الانتخابات الفلسطينيةمقالات

عاصفة الانتخابات: لماذا هذا الاهتمام بالشباب؟

 أحمد أسعد | مؤسسة الدراسات الفلسطينية

يتمحور الاهتمام السياسي الفلسطيني بالشباب في المرحلة الانتخابية الحالية لعدد من الأسباب، منها: أن هناك ما يقارب المليون ناخب هم من فئة الشباب (18-31) عاماً لم ينتخبوا من قبل، وهو رقم أقل بقليل من عدد اللذين صوتوا في انتخابات 2006 الذين بلغ عددهم مليوناً و42 ألف ناخب، وعدد الأشخاص الذين يحق لهم الانتخاب وفق آخر التقديرات نهاية سنة 2020 يبلغ 2.883 مليون ناخب؛[1] أي أن ما يقارب ثلث الناخبين هم من فئة الشباب. ويُعتبر الشباب جزءاً من الكتلة الصامتة الكبيرة التي تحسم نتائج الانتخابات، وهم يعانون مشكلات متعددة مثل البطالة وانعدام الفرص وفقدان العدالة الاجتماعية وغيرها من المشكلات المرتبطة بالسلوك السياسي لمراكز الحكم الفلسطيني. وهناك تخوف من جانب مراكز الفعل السياسي في الأحزاب الفلسطينية من ترشيح رموز حزبية سياسية غير مقبولة لدى المجتمع الفلسطيني، لذلك يلجؤون إلى طرح الشباب كبديل. إلى جانب عوامل أُخرى مثل قدرة الشباب على العمل الميداني والدعائي، وقدرتهم على التحرك والنشاط بشكل أفقي داخل المجتمع وتجمعاتهم السكنية، وحث محيطهم الاجتماعي على المشاركة في الانتخابات. وربما تتجه بعض الأحزاب إلى طرح قائمة شبابية وتدعمها كمخرج من أزماتها المتعددة.
يعود الاهتمام بفئة الشباب في المجتمع الفلسطيني إلى مراحل سابقة، وهو غير مرهون بالانتخابات، فقبل إعلان مرسوم الانتخابات بتاريخ 15/1/2021 كان الاهتمام بفئة الشباب كموضوع ربما وليس كفاعل، فقد عُقدت مجموعة من المؤتمرات وورشات العمل سابقاً عن الشباب وقضاياهم، وكُتب العديد من الكتب والدراسات عنهم، ومؤخراً أصدر أحمد عزم، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بيرزيت، كتاباً بعنوان “الشباب الفلسطيني من الحركة إلى الحراك 1908- 2018” خصصه لدراسة الشباب وفعلهم خلال قرن من الزمن، بالإضافة إلى عدد من الأطروحات لنيل درجات علمية.
وقد صممت مجموعة من المؤسسات والمراكز البحثية برامج تدريبية تستهدف الشباب، إلى جانب ارتباط عدد من المؤسسات غير الحكومية باسمها ومجال تركيزها على الشباب. ويصف الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، المجتمع الفلسطيني بأنه مجتمع فتي تبلغ نسبة الأفراد فيه (65 سنة فأكثر) 3.3%،[2]  وأن جزءاً أساسياً من مكون الهرم السكاني هم من الشباب. لكن يبقى سؤال الشباب محيراً ومربكاً في الحالة الفلسطينية، كون التصنيف الإحصائي للشباب، لا يتطابق مع النظرة السياسية لمفهوم الشباب، فالعمر السياسي للشباب ليس ذاته العمر السكاني/ الإحصائي للشباب وفق المقياس السكاني.
لقد صرح عدد من السياسيين الفلسطينيين بأن القوائم الانتخابية ستضم وجوهاً جديدة وشبابية، والبعض يرى في النظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي (اعتبار الضفة وغزة دائرة انتخابية واحدة)، فرصة للشباب والنساء والمستقلين لولوج العملية الانتخابية ترشيحاً، ولاحقاً الفوز وفق توصيفهم بأن نظام التمثيل النسبي يتيح هامشاً للفئات المهمشة لخوض العملية الانتخابية. لكن تجربة الانتخابات البلدية في أكثر من موقع أثبتت أن هذه الفئات سواء الشباب أو النساء يتم تمثيلهم وفق أدنى حد في القوائم البلدية، وأعتقد أن المسالة ستكون كذلك في القوائم المترشحة للمجلس التشريعي الفلسطيني في انتخابات 2021، والأمر مرهون باتفاق القاهرة ومخرجاته، فتقارب الأحزاب أو ربما افتراقها في الاجتماع سيكون له تأثير إيجابي أو سلبي في مسألة ترشيح الشباب في القوائم.
ربما لا تُعبر الخطابات السياسية وبلاغتها الانتخابية وعملية التجييش للانتخابات عن واقع الحال الفلسطينية فيما يتعلق بالشباب ومسألة ترشيحهم، ويمكن الذهاب إلى عدد من المؤشرات التي يمكن من خلالها التقاط بعض ملامح الخيال السياسي الفلسطيني، فمثلاً، أفرز المؤتمر السابع لحركة فتح سنة 2016 لجنة مركزية متوسط أعمار أعضائها آنذاك 64 عاماً.[3]  أمّا آخر لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية فقد بلغ معدل أعمار أعضائها 68 عاماً.[4]  وبالنسبة إلى حركة “حماس” فإن متوسط أعمار أعضاء المكتب السياسي الحالي هو 60 عاماً.[5]  أمّا متوسط أعمار الحكومة الثامنة عشر التي يرأسها محمد اشتية فقد بلغ 60 عاماً.[6]  وتبيّن هذه المؤشرات أن متوسط الأعمار لأعضاء أهم أربعة مراكز سياسية فلسطينية وهي: اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، اللجنة المركزية لحركة “فتح”، مجلس الوزراء الفلسطيني، المكتب السياسي لحركة “حماس”، يبلغ ما يقارب 63 عاماً؛ وهذا مؤشر يؤكد أن فئة الشباب التي تتحدث عنها حركتا “فتح” و”حماس” وبعض الأوساط الفلسطينية هي فئة “الشباب” أو الحرس الجديد في تلك التنظيمات وجزء من الحرس القديم، وهؤلاء تجاوزوا متوسط أعمار الشباب وفق التركيب السكاني الفلسطيني، أي أن الشباب في الخيال السياسي الفلسطيني ليسوا ذاتهم الشباب وفق المقياس السكاني.
تضعنا صورة الواقع القيادي السياسي الحالي، وربما هي الحال كذلك في الهيئات الحزبية الأُخرى والمؤسسات الأهلية والعامة وغيرها، من ناحية التشابه مع أهم الهيئات السياسية الفلسطينية، مع وجود بعض الاستثناءات هنا وهناك. أي أن الحديث عن تضمين القوائم بالشباب هو جزء من الدعاية الانتخابية، وربما تطعّم بعض القوائم بوجوه انتخابية شبابية محسوبة على مراكز الفعل السياسي الفلسطيني في الأحزاب والهيئات السياسية الأُخرى، لكن لا أتوقع أن يحصل الشباب داخل القوائم على نسبة تفوق كوتا المرأة التي لا تتجاوز 26% من القائمة الانتخابية.
إن رهانات القوائم الشبابية أو القوائم الأُخرى مرتبطة بقوة بنياتهم وشبكات علاقاتهم وإمكاناتهم على أرض الواقع، أمّا الشباب وقوائمهم الشبابية فربما لا تمتلك من الحظوظ والرهانات ما يمتلكه الحزبان الكبيران ورؤيتهما لتمثيل الشباب. ويمكن الاستدلال على وهن وهشاشة الحراكات الشبابية الفلسطينية منذ 2011-2020 في بنية قواها وخطابها وسلوكها، واتخاذها شكل حراكات لم تتمكن من مأسسة بنيتها على شكل تجمع، أو حركة لها ماكينتها الإعلامية وشبكة علاقاتها الزبائنية التي تمكنها من تمثيل الشباب والتحدث باسمهم، وفي حال خوضهم الانتخابات بقائمة انتخابية شبابية أو بالشراكة مع قوائم أُخرى، فلا يمكنهم ذلك من تحقيق نتائج لافتة في ظل هيمنة الحزبين الكبيرين “فتح” و”حماس” على ماكينة إعلامية وشبكة علاقات ونفوذ ومصالح وقوى لا يمتلكها الشباب ولا الحراكات الشبابية التي تفتقر إلى أدوات النجاح في الانتخابات.
تبقى رهانات الشباب وقدراتهم على اختراق القوائم الانتخابية، مرهونة باجتماع القاهرة في شباط/فبراير القادم، فالتفاهمات أو الخلافات ربما تدفع جزءاً من الشباب إلى قوائم الحزبين الكبيرين أو تقصيهم، وما زالت الخطابات تتغنى بالشباب كونهم قوة انتخابية كبيرة، ولهم وزن انتخابي لا يمكن تهميشه، ويبقى الشباب كقوة انتخابية أو كجيش انتخابي من دون قيادة مركزية أو عنصر شبكي يجمعهم، ولا يخفى أن للشباب طموحاتهم ورهاناتهم على الانتخابات، وعلى مستقبلهم السياسي والمهني والحياتي، لكن الرهانات والطموحات مرهونة بالبنى والروافع التي تحسم عمليات الترشيح والانتخاب.

[1] عبد الجبار الحروب، “ورقة حقائق حول الانتخابات الرئاسية والتشريعية”، مركز مسارات، 21 كانون الثاني/ يناير 2021.
[2] كتاب فلسطين الإحصائي السنوي 2020. رام الله: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. 2020، ص 20.
[3] “64 عاماً.. متوسط أعمار أعضاء مركزية فتح”، جريدة “الأيام”، 5/12/2016.
[4] جهاد حرب، “نميمة البلد: 68 سنة متوسط أعمار أعضاء اللجنة التنفيذية الجديدة”، “دنيا الوطن”، 4/5/2018.
[5] احتسب الباحث أعمار المكتب السياسي وأخرج المتوسط الحسابي.
[6] “باحث فلسطيني يعرض البنية السياسية والاجتماعية لأعضاء الحكومة الثامنة عشر”، “دنيا الوطن”، 14/4/2019.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى