الشؤون الدوليةدراسات

الصراع الأميركي – الصيني وأثره على النظام الدولي

محمد الجمل | مركز الجزيرة للدراسات

تفترض الدراسة أن الصين تشكِّل التهديد الأساسي لهيمنة الولايات المتحدة العالمية، فقد شهد العقدان الماضيان تصاعدًا متصلًا للقوة الاقتصادية الصينية، وترافق ذلك مع زيادة وزنها السياسي على المستوى الدولي، فيما يتعاظم تعارض مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة بفعل توجهها لاستعادة دورها كقوة عالمية عظمى.

وكانت استراتيجية “مراكمة القوة من مناطق خفيضة”، والتي وضعها الرئيس الصيني الأسبق، دينغ شياو بينغ، قد أثمرت في تعزيز قوة الصين الاقتصادية إلى أن وصلت إلى مستوى لا تستطيع فيه الاستمرار بتلك السياسة، وفقًا لرؤية الرئيس الصيني الحالي، شي جين بينغ، الذي سرَّع من التوجه نحو استثمار القوة الاقتصادية لبناء القوة الاستراتيجية في المجالين السياسي والعسكري وفي تعزيز قوة النموذج الصيني كأساس للقوة الناعمة.

وهنا، يبرز السؤال الإشكالي للبحث الذي يحاول النظر في تأثيرات هذه القوة الصينية المتصاعدة خلال العقدين الماضيين على المسرح الدولي: ما تأثير الصعود الصيني والتراجع الأميركي على شكل النظام الدولي؟ وإلامَ تشير المؤشرات الاقتصادية والجيوستراتيجية بهذا الخصوص؟

الاقتصاد محرك لتغيير توازن القوى بين الصين وأميركا

في سياق الإجابة عن هذا السؤال، يرى الدكتور محمد غازي الجمل، الباحث في الشؤون السياسية، أن الصين تمكَّنت من تحقيق ما يُسمِّيه الكثيرون معجزة اقتصادية خلال العقدين الماضيين، فيما عانى الاقتصاد الأميركي من أزمة حادة في العام 2008، وما زال يعاني من آثارها حتى الآن، إلا أن الإدارات الأميركية تبذل جهودًا مضنية للإبقاء على هيمنتها على الاقتصاد العالمي. فمنذ العام 1990 وحتى العام 2019 تضاعف الناتج القومي الصيني بمقدار 14 ضعفًا تقريبًا (828 مليار دولار إلى 11.537 تريليون دولار) في حين تضاعف اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية مرة واحدة خلال الفترة ذاتها (من 9 تريليون إلى 18.3 تريليون دولار، بالأسعار الثابتة لدولار 2010). كما أنشأت الصين البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، والذي بلغ عدد أعضائه 102 دولة، ويقوم بإقراض العديد من الدول النامية، بما يشكِّل منافسة لدور البنك الدولي.

وقد تنبَّهت إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، إلى تزايد تهديد المنافسة الصينية، ما دفعها إلى وضعه على رأس أولوياتها، كما اعتمدت سياسة “إعادة التوازن في آسيا” التي تقوم على نقل أولوية الاهتمام الاستراتيجي الأميركي إلى منطقة غرب المحيط الهادئ. ومن الوسائل التي اعتمدتها للتضييق على الصعود الاقتصادي الصيني اقتراحها توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية عبر المحيط الهادئ (TTP) مع العديد من الدول المحيطة بالصين، بما يوثِّق العلاقة الاقتصادية بين هذه الدول والولايات المتحدة على حساب علاقتها بالصين. وبذلت إدارة أوباما جهودًا مضنية لإقناع هذه الدول بالتوقيع على الاتفاقية في وجه مقاومة صينية قوية، إلا أن الرئيس، دونالد ترامب، امتنع عن التصديق على هذه الاتفاقية بذريعة أنها لا تحقق المصلحة الاقتصادية، وهو ما خفَّف من التأثير السلبي للاتفاقية على الصعود الاقتصادي الصيني.

وقد اتخذت إدارة الرئيس، ترامب، سياسة أكثر تشددًا تجاه الصين، منذ العام 2018؛ إذ لجأت إلى فرض التعريفات الجمركية من جانب واحد، والدبلوماسية النشطة لمنع تبني التقنيات الصينية (مثل تقنية Huawei 5G) من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، واتخاذ تدابير لمنع بيع التقنيات الأميركية والأوروبية للشركات والمؤسسات الصينية، وإعاقة استثمارات الصين في الولايات المتحدة، وتشويه سمعة دوافع الصين.

الصين ورهان النفوذ الجيوستراتيجي

أدركت الصين أن الفوز بالتنافس الاقتصادي غير ممكن دون امتلاك النفوذ الجيوستراتيجي القادر على إسناد صعودها؛ إذ إن تأمين احتياجات الصعود الاقتصادي، وعلى رأسها إمدادات الطاقة، بحاجة إلى علاقات سياسية بدول المصدر والممر، وحضور عسكري لحماية هذه الإمدادات. وكذلك الحال بخصوص الصادرات التي يشكِّل النفوذ الدولي دعمًا أساسيًّا لإكسابها التفضيل على غيرها، أو إزالة العوائق ذات الدوافع السياسية من طريقها. ولا يمكن استبعاد مخاطر اعتراض طرق الصادرات والواردات الصينية، بشكل مباشر أو غير مباشر، من قبل المنافسين كالولايات المتحدة.

ولذلك، فإن الصين، التي أدركت هذا الأمر متأخرًا، بدأت مسارًا طموحًا لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري والأيديولوجي/الدعائي على المستوى الإقليمي والدولي بما يخدم ويحمي صعودها الاقتصادي. وبالمقابل لا تكلُّ السياسة الأميركية عن إعاقة هذه المساعي الصينية مدعومة بحلفاء سياسيين مهمين، وبالآلة العسكرية الأقوى في العالم، والتي استخدمتها لإعاقة مساعي السيطرة على بحري الصين، الجنوبي والشرقي، وتوفير الدعم العسكري للمنافسين الإقليميين للصين كاليابان وتايوان وكوريا الجنوبية والهند.

وبالفعل، فإن الهيمنة العسكرية الأميركية على طرق التجارة والموارد الصينية تشكِّل تهديدًا حقيقيًّا لمساعي الصعود الاستراتيجي الصيني، كما تشمل المعيقات في الطريق الصيني: الفجوة التكنولوجية الواسعة بينها وبين الولايات المتحدة، وبنية النظام السلطوي الذي قد لا يؤهلها لامتصاص أي صدمات سياسية داخلية مقارنة بالنظام الأميركي المرن.

وفي مسعى لبناء رافعة استراتيجية من التحالفات الاستراتيجية، اتجهت الصين في السنوات الأخيرة غربًا؛ لعوامل عديدة منها معاناتها من جهود الولايات المتحدة لمحاصرتها من جهتي الشرق والجنوب، وتزايد حاجة الصين إلى استيراد النفط والغاز الطبيعي من البلدان الواقعة على طريق الحرير التاريخي. وتستفيد في توجهها هذا من رغبة العديد من الدول النامية في تزايد النفوذ الصيني لتعديل هيمنة النفوذ الأميركي؛ إذ تتخوف بعض الأنظمة الاستبدادية من الديمقراطية التي بشرت بها الولايات المتحدة لسنوات طويلة، كما أن لدول مثل إيران وتركيا رغبة في التمدد الإقليمي والذي قد يدعمه بعض التوازن في النفوذ بين الولايات المتحدة ودول أخرى كروسيا والصين.

وتُعَدُّ مبادرة “الطريق والحزام” مشروعًا جيوسياسيًّا عملاقًا تسعى الصين لتحقيقه إلى جانب مشاريع مشابهة، أبرزها: البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، ومبادرة “صنع في الصين 2025”. ففي العام 2013 أعلن الرئيس الصيني عن مبادرة “الطريق والحزام” التي تسعى إلى تشكيل شبكة من الحلفاء والشركاء في النمو الاقتصادي الصيني من أجل تأمين واردات الصين من الطاقة، وتأمين خطوط تجارتها البحرية والبرية من أراضيها وصولًا إلى أوروبا. وقدَّر روبين شينغ (Robin Xing)، الخبير الاقتصادي في مؤسسة “مورغان ستانلي”، أن استثمار الصين في مشروع الطريق والحزام سيصل إلى 1.2- 1.3 تريليون دولار بحلول العام 2027.

وفي إطار سعي الصين لتعزيز مكانتها في النظام الدولي، تكتسب العلاقة الروسية-الصينية أهمية خاصة؛ إذ تملك روسيا القوة العسكرية والخبرة والجرأة السياسية والعلاقات الدبلوماسية التي تنقص الصين علاوة على امتلاكها مصادر الطاقة الضرورية لاستمرار الصعود الاقتصادي الصيني. وبالفعل، فقد وقَّع البلدان اتفاقية للتبادل التجاري بالعملات المحلية، كما ازداد مستوى التنسيق بينهما في المواقف السياسية، إلا أن العلاقة بين الطرفين لها بعد تنافسي أيضًا؛ إذ تبرز مواقف روسية ترى أن “لروسيا والهند مصلحة في تشكيل حركة “عدم انحياز” جديدة لدى التعامل مع الصراع الأميركي- الصيني، وذلك لموازنة النفوذ الصيني”.

كما يُعَدُّ الموقف الأوروبي فاعلًا في مسار التنافس الأميركي-الصيني؛ إذ تبرز مصلحة مشتركة صينية-أوروبية في تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب يتجاوز الهيمنة الأميركية، وهو ما ينعكس على السلوك الأوروبي المتحفظ على الصرامة الأميركية في التعامل مع الصين. وبالمقابل، تبذل الصين جهودًا كبيرة لاستمالة أوروبا، وخصوصًا دول شرقها ووسطها، بالاستثمارات.

ويمثِّل المجال العسكري أصعب مجالات التحدي بالنسبة إلى الصين؛ إذ تسيطر الولايات المتحدة بفعل تفوقها العسكري على طرق التجارة العالمية وعلى منابع الطاقة، وتضيِّق بشكل استراتيجي على الصين من جهتي الجنوب والشرق؛ وهو ما أسهم في تشكل وعي صيني متزايد بأهمية امتلاك قوة عسكرية قادرة على حماية طرق تجارتها. ولذلك، فقد عززت الصين إنفاقها العسكري بشكل متصاعد مستفيدة من الفائض المالي الذي يوفره نموها الاقتصادي؛ إذ تضاعف الإنفاق العسكري للصين عدة مرات خلال العقدين الماضيين بما يُظهر الاهتمام المتزايد الذي توليه للقوة العسكرية.

وتُعَدُّ الصين حاليًّا البلد الثاني في حجم الإنفاق العسكري الذي بلغ 261 مليار دولار عام 2019، ولديها الجيش الأكبر في العالم وقوامه 2.3 مليون جندي. علمًا بأن الولايات المتحدة تتهم الصين بأن إنفاقها العسكري الحقيقي يفوق الرقم المعلن بكثير.

وأعطى الرئيس الصيني الحالي أولوية لتطوير القوة البحرية؛ إذ يُقدِّر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أنه منذ عام 2014، أطلقت القوات البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي عددًا من الغواصات والسفن الحربية، وسفن الحرب البرمائية، وفرق الإِغاثة العسكرية، يفوق العدد الإجمالي للسفن التي تخدم حاليًّا في القوات البحرية لكل من ألمانيا، والهند، وإسبانيا، وتايوان، والمملكة المتحدة. كما يفوق برنامجها لبناء السفن نظيره في الولايات المتحدة.

وعلى المدى البعيد، سترتبط القوة العسكرية ارتباطًا وثيقًا بالقوة الاقتصادية، خاصة مع توجيه الصين استثمارات كبيرة في إقامة بحرية “المياه الزرقاء”، وبناء قوات جوية فائقة التقدم. ولا يتوانى الرئيس الصيني عن الضغط من أجل الهيمنة على التقنيات التكنولوجية المتقدمة، مثل: الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وشبكات الاتصالات من الجيل الخامس، وهو ما يثير مخاوف صقور الأمن الوطني في واشنطن.

ووظَّفت الصين هذه القدرات العسكرية لتعزيز هيمنتها العسكرية الإقليمية، وخصوصًا في بحريها الشرقي والجنوبي، وأبدت جرأة متزايدة في تحدي الوجود العسكري الأميركي في محيطها، ووظفت قضية كوريا الشمالية في هذا السياق؛ إذ إن أحد العوامل التي تدفعها لإسناد النظام الكوري الشمالي هو حرصها على إبقاء القوات الأميركية الموجودة في كوريا الجنوبية بعيدة عن حدود الصين.

كما عززت الصين حضورها العسكري في مناطق أبعد كالمنطقة العربية وقرب القرن الإفريقي، وبَنَتْ سلسلة من الموانئ على طول المحيط الهندي، كما كثفت حركة بحريتها العسكرية في الشرق الأوسط. ومن المتوقع أن تُنْشِئ قاعدة عسكرية لبحريتها في عُمان، إضافة إلى قاعدتها الموجودة في جيبوتي. وتضمَّن مشروع اتفاقية الشراكة مع إيران تعميق التعاون العسكري الصيني-الإيراني؛ مما يمنح الصين موطئ قدم في منطقة كانت تشغل بال الولايات المتحدة استراتيجيًّا منذ عقود. وينص الاتفاق على تعزيز التعاون بين القوات المسلحة من خلال آليات التعاون في مجال تدريب القوات والتمارين المشتركة، والبحوث المشتركة وتطوير الأسلحة وتبادل المعلومات الاستخبارية.

وفي ذات السياق، أيدت الصين مشروع قرار في مجلس الأمن تقدمت به روسيا، في يوليو/تموز 2019، لإنشاء منظمة للأمن والتعاون في الخليج العربي، واستبعاد أي وجود عسكري دائم لأي دول من خارج المنطقة، وهو ما يشير إلى الوجود الأميركي بشكل أساس، وهذه سابقة أولى من نوعها عندما تتماهى الاستراتيجية الصينية مع الاستراتيجية الروسية في التمدد في الخليج على حساب النفوذ الأميركي الذي تشبَّع بفكرة ترامب بشأن الانعزالية السياسية للولايات المتحدة.

سيناريوهات المستقبل

تفترض الدراسة أربعة سيناريوهات هي: التهدئة، أو استمرار الوضع الحالي، أو الحرب الباردة، أو الحرب.

أولًا: التهدئة

وذلك بوقف الحرب التجارية، واستعادة التعاون بين الطرفين في الملفات غير التنافسية، كقضايا المناخ ومواجهة وباء كوفيد-19. وفي حين يعطي الاتفاق المبدئي بين رئيسي البلدين -في مطلع العام 2020 بخصوص الميزان التجاري والتكنولوجيا الأميركية- مؤشرًا إيجابيًّا على إمكانية تحقق التهدئة، فإن من المرجح أن يكون التنافس على الهيمنة الاقتصادية العالمية طويل الأمد، مما يجعل حل النزاعات التجارية الحالية في وقت قريب أمر غير محتمل.

كما تشير التجربة التاريخية إلى ضآلة احتمال القبول الأميركي بتفوق الصين اقتصاديًّا؛ فقد خاضت الولايات المتحدة منذ سبعينات القرن الماضي حروبًا تجارية عديدة للحفاظ على تفوقها الاقتصادي والسياسي، من أبرزها الحروب التجارية مع اليابان والاتحاد الأوروبي حول صناعات السيارات والأقمشة والفولاذ وأجهزة التلفاز الملونة وأسعار صرف العملات. وفي حال تحقق هذا “السيناريو التعاوني” فإن أقصى ما يمكن أن يحققه البلدان هو وقف الحرب التجارية بينهما.

ثانيًا: استمرار الوضع الحالي

إن التجارة بالشكل الطبيعي ليست لعبة صفرية، بل تقوم على استفادة الطرفين، إلا أن خوض كل من الولايات المتحدة والصين حربًا تجارية تضر باقتصاديهما، يشير إلى أن الدافع إلى الحرب التجارية الجارية هو التنافس على الهيمنة السياسية. ولذلك، فمن المتوقع أن تطول مدة الحرب التجارية، وحتى حينما تتوقف فمن المتوقع أن تحصل أشكال مماثلة من الصراع ما دام الطرفان يتنافسان على الهيمنة. ومما يعزز احتمال تحقق هذا السيناريو قدرة الصين على احتمال الآثار الاقتصادية للحرب التجارية بفعل الحجم الهائل لناتجها القومي، والتطور السريع لاقتصادها، ووفرة الأصول الاحتياطية لديها.

وفي حال تحقق هذا السيناريو فمن الممكن أن تشمل الإجراءات الأميركية: وضع قيود على الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة، وخصوصًا في مجال التكنولوجيا، ووضع قيود على دراسة الطلاب الصينيين في الجامعات الأميركية. وفي المقابل، تلوِّح الصين بإجراءات منها تقييد تصدير المعادن النادرة للولايات المتحدة إلا أن استمرار التصعيد والإجراءات من هذا القبيل قد يؤدي في نهاية المطاف إلى حرب باردة بين الطرفين.

ثالثًا: الحرب الباردة

يشمل هذا السيناريو تصاعد المواجهة لتشمل حروبًا سياسية وإعلامية، وتحالفات واسعة النطاق، وانطلاق سباق تسلح بما في ذلك نشر الأسلحة في الفضاء، والحرب السيبرانية، وصولًا إلى الاشتباك غير المباشر بين الدولتين على شكل حرب -أو سلسلة حروب- بالوكالة.

رابعًا: الحرب 

هناك آراء تعتقد أن صدامًا قد ينشأ حينما يلتقي خط صعود القوة الصيني مع خط هبوط القوة الأميركي، وهذا يقترب من الفكرة القائلة بأن “الخبرة التاريخية تشير إلى أن القوى الصاعدة مثل أوروبا والولايات المتحدة قد ساهمت بشكل كارثي في اضطراب النظام الكوني”. وتشير التعبيرات السياسية الصادرة عن الطرفين إلى تصاعد التوتر العسكري بينهما، وأن احتمال المواجهة العسكرية المباشرة بينهما لم يعد أمرًا مستبعدًا -وإن كان غير مرغوب فيه بالتأكيد- ومن المؤشرات بهذا الخصوص تصريح وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، بأن الولايات المتحدة تقوم بتجهيز قواتها في جميع أنحاء آسيا وتعيد تمركزها استعدادًا لمواجهة محتملة مع الصين، ثم مطالبة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبرغ، أعضاء الحلف بالاستعداد لمواجهة تهديدات الصين، وتحذير وزارة أمن الدولة الصينية من أن الصين واجهت العداء بسبب تفشي وباء كوفيد-19 الذي يمكن أن يقلب العلاقات مع الولايات المتحدة إلى مواجهة مسلحة.

وعلى المدى القصير، فإن أكثر موقع محتمل لأن يتحوَّل فيه الصراع إلى حرب حقيقية هو بحر الصين الجنوبي. وفي حال حصول صراع عسكري “صغير” بين الطرفين فمن الممكن أن يكلِّف ذلك الاقتصاد العالمي تريليونات الدولارات، ناهيك عن تعطل سلاسل الإمداد في جميع أنحاء العالم.

تأثير الصراع على شكل النظام الدولي

في حال تحقق أي من سيناريوهي الحرب الباردة أو الحرب، فإن من شأن ذلك إحداث تغيير عميق في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، ففي مآل حرب باردة من المرجح أن ينشأ نظام دولي جديد يعترف بأن القوة الجديدة الصاعدة يجب منحها دورًا في تشكيل القواعد والمؤسسات العالمية.

وفي الوقت الحالي، يُؤجِّج الصراع الصيني-الأميركي عملية واسعة النطاق لإزالة العولمة، أو على الأقل تقسيم الاقتصاد العالمي إلى كتلتين اقتصاديتين غير متوافقتين. وفي أي من الحالتين، ستصبح التجارة في السلع والخدمات ورأس المال والعمل والمعلومات والبيانات والتكنولوجيا “مُبَلْقَنَة” بشكل متزايد، وستصبح شبكة الإنترنت “مُبَلْقَنَة” (Splinternet)؛ حيث لن تتصل العقد الغربية والصينية ببعضها البعض.

وفي هذا العالم “المُبَلْقَن”، تتوقع كل من الصين والولايات المتحدة أن تختار كل الدول الأخرى جانبًا “أنت معنا أو ضدنا”. وبفعل تحكم الصين والولايات المتحدة بشكل منفصل في الوصول إلى التقنيات المهمة مثل الذكاء الاصطناعي و5G، من المحتمل أن “تصبح الأرضية الوسطى غير قابلة للسكن”، وسيتعين على الجميع الاختيار، وقد يدخل العالم في عملية طويلة من إنهاء العولمة والتفتت.

ومن العوامل المؤثرة في تحديد أوزان كل من الولايات المتحدة والصين في النظام الدولي مستقبلًا: مدى قدرة كلا الطرفين على جذب أوروبا وروسيا أو تحييدهما، وكذلك الحال بشأن التنافس على استمالة بقية الدول على طريق الحرير، ومدى استعداد الولايات المتحدة لإعاقة التجارة الصينية بالعقوبات أو باستخدام القوة العسكرية، إضافة إلى التداعيات الاقتصادية والسياسية على الطرفين بفعل الحرب التجارية الجارية حاليًّا.

كما يدفع تفشي وباء كوفيد-19 باتجاه المزيد من التراجع النسبي للولايات المتحدة في السنوات المقبلة، واستمرار التحوُّل في توزيع السلطة العالمية باتجاه الشرق بفعل أداء الصين ودول شرق آسيا الذي تفوق على أداء الولايات المتحدة ودول أوروبا في التعامل مع الوباء إلا أن الولايات المتحدة تتمتع بعناصر قوة متعددة وفريدة ستساعدها في الحفاظ على موقع الدولة الأبرز والأكثر تأثيرًا بين عدد من المنافسين، ربما لأكثر من عقد مقبل من الزمن.

وبملاحظة المؤشرات السياسية والاقتصادية والعسكرية يظهر أنه على الرغم من الصعود الصيني المستمر فإن الفجوة بين الصين والولايات المتحدة لا تزال كبيرة للغاية، وهو ما يجعل أي تغير جوهري لشكل النظام الدولي مستبعدًا على المدى القريب، لكنه أمر ممكن على المديين المتوسط والبعيد.

خاتمة

تشير المؤشرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية إلى تقدم مطَّرد للصين على المستوى العالمي، فيما تشير المؤشرات السياسية إلى تراجع متسارع للهيمنة العالمية للولايات المتحدة، وهو ما يُعزِّز بدوره الضغوط والتحديات التي يواجهها الاقتصاد الأميركي.

فيما تشكِّل القوة العسكرية الأميركية الدعامة الأكثر أهمية لاستمرار الهيمنة الأميركية في الوقت الراهن، إلا أن عدم مواكبة القدرات السياسية لهذه القدرة العسكرية سيعزز التداعيات السلبية لاستخدام القوة العسكرية على المكانة الدولية للولايات المتحدة. وفي حين كانت تتم الإشارة إلى كفاءة النظام السياسي الأميركي باعتباره أحد أهم الضمانات لاستمرار الهيمنة العالمية للولايات المتحدة، إلا أن هذا النظام أفرز إدارة تُلحق أضرارًا فادحة وغير مسبوقة بمكانة الولايات المتحدة وتُضعف الأدوات التي كانت تسيطر بها على العالم، من دون أن يتمكن هذا النظام من إيقاف تلك الأضرار، ولعل هذا هو المعطى الأكثر تأثيرًا في تراجع الهيمنة الأميركية العالمية.

وفي المقابل، فإن التهديد الصيني للهيمنة الأميركية يتمركز حول الاقتصاد وهو ما يضعفه؛ إذ إن العلاقات الاقتصادية لوحدها تتناقض مع المصلحة الاستراتيجية أحيانًا، ولن تستطيع الصين أن تصبح دولة عظمى إلا حينما تتحرر من هذا الأمر. كما أن الصين لا تقدم للشعوب “الحلم الصيني” الذي يمكن أن يتفوق على “الحلم الأميركي”، وهو مما يحدُّ من قدرتها على بناء العلاقات مع الشعوب ويركِّز علاقاتها بالأنظمة. إضافة إلى أن فرص تحوُّل الصين إلى قطب جديد في النظام الدولي تتأثر بحاجز اللغة وبالنفوذ الثقافي الذي لا تزال الولايات المتحدة في موقع الهيمنة العالمية فيه. ومن العوائق الاستراتيجية أيضًا التي تعيق صعود الصين إلى موقع الهيمنة العالمية أنها محاطة بحلفاء للولايات المتحدة وأن الأخيرة لا تزال تسيطر على طرق تجارة الصين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى