القضية الفلسطينيةدراسات

تحولات في التأييد الحزبي والاتجاهات نحو حل القضية الفلسطينية

محمود ميعاري | موسسة الدراسات الفلسطينية

 

يهدف هذا البحث إلى دراسة التحولات التي طرأت على التأييد (أو الانتماء) الحزبي، وعلى اتجاهات الجمهور الفلسطيني نحو حل القضية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، في ضوء أحداث بارزة على الساحة الفلسطينية، وخصوصاً انتفاضة الأقصى والانقسام الفلسطيني. كما يهدف إلى دراسة العلاقة بين التأييد الحزبي والاتجاهات، وذلك اعتماداً على بيانات ميدانية جُمعت في خمسة مسوح أُجريت على السكان البالغين في الضفة والقطاع في السنوات 1997 و2001 و2006 و2009 و2016.

 

خلفية عامة

تحولات في الموقف الفلسطيني الرسمي

مع إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في سنة 1964 لم يكن للمنظمة تصور واضح لكيفية حل القضية الفلسطينية. وفقط في الدورة الثامنة للمجلس الوطني الفلسطيني، التي عُقدت في الجزائر بتاريخ 28 / 2 / 1971، وبعد التشديد على أن الحل الوحيد للقضية الفلسطينية هو تحرير كامل التراب الفلسطيني بقوة الكفاح المسلح، تم تبنّي حل الدولة الفلسطينية الديمقراطية، التي يتمتع الراغبون في العيش فيها من العرب واليهود بالحقوق والواجبات نفسها، وذلك “ضمن إطار مطامح الأمة العربية في التحرر القومي والوحدة الشاملة.” ومن المعلوم أن حركة “فتح” كانت قد بادرت إلى رفع شعار الدولة الفلسطينية الديمقراطية في سنة 1968، وأيدته لاحقاً الجبهة الديمقراطية، إلّا إن الجبهة الشعبية تحفظت عليه لأنه كان يعني، من وجهة نظرها، بناء دولة ثنائية القومية من دون هوية عربية، وذلك باسم الديمقراطية (مركز المعلومات الوطني الفلسطيني – “وفا”، الدورة الثامنة، 28 / 2 / 1971؛ عرجان 2006، ص 47).

لم يتطرق المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثامنة إلى قضية اللاجئين، إلّا إن الموقف الفلسطيني في تلك الفترة اعتبر فكرة العودة جزءاً من فكرة تحرير فلسطين بأكملها. فتحرير فلسطين بالكفاح المسلح وإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني، يفسح المجال، تلقائياً، أمام عودة جميع اللاجئين. وقد نص الميثاق الوطني الفلسطيني في سنة 1968، في البند التاسع، على أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، والعودة إليها، وممارسة حق تقرير المصير والسيادة فيها (“الموسوعة الفلسطينية”، 28 تشرين الأول / أكتوبر 2015ب)، الأمر الذي يعني أن العودة تشكل هدفاً للكفاح المسلح.

بعد حرب تشرين الأول / أكتوبر 1973، وعلى الرغم من عدم انتصار إسرائيل فيها، فإن القيادة الفلسطينية فقدت شيئاً من الثقة بقدرتها أو بقدرة النظام العربي الرسمي والشعبي على تحرير كامل التراب الفلسطيني بواسطة الكفاح المسلح. وليس ذلك بسبب قوة إسرائيل فقط، بل أيضاً لاعتبارات دولية وإقليمية من ضمنها عمق العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، ومحدودية الالتزام السوفياتي بدعم العرب (عرجان 2006، ص 62). وهكذا، أقرّ المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة في القاهرة في حزيران / يونيو 1974 البرنامج السياسي المرحلي (ذا النقاط العشر) للنضال الوطني الفلسطيني، والمتمثل في إقامة سلطة وطنية فلسطينية “على كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها” (نقطة 2). وستناضل هذه السلطة بعد قيامها “من أجل اتحاد أقطار المواجهة في سبيل استكمال تحرير كامل التراب الفلسطيني، وكخطوة على طريق الوحدة الشاملة” (نقطة 8). وقد طور الإعلان السياسي الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته الثالثة عشرة في آذار / مارس 1977، البرنامج السياسي المرحلي، وجعله متكوناً من خمس عشرة نقطة. ونصّ البرنامج على أن “النضال بجميع أشكاله العسكرية والسياسية والجماهيرية في الأراضي المحتلة يشكل الحلقة المركزية في برامج المجلس الوطنية” (نقطة 3)، كما أشار إلى “أهمية العلاقة والتنسيق مع القوى اليهودية الديمقراطية والتقدمية المناضلة داخل الوطن المحتل وخارجه ضد الصهيونية كعقيدة وممارسة” (نقطة 14) (“الموسوعة الفلسطينية”، 28 تشرين الأول / أكتوبر2015أ). ونتيجة هذا التحول، غاب شعار الدولة الفلسطينية الديمقراطية عن الأدبيات السياسية الفلسطينية، ليحل محله التركيز على شعار الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتأكيد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، الذي ضمن لهم العودة أو التعويض (الشريف 2007، ص 19).

وعلى خلفية تردي وضع منظمة التحرير الفلسطينية بعد خروجها من لبنان في سنة 1982، واندلاع الانتفاضة الأولى في الضفة الغربية وقطاع غزة في كانون الأول / ديسمبر 1987، وما رافقها من انتقال لمركز الثقل من الخارج إلى الداخل، وإعلان الأردن فك الارتباط مع الضفة الغربية في تموز / يوليو 1988، جرى تطوير البرنامج السياسي المرحلي في اتجاه إقامة الدولة، إذ صدر خلال الدورة 19 للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، في منتصف تشرين الثاني / نوفمبر 1988، إعلان الاستقلال الذي نص على قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشريف. وتضمّن البيان السياسي للمجلس القرارات التالية (المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية 2007، ص 8 – 9):

1 – ضرورة عقد المؤتمر الدولي الخاص بقضية الشرق الأوسط، وجوهرها القضية الفلسطينية، تحت إشراف الأمم المتحدة، وبمشاركة جميع أطراف الصراع في المنطقة، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك على قاعدة قرارَي مجلس الأمن 242 و338.

2 – انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة منذ سنة 1967، بما فيها القدس العربية.

3 – إلغاء جميع إجراءات الإلحاق والضم، وإزالة المستعمرات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة منذ سنة 1967.

4 – السعي لوضع الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس العربية، تحت إشراف الأمم المتحدة لفترة محدودة، من أجل حماية شعبنا، وتوفير مناخ مؤات، وتحقيق الأمن والسلام للجميع بقبول ورضا متبادلين، وتمكين الدولة الفلسطينية من ممارسة سلطاتها الفعلية على هذه الأراضي.

5 – حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الأمم المتحدة الخاصة بهذا الشأن.

ويُعتبر إعلان الاستقلال تحولاً استراتيجياً في نهج الثورة الفلسطينية، من الشرعية التاريخية والثورية فقط، إلى الاستعداد للتعامل مع قرارات الشرعية الدولية والتسوية السياسية، وهي القرارات التي كانت مرفوضة سابقاً (إبراش 2016). فجاء في إعلان الاستقلال أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 في سنة 1947، والذي قسّم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، “ما زال يوفر شروطاً للشرعية الدولية تضمن حق الشعب العربي الفلسطيني في السيادة والاستقلال الوطني” (المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية 2007، ص 2). ويمثل إعلان الاستقلال أول وثيقة فلسطينية رسمية تصدر عن الحركة الوطنية الفلسطينية منذ سنة 1948، وتتخذ من قرار التقسيم رقم 181، وبشكل إيجابي، مرجعاً لها (باومغرتن 2006، ص 331). وبقبوله القرار رقم 181 يكون المجلس الوطني الفلسطيني قد اعترف ضمنياً بإسرائيل.

وفي الحقيقة، لم يتوقف المجلس الوطني الفلسطيني، لا في دورته التاسعة عشرة ولا في التحضيرات التي سبقتها، عند قضايا اللاجئين والنازحين باعتبارها مسائل مؤجلة، فقد كان المهم هو إعلان قيام دولة فلسطين وإطلاق مبادرة السلام، وما عدا ذلك تفصيلات ليس صعباً الاتفاق عليها لاحقاً (نوفل 2004). ولذلك، لم ينص البيان السياسي للمجلس الوطني الفلسطيني بشكل صريح على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى مدنهم وقراهم قبل سنة 1948، واكتفى بعبارة “حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الأمم المتحدة الخاصة بهذا الشأن”، الأمر الذي يعكس التحول الذي طرأ منذ أواخر الثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن الماضي، على الموقف الفلسطيني من العودة. ويرى شلومو غازيت (غازيت 1995، ص 85)، وهو باحث في معهد يافي للدراسات الاستراتيجية التابع لجامعة تل أبيب ورئيس سابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أن العودة بعد إعلان الاستقلال، وخصوصاً بعد اتفاق أوسلو، أصبحت محددة ببضعة قيود: أولاً، تنازل فلسطيني عن الصفة المطلقة لحقّ العودة، والاعتراف بإمكان استبدال هذا الحق بالتعويضات. وقد حدث ذلك بموافقة المؤسسة السياسية الفلسطينية ومباركتها؛ ثانياً، حتى لو سُمح بعودة اللاجئين إلى الأراضي الإسرائيلية، فقد بات من الواضح للمؤسسة الفلسطينية أن هذه العودة ستكون مشروطة بالتزامهم “واجب العيش بسلام مع جيرانهم”، وأن عليهم الإذعان لسلطة القانون الإسرائيلي والاعتراف بسيادة إسرائيل المطلقة؛ ثالثاً، إن الموقف المبهم من مفهوم العودة، مثلما عبّرت عنه القيادة الفلسطينية، تجنب تحديد المكان الذي ستتحقق فيه هذه العودة. ويضيف شلومو غازيت أن الناطقين الفلسطينيين المعتمدين يدركون، في معظمهم، أن العودة إلى إسرائيل ليست واقعية، ويدّعون أن الأغلبية العظمى من اللاجئين لا تنوي ممارسة هذا الحق على الإطلاق. ويقوم الحل الذي يقترحونه على ضرورة الاعتراف بحق اللاجئين في العودة، علماً بأن التطبيق الفعلي لحقّ العودة سيتم في جزئه الأكبر في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وطبعاً مع منح اللاجئين تعويضات عن الأملاك التي خلّفوها وراءهم.

ومن الجدير ذكره أن حركة “فتح”، وعلى لسان أبو إياد، هي التي طرحت إعلان قيام دولة فلسطينية بمبادرة سياسية تشمل الاعتراف بصيغة ما بالقرارَين 242 و338، مشددة أن “علينا أن نفكر بالخروج من الجمود والتحرك باتجاه الدولة، فالدولة لن تأتينا من السماء، والرفض المطلق لها يخدم الأعداء.”

وعارضت عدة فصائل في منظمة التحرير الفلسطينية، وخصوصاً الجبهتين الشعبية لتحرير فلسطين، والديمقراطية لتحرير فلسطين، إعلان الاستقلال، مؤكدة أن المجلس الوطني الفلسطيني ارتكب خطأ بقبوله قرارَي مجلس الأمن 242 و338. وانضمت الحركة الإسلامية في الداخل وفي الأردن ولبنان إلى الحملة المناهضة لقرارات المجلس الوطني الفلسطيني، فحركة “حماس” رفضت وثيقة إعلان الاستقلال ومبادرة السلام الفلسطينية، واعتبرتهما “طعنة قوية لإنجازات الانتفاضة”، كما أصدرت حركة الجهاد الإسلامي بياناً رفضت فيه قرارات المجلس الوطني ومبادرة السلام، معتبرة “القبول بالقرار 242 تنازلاً عن جزء هام من فلسطين” (عرجان 2006، ص 73 – 74؛ نوفل 2004).

وبغضّ النظر عن هذه الخلافات، فإن إعلان الاستقلال مهّد لخطاب ياسر عرفات في 13 كانون الأول / ديسمبر 1988 في الجمعية العامة للأمم المتحدة في جنيف، والذي عرض فيه القرارات السياسية للمجلس الوطني الفلسطيني، وقدّم مبادرة سياسية دعت إلى عقد مؤتمر دولي للسلام تحت إشراف الأمم المتحدة، مؤكداً قبول منظمة التحرير الفلسطينية بالقرار رقم 242 (عرجان 2006، ص 73 – 74). وفيما يتعلق بالأساس الدولي لإعلان الاستقلال، أشار عرفات إلى القرار رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني / نوفمبر 1947، الذي ينص على قيام دولتين في فلسطين واحدة عربية فلسطينية وأُخرى يهودية، والذي يُعتبر شهادة الميلاد الوحيدة لقيام دولة إسرائيل. وفي 15 كانون الأول / ديسمبر1988، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً دعت فيه إلى عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط بمشاركة منظمة التحرير الفلسطينية على قدم المساواة مع الأطراف الأُخرى، وقرر مجلس الأمن أن يستعمل اسم فلسطين اعتباراً من 15 كانون الأول / ديسمبر، بدلاً من منظمة التحرير الفلسطينية، من دون المساس بمركز المراقب للمنظمة ووظائفها في منظومة الأمم المتحدة. وفي ضوء ذلك، قررت الولايات المتحدة فتح حوار مع منظمة التحرير الفلسطينية بعد أن وافقت هذه الأخيرة على الشروط الأميركية المتعلقة بنبذ الإرهاب، والاعتراف بحقّ إسرائيل في الوجود، وبقرار مجلس الأمن رقم 242. وعُقدت الجلسة الأولى لهذا الحوار في 18 / 12 / 1988، وذلك بعد شهر من انتهاء دورة المجلس الوطني الفلسطيني، ومن إطلاق مبادرة السلام الفلسطينية. وفي جولات الحوار الأربع، أظهر الجانب الأميركي انحيازه الكامل إلى الموقف الإسرائيلي، وتحول الحوار الفلسطيني – الأميركي إلى ما يشبه حوار الطرشان، فقد وصفه أبو عمار بأنه يدور في حلقة مفرغة (نوفل 2004).

وفي ظل احتلال العراق للكويت في سنة 1990، قطعت الولايات المتحدة حوارها مع منظمة التحرير الفلسطينية.

وبعد هزيمة العراق وطرد قواته من الكويت، بادر الرئيس الأميركي جورج بوش الأب في 6 آذار / مارس 1991 إلى إعلان مبادرة سياسية بشأن الشرق الأوسط، حدد فيها الأسس لتحقيق السلام في المنطقة على النحو التالي: (1) الأرض في مقابل السلام؛ (2) تطبيق القرارين 242 و338 من خلال المفاوضات؛ (3) تحقيق الحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني؛ (4) ضمان الأمن والسلام لإسرائيل (نوفل 2004). ورحبت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بالمبادرة، معتبرة أن النقطتين الثانية والثالثة في المبادرة توفران الأساس لبحث قضية اللاجئين. ورحبت الدول العربية بالمبادرة أيضاً، ونجح وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر في انتزاع موافقة يتسحاق شمير على حضور المؤتمر، بعد أن اشترط ألّا يكون أحد من القدس، أو من خارج المناطق المحتلة، في قائمة الوفد الفلسطيني / الأردني المشترك. ونتيجة ضعف الموقف الفلسطيني والضغوط الممارَسة عليه، وافق المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية على مبدأ الوفد الفلسطيني / الأردني المشترك، وعلى الشروط الإسرائيلية. وعُقد مؤتمر السلام للشرق الأوسط في مدريد في 31 تشرين الأول / أكتوبر1991، برئاسة الرئيسين بوش وغورباتشوف، وبحضور وفود من إسرائيل وسورية ولبنان والوفد الفلسطيني / الأردني المشترك (عرجان 2006، ص 75 – 76).

وفي ضوء تعثر المفاوضات في مؤتمر مدريد ودورانها في حلقة مفرغة، وفوز حزب العمل في انتخابات الكنيست في سنة 1992، وعقد لقاءات سرية عديدة في أوسلو بين مندوبين عن منظمة التحرير الفلسطينية ومندوبين عن حزب العمل بزعامة شمعون بيرس ويتسحاق رابين، وبعد أيام من الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، جرى توقيع اتفاق أوسلو في 13 أيلول / سبتمبر 1993، والذي أيدته حركة “فتح” وحزب الشعب وحزب الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا)، وعارضته عشرة فصائل، بينها الجبهتان الشعبية لتحرير فلسطين، والديمقراطية لتحرير فلسطين، و”فتح” الانتفاضة، والجهاد الإسلامي، و”حماس”. لقد قزّم هذا الاتفاق القضية الفلسطينية وأدخلها في دائرة التسوية الأميركية في ظل شروط جائرة، ولا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج في سنة 1991، وما رافقهما من ضعف عربي، وانحياز أميركي وأوروبي واضح إلى إسرائيل. وبدلاً من إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، نص الاتفاق على إقامة “سلطة حكم ذاتي فلسطينية انتقالية” في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتم تأجيل القضايا الجوهرية، وخصوصاً قضايا السيادة والحدود واللاجئين والقدس والمستعمرات الإسرائيلية، إلى مفاوضات الحل النهائي.[1]وتضمن الاتفاق جدولاً زمنياً لتنفيذه، بحيث يبدأ تطبيقه في 13 تشرين الأول / أكتوبر 1993، ويتحدد الوضع النهائي للضفة الغربية وقطاع غزة ويصبح ساري المفعول في 13 نيسان / أبريل 1999. ولم تتقيد إسرائيل بتنفيذ ما اتُّفق عليه بحسب الجدول، الأمر الذي أدى إلى عقد اجتماعات عديدة، وتوقيع عدة اتفاقيات مكملة لاتفاق أوسلو (“الموسوعة الفلسطينية”، 28 تشرين الأول / أكتوبر 2015ب).

بعد تشكيل السلطة الوطنية، وانتقال القيادة الفلسطينية من الخارج إلى الضفة الغربية وقطاع غزة في سنة 1994، بدأ الجانب الإسرائيلي، وبتأييد أميركي، يُلِح على ضرورة التزام الجانب الفلسطيني بالاتفاقات، وإلغاء بنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي تدعو إلى تدمير إسرائيل وتتعارض وروح الاتفاقات الموقّعة بين الطرفين. ونتيجة ذلك، عُقدت الدورة الحادية والعشرون للمجلس الوطني الفلسطيني في قطاع غزة في صيف سنة 1996، وفيها تقرر بأغلبية الأصوات إعادة صوغ الميثاق الوطني الفلسطيني، وإلغاء أو تعديل جميع البنود التي تتعارض مع اتفاق أوسلو، ولا سيما تلك المتعلقة بالكفاح المسلح وإسرائيل (نوفل 2004).

في الأعوام الأولى لقيام السلطة الفلسطينية، وخصوصاً بعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية الأولى التي جرت في 20 كانون الثاني / يناير 1996، ساد تصور فحواه “أن الدولة الفلسطينية باتت حقيقة قائمة أو على وشك.” فقد نشأ حقل سياسي فلسطيني “مشدود إلى أقصى الدرجات نحو الدولة”، وهيمنت على هذا الحقل رموز دولانية مثل: إنشاء سفارات فلسطينية في دول كثيرة؛ استقبال عرفات في دول العالم كرئيس دولة؛ مبالغة في استخدام النشيد الوطني؛ إشاعة مفردات الدولة (سيادة الرئيس، معالي الوزير، إلخ) والرتب العسكرية (لواء، عقيد، إلخ)؛ إصدار جوازات السفر الدبلوماسية؛ الإصرار على استعراض حرس الشرف في كل مناسبة (هلال 1998، ص 134 – 135). وهكذا عمّ التفاؤل قطاعات واسعة من الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة بإمكان الوصول إلى تسوية سياسية مع إسرائيل، تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على كامل المناطق المحتلة منذ سنة 1967. وعلى عكس الاتجاهات الفلسطينية المعارضة للتطبيع مع إسرائيل، والتي سادت قبل اتفاق أوسلو، تعززت بعد هذا الاتفاق الاتجاهات الفلسطينية المؤيدة للتطبيع. فبعض الجامعات ومراكز الأبحاث الفلسطينية أخذ يشترك مع الإسرائيليين في مشاريع متنوعة، وخصوصاً في البحث والتدريب. ففي بحث أُجري على عينة ممثلة لطلبة جامعة بيرزيت (270 طالباً) في حزيران / يونيو 1994، تبيّن أن أغلبية أفراد العينة تؤيد عقد مؤتمرات علمية وسياسية مشتركة مع إسرائيليين، وأن يدرس فلسطينيون في جامعات إسرائيلية وإسرائيليون في جامعات فلسطينية، كما تبيّن أن أقل من النصف بقليل (45%) يؤيدون أيضاً إقامة مسرح فلسطيني – إسرائيلي مشترك (Mi’ari 1999, p. 343). وفي هذا الجو التفاؤلي، كان الجمهور الفلسطيني أيضاً مستعداً للوصول إلى تسوية سياسية تقام بموجبها دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

بعد فشل محادثات كامب ديفيد، في أواسط تموز / يوليو 2000، بين رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود براك، برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون، واندلاع انتفاضة الأقصى في 28 أيلول / سبتمبر 2000، وما رافقها من ممارسات قمع إسرائيلية (تتمثل أساساً في اغتيال مطلوبين وإقامة الحواجز العسكرية وفرض حظر التجول وهدم البيوت وإعادة احتلال المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية وتدمير البنية التحتية لقوات الأمن الفلسطينية وبناء جدار الفصل العنصري وتعطيل العمل والتعليم والحياة اليومية في الأراضي الفلسطينية)، فقد الجمهور الفلسطيني الأمل بوجود أفق سياسي، وأدرك أن هنالك فجوة كبيرة بين ما يمكن أن يقبله في التسوية، وما يمكن أن يحصل عليه. ونتيجة انسداد آفاق التسوية، وتصعيد إسرائيل ممارساتها القمعية في الضفة والقطاع وتدهور الوضع الاقتصادي في هذه المناطق، عمّ الإحباط واليأس الجمهور الفلسطيني بمختلف شرائحه الاجتماعية، الأمر الذي شكّل تربة خصبة لتنامي اتجاهات متشددة ترفض حلول التسوية.

ثمة أيضاً عوامل خارجية ساهمت في تنامي التشدد لدى الجمهور الفلسطيني، ولدى الجمهور العربي عامة. ويلخص عاطف الجولاني (2005) هذه العوامل الخارجية بما يلي: أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001 وإعلان الولايات المتحدة “الحرب على الإرهاب” وما تبع ذلك من ممارسات قمعية ضد الأقليات الإسلامية والعربية في الغرب؛ تنامي نفوذ المحافظين الجدد ووصولهم إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة؛ الاحتلال الأميركي للعراق وما نجم عنه من حرب أهلية وتدمير لمؤسسات الدولة؛ شيوع نظريات الصراع الحضاري والثقافي في الغرب وترويج أوساط غربية مقولة أن الإسلام هو العدو الجديد والخطر الداهم الذي يتهدد الحضارة الغربية؛ تنامي التطرف الديني والسياسي في المجتمع الإسرائيلي؛ مبالغة العرب في الخوف من أخطار العولمة على الثقافة العربية. وقد يكون أهم هذه العوامل هو إرهاب الدولة الرسمي الذي تمارسه الولايات المتحدة وإسرائيل لقمع المقاومة التي تواجههما، والتي تصفانها بالإرهاب (الدجاني 2015).

وعلى خلفية وجود تربة خصبة لرفض حلول التسوية، وتنامي اتجاهات التشدد في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ مطلع القرن الحالي، أُجريت الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية في 25 كانون الثاني / يناير 2006، وشاركت فيها حركة “حماس” التي رفعت خلال انتفاضة الأقصى شعار “شركاء في الدم شركاء في القرار”، وذلك على الرغم من عدم موافقتها على اتفاق أوسلو. وهذا الموقف الرافض للتسوية أكده الناطقون الرسميون باسم “حماس” في حملتها الانتخابية، ثم أعيد تأكيده بعد تشكيل الحكومة العاشرة التي رفضت شروط اللجنة الرباعية الثلاثة، المتمثلة في الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف والاعتراف بالاتفاقات السابقة. ومن أبرز نتائج هذه الانتخابات حصول حركة “حماس” على 74 مقعداً من أصل 132 مقعداً في المجلس التشريعي، وتشكيلها حكومة فلسطينية بمفردها في 28 آذار / مارس 2006 برئاسة إسماعيل هنية (نعيرات وبشارات 2016، ص 32).

بعد مرور فترة وجيزة على تشكيل حكومة “حماس” برئاسة إسماعيل هنية في آذار / مارس 2006، برزت حالة من التصادم داخل النظام السياسي الفلسطيني. ففي الوقت الذي سيطرت حركة “حماس” على المجلس التشريعي والحكومة والمؤسسات الحكومية، كانت حركة “فتح” التي انتُخب رئيسها محمود عباس رئيساً للسلطة، لا تزال تسيطر على مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والأجهزة الأمنية وغيرها من المؤسسات، الأمر الذي أدى إلى تعزز مراكز القوى داخل النظام السياسي، وهو ما بات يُعرف باسم “تضارب الصلاحيات وتصادم الإرادات”. ونجم عن ذلك اندلاع اشتباكات مسلحة بين حركتَي “فتح” و”حماس” والأجهزة الأمنية التابعة لهما، راح ضحيتها مئات القتلى في الضفة الغربية وقطاع غزة، وانقسم النظام السياسي الفلسطيني في صيف سنة 2007 إلى قسمين رئيسيين، لكل منهما سلطته التنفيذية: قسم في قطاع غزة تقوده حركة “حماس” بسياستها وتوجهاتها، وقسم آخر في الضفة الغربية تقوده السلطة الفلسطينية بسياسات وتوجهات حركة “فتح” ممثلة في رئيس السلطة. ومع وقوع الانقسام جرى تغييب المجلس التشريعي الذي لا يزال معطلاً حتى اليوم، فأصبح الرئيس الفلسطيني صاحب السلطة العليا في النظام السياسي الفلسطيني، إذ أصبحت الحكومة الفلسطينية (في الضفة الغربية) هي حكومته، سواء في التعيين أو الإقالة أو حتى في إقرار برنامجها، وكذلك في إقرار الموازنة العامة من دون المجلس التشريعي (نعيرات وبشارات 2016، ص 35 – 36).

لم تنجح الوساطات العديدة، المصرية والتركية والقطرية والسعودية، في إنهاء الانقسام بين حركتَي “فتح” و”حماس”، على الرغم من مرور أكثر من 13 عاماً على حدوثه في صيف سنة 2007، ومن مرور أعوام عديدة على تشكيل حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني الأولى، برئاسة رامي الحمد الله، في 2 حزيران / يونيو 2014، وذلك بعد شهر من “اتفاق الشاطىء” بين الحركتين، والذي عُقد في مخيم الشاطىء غربي مدينة غزة. لقد ضمت هذه الحكومة في عضويتها وزراء من الضفة والقطاع، وكانت آمال المواطنين الفلسطينيين، ولا سيما في قطاع غزة، معلقة على هذه الحكومة، فطالبوها بالعمل على رفع الحصار وتحسين الأوضاع المعيشية الصعبة في القطاع وحل المشكلات المتعددة الناجمة عن الحصار المفروض عليه منذ سنة 2007. لكن مع مرور الزمن، لم يحدث أي تحسن في أوضاع المواطنين الصعبة، وإنما ازدادت أوضاعهم صعوبة، وخصوصاً بعد الحرب الإسرائيلية على القطاع في أواخر سنة 2014. أمّا الحكومة فبررت عدم قيامها بمهماتها للتخفيف من هذه المعاناة، باستمرار سيطرة حركة “حماس” في قطاع غزة. واستمر الخلاف بين “فتح” و”حماس”، ولم يلتزم الطرفان بالاتفاقات الموقّعة بينهما، فأعلنت “حماس” تشكيل “لجنة إدارية” في آذار / مارس 2017 لمتابعة شؤون القطاع، “رداً على عدم اهتمام حكومة الحمد الله باحتياجات غزة”، بينما ردت الحكومة بعدة إجراءات وصفتها بالعقابية، تمثلت في التوقف عن دفع فواتير الكهرباء الخاصة بغزة، وإحالة عدد كبير من الموظفين إلى التقاعد (الزغبي 2017).

لم يبدأ الخلاف (أو الانقسام) الفلسطيني بين حركة المقاومة الإسلامية “حماس” وحركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” في سنة 2007، مثلما يظن البعض، وإنما بدأ مع تأسيس حركة “حماس” نفسها في الأسبوع الأول من اندلاع الانتفاضة الأولى في كانون الأول / ديسمبر 1987، إذ شكلت هذه الحركة منافساً قوياً لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وفي مقدمها حركة “فتح”، وقد تفاقم الخلاف في إثر توقيع منظمة التحرير الفلسطينية في أيلول / سبتمبر 1993 اتفاق أوسلو مع إسرائيل، والذي عارضته “حماس” بشدة. وبعد قيام السلطة الفلسطينية، وفقاً لاتفاق أوسلو، نشب خلاف بين “فتح” التي أدارت السلطة، و”حماس” التي رفضت إيقاف أعمالها العسكرية ضد إسرائيل، وهو ما رأت فيه حركة “فتح” تهديداً خطراً لمشروعها السياسي. وفي المقابل شنّت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، حملات اعتقال واسعة ضد قادة حركة “حماس” وعناصرها، وذلك بين سنتَي 1996 و2000، كما تبادل الطرفان في تلك الفترة الاتهامات، فقالت حركة “فتح” إن “حماس” تعمل على “تقويض السلطة الفلسطينية من خلال العمليات العسكرية”، وردّت “حماس” بالقول إن “السلطة الفلسطينية تعمل كوكيل أمني لمصلحة إسرائيل”، الأمر الذي أحدث هوة كبيرة بين الحركتين. وبعد مشاركة حركة “حماس” في الانتخابات التشريعية التي جرت في كانون الثاني / يناير 2006، وفوزها بأغلبية المقاعد في المجلس التشريعي، وتشكيلها حكومة بمفردها برئاسة إسماعيل هنية، إذ رفضت حركة “فتح” وبقية الفصائل المشاركة في هذه الحكومة بدعوى عدم الاتفاق على البرنامج السياسي، “انطلقت الشرارة التي تسببت في إحداث الانقسام” (“القدس العربي”، 10 / 10 / 2017).

أمّا الأسباب الحقيقية للانقسام فتكمن أساساً في اختلاف البرامج السياسية للحركتين. فحركة “فتح”، وهي الفصيل المسيطر في منظمة التحرير الفلسطينية، اعترفت بإسرائيل، ووافقت على قرارَي مجلس الأمن رقم 181 و242، وأيدت اتفاق أوسلو مع إسرائيل، وقبلت بحل الدولتين في فلسطين التاريخية، دولة إسرائيل في حدود ما قبل 5 حزيران / يونيو 1967، ودولة فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشريف، كما التزمت بالمشاركة في “عملية سلمية” عن طريق المفاوضات وحدها. أمّا حركة “حماس” التي ترى أن فلسطين هي أرض وقف أسلامي اغتصبها الصهيونيون عنوة، وأن من واجب المسلمين الجهاد من أجل استرجاعها وبناء دولة مستقلة على كامل ترابها، فرفضت مسيرة مدريد التي بدأت في سنة 1991، ثم رفضت اتفاق أوسلو الذي جرى توقيعه في سنة 1993 (جرابعة 2010، ص 15 – 16). وعلى الرغم ممّا تضمنته وثيقة “حماس” الجديدة، التي أُقرّت في 1 أيار / مايو 2017، من “أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، على خطوط الرابع من حزيران / يونيو 1967، هي صيغة توافقية وطنية مشتركة”، فإن الحركة أكدت في الوثيقة نفسها أنه “لا تنازل عن أي جزء من أرض فلسطين مهما كانت الأسباب والظروف والضغوط، ومهما طال الاحتلال.” وأكدت أيضاً أنه “لا اعتراف بشرعية الكيان الصهيوني”، وشددت على أنه لا “بديل عن تحرير فلسطين تحريراً كاملاً، من نهرها إلى بحرها”. وأضافت الوثيقة أن مقاومة الاحتلال، وخصوصاً المقاومة المسلحة، “تُعدّ الخيار الاستراتيجي لحماية الثوابت واسترداد حقوق الشعب الفلسطيني” (موسوعة “الجزيرة”، 1 أيار / مايو 2017).

وفي الفترة الأخيرة، وخصوصاً بعد إعلان الرئيس الأميركي خطته للسلام في الشرق الأوسط، والمعروفة بـ “صفقة القرن“، في واشنطن في 28 كانون الثاني/ يناير 2020، وفي ضوء تسارع التطبيع العربي بعد ذلك، وإعلان دولة الإمارات والبحرين عن موافقتهما على تطبيع علاقاتهما مع إسرائيل، جرت محاولات حثيثة للمصالحة الفلسطينية. فعُقِد في 3 أيلول/ سبتمبر 2020، بطريقة الربط التلفزيوني بين رام الله وبيروت، اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، برئاسة محمود عباس. وناقش الاجتماع 3 ملفات رئيسية هي “صفقة القرن”، ومخطط الضم الإسرائيلي لمساحات واسعة من الضفة الغربية، وعمليات التطبيع العربية مع إسرائيل. وفي 24 أيلول / سبتمبر اختتمت حركتا “فتح” و”حماس” اجتماعات ثنائية عُقدت في إستانبول على مدار ثلاثة أيام، بحثتا فيها المسارات التي اتُّفق عليها في مؤتمر الأمناء العامين، والتي تكللت بإعلان الاتفاق على “رؤية مشتركة”، وقالتا أنها ستُقدَّم إلى الحوار الوطني الشامل بمشاركة القوى والفصائل الفلسطينية. والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: هل سيفتح هذا الاتفاق الباب أمام مصالحة فلسطينية حقيقية بعد أكثر من 13 عاماً على الانقسام؟ يبدو أنه ما لم يتم الاتفاق على برنامج سياسي موحد، وعلى استراتيجيا نضالية لتحقيقه، فإن الانقسام سيبقى قائماً حتى لو تم تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو حكومة توافق وطني.

 تراجع أحزاب اليسار

علاوة على حركة “فتح” والتيار الإسلامي المتمثل في حركة “حماس” والجهاد الإسلامي، فإن النظام (أو الحقل) السياسي الفلسطيني يشتمل على عدد من الأحزاب (أو التنظيمات) اليسارية الصغيرة، أهمها الجبهتان الشعبية لتحرير فلسطين، والديمقراطية لتحرير فلسطين، وحزب الشعب، والاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا). وفي سنة 2002 ظهرت حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية بزعامة الدكتور مصطفى البرغوثي.

اختلفت هذه الأحزاب في مواقفها من اتفاق أوسلو، فأيّده بعضها وعارضه بعضها الآخر، فقد رفضته الجبهتان الشعبية والديمقراطية، ولذلك رفضتا المشاركة في الانتخابات التشريعية في سنة 1996 وفي الحكومة، ورفعتا شعار “إعادة بناء الوحدة الوطنية باعتبارها شرطاً للتقدم نحو هدف التحرر الوطني.” وبعد أربعة أعوام من الانتفاضة الثانية ورحيل ياسر عرفات، غيرت الجبهتان موقفهما من المشاركة في الانتخابات العامة، إلّا إنهما بقيتا معارضتين للمشاركة في الحكومة. أمّا حزب الشعب وفدا والمبادرة الوطنية فأيدت اتفاق أوسلو، وشاركت في الانتخابات العامة وفي الحكومة (هلال 2006، ص85).

تراجَع تأييد أحزاب اليسار، كما تراجع دورها السياسي، في الضفة الغربية وقطاع غزة في عهد أوسلو. ففي الانتخابات التشريعية الثانية التي جرت في سنة 2006، حصلت هذه الأحزاب معاً على 7 مقاعد من مجموع 132 مقعداً في المجلس التشريعي، موزعة كالتالي: قائمة الشهيد أبو علي مصطفى (الجبهة الشعبية) 3؛ قائمة البديل (ائتلاف الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب وفدا ومستقلون) 2؛ قائمة فلسطين المستقلة (مصطفى البرغوثي) 2 (“لجنة الانتخابات المركزية” 2017). وفقد اليسار تأثيره في المشهد السياسي الفلسطيني، فبعد أن كانت الفصائل الفلسطينية اليسارية تتحرك ضمن مساحة سياسية وشعبية تضغط من خلالها على حركة “فتح” داخل منظمة التحرير الفلسطينية، أضحت هذه الفصائل هامشية التأثير في المسار السياسي العام، وأصبحت القضية الوطنية الفلسطينية “تتلاعب بها” حركتا “فتح” و”حماس”، علاوة على قوى خارجية (شحادة 2007).

ويمكن التمييز بين عوامل موضوعية (خارجية)، وأُخرى ذاتية لتراجع اليسار الفلسطيني. ومن أهم العوامل الموضوعية: فشل التجربة السوفياتية وانهيار منظومة الدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية؛ التحولات الكبيرة التي حدثت في المنطقة بدءاً باتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وانتهاء باتفاق أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية واندلاع الانتفاضة الثانية وما تبعها من قمع وتجزئة لمناطق السلطة الفلسطينية، وحدوث الانقسام بين حركتَي “فتح” و”حماس”. لقد سرّع اتفاق أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية تراجع نفوذ اليسار، إذ كانت مؤسسات منظمة التحرير الضحية الأولى لهما، كما قلّص النفوذ الوطني لليسار. وأربك هذا الوضع الجديد أحزاب اليسار، وساهم في زرع أسباب خلاف جديدة بينها، وخصوصاً أن اليسار وجد نفسه من دون قوى إسناد (مادي وسياسي وإعلامي) إقليمية ودولية خلافاً لحركتَي “فتح” و”حماس” (هلال 2009).

وبالنسبة إلى العوامل الذاتية، وهي الأهم، والتي ساهمت في تراجع دور اليسار ونفوذه بعد أوسلو، يركز جميل هلال (2009) على العوامل التالية:

أولاً، تكلس البنية التنظيمية لأحزاب اليسار، وافتقارها إلى المرونة الكافية لضمان التواصل بين القاعدة والقيادة وبين الحزب والجمهور المحيط، وبالتالي افتقاد هذه الأحزاب القدرة على التأقلم السريع مع المتغيرات الموضوعية والوضع السياسي الجديد.

ثانياً، ضعف الدور الاجتماعي لتنظيمات اليسار، والذي ينعكس في افتقاد اليسار استراتيجيا تجمع بين ممارسة النضال الاجتماعي لمصلحة الطبقات والفئات المهمّشة (العمال والفلاحون والفقراء وربما النساء)، ومواصلة النضال من أجل التحرر الوطني.

ثالثاً، انحسار (أو تراجع) الدور الكفاحي لليسار، مثلما ينعكس من خلال عدم التقدم برؤية وممارسة كفاحية بديلة من رؤية وممارسة حركتَي “فتح” و”حماس”، وعدم تصدُّر الصراع ضد أداء السلطة الفلسطينية على صعيد المفاوضات وبناء المؤسسات وتهميش منظمة التحرير.

رابعاً، ضعف الموارد المالية المتوفرة لدى أحزاب اليسار قياساً بما هو متوفر لدى “فتح” و”حماس”. ويعود بعض هذا الضعف إلى غياب سياسة مالية حكيمة سواء في الاستثمار، أو في الصرف، أو في الاعتماد على العمل التطوعي والاشتراكات والتبرعات الشعبية.

وهنالك عوامل ذاتية أُخرى ساهمت في تراجع اليسار الفلسطيني بعد اتفاق أوسلو، أهمها: عدم قدرة أحزاب اليسار على التقييم الموضوعي والنقد الذاتي الجاد؛ الانتقال من العمل السياسي الجماهيري النضالي إلى تأسيس الجمعيات غير الحكومية المدعومة من الخارج؛ الافتقار إلى برنامج للحكم؛ عمل أغلبية قادة اليسار في السلطة الفلسطينية، أو في شركات تجارية خاصة، أو في منظمات غير حكومية ممولة من الخارج، الأمر الذي يعمّق الشرخ بينهم وبين الطبقات (أو الشرائح) الكادحة (شحادة 2007؛ اللحام 2012).

 اتجاهات الجمهور الفلسطيني

أُجريت في العقود الأخيرة بعض الدراسات واستطلاعات الرأي بشأن اتجاهات الجمهور الفلسطيني نحو قضايا تتعلق بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. وسنعرض فيما يلي أهم هذه الدراسات والاستطلاعات (ميعاري 2008):

أجرت بسمة قضماني – درويش في سنة 1991 (لدى زريق 1997) دراسة ميدانية على عينة تتكون من 406 أشخاص من مخيمات اللاجئين في لبنان والأردن، أظهرت أن اللاجئين في لبنان يوافقون في معظمهم، على جوهر بيان المجلس الوطني الفلسطيني لسنة 1988، الداعي إلى إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبالنسبة إلى المواقف من حق العودة ذكر 50% أنهم يختارون العيش في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن ذلك لم يكن نتيجة خيار حر، وإنما نتيجة ضرورة. فقد عزا ثلثاهم ذلك الخيار إلى احتمال طردهم من لبنان. وحتى الذين لم يختاروا العيش في الضفة والقطاع، فإن معظمهم يرغب في ممارسة حقه في الإقامة هناك ولو على أساس موقت، والحصول على بطاقة هوية فلسطينية. ورأى 90% من أفراد العينة أن تطبيق حق العودة ضروري لتسوية النزاع، كمسألة مبدأ وعدل. أمّا فيما يتعلق بالفلسطينيين في الأردن، فقد أظهرت الدراسة أن هنالك هوة اجتماعية تفصل بين الفلسطينيين والأردنيين، كما أظهرت أن 39% يعتبرون الأردن وطناً بديلاً، في حين أن 49% يرفضون هذا الطرح، ومع ذلك فإن 56% وافقوا على فكرة الكونفدرالية الفلسطينية – الأردنية (زريق 1997، ص 92 – 94).

أجرى ناجح جرار في سنة 1992 دراسة ميدانية بشأن أوضاع اللاجئين في مخيمَي بلاطة والفارعة في الضفة الغربية، وجمع البيانات من عينة تتكون من أرباب الأُسر والأشخاص البالغين في143 وحدة سكنية. وأظهرت الدراسة تردي الأوضاع الاقتصادية والسكنية في المخيمين، وأن 33% من أفراد العينة يرغبون في ترك المعيشة في المخيم. ورداً على سؤال عن الاتجاهات نحو الحل،[2] أجاب 48% أن الحل يكمن في إنشاء دولة فلسطينية (في الضفة والقطاع)؛ 32% إرجاع كل فلسطين؛ 9% تعويض اللاجئين؛ 5% عودة اللاجئين؛ 3% تحسين الأوضاع في المخيم؛ 3% لم يجيبوا عن السؤال (جرار 1994، ص 83).

في أواخر سنة 1993، وأوائل سنة 1994، أجرى حسين شعبان دراسة ميدانية بشأن اتجاهات الفلسطينيين في لبنان، على عينة تتكون من 600 شخص، بيّنت أن نحو ثلثي العيّنة لا يؤيدان اتفاق أوسلو الذي وقّعته حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، ويعتقدان أن هذا الاتفاق لا يضمن لهما حق العودة. كما تبيّن أن أغلبية كبيرة 70% من العيّنة ترفض التوطين في لبنان، وأغلبية أكبر 82% تفضل العيش مستقبلاً في فلسطين. وحين سئل أفراد العيّنة عن اختيار مكان إقامة لهم في حال عدم تمكّنهم من العودة إلى فلسطين، اختار 45% لبنان؛ 20% أوروبا؛ 6% الأميركيتين؛ 6% دولاً عربية أُخرى؛ 15% لم يختاروا أي دولة (شعبان 1994، ص 180 – 188).

وفي استطلاع أجراه مركز القدس للإعلام والاتصال (JMCC) في حزيران / يونيو 1995 (لدى زريق 1997) على عينة تتكون من 1397 شخصاً من الضفة الغربية وقطاع غزة، بشأن موضوعات ذات صلة بأداء السلطة الفلسطينية، طُرح على العيّنة السؤال التالي: هل توافق على التخلي عن أراضي 1948 في مقابل التوصل إلى حل نهائي يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة تكون القدس عاصمتها (حدود 1967)؟ أجاب 31% من أفراد العينة بالموافقة، بينما أجاب 60% بالنفي، ولم يحدد الباقون موقفهم. وظهر فرق بالموافقة بين مؤيدي “فتح” (41%)، ومؤيدي “حماس” (17%)، كما ظهرت فوارق بحسب العمر، فالشباب أكثر معارضة من غيرهم للتخلي عن أراضي 1948 (زريق 1997، ص 95 – 96).

وفي استطلاع آخر أجراه مركز القدس للإعلام والاتصال في الضفة الغربية وقطاع غزة في حزيران / يونيو 2000 على عينة تتكون من 1200 شخص، طُرح السؤال التالي: في أثناء المفاوضات النهائية الجارية حالياً بشأن موضوع اللاجئين، هناك اقتراحات لحلول وسط منها التالي: استيعاب جزء كبير من اللاجئين في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ جمع شمل بضع عشرات الآلاف من عائلات اللاجئين إلى إسرائيل؛ تعويض الجزء الباقي من اللاجئين في أماكن وجودهم الحالية. ما رأيك في هذا الحل المقترح؟ أجاب 49% من أفراد العينة أن الحل المذكور مرفوض قطعياً، ورأى 35% أن الحل المذكور يجب دراسته والتفكير فيه جيداً قبل تحديد موقف منه، بينما أجاب 11% أن الحل المذكور مقبول وجيد. أمّا البقية (5%) فلم تُجب عن السؤال، أو أجابت بأنها لا تعرف (مركز القدس للإعلام والاتصال 2000، ص 7).

وأجرى المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أيضاً العديد من استطلاعات الرأي بشأن اتجاهات الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، طرح في عدد منها أسئلة تتعلق بالاتجاهات فيما يتعلق ببعض قضايا الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. ففي استطلاع للرأي العام (استطلاع رقم 49)، أجراه هذا المركز في أيلول / سبتمبر 2013 على عينة عشوائية تتكون من 1261 شخصاً بالغاً في الضفة الغربية وقطاع، وذلك في أعقاب العودة إلى المفاوضات مع إسرائيل، تبيّن أن 70% من أفراد العينة يعتقدون أن المفاوضات مع إسرائيل لن تنجح؛ 51% يؤيدون حل الدولتين؛ 59% يعتقدون أن حل الدولتين لم يعد أمراً عملياً؛ 29% يؤيدون حل الدولة الواحدة؛ 60% يريدون إلغاء اتفاق أوسلو (المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، أيلول / سبتمبر 2013). وفي استطلاع آخر (استطلاع رقم 65)، أجراه المركز المذكور في أيلول / سبتمبر 2017 على عينة عشوائية تتكون من 1270 شخصاً بالغاً في الضفة الغربية وقطاع غزة، تبيّن أن 83% من أفراد العينة يعتقدون أن إدارة الرئيس دونالد ترامب منحازة إلى إسرائيل؛ 52% يؤيدون حل الدولتين (دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل)؛ 57% يعتقدون أن حل الدولتين لم يعد حلاً عملياً بسبب التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية. كما تبيّن أن نسبة لا يستهان بها (31%) تؤيد حل الدولة الواحدة، ونسبة أكبر (47%) تؤيد حل السلطة الفلسطينية (المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية 2017). أمّا استطلاع رقم 76 الذي أجراه المركز في حزيران/ يونيو 2020 على عينة عشوائية تتكون من 1200 شخص بالغ في الضفة والقطاع، فأوضح أن 88% يرفضون خطة دونالد ترامب للسلام في المنطقة، المُسمّاة “صفقة القرن”، و45% فقط يؤيدون حل الدولتين، و63% يعتقدون أن حل الدولتين لم يعد عملياً بسبب التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية (المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية2020).

وبينت دراسة عن اتجاهات الجمهور الفلسطيني في الضفة والقطاع (ميعاري 2008)، فيما يتعلق بعدد من القضايا المتعلقة بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي (الحل النهائي الأفضل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، والحل النهائي الأفضل لمشكلة اللاجئين ولمشكلة القدس ولمشكلة المستعمرات الإسرائيلية)، ومدى تغير هذه الاتجاهات خلال انتفاضة الأقصى، وذلك اعتماداً على بيانات تم جمعها في ثلاثة مسوح أُجريت خلال السنوات 1997 و2001 و2006، أن الجزء الأكبر ممّن شاركوا في تلك الاستطلاعات يرى أن الحل الأفضل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي هو إقامة دولة إسلامية في كل فلسطين. ويلي هذا الحل، في المرتبة الثانية، إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتشير مقارنة الحل الأفضل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في المسوح الثلاثة إلى تعزز حل الدولة الإسلامية في كل فلسطين، وتراجع حل الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، خلال انتفاضة الأقصى وبعدها. ويلاحظ أن هذا التحول حدث بصورة خاصة لدى مؤيدي “فتح” والمستقلين. ويعود تعزز حل الدولة الإسلامية في كل فلسطين، أساساً، إلى فشل مفاوضات السلام وانسداد آفاق التسوية مع إسرائيل، من ناحية، وتعزز شعبية الحركة الإسلامية بقيادة “حماس”، من ناحية أُخرى.

وبالنسبة إلى قضية اللاجئين، فإن الجزء الأكبر من العيّنات في المسوح الثلاثة يرى أن الحل الأفضل للاجئين، سواء المقيمين في الضفة الغربية وقطاع غزة أو المقيمين في الشتات، هو عودتهم إلى مدنهم وقراهم قبل سنة 1948. أمّا مقارنة إجابات العيّنات في المسوح الثلاثة، بعضها ببعض، فتوضح أن خيار العودة إلى مناطق 1948 تعزز بشكل كبير خلال انتفاضة الأقصى وبعدها، وأن ذلك حدث لدى مؤيدي مختلف التيارات السياسية، وخصوصاً مؤيدي “فتح” والمستقلين. وفي المقابل، تراجعت في انتفاضة الأقصى الخيارات البديلة، ولا سيما خيار تحسين ظروف السكن في المخيمات الموجودة بالنسبة إلى اللاجئين في الضفة والقطاع، وخيار التوطين في الضفة والقطاع فيما يتعلق بلاجئي الشتات. وفيما يتعلق بقضيتَي القدس الشرقية (العربية) والمستعمرات الإسرائيلية في المناطق المحتلة منذ سنة 1967، فإن الأغلبية الساحقة من العيّنات في المسوح الثلاثة ترى أن الحل الأفضل للقدس الشرقية هو أن تكون تحت السيطرة الفلسطينية، وأن الحل الأفضل للمستعمرات الإسرائيلية هو إزالتها كلها، أو إبقاؤها وإسكان اللاجئين فيها محل المستوطنين اليهود. وهكذا، لم يحدث تغير كبير في اتجاهات الجمهور الفلسطيني نحو حل قضيتَي القدس الشرقية والمستعمرات الإسرائيلية، فالأغلبية الساحقة من العيّنات بقيت تؤمن بالحلول نفسها لهاتين القضيتين (ميعاري 2008، ص 46 – 47).

 منهجية البحث

أ – مشكلة البحث

يركز البحث الحالي على دراسة التأييد الحزبي للجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة واتجاهاته فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وذلك اعتماداً على بيانات جُمعت في خمسة مسوح أُجريت خلال السنوات 1997 و2001 و2006 و2009 و2016. ويحاول البحث الإجابة عن الأسئلة التالية:

  • ما هي الأحزاب التي يؤيدها الجمهور الفلسطيني في الضفة والقطاع؟ وهل تغير التأييد الحزبي للجمهور الفلسطيني في أعقاب أحداث بارزة في الساحة الفلسطينية، وخصوصاً انتفاضة الأقصى والانقسام الفلسطيني؟
  • ما هي اتجاهات الجمهور الفلسطيني نحو حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي؟ وهل تغيرت هذه الاتجاهات في أعقاب أحداث بارزة، ولا سيما انتفاضة الأقصى والانقسام الفلسطيني؟
  • هل هنالك علاقة بين التأييد الحزبي للجمهور الفلسطيني، وبين اتجاهاته فيما يتعلق بحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي؟

ب – تبرير البحث

باستثناء دراستي السابقة (ميعاري 2008)، لم تُجرَ، بحسب معرفتي المتواضعة، دراسات مقارنة عبر الزمن بشأن اتجاهات الفلسطينيين فيما يتعلق بحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. فأغلبية الدراسات واستطلاعات الرأي السابقة اشتملت على أسئلة متفرقة تختلف من استطلاع إلى آخر، ولذا، فإن نتائجها غير قابلة للمقارنة عبر الزمن.

ومع أن دراستي السابقة (ميعاري 2008) تناولت اتجاهات الفلسطينيين نحو حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، اعتماداً على بيانات جُمعت في ثلاثة مسوح فقط (1997 و2001 و2006)، إلّا إن الدراسة الحالية تتوسع أكثر في هذا الموضوع، ولا سيما أنه جرى جمع بيانات جديدة لموضوع البحث في مسحَين إضافيين في سنتَي 2009 و2016، الأمر الذي يساعدنا على دراسة مدى تغير هذه الاتجاهات في العقد الأخير، وخصوصاً في ضوء انقسام النظام السياسي الفلسطيني بين السلطة الفلسطينية بقيادة “فتح” في الضفة الغربية، وسلطة “حماس” في قطاع غزة.

 ج – قياس المتغيرات

تم قياس التأييد الحزبي في المسوح الخمسة بواسطة السؤال التالي:

لو جرت انتخابات عامة للمجلس التشريعي الفلسطيني، وشاركت فيها جميع الفصائل والأحزاب السياسية الفلسطينية، فأي قائمة ستنتخب؟

  1. “حماس”.
  2. الجهاد الإسلامي.
  3. “فتح”.
  4. الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
  5. الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.
  6. الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا).
  7. حزب الشعب.
  8. مستقل.
  9. لن ينتخب.
  10. غير ذلك: _______.

أمّا الاتجاهات نحو حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، فجرى قياسها في المسوح الخمسة بواسطة السؤال التالي:

ما هو الحل النهائي الأفضل، بحسب رأيك، للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي؟

  1. دولة إسلامية في كل فلسطين.
  2. دولة عربية في كل فلسطين.
  3. دولة علمانية ديمقراطية في كل فلسطين.
  4. دولة ثنائية القومية في كل فلسطين.
  5. دولة فلسطينية مستقلة بحسب تقسيم سنة 1947.
  6. دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
  7. كيان فلسطيني في الضفة والقطاع مرتبط كونفدرالياً مع الأردن.
  8. غير ذلك: _______.

وفي المسحين الأخيرين (2009 و2016) أُضيف السؤال التالي لقياس الاتجاهات:

إذا تم الاتفاق على حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية، فهل تؤيد هذا الحل؟

  1. لا يؤيد.
  2. يؤيد إلى حد ما.
  3. يؤيد.
  4. يؤيد بشدة.

 د – جمع البيانات

يرتكز البحث الحالي على مقارنة بيانات تم جمعها في خمسة مسوح أُجريت على السكان البالغين، أي الذين بلغت أعمارهم 18 عاماً فأكثر، في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال السنوات 1997 و2001 و2006 و2009 و2016. وجُمعت البيانات في مسح سنة 1997 من عينة تتكون من 1410 أشخاص، وهي عينة عشوائية عنقودية طبقية جرى اختيارها على ثلاث مراحل: في المرحلة الأولى، اختيرت عينة وحدات جغرافية أو خلايا (60 وحدة أو خلية) تمثل مجموع الوحدات الجغرافية التي تتكون منها الضفة الغربية وقطاع غزة، وكل وحدة جغرافية تكونت بالمعدل من 120 أسرة؛ في المرحلة الثانية، تم اختيار عينة أُسر في كل وحدة جغرافية (26 أسرة تقريباً)؛ في المرحلة الثالثة، جرى اختيار أحد الأفراد البالغين (18 عاماً فأكثر) من كل أسرة في العينة، وذلك باستخدام جداول “كيش”. ومن الجدير ذكره أن الباحثين الميدانيين اختاروا عشوائياً من كل أسرة مختارة واحداً من أفرادها البالغين بعد أن تم تدريب هؤلاء الأشخاص جيداً على ذلك. وفضلاً عن كون العينة عنقودية (cluster sample)، ذلك بأنها تتكون من وحدات جغرافية أو خلايا، فإنها أيضاً عينة طبقية (stratified sample)، ولهذا جرى توزيع العينة إلى “طبقات” (أو فئات) بحسب المحافظة (تمثل جميع المحافظات ومن ضمنها القدس)، ومكان السكن (مدن وقرى ومخيمات)، وحجم التجمع السكاني. وتجدر الإشارة إلى أن هذه “الطبقات” (أو الفئات) تهدف إلى زيادة فاعلية تصميم العينة، بحيث تصبح هذه الأخيرة أكثر تمثيلاً لمجتمع البحث.

وجُمعت بيانات مسح 2001 من عينة تكونت من 1492 شخصاً، وبيانات مسح 2006 من عينة تكونت من 1500 شخص، وبيانات مسح 2009 من عينة تكونت من 1504 أشخاص، وبيانات مسح 2016 من عينة تكونت من 1200 شخص. وهذه العينات كلها عينات عشوائية تم اختيارها على مراحل، وبالطريقة نفسها التي جرى بها اختيار عينة مسح 1997.

ومن الجدير ذكره أن جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني في رام الله هو الذي اختار العينات وجمع البيانات في المسوح الأربعة الأولى، بينما اختار مركز القدس للإعلام والاتصال (JMCC) في رام الله عينات المسح الخامس وجمع بياناته.

 ه – أبرز الأحداث التي سبقت كل مسح

سنعرض هنا أهم الأحداث التي سبقت جمع البيانات في كل مسح، لعلها تساعدنا في تفسير النتائج:

 مسح تشرين الأول / أكتوبر 1997

بعد مقتل رئيس الحكومة الإسرائيلية يتسحاق رابين في 4 تشرين الثاني / نوفمبر 1995، وفوز حزب الليكود اليميني بزعامة بنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية في 30 أيار / مايو 1996، كثّفت الحكومة الإسرائيلية عملية الاستيطان، فبدأت في آذار / مارس 1997 ببناء مستعمرة أبو غنيم (هار حوماه) في القدس الشرقية. وبعد ذلك، نفذت المقاومة الفلسطينية عدة عمليات فدائية داخل إسرائيل قُتل وجُرح فيها عشرات الإسرائيليين.

 مسح تموز / يوليو آب / أغسطس 2001

بعد فشل قمة كامب ديفيد بين ياسر عرفات وإيهود براك وبيل كلينتون في تموز / يوليو 2000، اندلعت انتفاضة الأقصى في 28 أيلول / سبتمبر 2000. وفي اليوم التالي اقتحمت القوات الإسرائيلية ساحات المسجد الأقصى، الأمر الذي أدى إلى نشوب اشتباكات مع المصلّين سقط خلالها العديد من الشهداء وجُرح المئات. وبحجة انتشار أعمال العنف بعد ذلك، رفض أريئيل شارون مواصلة محادثات السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والتي هدفت إلى الوصول إلى مفاوضات “الوضع النهائي”. وفي 7 أيار/ مايو 2001 استولت إسرائيل على سفينة سانتوريني بالقرب من شواطىء حيفا، والتي كانت تحمل أسلحة إلى قطاع غزة.

 مسح آذار / مارس 2006

في 10 كانون الثاني / يناير 2005، أُعلن رسمياً فوز محمود عباس في انتخابات الرئاسة الفلسطينية، بنسبة 62,3٪ من الأصوات. وفي 25 كانون الثاني / يناير 2006 جرت الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية، والتي فازت فيها حركة “حماس” بأغلبية المقاعد في المجلس التشريعي. وتجدر الإشارة إلى أن حركة “حماس” شاركت في الانتخابات، رافعة شعار “شركاء بالدم شركاء بالقرار”، وذلك على الرغم من معارضتها اتفاق أوسلو. وبسبب فشل المفاوضات بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية، شكلت حركة “حماس” لاحقاً، حكومة انفرادية برئاسة إسماعيل هنية.

 مسح آب / أغسطس 2009

في 27 كانون الأول / ديسمبر 2008 شنّت إسرائيل حرباً على قطاع غزة، مع عملية برية كبيرة، واستمرت الحرب حتى 17 كانون الثاني / يناير 2009. وفي 20 شباط / فبراير 2009 كُلّف بنيامين نتنياهو رسمياً بتشكيل الحكومة في إسرائيل. وفي 8 آذار / مارس 2009 قدم سلام فياض استقالته من رئاسة الحكومة بعد خلاف مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بشأن سياسة الحكومة. وربما الأهم من ذلك كله، أن هذا المسح أُجري بعد نحو عامَين من حدوث الانقسام في النظام السياسي الفلسطيني.

 مسح آب / أغسطس 2016

على الرغم من تشكيل حكومة الوفاق الوطني في 2 حزيران / يونيو 2014، فإن الانقسام الفلسطيني ظل قائماً، وزادت الأوضاع المعيشية سوءاً في قطاع غزة. ومع بداية تشرين الأول / أكتوبر 2015 شهدت الضفة الغربية (بما فيها القدس) وقطاع غزة وإسرائيل موجة كبيرة من أعمال عنف تمثلت في قيام فلسطينيين بعمليات طعن لإسرائيليين، وخصوصاً عسكريين وشرطة ومستوطنين، وقيام إسرائيليين يهود بقتل فلسطينيين بادعاء أنهم حاولوا تنفيذ عمليات طعن. وعُرفت هذه الموجة بانتفاضة القدس أو انتفاضة السكاكين. وفي هذه الفترة ارتفعت وتيرة الاستيطان الإسرائيلي، ولا سيما في القدس الشرقية.

 تحليل البيانات

التأييد الحزبي

طُرح على العيّنات في المسوح الخمسة السؤال التالي: لو جرت انتخابات عامة للمجلس التشريعي الفلسطيني وشارك فيها جميع الفصائل والأحزاب السياسية الفلسطينية، فأي قائمة تنتخب؟ يوضح الجدول رقم 1 أدناه أن تأييد “فتح” كان الأكبر في هذه المسوح، باستثناء مسح 2006 الذي كان فيه التأييد الأكبر للتيار الإسلامي (“حماس” والجهاد الإسلامي). وكان تأييد “فتح” كبيراً، وخصوصاً في الأعوام الأولى للسلطة الفلسطينية، إذ حصلت على نسبة 53% في مسح 1997، والسبب في ذلك هو أن أغلبية الجمهور الفلسطيني (نحو 56% من أفراد العينة في هذا المسح)، وعلى الرغم من فوز حزب الليكود في انتخابات الكنيست في سنة 1996 وتشكيل حكومة إسرائيلية يمينية برئاسة بنيامين نتنياهو، كانت ترى أن العملية السلمية ستقود في النهاية إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذا الأمر ينسجم مع نتائج الانتخابات التشريعية الأولى التي جرت في سنة 1996، والتي قاطعتها “حماس” والجهاد الإسلامي والجبهتان الشعبية والديمقراطية، إذ حصلت حركة “فتح” على 50 مقعداً من مجموع 88 مقعداً، بينما حصل المستقلون على 35 مقعداً، وحصل كل من الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا)، وكتلة الحرية والاستقلال والائتلاف الوطني الديمقراطي على مقعد واحد (لجنة الانتخابات المركزية – فلسطين 1996، ص 82).

بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد بشأن قضايا الحل النهائي في تموز / يوليو 2000 بين رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود براك، برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون، واندلاع انتفاضة الأقصى في 28 أيلول / سبتمبر 2000، تراجع تفاؤل الجمهور الفلسطيني بجدوى العملية السلمية. ففي استطلاع للرأي (رقم 1) أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أواخر تموز / يوليو 2000، أفاد 60% من أفراد العينة أنهم لا يتوقعون إمكان حدوث سلام دائم بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي (المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية تموز / يوليو 2000). وفي ضوء ذلك، تراجع تأييد “فتح” إلى 38% في مسح 2001، و33% في مسح 2006. في المقابل، وفي ضوء دور “حماس” الريادي في انتفاضة الأقصى (من حيث عدد الشهداء والمعتقلين والعمليات التفجيرية والاستشهادية)، زاد تأييد التيار الإسلامي (“حماس” والجهاد الإسلامي) في الضفة والقطاع في هذين المسحين، فاقترب من تأييد “فتح” في مسح 2001 (34% في مقابل 38%)، وتغلب عليه في مسح 2006 (47% في مقابل 33%).

 الجدول رقم 1

القائمة التي ينتخبها سكان الضفة الغربية وقطاع غزة البالغون لو جرت انتخابات المجلسالتشريعي الفلسطيني وشارك فيها جميع الفصائل والأحزاب الفلسطينية

(نسب مئوية)

التاريخ تشرين الأول / أكتوبر

1997

تموز / يوليو آب / أغسطس

2001

آذار / مارس

2006

آب / أغسطس

2009

آب / أغسطس

2016

“حماس” / الجهاد الإسلامي 20,4 34,0 47,3

 

18,3 22,4
“فتح” 52,9 38,1 32,7 45,8 37,9
أحزاب اليسار 5,2 2,2 2,4 2,1 7,0
مستقل 8,8 5,3 2,2 5,1 7,8
لن ينتخب 7,2 16,5 14,4 28,2 24,2
غير ذلك 5,5 3,9 1,0 0,5 0,7
المجموع%

العدد

100

1228

100

1281

100

1290

100

1202

100

1040

لم يستمر تعزز التيار الإسلامي خلال انتفاضة الأقصى طويلاً، فجرّاء الانقسام الفلسطيني الذي بدأ في صيف سنة 2007، والذي انقسم فيه النظام السياسي الفلسطيني إلى سلطتين: سلطة “حماس” في قطاع غزة، والسلطة الفلسطينية بقيادة “فتح” في رام الله، بدأ يتراجع تأييد هذا التيار، وخصوصاً “حماس”، فهبطت نسبة مؤيديه إلى 18% في مسح 2009، و22% في مسح 2016. ويعود ذلك أساساً إلى أن الجمهور الفلسطيني حمّل “حماس” المسؤولية عن الانقسام أكثر من تحميله “فتح” إياها، إذ أظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة النجاح الوطنية في الفترة 1 – 2 شباط / فبراير 2009، ونُشرت نتائجه في تشرين الأول / أكتوبر، أن 63%من أفراد العينة اعتقدوا أن حركة “حماس” ساهمت في تعميق الشرخ الداخلي، بينما اعتقد 49% أن حركة “فتح” هي التي ساهمت في تعميق هذا الشرخ (An-Najah National University, October 2009). واستمر في فترة الانقسام تحميل حركة “حماس” مسؤولية أكبر، ففي استطلاع آخر أجرته جامعة النجاح في 6 – 8 نيسان / أبريل 2012، أفاد 36% من أفراد العينة بأن حركة “حماس” غير معنية بتطبيق اتفاق المصالحة الذي وُقّع في الدوحة بينها وبين حركة “فتح”، بينما اعتقد 10% فقط أن حركة “فتح” هي الجهة غير المعنية بتطبيق الاتفاق (An-Najah National University, April 2012).

ويوضح الجدول رقم 1 أيضاً تلاشي أحزاب اليسار (وخصوصاً الجبهتين الشعبية والديمقراطية وفدا وحزب الشعب) في الضفة والقطاع في عهد السلطة الفلسطينية، إذ تراوح تأييد هذه الأحزاب معاً في المسوح الخمسة ما بين 2% و7% فقط، الأمر الذي ينسجم مع مجموع ما حصلت عليه قوائم اليسار (قائمة الشهيد أبو علي مصطفى؛ قائمة البديل؛ قائمة فلسطين المستقلة) في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في سنة 2006 (7 مقاعد من مجموع 132 مقعداً) (لجنة الانتخابات المركزية – فلسطين 2006). ومثلما ذكرنا سابقاً، فإن هنالك عوامل موضوعية، وأُخرى ذاتية، عديدة ساهمت في تراجع أحزاب اليسار الفلسطيني، ومن أهم العوامل الموضوعية اتفاق أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية اللذان ساهما في إضعاف مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وما ترتب على ذلك من تقليص للنفوذ الوطني لليسار (هلال 2009). وبين العوامل الذاتية عدم تكيف اليسار مع الوضع السياسي الجديد بعد أوسلو، إذ انتقلت أحزاب اليسار من العمل السياسي الجماهيري النضالي إلى تأسيس الجمعيات غير الحكومية، بحيث أصبح همّها تحصيل الأموال من الخارج لضمان استمراريتها (شحادة 2007).

 الحل النهائي الأفضل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي

رداً على سؤال عن الحل الأفضل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، أجاب الجزء الأكبر (34% – 52%) في المسوح الأربعة الأولى (1997 و2001 و2006 و2009)، أن الحل الأفضل للقضية الفلسطينية هو إقامة دولة إسلامية في كل فلسطين. ومؤيدو هذا الحل شكلوا النسبة الأكبر (52%) في مسح 2006 الذي أُجري بعد نحو شهرين من إجراء الانتخابات التشريعية الثانية التي فازت فيها حركة “حماس” بأغلبية المقاعد. ويبدو أن فشل مفاوضات كامب ديفيد في شأن قضايا الحل النهائي في تموز / يوليو 2000، واندلاع انتفاضة الأقصى، ساهما في تعزيز التيار الإسلامي في الضفة والقطاع، وتأييد برنامجه في إقامة دولة إسلامية في كل فلسطين. لكن جرّاء الانقسام الفلسطيني الذي بدأ في صيف سنة 2007، والذي انقسم فيه النظام السياسي الفلسطيني إلى سلطتين، سلطة “حماس” في قطاع غزة، والسلطة الفلسطينية بقيادة “فتح” في رام الله، شرع تأييد الأحزاب الإسلامية، وتأييد برنامجها الخاص بالدولة الإسلامية، يتراجعان، فهبطت نسبة الذين يفضّلون حل الدولة الإسلامية في كل فلسطين إلى 35% في مسح 2009، وإلى 24% في مسح 2016.

الجدول رقم 2

اتجاهات الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة

نحو حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في سنوات محددة

(نسب مئوية)

نوع الدولة السنة
1997   2001   2006   2009   2016
دولة إسلامية في كل فلسطين 34,2 43,6   51,8 34,6 23,8
دولة عربية في كل فلسطين 15,1 12,2   13,8 28,9 17,0
دولة علمانية ديمقراطية في كلفلسطين 6,5 1,8   3,3 3,3 2,7
دولة ثنائية القومية في كلفلسطين 1,7 3,8   3,4 5,8 9,3
دولة فلسطينية مستقلةبحسب تقسيم سنة 1947 7,6 6,3   11,5 10,0 12,0
دولة فلسطينية مستقلة فيالضفة والقطاع 28,7 22,9   14,5 14,8 27,8
كيان فلسطيني في الضفة والقطاع مرتبط كونفدرالياً مع الأردن 1,7 0,5   1,0 1,1 1,9
غيـر ذلـك 4,5 8,9   0,7 1,5 5,5
المجموع%

العدد

100

1385

100

1487

100

1482

100

1496

100

1130

من الواضح أن الجزء الأكبر من الجمهور الفلسطيني يفضل حلولاً غير واقعية للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وخصوصاً حَلَّي الدولة الإسلامية والدولة العربية في كل فلسطين. فالجدول رقم 2 يوضح أن نسبة الذين يفضلون هذين الحلّين ارتفعت، في ضوء فشل مفاوضات كامب ديفيد واندلاع انتفاضة الأقصى، من 49% في مسح 1997، إلى 56% في مسح 2001، وإلى 66% في مسح 2006، و64% في مسح 2009. لكن، مع تراجع شعبية التيار الإسلامي في العقد الأخير، انخفضت نسبة الذين يفضّلون حل الدولة الإسلامية أو العربية في كل فلسطين، فوصلت إلى 41% في مسح 2016. أمّا نسبة الذين يفضّلون حل الدولة الواحدة (المشتركة للعرب واليهود) في فلسطين، العلمانية الديمقراطية أو الثنائية القومية، وهو حل غير واقعي أيضاً في المدى المنظور، فهي بصورة عامة قليلة في المسوح الخمسة، وتتراوح بين 6% في سنة 2001، و12% في سنة 2016. ويعود ذلك أساساً إلى تخلّي منظمة التحرير الفلسطينية عن حل الدولة الديمقراطية في كل فلسطين في سنة 1988، وتبنّيها خيار الدولتين في فلسطين التاريخية، وبعد ذلك توقيع اتفاق أوسلو في سنة 1993، وما رافقه من اعتراف متبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.

بصورة عامة، يمكن القول إن أغلبية الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة تفضل، في المسوح الخمسة، حلولاً للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي تحافظ على وحدة فلسطين التاريخية، كحلّ الدولة الإسلامية أو العربية في كل فلسطين، أو حل الدولة الواحدة الديمقراطية أو الثنائية القومية، الأمر الذي يعني أن أقلية فقط، تتراوح في المسوح الخمسة ما بين 25% و40%، تفضل حلول التقسيم (أي تقسيم فلسطين إلى دولتين، إمّا بحسب حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، وإمّا بحسب تقسيم الأمم المتحدة في سنة 1947). وإذا ركزنا على حل الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، أي دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو الحل الذي تبنّته منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية في عهد أوسلو، فإن تفضيله قليل نسبياً، ويتراوح في المسوح الخمسة ما بين 15% في مسح 2006، و29% في مسح 1997.

 التأييد الحزبي والحل النهائي الأفضل

يوضح الجدول رقم 3 أن الحل الأفضل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي من وجهة نظر أغلبية مؤيدي التيار الإسلامي هو حل الدولة الإسلامية في كل فلسطين (57%)، يليه حل الدولة العربية في كل فلسطين (16%). أمّا الحل الأفضل من وجهة نظر الجزء الأكبر من مؤيدي “فتح” فهو قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة (43%)، يليه دولة عربية في كل فلسطين (16%)، ودولة فلسطينية مستقلة بحسب تقسيم 1947 (16%). وهكذا نرى أنه بينما يفضل نحو ثلاثة أرباع مؤيدي التيار الإسلامي إقامة دولة عربية أو دولة إسلامية في كل فلسطين (72%)، فإن أغلبية مؤيدي “فتح” تفضل إقامة دولة فلسطينية مستقلة في المناطق الفلسطينية المحتلة منذ سنة 1967، أو إقامة دولة فلسطينية مستقلة بحسب تقسيم 1947 (59%).

الجدول رقم 3

الحل النهائي الأفضل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي من وجهة نظر سكان الضفة الغربيةوقطاع غزة بحسب التأييد الحزبي، 2016

(نسب مئوية)

نوع الدولة “حماس” / الجهاد “فتح” أحزاب اليسار مستقل لن ينتخب المجموع
دولة إسلامية في كلفلسطين 55,6 9,9 9,1 15,8 29,3 25,2
دولة عربية في كلفلسطين 16,2 16,2 19,7 9,2 22,6 17,3
دولة ديمقراطية أوثنائية القومية 4,2 13,4 27,3 14,5 12,0 12,0
دولة فلسطينية بحسب تقسيم 1947 7,4 15,9 13,6 18,4 12,5 13,2
دولة فلسطينية فيالضفة والقطاع 13,8 43,3 30,3 36,8 21,2 30,2
كونفدرالية مع الأردن 2,8 1,4 5,3 2,4 2,1
المجموع%

العدد

100

216

100

365

100

66

100

76

100

204

100

931

بالنسبة إلى مؤيدي أحزاب اليسار والمستقلين، وكل منها يشكل أقلية صغيرة، فإنهم أقرب إلى “فتح” في تفضيلهم للحل النهائي، ذلك بأن الجزء الأكبر من هاتين الشريحتين يفضل دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع (30% و37% على التوالي). وتجدر الإشارة إلى أن مؤيدي أحزاب اليسار هم الأكثر تفضيلاً للدولة الواحدة، الديمقراطية أو الثنائية القومية (27%)، أمّا الذين أجابوا بأنهم لن يشاركوا في الانتخابات، فهم أقرب إلى التيار الإسلامي في تفضيلهم للحل النهائي، إذ ذكرت أغلبيتهم (52%) أنها تفضل دولة إسلامية، أو دولة عربية في كل فلسطين.

تأييد إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع

بعد أن أجاب أفراد العينة في مسحَي 2009 و2016 عن السؤال المتعلق بالحل النهائي الأفضل بحسب رأيهم للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، طُرح عليهم هذا السؤال: إذا تم الاتفاق على حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية، فهل تؤيد هذا الحل؟ وقد أجاب نحو ثلاثة أرباع المشاركين في المسح (74%) في مسح 2009 بأنهم يؤيدون، لكن في مسح 2016، وبعد اندلاع انتفاضة القدس (أو انتفاضة السكاكين)، وتعزز الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، فإن نسبة مؤيدي هذا الحل تراجعت إلى 51%.

الجدول رقم 4

تأييد حل إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدسالشرقية، إذا تم الاتفاق عليه، بحسب التأييد الحزبي، 2009 و2016

(نسب مئوية)

سنة المسح المؤشر “حماس” / الجهاد “فتح” أحزاب اليسار مستقل لن ينتخب المجموع
2009 لا يؤيد أو يؤيد إلى حد ما 45,0 21,3 20,0 21,0 27,8 27,4
يؤيد أو يؤيد بشدة 55,0 78,7 80,0 79,0 72,2 72,6
المجموع%

العدد

100

220

100

550

100

25

100

62

100

338

100

1195

2016 لا يؤيد أو يؤيد إلى حد ما 64,1 33,8 62,5 49,4 54,2 48,8
يؤيد أو يؤيد بشدة 35,9 66,2 37,5 50,6 45,8 51,2
المجموع%

العدد

100

231

100

393

100

72

100

79

100

240

100

1015

يوضح الجدول رقم 4 أن أغلبية المؤيدين لكل تيار سياسي في مسح 2009 كانت تؤيد حل إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية، إذا تم الاتفاق على هذا الحل بين الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، علماً بأن نسبة المؤيدين في التيار الإسلامي أقل منها لدى غيرهم. أمّا في مسح 2016، فتراجعت نسبة مؤيدي هذا الحل لدى جميع التيارات السياسية، وخصوصاً لدى مؤيدي أحزاب اليسار (من 80% إلى 38%)، والتيار الإسلامي (من55% إلى 36%). وبصورة عامة، بقي مؤيدو “فتح” في المسحَين أكثر تأييداً لهذا الحل من مؤيدي التيار الإسلامي، فهذا الجدول يوضح أيضاً أن مؤيدي “فتح” في مسح 2016 هم الأكثر تأييداً لحل الدولة الفلسطينية المستقلة من مؤيدي التيارات الأُخرى كافة.

 خاتمة

في الأعوام الأولى بعد اتفاق أوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية، وفي ضوء التفاؤل الذي عمّ قطاعات واسعة من الجمهور الفلسطيني بقرب إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، كان تأييد حركة “فتح” كبيراً في الضفة والقطاع. ففي مسح أجريناه على طلبة جامعة بيرزيت في حزيران / يونيو 1994، ورداً على سؤال: “لو جرت انتخابات عامة للمجلس التشريعي الفلسطيني، فلأي حزب تصوّت؟”، أجاب 41% أنهم يصوتون لـ “فتح”؛ 26% لأحزاب اليسار (الجبهتان الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب)؛ 12% للتيار الإسلامي (“حماس” والجهاد الإسلامي)؛ 21% لمرشحين مستقلين (Mi’ari 1999, p. 345). وتنسجم مع هذا الجو التفاؤلي نتائج مسح 1997 التي أظهرت أن أفراد العينة كانوا في معظمهم (53%) مؤيدين لـ “فتح”، و20% فقط كانوا مؤيدين للتيار الإسلامي. وقد استمر هذا الجو التفاؤلي بأن العملية السياسية ستؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع، على الرغم من فوز حزب الليكود في انتخابات الكنيست في سنة 1996، وتشكيل حكومة إسرائيلية يمينية برئاسة بنيامين نتنياهو. ففي استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في الضفة والقطاع (استطلاع رقم 26) في آذار / مارس 1997، تبيّن أن 65% من أفراد العينة متفائلون بالنسبة إلى المستقبل، وأن 50% يعتقدون أن العملية السلمية ستقود إلى دولة فلسطينية، وذلك على الرغم من عدم ثقتهم بأهداف الحكومة الإسرائيلية (Palestinian Center for Policy and Survey Research 1997).

ولم يستمر طويلاً تفاؤل الجمهور الفلسطيني بقرب إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وإنما تلاشى بعد فشل قمة كامب ديفيد بين ياسر عرفات وإيهود براك، واندلاع انتفاضة الأقصى في سنة 2000، وساد بين الجمهور الفلسطيني اليأس والإحباط والإحساس بعدم جدوى “عملية السلام” مع إسرائيل، الأمر الذي شكّل تربة خصبة لتراجع تأييد حركة “فتح”، وتعزيز تأييد التيار الإسلامي في أعوام الانتفاضة الثانية، والأعوام القليلة التي تلتها. وقد انعكس ذلك بوضوح في فوز حركة “حماس” بأغلبية المقاعد في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية في سنة 2006، كما انعكس في نتائج مسحَي 2001 و2006، اللذين تساوى فيهما تقريباً التأييد الشعبي لحركة “فتح” وللتيار الإسلامي في مسح 2001، بينما تفوق تأييد التيار الإسلامي على تأييد “فتح” في مسح 2006.

بعد حدوث الانقسام في النظام السياسي الفلسطيني بين حكومة “حماس” في غزة والسلطة الفلسطينية في رام الله، في صيف سنة 2007، وذلك بعد مواجهات عسكرية عنيفة بين الأجهزة الأمنية للطرفين، أخذت شعبية “حماس” تتراجع، في مقابل تعزّز شعبية “فتح”. ويعود ذلك أساساً، مثلما أوضحنا سابقاً، إلى أن الجمهور الفلسطيني حمّل “حماس”، أكثر من “فتح”، المسؤولية عن الانقسام. وبذلك عادت “فتح” خلال الانقسام الفلسطيني لتمثل الحركة الأكثر شعبية في الضفة والقطاع، مثلما يظهر في نتائج مسحَي 2009 و2016.

وبالنسبة إلى الاتجاهات نحو الحل الأفضل للقضية الفلسطينية، فقد أفاد الجزء الأكبر في المسوح الأربعة الأولى، بأن الحل الأفضل هو إقامة دولة إسلامية في كل فلسطين، علماً بأن نسبة الذين يفضّلون هذا الحل كانت أكبر في مسحَي 2001 و2006، أي في فترة انتفاضة الأقصى وبعدها بأعوام قليلة، إذ تعزز في تلك الفترة التيار الإسلامي الداعي إلى إقامة دولة إسلامية في كل فلسطين. ويبدو أن فشل مفاوضات كامب ديفيد في سنة 2000، فيما يتعلق بحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، كان سبباً رئيسياً في ذلك. وبعد حدوث الانقسام الفلسطيني في صيف سنة 2007، وتراجع شعبية التيار الإسلامي، بدأ يتراجع أيضاً تأييد حل الدولة الإسلامية في كل فلسطين، وتفوّق عليه بقليل في مسح 2016 تأييد حل الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة والقطاع (28% في مقابل 24%).

يتضح من نتائج المسوح الخمسة أن معظم الجمهور الفلسطيني في الضفة والقطاع يفضل حلولاً للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي تحافظ على وحدة فلسطين التاريخية. فعلاوة على حل الدولة الإسلامية في كل فلسطين، وهو الحل الأكثر تفضيلاً، هنالك مَن يفضل حل الدولة العربية في كل فلسطين، وهنالك مَن يفضل حل الدولة الواحدة، الديمقراطية أو الثنائية القومية، في كل فلسطين، الأمر الذي يعني أن أقلية فقط، تتراوح في المسوح الخمسة ما بين 25% و40%، تفضل حلول التقسيم (أي تقسيم فلسطين إلى دولتين، إمّا بحسب حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، وإمّا بحسب تقسيم الأمم المتحدة في سنة 1947). ومن ناحية أُخرى، فإن عدم تفضيل حل الدولتين في فلسطين لا يعني أن الجمهور الفلسطيني يرفض هذا الحل، فردّاً على سؤال في مسحَي 2009 و2016 عن مدى تأييد إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية، إذا وافقت الأطراف على ذلك، أجاب أغلبية الأفراد في المسحَين (74% و51% على التوالي) أنهم يؤيدون هذا.

أوضحنا في هذه الدراسة أن هنالك علاقة بين تأييد الفلسطينيين في الضفة والقطاع للأحزاب، وبين الحل النهائي الذي يفضله أو الذي يؤيده للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. فأغلبية مؤيدي التيار الإسلامي (56%) في مسح 2016، تفضل حل الدولة الإسلامية في كل فلسطين، بينما تفضل أغلبية مؤيدي “فتح” إمّا دولة فلسطينية في الضفة والقطاع (43%)، وإمّا دولة فلسطينية بحسب تقسيم 1947 (16%). ويلاحَظ أن مؤيدي أحزاب اليسار، وكذلك المستقلين، هم أقرب إلى “فتح” في تفضيلهم للحل النهائي، كما أن مؤيدي “فتح” في هذا المسح كانوا الأكثر تأييداً لحل الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية.

من الواضح أن جميع حلول الدولة الواحدة في فلسطين، أكانت دولة إسلامية أم عربية أم علمانية ديمقراطية أم ثنائية القومية، هي حلول غير واقعية على المدى المنظور، كما أن حل الدولتين أصبح اليوم أيضاً غير واقعي بسبب تمسّك إسرائيل بسياستها الكولونيالية الاستيطانية في الضفة الغربية. فالتطورات التي طرأت على القضية الفلسطينية منذ توقيع اتفاق أوسلو حتى اليوم، والمتمثلة في تزايد عدد المستعمرات والمستوطنين، وإصرار إسرائيل على الحفاظ على مستعمراتها في الضفة الغربية، واعتبار غور الأردن حدوداً أمنية لها، وإبقاء القدس موحدة، وإقامة الجدار العنصري الذي ابتلع مساحات واسعة من الأراضي العربية، وتمزيق الضفة الغربية إلى مناطق (أو كانتونات) غير متواصلة، وعزل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وأخيراً سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المنحازة بصورة كاملة إلى التيار اليميني في إسرائيل (مثلما انعكست في نقله السفارة الأميركية في أواسط أيار / مايو 2018 من تل أبيب إلى القدس، واعتباره أن المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية “لا تعوق عملية السلام”، وإعلانه في سنة 2020 “صفقة القرن” التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية)، وما أعقب ذلك من تسابق عربي لعقد اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل، هذه التطورات كلها تؤكد استحالة إقامة دولة فلسطينية مستقلة على كامل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة.

ومع أن جميع الحلول المذكورة (الدولة الإسلامية أو العربية في فلسطين؛ الدولة الديمقراطية الليبرالية أو الثنائية القومية في فلسطين؛ حل الدولتين في فلسطين) تشترك في عدم واقعيتها في المدى المنظور، إلّا إننا نرى أن أكثر هذه الحلول عدلاً وإنصافاً لسكان فلسطين التاريخية، عرباً ويهوداً، هو حل الدولة الديمقراطية الواحدة، أكانت ديمقراطية ليبرالية، أم ثنائية القومية. صحيح أن تفضيل هذا الحل لا يزال قليلاً لدى الجمهور الفلسطيني في الضفة والقطاع، وهو يتراوح في المسوح الخمسة ما بين 6% في مسح 2001، و12% في مسح 2016، وذلك بسبب صيغة السؤال الذي يطلب تفضيل حل واحد من مجموعة حلول ممكنة، ولو طُرح على الجمهور الفلسطيني سؤال وحيد عن مدى تأييده حل الدولة الواحدة في فلسطين، لكانت نسبة المؤيدين أكبر. ففي استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (استطلاع رقم 65) في تشرين الأول / أكتوبر 2017، أفاد 31% من أفراد العينة بأنهم يؤيدون حل الدولة الواحدة في فلسطين (المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية 2017). وبما أن حل الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين هو أكثر الحلول عدلاً وإنصافاً لسكان فلسطين، العرب واليهود على حد سواء، وبما أن حل الدولتين في فلسطين أصبح اليوم غير واقعي بسبب سياسة إسرائيل الكولونيالية الاستيطانية، فإننا نرى ضرورة إحياء الحل الذي كانت قد تبنّته حركة التحرر الوطني الفلسطينية قبل نكبة 1948 وبعدها، بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية حتى تبنّيها حل الدولتين في “إعلان الاستقلال” في سنة 1988، والذي نص على قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشريف، وهو ما أدى إلى انخراط المنظمة في اتفاق أوسلو في سنة 1993. ويبدو أن مهمة إحياء فكرة الدولة الواحدة تقع أولاً على أحزاب اليسار الفلسطيني، لأنها الأكثر تفضيلاً لهذا الحل.

المراجع

 بالعربية

إبراش، إبراهيم (15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016). “قراءة استردادية لإعلان وثيقة الاستقلال الفلسطينية”. موقع حزب الشعب الفلسطيني، في الرابط الإلكتروني.

باومغرتن، هلغى (2006). “من التحرير إلى الدولة: تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، 1948 – 1988”. ترجمة محمد أبو زيد. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية / مواطن.

جامعة النجاح الوطنية (4 شباط / فبراير 2009). “نتائج استطلاع الرأي العام الفلسطيني رقم (37)”، في الرابط الإلكتروني.

جرابعة، محمود (2010). “حركة حماس: مسيرة مترددة نحو السلام”. رام الله: المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية.

جرار، ناجح (1994). “اللاجئون الفلسطينيون: مدخل للمراجعة واستقراء للمستقبل”. القدس: الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية (PASSIA).

الجولاني، عاطف (10 / 5 / 2005). “ظاهرة التطرف في المنطقة.. محاولة جديدة للقراءة والفهم”، في الرابط الإلكتروني.

الدجاني، أحمد. “مفهوم التطرف: قراءة في شروط الوسطية والاعتدال”. موقع “الإسلاميون”، 31 / 3 / 2015، في الرابط الإلكتروني.

 زريق، إيليا (1997). “اللاجئون الفلسطينيون والعملية السلمية”. ترجمة محمود شريح. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

 الزغبي، سلوى (2 / 10 / 2017). “حكومة الوفاق الفلسطينية.. الأولى من نوعها تنفيذاً لـ ‘اتفاق الشاطىء’ “، في الرابط الإلكتروني.

شحادة، ميشيل (2007). “أزمة اليسار الفلسطيني”. موقع “الجزيرة”، في الرابط الإلكتروني.

الشريف، ماهر (ربيع 2007). “إشكاليات ما بعد فشل مسار أوسلو: وقفة عند بعض السجالات الفكرية”. “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد 70، ص 16 – 31.

شعبان، حسين (صيف 1994). “ماذا يقول الفلسطينيون في لبنان؟” “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد 19، ص 177 – 195.

عرجان، محمد عبد الله (2006). “صورة الدولة في الخطاب السياسي الفلسطيني الرسمي، 1964 – 2005”. رسالة ماجستير غير منشورة. بيرزيت: جامعة بيرزيت، برنامج علم الاجتماع.

غازيت، شلومو (ربيع 1995). “قضية اللاجئين الفلسطينيين: الحل الدائم من منظور إسرائيلي”. “مجلة الدراسات الفلسطينية”، العدد 22، ص 78 – 113.

“القدس العربي”. “الانقسام الفلسطيني.. جذور ‘أيديولوجية’ عمرها ربع قرن واتفاقيات على الورق”. 10 تشرين الأول / أكتوبر 2017، في الرابط الإلكتروني.

لجنة الانتخابات المركزية – فلسطين (1996). “الديمقراطية في فلسطين: الانتخابات الفلسطينية العامة لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية وأعضاء المجلس التشريعي لعام 1996″، في الرابط الإلكتروني.

لجنة الانتخابات المركزية – فلسطين (30 / 1 / 2006). “النتائج النهائية لانتخابات القوائم”، في الرابط الإلكتروني.

لجنة الانتخابات المركزية – فلسطين )13 أيار/ مايو 2017 ). “نتائج الانتخابات التشريعية 2006″، في الرابط الإلكتروني.

اللحام، ناصر (8 أيار/ مايو 2012). “لماذا يتقدم اليسار عالمياً وينحسر في فلسطين؟”. موقع “معاً”، في الرابط الإلكتروني.

المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية (2007). “وثيقة إعلان الاستقلال”، رام الله: المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية.

المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. نتائج “استطلاع الرأي العام رقم 1” (27 – 29 تموز / يوليو 2000). في الرابط الإلكتروني.

 المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (أيلول / سبتمبر 2013). “نتائج استطلاع الرأي العام رقم – 49″، في الرابط الإلكتروني.

المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. “نتائج استطلاع الرأي العام رقم – 65” (14 – 16 أيلول / سبتمبر 2017)، في الرابط الإلكتروني.

المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. “نتائج استطلاع الرأي العام رقم – 76” (17 – 20 حزيران / يونيو 2020)، في الرابط الإلكتروني.

مركز القدس للإعلام والاتصال JMCC (2000). “نتائج استطلاعات الرأي حول مفاوضات الوضع النهائي وإعلان الدولة الفلسطينية، رقم 37”. رام الله: مركز القدس للإعلام والاتصال.

مركز المعلومات الوطني الفلسطيني – “وفا”. “الدورة الثامنة، 28 شباط / فبراير 1971″، دون تاريخ، في الرابط الإلكتروني.

موسوعة “الجزيرة” (1 أيار / مايو 2017). “وثيقة المبادىء والسياسات العامة لحركة حماس”، في الرابط الإلكتروني.

“الموسوعة الفلسطينية” (16 أيلول / سبتمبر 2013). “أوسلو والاتفاقيات الفلسطينية – الإسرائيلية”، في الرابط الإلكتروني. 

“الموسوعة الفلسطينية” (28 تشرين الأول / أكتوبر 2015أ). “المجلس الوطني الفلسطيني”، في الموقع الإلكتروني.

“الموسوعة الفلسطينية” (28 تشرين الأول / أكتوبر 2015ب). “الميثاق الوطني الفلسطيني”، في الموقع الإلكتروني.

ميعاري، محمود (2008). “اتجاهات الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة نحو حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي”. “التراث والمجتمع” (رام الله)، العدد 48، ص 9 – 50.

نعيرات، رائد وسليمان بشارات (2016). “النظام السياسي الفلسطيني: إشكاليات الإصلاح وآليات التفعيل”. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، ويمكن الاطلاع عليه في الرابط الإلكتروني.

نوفل، ممدوح (2004). “تطور الموقف الفلسطيني من حل قضية اللاجئين 1964 – 2004”. مدونة ممدوح نوفل، في الموقع الإلكتروني.

هلال، جميل (1998). “النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو: دراسة تحليلية نقدية”. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية / مواطن.

______ (2006). “التنظيمات والأحزاب السياسية الفلسطينية: بين مهام الديمقراطية الداخلية والديمقراطية السياسية والتحرر الوطني”. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية / مواطن.

_____ (2009). “اليسار الفلسطيني إلى أين؟”. موقع “لِمَ لا؟”، في الرابط الإلكتروني.

بالإنجليزية

An-Najah National University (October 2009). Results of Palestinian Public Opinion Poll no. 39.

 An-Nalah National University (April 2012). Results of Palestinian Public Opinion Poll no. 44.

Mi’ari, Mahmoud (May 1999). “Attitudes of Palestinians toward Normalization with Israel”. Journal of Peace Research, vol. 36, issue 3, pp. 339-348.

 Palestinian Center for Policy and Survey Research (March 1997). CPRS Public Opinion Poll 26.

المصادر

[1] افتُتحت مفاوضات الحل النهائي لأول مرة في 4 / 5 / 1996، لكنها توقفت بعد فترة قصيرة مع تشكيل بنيامين نتنياهو حكومة إسرائيلية يمينية برئاسته. ثم افتُتحت المفاوضات مرة أُخرى في 13 / 9 / 1999، واستؤنفت في تموز / يوليو 2000 في كامب ديفيد، وشارك فيها رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود براك والرئيس الأميركي بيل كلينتون. وبعد فشل مفاوضات كامب ديفيد واندلاع انتفاضة الأقصى في أواخر أيلول / سبتمبر 2000، توقفت مفاوضات الحل النهائي، ولا تزال متوقفة حتى اليوم.

[2] من ناحية منهجية هذا سؤال غير جيد لأنه غير واضح وغير محدد، ولأن خياراته غير حصرية (not exclusive). والسؤال لا يركز على قضية واحدة، وإنما يخلط بين قضايا متنوعة (وخصوصاً بين مكان الدولة وقضية اللاجئين).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى