الانتخابات الفلسطينيةمقالات

كيمياء الانتخابات وتفاعلاتها

إبراهيم الشاعر | جريدة القدس

عندما يتم الإدلاء بجميع الأصوات وفرزها في الانتخابات القادمة، سيكون للنتائج آثاراً عميقة وربما طويلة الأمد على العديد من مجالات الحياة في فلسطين وستشكل مستقبل السياسة والاقتصاد والنظام الاجتماعي، بما في ذلك التعليم؛ هذه معطيات تضاعف من المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتق الجميع بضرورة التعامل مع هذه العملية الانتخابية بأمانة ومصداقية ﻟضمان نجاحها، بعيداً عن أية أحكام سلبية مسبقة أو مصالح شخصية وحزبية ضيقة أو أية أجندات خفية لا صلة لها بالمصلحة الوطنية.
هنا بالطبع تتجلى مسؤولية الفصائل في ضرورة تغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الضيقة واختيار الأفضل في قوائمها الانتخابية وفق معايير مهنية وموضوعية. من المهم التوضيح أن ترسيخ دعائم نظام سياسي ديمقراطي في فلسطين يتطلب وجود مسؤولين منتخبين يقدسون مؤسساتهم، ويحترمون القانون والدستور، ويعملون على إيجاد حلول بناءة تتضمن المشاركة مع كل الأطراف المعنية، والاعتماد على الحقائق والعلم لابتكار إجابات براغماتية لمشاكل وتحديات صعبة.
وبنفس القدر من الأهمية تقع على كاهل الناخب أمانة حسن الاختيار؛ نحن هنا لسنا في مجال التوصية بطرف على آخر، لكن يمكن للناخب احداث التغيير المطلوب من خلال الحرص على عدم الوقوع في فخ الوعود الكبيرة والكلام المعسول والتحقق من سيرة كل مرشح ومؤهلاته وقدرته على تقديم الحلول للمشاكل. كما يتحمل كل من تُسول له نفسه فكرة الترشح أدبياً ووطنياً مسؤولية التيقن من امتلاكه المعرفة والخبرة والقدرة والمهارات اللازمة للقيام بهذه المهمة على أكمل وجه، في اطار القناعة بأن هذه الانتخابات وسيلة لتحقيق أهداف وطنية نبيلة تتمثل بتعزيز الهوية الوطنية وبترسيخ دعائم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية والشفافية والمساءلة والمساواة، وليست غاية لتحقيق مصالح خاصة وتلبية رغبات أنانية للوصول الى الجاه والسلطة.
المشهد الفلسطيني لا يحتمل أي قول ضار أو فعل سلبي يمكن أن يزيده تعقيداً، خصوصاً خلال العملية الانتخابية وما قد يصاحبها من مزيدات وشائعات وما قد يقابلها أحياناً من معالجات ارتجالية وسطحية مغلفة بتصريحات نارية متناقضة وضعيفة بغض النظر عن مصدرها أو دافعها أو سببها (قلة الخبرة، السذاجة، الثرثرة، حب الظهور، الشعبوية، أو الانفعال الزائد …)، فهي ببساطة ستكون وصفات ليس فقط لفقدان المصداقية والثقة والهيبة والاحترام وانما ستكون أدوات لتقليل فرص التفاهم والتسامح ولإحباط العمل الحقيقي وضرب للخطط والاستراتيجيات وإرباك للمشروع الوطني.
في هذا العالم المتسارع الذي لا يرحم خاسراً ولا ينتظر متثاقلاً، ومع هذا الاحتلال الغاشم وموازين القوى الدولية الظالمة، من الضروري استثمار هذه الفرصة الثمينة لرسم ملامح مستقبل أكثراً اشراقاً واستقراراً ولتحصين الجبهة الداخلية من أية شوائب أو أخطاء ولتوجيه البوصلة بعناية نحو الهدف المنشود. حشر القضايا المختلفة في سلة واحدة دون تحديد للأولويات بشكل موضوعي ودقيق لم يعد منطقياً، واستمرار الانقسام لم يعد محتملاً، وتهويل قضايا هامشية مرتبطة بمصالح ثانوية عابرة يمكن تجاوزها أو تهوين قضايا مهمة ومصيرية مرتبطة بالمصالح الحيوية العليا يصعب تطويق أثارها لأجيال قادمة لم يعد مقبولاً.
ربما يكون بعضاً من هذه السلوكيات غير مقصود أحياناً، ولكن استمرار هذا المشهد يسهم بوعي أو دون وعي في زعزعة الثقة بين مكونات المجتمع وخدش جوهر المواطنة ويخدم بالمحصلة أجندات خفية، ويفتح الباب واسعا أمام حملات التشويه والتشكيك التي لا تتقن سوى تضخيم الصغير من الأمر وتقزيم الكبير منه، ناهيك عن التدخلات الخارجية المسيسة والموجهة لزرع بذور الفتنة، لنصل الى مرحلة صعبة نبدو فيها أحيانا بلا طعم أو نكهة وتضيع فيها الحقيقة والمنطق ويختلط الحابل بالنابل، وحالنا بالطبع لا يحتمل ذلك، مما يلحق الأذى بالمصلحة الوطنية العليا ويعيق عمليات البناء والتنمية ويطفئ بريق الأمل وجذوة العمل. أعتقد أنه من الحكمة عند اتخاذ أي قرار أو مواجهة أية مشكلة أن نفكر ونركز كثيراً قبل أن نتحدث أو نتصرف، لنضمن أن يكون ما نقوله ونفعله هادفاً ومؤثراً ونافعاً. لا جدوى من اهدار الوقت والجهد في اطلاق الشعارات والخطابات الرنانة .. الأفعال الملموسة أجدى وأقوى!
يمكننا اليوم أن نتفاءل ولو بحذرلأن تكون الانتخابات القادمة تجربة مؤثرة لترسيخ دعائم نظام سياسي ديمقراطي مستقر وقوي، مدعوم بالدستور والقانون ووعي المواطن، ومحصن من خلال:

(1) وضع الولاء والانتماء الوطني فوق كل الاعتبارات حفاظاً على سمو الوطن وتعزيزاً لفكرة المواطنة المدعومة بالمساواة في الحقوق والواجبات في اطار احترام حريات الآخرين وخصوصياتهم ومعتقداتهم وتقاليدهم وأفكارهم، مع الحرص على غرس ذلك في عقول الجيل الجديد وتربيتهم بالقدوة الحسنة التي تجسدها شخصيات وطنية مخلصة وقادرة على البذل والعطاء والبناء.

(2) تحديد العلاقة بين المنظمة والسلطة بشكل واضح ودقيق، بحيث تمتلك المنظمة شرعية التمثيل السياسي وتتحمل السلطة مسؤوليات العمل الاداري والخدماتي.

(3) الالتزام باجراء انتخابات حرة ونزيهة بشكل دوري ومنتظم وفق القانون واحترام التداول السلمي للسلطة بناء على نتائجها لتعزيز إحساس كل مواطن بمواطنته وبكونه مصدر السلطات.

(4) اعتماد العمل المؤسسي الرصين المبني على رؤية عميقة واستراتيجية شاملة تضمن وضوح الهدف ودقة التخطيط وحسن التنفيذ والحسم في معالجة الأزمات بناءً على تقييم مهني موضوعي شفاف، ملزم لجميع الأطراف لتأدية أدوراهم وتحمل مسؤولياتهم وفق المصلحة الوطنية والقانون وأسس البناء الديمقراطي وخصوصاً مبدأ فصل السلطات؛

(5) اعتماد ثقافة الإنجاز كمعيار لتحفيز المبدعين والمنجزين وثقافة المساءلة للمخفقين والمقصرين في عملهم، بعيداً عن التهوين أو التهويل أو المحاباة.

(6) تقبل إجراء نقد ذاتي دوري ننظر من خلاله إلى ذاتنا بعقلانيّة وموضوعية في اتخاذ القرارات وتقدير الظروف المحيطة والامكانيات المتاحة والعلاقات الفاعلة لاستثمارها ما أمكن لصالح الوطن والمواطن.

مرة أخرى كلنا أمل أن تكون كيمياء الانتخابات الفلسطينية المقبلة وتفاعلاتها محسوبة جيداً من حيث المُتفاعلات والمحفزات والنسب لنصل الى النتائج المرجوة، وأن تكون مدخلا لترتيب البيت الفلسطيني وإرساء دعائم الديمقراطية وتقوية العمل بالقانون والدستور وفق أخلاقيات الانتماء والمواطنة، وفي اطار التسامح والتضامن ومنطق الحوار، وطيً صفحة العناد والمناكفة، ووضع حد لظاهرة التفنن في خلق الذرائع المتجددة للخلاف. قضية فلسطين أمام استحقاقات تاريخية تتطلب انتماء وطني راسخ ورؤية موحدة وعمل مشترك يعزز مواطنة مبنية على منظومة من الحقوق والواجبات … مواطنة جوهرها حب الوطن واستعداد لا محدود لتقديم الغالي والنفيس من أجل فلسطين. مسؤولية ادارة شؤون العباد ثقيلة وأمانة فلسطين أثقل، والنهوض بهما معا يتطلب شراكة قوية مبنية على الاخلاص والتوافق والتفاهم.
بهذا يمكن ضمان الحد الأدنى من متطلبات بناء وطن جامع ودولة ناجحة وعقلية متطورة تواكب العصر وترعى المبدعين والمجتهدين وتستقطبهم، وتحفز الجميع للإسهام بصدق وانتماء في معركتي البناء والتحرير. وبهذا سنحقق معا ما هو أفضل لنا ولأطفالنا، فعلى المستوى الفردي سيكون المناخ أكثر تعزيزاً للمواطنة الحقيقية كنظام حقوق وواجبات، وعلى المستوى الجمعي سيكون المناخ أكثر تحفيزاً للتعاون والتفاهم والوحدة الوطنية، وأكثر الزاماً للحكومة لإتقان دورها في ادارة شؤون العباد والبلاد وتطبيق القانون والدفاع عن المصلحة الوطنية، كما سيكون أكثر تنشيطاً للمعارضة لتحمل مسؤولياتها ومراقبة أداء السلطة التنفيذية وضبط ايقاع ممارساتها في اطار احترام القانون والقيم والمبادئ والثوابت الوطنية، بعيداً عن وهم احتكار الصواب او غير ذلك من الذرائع والمبررات الواهية التي أوجعت الوطن كثيراً وعمقت الجراح اكثر فأكثر. هذا على الأقل ما هو مطلوب داخليا. أما خارجياً فشعبنا الذي أظهر دائماً صموداً اسطورياً وأثبت أنه يمتلك الصبر والإرادة والطاقة المتجددة سينجح لا محالة في اغتنام الفرصة المواتية التي ستأتي عاجلاً أم أجلاً باذنه تعالى لانتزاع حقوقه الشرعية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى