار المتبادلة في شؤون تقتضيها هذه الطاعة. كما أن إعطاء أمر لا يصنع تفاوتًا في المستوى ولا يصنع طبقية ولا هرمية[7]. ومتى تأملنا عصر التأسيس الإسلامي وجدنا هذه الكفاءة المتبادلة وصدور الأوامر بين متماثلين تصنع مكانتهم أدوارًا مؤقتة ثم تعود المساواة إثر نهاية المهمة الإدارية أو العسكرية، إذ إن “من لم يتعلم الطاعة لا سبيل أن يحسن الرئاسة”[8].

ومن الطاعة ما هو رذيلة

لقد كان مرعبًا أن ترى زميلًا في العمل أو صديقًا من الحي الذي تسكنه ينقلب مجرمًا محترفًا قاتلًا مغتالًا يحمل أدوات الاغتيال لأصدقاء قدماء. ولا أشك أنه سيصعب عليه جدًّا أن يقول طاعة الأوامر؛ لأن فعلته الرهيبة خيانة للدين والأخلاق والوطن، وسيبقى هذا الجرم معلقًا في رقبته طوال حياته، وعارًا له في الحياة والممات إن لم يلق عقابه. فشخص شارك في اغتيال وتقطيع ابن حيه ورفيق عمله قد أتخيل أن يحتج بأن جريمته “طاعة لولي الأمر” أو أنه “عبد مأمور”، وهذه عين الجريمة المرذولة. وأسوأ منهم فرق الاغتيال التي سيرها القذافي لاغتيال المعارضين، وكذلك فعل صدام، وكانت كل هذه الجرائم أو الرذائل قد مورست باسم الطاعة. والغريب أن منفذيها قد يتحركون بقناعة في أدمغة مسخت وغسلت من الإنسانية لتكون حيوانات قاتلة، لكن الحيوان يقتل حين يجوع، أما هؤلاء فيقتلون ويمارسون أبشع الجرائم عبودية لباغ أو مجنون أو متغطرس.

هنا يصبح العصيان فضيلة الإنسان الوحيدة العظمى في وجه الطغيان، وتكون الطاعة أسوأ الأخلاق وأكثرها انحطاطًا. فالعصيان يجب أن يبقى حيًّا في المجتمع معينًا على التفكير والوعي وسلوك الصواب. أما من يقول إنه يطيع في مثل هذه المواقف فليس إنسانًا، بل آلة فساد وتدمير لا عقل ولا ضمير ولا وعي لها، ووجودها في دور الاستخدام جريمة، وواجب أي مجتمع سوي أن يتخلص من هذه القاذورات المطيعة، فهي جراثيم سامة تفتك بكل شيء، وتجعل من الطاعة مفارقة للتفكير، وطاعة عمياء غبية مجردة عن اليقظة النقدية[9].

بين الطاعة الواعية والحرية

ليس هناك تنافر بين الطاعة الواعية أو الطاعة النقدية والحرية، فالتنافر بين الطاعة العمياء والحرية، إذ الطاعة العمياء إلغاء للذات المفكرة، والطاعة النقدية تصلح الذات والمجتمع، بل هي نمط راق من الحرية، تحقق التعاون الواعي، وتتخلص من حالة القطيع المطيع. يقول فوكو: “كلما تترك الحرية للفكر تتأكد من أن روح الشعب ستتعلم الطاعة”[10]. فالتفكير في الأمر المؤدي إلى طاعة أو عصيان هو نمط من الحرية أو هو الطاعة الواعية.

الطاعة والبلاهة

كتبت حنة أرندت عن أيخمان النازي[11]، الذي كان أحد عمال النازيين في جمع اليهود للمحرقة، حيث شهدت المحكمة التي أجراها الصهاينة له في فلسطين، وكانت تعليقاتها وملاحظاتها عن شخصية العسكري النازي مهمة. فمن ملاحظاتها أنه كان أبله ومطيعًا ومنفذًا للنظام النازي، وهذه الطاعة في حد ذاتها أساس الجريمة، حيث إن شعور الشخص أنه يؤدي واجبًا عسكريًّا وطنيًّا يبرز العقل الغائب أو المغيب. ولا يمكن أن يقبل من مجرم دعواه أنه كان يطيع الأوامر، وإلا فكل مجرم يمكن أن يعذر بالطاعة للمجرم الأكبر، والمجرم الأكبر ما كان له أن ينفذ جرائمه لولا وجود هذه المسوخ معدومة العقل والقلب والضمير والأخلاق. ثم إن البلاهة ودعوى الوطنية لا يمكن أن تكون مبررًا لأي جريمة؛ لأن الجرائم ذاتها ضد خصوم الحاكم هي خيانة للأوطان، وتجريم المعارضة مصادرة للأوطان ومصادرة للآراء. فإذا زاد على ذلك جرائم الاغتيالات والسجون فيكون الحاكم ضد الوطن وضد مصالحه. كما أنها تسمي تصرفات أيخمان غباء وبلاهة، وهذا وصف ملطف لحقيقة الدور الإجرامي للمنفذ، فكيف تسمي الانحطاط الأخلاقي والتخلي عن المسؤولية مجرد بلاهة وغباء؟[12] أم لأن التفلسف يلطف العبارة ويمسخها أحيانًا؟

الطاعة كخيانة

يتسلى الحكام الفاسدون والمفسدون بوصم السكان الخارجين عن طاعتهم، ومن يتوهمون أنه يكرههم أو يخالف على الأقل قناعاتهم بأنهم خونة للوطن. ويقوم المفسدون بالربط بين احتجاج الأحرار على خرابهم وتدميرهم وبين شعارات الخيانة، ليصرفوا حقيقة خيانة الطغاة للشعوب، ويرمون المعارضين والمحتجين والفاضحين لفسادهم بالخيانة. وهذا العبث ليس فقط خيانة للّغة ولا للفهم، بل جزء من خيانة المستبدين للمجتمع والوطن واللغة والعقل، حين يجعلون الوطن رغباتهم، والمصالح الخاصة بهم هي الوطن الذي يرونه مزرعتهم، ومن يخالفهم في طريقة أدائهم في مزرعتهم فإنه خائن.

وحين يلقي الطاغية أو عبيده لقب خائن فإن من المهم التمييز والنظر في من يخون الوطن فعلًا، وليس النظر إلى من يؤشر إلى الآخرين حين يمارس القهر والدناءة تجاه الوطن وسكانه.

ولعل في هذا المقطع من كتاب العصيان ما يجدد التنبه لحيل خيانة النفس والناس بالطاعة:

“اعلم أنك بإطاعتك تخون نفسك بنفسك.

ما معنى تخون نفسك بنفسك؟

– ألم تسمع شيئًا؟

– لا شيء.

– ألم تسمع بالمظالم الصارخة وبالصفقات القذرة؟

– لا شيء، لا شيء حقًّا.

– كاذب!

الخيانة الحقيقية هي عندما نكذب على أنفسنا.

الطاعة هي أن أصبح “خائنًا لنفسي”. وفي المحصلة، لا نطيع، أو نطيع قليلًا، خوفًا من الآخر… الحرية التي تلزم وترغم وتبعث في كلّ منّا حركة العصيان، تلك التي تبدأ بالتمرد على الذات”[13].

بين الوثنية والعصيان

راج بين المسلمين في العقود الأخيرة دعوة توثين الحكام وجعلهم أصنامًا تعبد من دون الله. هذه الوثنية تدعو إلى تمجيدهم وقبول فسادهم وانحطاطهم، بل حتى الترويج لرذائلهم الأخلاقية كالسكر والزنا، كما ذهب بعض سخفاء هذه الأفكار الوثنية إلى طاعة الحاكم حتى وإن ظهر على التلفاز وهو يزني ويسكر[14]! وهذا من أغرب الانحطاط، وتغييب لرقابة الأمة، وتسخيف بها وإساءة إليها. وعلة هؤلاء دناءة نفوسهم وسقوط هممهم وتردي أخلاقهم، حيث لا مروءة ولا شهامة ولا حماية لجناب الأمة من الانحطاط. والأعجب أن من يدعو إلى هذا الانحطاط يرى نفسه شيخ دين! فهؤلاء قوم رسخت الرذيلة في فهمهم وعقولهم، وتم تكوينهم على تلقط السقطات والسخافات من شواذ المواقف والأقوال التي وجدت عند السابقين، دون عرض على علم أو عقل، ثم يقومون بالترويج لها إن كانت تساعد في تقديس الأصنام. وقد درجت ألسنتهم على تسويغ الرذائل لسادتهم، وماتت ضمائرهم فلا يمكن أن تبجل إلا الطاعة الرديئة المسقطة لكل الفضائل، ولا تعرف إنكار منكر لأنها لسان الرذيلة والمنكر المستقوي بسلطة الظلم والزيف، فهم أبواق استعباد وعبودية مطلقة، بل الوثنية في أسوأ صورها، وأوثان هؤلاء شر من الأصنام والأوثان المعروفة، فالأصنام لا تضر ولا تنفع، بينما أصنام هؤلاء لا يصدر منها إلا الضرر.

الإذعان تخلٍّ عن إنسانية الإنسان

يشير صريح القرآن إلى أن إنسانية الإنسان مرتبطة بالاختيار وليس بالإذعان، وحين يحيد الأمر عن المصلحة فلا تجوز الطاعة ويجب العصيان، إذ شنع بالطاعة المطلقة، فالطاعة المحمودة عند الله وفي كتابه هي الطاعة في المعروف، طاعة الحق برًّا بالنفس وحماية للناس، طاعة للخالق وحماية لحقوق المخلوق. ولام القرآن الذين احتجوا بالطاعة وقد كان واجبهم العصيان. قال تعالى: “وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا” (الأحزاب، 67). قال ابن كثير في تفسير الآية: “أي اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا الرسل، واعتقدنا أن عندهم شيئًا، وأنهم على شيء، فإذا هم ليسوا على شيء”[15]. فالطاعة في هذا السياق هي رذيلتهم حين انصاعوا للسلطة الفاسدة، وهي خسارتهم دنيا وآخرة. وقد كان عليهم أن يقوموا بأمانة المسؤولية التي تخاذلوا عنها. قال تعالى: “إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا” (الأحزاب، 72). والأمانة هي الطاعة عند بعض المفسرين، وهي الاختيار أو الرضا بالاختيار بين أن يفعل الإنسان أو يترك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهوُنّ عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم”[16]. وفي حديث آخر عن أبي عبد الله طارق بن شهاب البجلي أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقد وضع رجله في الغرز: أي الجهاد أفضل؟ قال: “كلمة حق عند سلطان جائر”[17]. ومن خرج من الاختيار أو ألزم نفسه ألا يتدخل في شيء فإنه يخرج من كونه إنسانًا، وحينها يتخلى عن الأمانة، ويندثر تحت عجلات الجبرية والخنوع، إذ يفقد مزية الحضور في الكون، وما يميزه عن الكائنات، من خلال تسليم إرادته إلى غيره عدوًّا كان أو صديقًا صالحًا أو طالحًا.

لنستعيد فضيلة العصيان

زراعة الصدق والضمير والتضحية والشجاعة ضرورة لزرع فضيلة العصيان التي اختفت في مزارع المستبدين، إذ لا بد في مجتمع الأحرار من المخالفة ومن وجود الرأي الآخر الذي لا يوجد ولا يسمح له في مجتمع العبيد. إن العصيان في هذه الحالة، وكما شرح أعلاه، تكريم الإنسان وتقديره، وهو حقه في ممارسة القبول والرفض. هذا العصيان يحتوي فضيلة الطاعة والانقياد الصريح لقانون سنه الجميع لصالح الجميع، أو نخبة اختارها الجميع لتمثل مصالحه وتمثل قناعاته؛ فأصبح مقبولًا بسبب صدوره عن المجتمع، لا لأنه مفروض عليه. ويقوم العصيان بحذف الإضافات التي يزيدها المستغلون على القانون لفرض مصالحهم وحرمان المجتمع من حقوقه وحريته. لهذا نحتاج إلى التفكير دائمًا في حقيقة الطاعة والعصيان، فالطغاة يسمون الإذعان لشرورهم طاعة، وينكرون أن عصيان شرورهم هو الحق والفضيلة.

ليس هناك من حكم مسبق متفق عليه إلا بعد استكمال شروط سن القوانين وبنائها من قبل من سيحكم بها، تحريرًا للإنسان وحماية للحقوق وتقييدًا لانفلاته، فقبل حق الطاعة يجب تحقيق أو توفير حقوق العصيان، لنستطيع إيجاد أو صناعة حق طاعة، فبدون حق العصيان لا توجد حقوق طاعة إلا ما يعرف بالقهر الذي يلغي إنسانية الإنسان.

[1] Hubbard, Ben. Mbs: The Rise to Power of Mohammed Bin Salman. London: William Collins, 2020.

[2] فريدريك غرو، العصيان: من التبعية إلى التمرد، ترجمة جمال شحيّد، بيروت: دار الساقي، 2019، ص 145.

[3] غرو، السابق، ص177.

[4] السابق، ص 212.

[5] اللقاح: الذين لا يدينون للملوك أو لم يصبهم في الجاهلية سباء. البغدادي، خزانة الأدب، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة: مكتبة الخانجي؛ الرياض: مكتبة الرفاعي، 1982-1403، (8/ 22).

[6] جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ط. 3، 1993، (4/ 92).

[7] غرو، العصيان، مصدر سابق، ص 190.

[8] السابق، ص 188.

[9] العصيان، ص 177.

[10] العصيان، ص 178، هامش.

[11] حنة أرندت، أيخمان في القدس: تقرير حول تفاهة الشر، ترجمة نادرة السنوسي، الجزائر: ابن النديم للنشر، بيروت: دار الروافد، 2014. انظر: ص 90 على سبيل المثال.

[12]  لاحظ غرو على كلامها هذه الأوصاف الألطف مما كان يجب أن تصف به واقع المجرم. انظر: العصيان، مصدر سابق، ص 144.

[13] العصيان، ص 236-237.

[14] راجع المقطع البائس على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=leVDUDOZPCs

[15] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق سامي بن محمد السلامة، الرياض: دار طيبة، 1420هـ، 6/484.

[16] رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن.

[17] سنن النسائي، كتاب البيعة، فضل من تكلم بالحق عند إمام جائر.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق