الشؤون الإسرائيليةمقالات

اليمين الإسرائيلي يحفر قبر دولته

عماد أبو عوّاد| مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

تعميق التجاذب من قبل اليمين الإسرائيلي في المجتمع الصهيوني، ليس مرتبط فقط بجانب تأثيره على طبيعة الجيش الصهيوني، بل بات من الواضح أنّ تحول الحريديم إلى بيضة القبان في حكومات اليمين وتحديداً الأخيرة منها، بات يُعمق من جانب آخر حجم الشتات والتشرذم داخل المجتمع الصهيوني.

وبعيداً عن حالة فرض التديين وتأثيرها على المجتمع الصهيوني، هُنا سيتم التركيز على تأثير عدم دمج الحريديم من ناحية الاقتصاد الإسرائيلي، حيث من المعلوم أنّ الجزء الأكبر من شباب الحريديم لا يتجندون للجيش، وكذلك لا يعملون بل يتفرغون لتعلّم التوراة، الأمر الذي يترك غالبيتهم دون عمل، وكذلك دون خبرة مهنية أو عملية تدفع عجلة الاقتصاد، لذلك فإنّ غالبية الحريديم تحت خط الفقر.

اليوم تبلغ نسبة الحريديم من المجتمع الصهيوني 10%، غالبيتهم من الشباب، بمعنى أنّ نسبة الحريديم من فئة الشباب ترتفع لأكثر من 15% وفق مركز الدمقراطية الإسرائيلي[1]، الأمر الذي يعني أنّ هناك نسبة آخذة في الازدياد من الجيل الشاب غير المنتج، سيكون لها انعكاسات كبيرة على الاقتصاد الإسرائيلي.

حيث وفق بيانات قطاع الهايتك (الصناعات العليا المتقدمة) فإنّ هذا القطاع بات يواجه خطراً حقيقياً، هذا الخطر سيتعاظم في حال عدم قدرة الحكومة الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي دمج الحريديم في أسواق العمل المختلفة[2]، حيث هناك 10 آلاف شاغر وظيفي لا يتم ملئها!، والسبب نسبة الشباب المرتفعة من الحريديم اللذين لا يتوجهون للتعليم المهني المتقدم.

وأضافت نفس المُعطيات أنّ نسبة النمو في قطاع الهايتك، أقل ب50% بالمقارنة مع النمو في أي قطاع آخر[3]، وهذا القطاع وحده يحتل نسبة 50% من مجموع الصادرات الإسرائيلية. وفي ظل نقص الجيل الشاب المهني في هذه القطاعات فإنّ “إسرائيل” سترى نفسها في العقد القادم خارج صفوف الدول المتقدمة في هذا المجال، إلى جانب عدم القدرة على افتتاح شركات ضخمة عابرة للقارات، وهذا كلّه وفق نفس المصدر أعلاه.

بعد 20 عاماً من الآن ستكون نسبة الحريديم في المجتمع الصهيوني حوالي 30%!، بمعنى أنّ نفس النهج الذي تتبعه الطائفة الآن، وتوافق عليه الحكومات الإسرائيلية وتحديداً اليمينية منها، سيُدخل دولة الاحتلال في دائرتين، الأولى نقص في الإنتاج والايدي العاملة المهنية، والثاني ارتفاع نسبة الفقراء، بسبب رفض الحريديم الاندماج في مجتمعهم.

مؤخراً، وفي الوقت الذي كانت المفاوضات الائتلافية الحكومية في ذروتها قبل انهيارها، كشفت التقارير أنّ الاتفاق مع الحريديم بحزبيهم (شاس ويهودات هتوراة)، ضار جداً بالاقتصاد الإسرائيلي، حيث أكدت تلك التقارير أنّ تشكيل حكومة يمينية، كان هاجساً لنتنياهو بغض النظر عن انعكاسات تلك الحكومة على الواقع الداخلي باتجاهاته المختلفة.

من بين ما كشفته الاتفاقات أنّ الحريديم قد حققوا زيادة على مخصصاتهم التعليمية، التي لا تشمل تعليم المواد الأساسية كالعلوم واللغة الإنجليزية، وهذا وفق شاحر ايلان سيكون على حساب بقية الفئات في المجتمع، والتي ستجد نفسها أمام رفع نسبة الضرائب[4]، ليس لفائدة المجموعة العامة، إنّما دعماً لفئة لا تُريد العمل، وباتت تفرض توجهها على مجتمع كامل.

 

هذا يأتي في ظل ارتفاع نسبة هجرة العقول من “إسرائيل”، حيث وفق بحث قدمه رئيس مركز شوريش لأبحاث الاقتصاد البروفيسور دان بن دود، فإنّه مقابل كل عقلية تأتي للعيش في الكيان، هناك 4.5 حالة تُهاجر هجرة عكسية[5]، من بينهم 9% من المهندسين، واللذين وضعوا غلاء المعيشة في المرتبة الأولى كطارد لهم من الكيان.

ومن خلال ربط المُعطيات فيُمكن فهم دور اليمين الإسرائيلي في التسبب بذلك، فهو من الناحية الأولى بات بسلوكه وموافقته للحريديم، يحرم السوق من شريحة واسعة من الأيدي العاملة، شريحة نسبتها آخذة بالتمدد في المجتمع الصهيوني، بمعنى أنّ التأقلم معها مستحيل لأنّها تتوسع، ومن الجانب الآخر فإنّ الحكومات تلجأ لرفع الضرائب، الأمر الذي يتسبب بغلاء للمعيشة، ودفع شريحة واسعة للهرب من الدولة.

هذا يُضاف إلى حقيقة أنّ التذمر الواسع في المجتمع الصهيوني، بات يُرفع تحت شعار “على الجميع تحمل الأعباء في الدولة”، وعلى الحريديم أخذ دورهم وتخفيف وطأتهم عن الصندوق العام الذي بات مرهقاً بسببهم، فليس من المنطقي أنّ هناك فئة تعمل لصالح غيرها، الذي يتفرغ فقط للعبادة والتوراة، ويتحكم بذلك سياسياً.

[1]  https://www.idi.org.il/media/11852/haredim-2018-summary.pdf

[2]  https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001246506

[3]  https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001246506

[4]  https://www.calcalist.co.il/local/articles/0,7340,L-3762945,00.html

[5]  https://www.calcalist.co.il/local/articles/0,7340,L-3763206,00.html

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق