الانتخابات الفلسطينيةمقالات

المقدسيون والمشاركة في الانتخابات الفلسطينية: المحتوى والآليات

وليد سالم | مؤسسة الدراسات الفلسطينية

ترتب على اتفاقيات أوسلو الأولى (١٩٩٣) والثانية (١٩٩٥) تعقيدات لا حصر لها للفلسطينيين المقدسيين المقيمين تحت حكم الاحتلال الإسرائيلي الكامل في المنطقة التي تسمى قدس 1، وذلك خلال المرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تنتهي بحل نهائي يشملهم سنة ١٩٩٩، وزادت هذه التعقيدات تفاقماً على تفاقم مع عدم تحقق هذا الحل النهائي حينذاك، وبالتالي تمديد المرحلة الانتقالية حتى اليوم على الرغم من تواتر عدد من الجولات التفاوضية بشأن ما أطلق عليه اسم “الحل الدائم”، إذ فشلت هذه الجولات جميعاً.
خلال هذه السنوات الثماني والعشرين التي مضت منذ نص اتفاق أوسلو على تأجيل بحث قضية القدس إلى المفاوضات النهائية، تفاقمت الحالة المستحكمة في القدس الشرقية، فقد وصلت عملية تهويد الأرض وفرض المؤسسات الإسرائيلية على المدينة وطرد المؤسسات الوطنية منها إلى مرحلة غير مسبوقة، واشتملت صفقة القرن على اختراع أماكن توراتية لم تكن قائمة أصلاً في القدس أبد الدهر كما بين ذلك تقرير صادر عن مؤسسة عيمق شافيه الإسرائيلية، كما تجري محاولات لتقسيم الحرم الشريف بادعاء إبراهيميته وبالتالي أهميته للأديان السماوية الثلاثة. هذا فيما تستشري عمليات تغيير المكان والأرض والفضاء والمشهد في أرجاء المدينة كافة، ويجري التخطيط للانتقال من مشروع “القدس الموحدة” إلى مشروع “القدس الكبرى” الممتدة شمالاً إلى منتصف الطريق نحو نابلس وجنوباً حتى مشارف مدينة الخليل، وشرقاً حتى البحر الميت.
يغطي الاحتلال هذا التوسع الاستيطاني الاستعماري المحموم بهدايا مسمومة مثل التأمين الصحي والتأمين الوطني، وكذلك دعوة الفلسطينيين المقدسيين إلى المشاركة في الانتخابات البلدية الإسرائيلية بعدما تم حل البلدية الفلسطينية للمدينة بعد أيام من احتلال ١٩٦٧، وهي دعوة لم تلقَ صدى لدى المقدسيين، إذ لم تتعدَ نسبة مشاركتهم في الانتخابات بلدية ١ و ٣ بالمئة. ومن جهة أُخرى منع الاحتلال شمول القدس في الانتخابات البلدية الفلسطينية بعدما حل بلدية القدس الفلسطينية (أمانة القدس) سنة ١٩٦٧.
أمّا فيما يتعلق بالانتخابات التشريعية والرئاسية فقد أصر الاحتلال على أن تجري في قدس ١ الخاضعة بشكل كامل للاحتلال في  مكاتب البريد التابعة للبريد الإسرائيلي فقط، وترسل منها بمظاريف بريد لا تحمل أي شارة أو أي رمز فلسطيني، وأن يكون عدد المصوتين بما لا يزيد على القدرة الاستيعابية لمكاتب البريد الخمسة التي تم تحديدها لانتخابات سنة ١٩٩٦ وتمت زيادتها إلى ستة مكاتب بريدية سنة ٢٠٠٦. وبناءً على هذه التقييدات صوت ٥٣٢٧ مقدسياً فقط في مكاتب البريد للانتخابات التشريعية والرئاسية سنة ١٩٩٦، وصوت ٦٣٠٠ منهم في الانتخابات التشريعية سنة ٢٠٠٦ بحسب إحصاءات لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، بينما صوت مئات آخرون  فقط من مقدسيي قدس ١ في مراكز الاقتراع الفلسطينية في قدس ٢.  وخلال الانتخابات سيجت مكاتب البريد في قدس ١ بحواجز شرطية إسرائيلية على كل مداخلها وحولت إلى ثكنات عسكرية، كما سرت شائعات كثيرة مفادها أنه سيتم سحب الهوية المقدسية من كل من يشارك من المقدسيين في الانتخابات الفلسطينية. لم يخف المقدسيون من هذه الإجراءات، بقدر ما أغاظهم حجم الإهانة التي نجمت عن هذه الترتيبات، وهو ما نجم عنه في المقابل تدني نسبة إقبال مقدسيي قدس ١ على التصويت في الصناديق الفلسطينية في قدس ٢.
لم تكن هذه الصيغة لمشاركة المقدسيين في الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية مهينة فحسب، لكنها أيضاً انطوت على أبعاد أوسع جعلت المقدسيين يستنكفون أكثر عن المشاركة بها بكثافة، ولعل أهم هذه الأبعاد يتعلق بما يمثله المجلس التشريعي للمقدسيين في ضوء كون هذا المجلس هو الهيئة التي تشرع وتراقب عمل وتسائل سلطة وطنية فلسطينية انتقالية لحكم ذاتي وممنوعة من جانب إسرائيل ووفق الاتفاقيات أن يكون لها دور بينهم. فبعد اتفاق أوسلو ١ سنة ١٩٩٣، وأوسلو ٢ سنة ١٩٩٥ أصدرت إسرائيل قانونين حملا الاسم نفسه وهو “قانون تطبيق الاتفاقية المرحلية بشأن الضفة وغزة”، واشتمل القانونان على قيود تمنع عمل السلطة الوطنية الفلسطينية في القدس، بينما سُمح لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية بالاستمرار في العمل في المدينة، وذلك حتى سنة ٢٠٠١ حين تم إغلاق “بيت الشرق” المؤسسة الرئيسية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، بالإضافة إلى إغلاق ١٣ مؤسسة أُخرى تابعة لها في المدينة.
أثارت هذه الحيثيات أسئلة مقدسية عديدة في ضوء الإعداد لانتخابات فلسطينية جديدة، منها: ماذا قدم أعضاء المجلس التشريعي في الدورات السابقة للقدس؟ هل ستسمح إسرائيل لأعضاء المجلس التشريعي والسلطة بالعمل في القدس؟ وماذا تقدم السلطة الوطنية الفلسطينية للمدينة؟ وبناءً عليه، هل هو مجدٍ أن يشارك المقدسيون في الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة ٢٠٢١؟
فيما يتعلق بالمجلس التشريعي، فإن نظامه الداخلي ينص على أنه يقوم بسن القوانين، ومنح الثقة للحكومة وحجبها عنها، ومساءلتها، وإقرار خططها وموازناتها العامة، كما يتضمن النظام الداخلي ( المواد ١٠٠- ١٠٤) قيام المجلس التشريعي بتلقي شكاوى المواطنين أفراداً وجماعات وبحثها ضمن لجانه ومتابعتها مع الحكومة.
وبالنسبة إلى أعضاء القدس في المجلس التشريعي الأول، فقد قاموا ومعهم بقية أعضاء المجلس التشريعي بسن “قانون القدس العاصمة” ( قانون رقم ٤ لسنة ٢٠٠٢) والذي لم ينص على اعتبار القدس عاصمة لفلسطين فقط، لكنه نص أيضاً على اعتبار القدس منطقة تطوير “أ”، وتخصص لها الموازنات اللازمة بهذا الاتجاه. كما كان المجلس التشريعي قد ناقش “قانون أمانة القدس العاصمة” في القراءات الثلاث ورفعها إلى الرئيس عرفات سنة ٢٠٠٤ الذي قرر تأجيل إصدار القانون “لأسباب سياسية”، كما كتب بخط يده على نص القانون. وعوضاً عن ذلك كان لبعض أعضاء التشريعي الأول مكاتب في القدس حيث كانوا يلتقون المواطنين ويتلقون شكاواهم ويتفاعلون معهم، وبقيت هذه المكاتب قائمة إلى أن أغلقها الاحتلال . أمّا المجلس التشريعي الثاني الذي انتخب سنة ٢٠٠٦ فقد كان حظه أقل من المجلس الأول فيما يتعلق بإقرار قوانين تخص القدس، إذ قام الاحتلال باعتقال أعضاء “حماس” في هذا المجلس وسحب هوياتهم المقدسية في وقت لاحق ، كما أن الانقسام الفلسطيني في سنة ٢٠٠٧ أدى إلى شل عمل المجلس التشريعي وعدم تمكينه من القيام بعمله سواء تجاه القدس أو غيرها من المحافظات. وترتب على هذا الشلل إعادة قضايا القدس إلى  منظمة التحرير، إذ قرر الرئيس محمود عباس تعيين أمانة للقدس سنة ٢٠١٢( وكانت أمانة سابقة قد عينها الرئيس ياسر عرفات سنة ١٩٩٨)، كما قرر المجلسان الوطني والمركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية سنة ٢٠١٨ “إعادة انتخاب وفرز أمانة القدس وفق أفضل صيغة ديمقراطية وتمثيلية،” وهو قرار لا يزال ينتظر التطبيق على الواقع.
من ناحيتها، فإن السلطة الوطنية تصرف موازنات في القدس لا يعلن عنها كلها خشية إجراءات احتلالية تطال المشاريع والبرامج التي يتم دعمها، وفي عهد حكومات سلام فياض بين ٢٠٠٧- ٢٠١٣ أعلن بعض هذه المشاريع في التقارير الربعية للحكومة. ومع دخول الموازنة الفلسطينية مرحلة الأزمة في السنوات التالية صار دعم السلطة الوطنية للقدس مرتبطاً بتوفر الأرصدة والأموال. ولا يعني هذا أن كل شيء على ما يرام وأنه لا يوجد تقصير مالي تجاه القدس، وهو أمر يحتاج إلى مقال مستقل عن أوجه التقصير القائمة.
إذاً، لم يقم أعضاء التشريعي بدورتيه ولا السلطة، بمسؤولياتهما كاملة تجاه القدس سواء لقصورات ذاتية أو نتاجاً في الأغلب لممارسات الاحتلال المترتبة على الاتفاقات المعقودة والتي تمنع أفعال ونشاطات السلطة في القدس طالما لا يوجد حل نهائي يشملها.
مع الانتخابات الفلسطينية لسنة ٢٠٢١ من المتوقع لهذه التعقيدات أن تزيد تفاقماً، وخصوصاً بعد صفقة القرن ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وقبول دولتي الإمارات العربية المتحدة والبحرين الدخول إلى القدس عبر البوابة الإسرائيلية. وفي ظل ذلك كله فإنه من غير المعروف بعد إذا ما كانت إسرائيل ستقبل بعقد الانتخابات التشريعية داخل القدس. والأكثر تعقيداً هو انتخابات الرئاسة الفلسطينية التي نص المرسوم الرئاسي للانتخابات على أنها انتخابات لرئاسة دولة فلسطين، وهو الأمر الذي قد لا تقبل به إسرائيل لأنه لم يتم التوصل إلى اتفاق على إقامة دولة فلسطين عبر المفاوضات بعد. بمعنى آخر، قد لا تقبل إسرائيل إجراء انتخابات تشريعية تنطوي على تمديد فترة الحكم الذاتي في الضفة وعلى تأجيل موضوع القدس تفاوضياً، لكنها أكثر من ذلك أيضاً، قد ترفض إجراء انتخابات بعد ذلك لرئاسة دولة فلسطين لأنه لم يتفق على هذه الدولة في المفاوضات.
في إطار ذلك يجدر التساؤل عن أي انتخابات مناسبة للقدس؟ في ضوء الأسئلة المقدسية أعلاه لا تبدو انتخابات تشريعية لتمديد فترة الحكم الذاتي مناسبة للمقدسيين ولا سيما أنهم غير مشمولين بمنطقة الحكم الذاتي المتفق عليها في أوسلو ١ و٢، وبالتالي فإن السلطة ممنوعة من العمل بينهم ومعهم، كما أن صيغة كهذه ستكون مهينة لهم إذا ما وافقت عليها إسرائيل وهو أمر مستبعد، إذ إنها ستوجه قسماً محدوداً منهم للتصويت في مكاتب البريد داخل مدينتهم، بينما يكون على معظم المقدسيين السفر للتصويت في مناطق الضفة الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية في المناطق المسماة ” قدس ٢”.
من جهة أُخرى فإن الصيغة الأمثل للمقدسيين في ظل عدم إمكان تحقيق تطلعاتهم الوطنية في إطار انتخابات لتمديد  الحكم الذاتي المفروض إسرائيلياً، هي مشاركتهم مباشرة في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني الذي يجسد تطلعاتهم الوطنية، كونه يمثل الشعب الفلسطيني بأسره في أماكن وجوده كافة. لكن تقف أمام هذه الصيغة عقبة متمثلة في النظام الانتخابي الفلسطيني الذي ينص على أن أعضاء التشريعي بمن فيهم المقدسيون يلتحقون بالمجلس الوطني الفلسطيني تلقائياً بمجرد انتخابهم للمجلس التشريعي. وإذا كان لا مناص من ذلك فهل من فرصة لجعل الانتخابات التشريعية في القدس محطة لمعركة شاملة مع الاحتلال على طريق التحرر الوطني  تتضمن آليات لعقدها في القدس، على الرغم من رفضه، عن طريق تمثيل المقدسيين في المجلس التشريعي والأهم المجلس الوطني الفلسطيني الذي ينضم إليه أعضاء المجلس التشريعي وذلك لتحقيق تطلعاتهم الوطنية التي يمثلها المجلس الوطني الفلسطيني؟ ينطبق الأمر ذاته على شمول القدس في الانتخابات البلدية الفلسطينية إذ لم تعقد فيها منذ سنة ١٩٦٧، وآن الأوان لعقدها والانتخابات التشريعية والرئاسية في القدس ضمن آلية مواجهة مع الاحتلال وبالتعاون مع مؤسسات الأمم المتحدة والبعثات الدبلوماسية الموجودة في القدس الشرقية، وذلك من أجل تحقيق الترابط بين القدس وسائر المحافظات الفلسطينية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى