الفكرالقضية الفلسطينية

نحو إعادة المعنى للمسألة الفلسطينية

جميل هلال | مركز دراسات الوحدة العربية

مقدمة:
مهمة هذا المقال توضيح أن اللغة السياسية الفلسطينية الدارجة راهنًا بين القوى السياسية الفلسطينية تفتقد فهمًا موحدًا للمسألة الفلسطينية (وبالتالي للقضية الوطنية الفلسطينية). بل يمكن رصد مفهومين أساسين (وهنا مفهوم ثالث سأتطرق إليه بإيجاز). وتتمثل مهمة هذا المقال في كشف الفرضيات التي يستند إليها كل من المفهومين، وتداعياتها على مواقف القوى السياسية والفكرية وفي تحديد مركبات المأزق الوطني واستراتيجيات الانفكاك منه.
الفهم الأول الذي ظهر بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 – وإن وجد في الموقف الفلسطيني الرافض لقرار التقسيم عام 1947 والخروج القسري من الأردن عام 1971 والتوتر بين المقاومة الفلسطينية والجيش اللبناني عام  1972 – محفزات أو مسوِّغات له ينطلق من القبول بتقسيم فلسطين جغرافيًا إلى دولتين، ولذا يتبنى إقامة دولة فلسطينية على جزء من فلسطين. في البداية لم يحدد هذا التوجُّه حدود دولة فلسطين العتيدة مستندًا إلى الشرعية الدولية التي تضمنها قرار التقسيم عام 1947. لكن حرب حزيران/يونيو عام 1967 (واحتلال بقية فلسطين)، ومن ثم حرب عام 1973 وانتفاضة عام 1987، لفتت الانتباه إلى خصوصيات الأراضي التي احتُلت عام 1967. لذا لم ترسم، في البداية، الدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية على جزء من فلسطين التاريخية حدود هذه الدولة ولا اعترافًا صريحًا بإسرائيل وبحقها في الوجود. هذه العملية ترسمت لاحقًا في اتفاق أوسلو عام 1993، وإن هيّأت لها قرارات المجلس الوطني في عام 1988 والتحولات الإقليمية (اتفاق كامب دايفيد بين مصر وإسرائيل، وحروب الخليج) والمتغيرات الدولية (انهيار الاتحاد السوفياتي). ستناقش هذه الورقة أيضًا مدلولات هذا الموقف على فهم المسألة الفلسطينية وانعكاساته على فهم المأزق الوطني الفلسطيني وسبل وإمكان الخروج منه.
ينطلق الفهم الثاني من عدة اعتبارات؛أولها، عدم القبول بمبدأ تقسيم فلسطين الذي فُرض من مراكز قوى خارجية وعبر تعرّض فلسطين لاحتلال استعماري استيطاني مدعوم من إمبراطورية ذات نفوذ إمبريالي واسع وتسيطر على فلسطين ودول أخرى في المنطقة، ومن خلال ممارسة الحركة الصهيونية تطهيرًا عرقيًا لفلسطين وتأسيس دولة إسرائيل على 78 بالمئة من مساحتها بالقوة، وطرد نسبة عالية من سكانها الأصليين.
هناك اعتبارات أخرى تشجع الفهم الثاني، منها انكسار مسعى بناء دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على جزء من فلسطين (الضفة وغزة). وهو ما استهدفته قيادة منظمة التحرير من اتفاق أوسلو ومن اعترافها بحق إسرائيل في الوجود؛ لكن الاتفاق فشل في وقف الاستعمار الاستيطاني، بل نمّاه بإقراره بالرواية الصهيونية المسوِّغة لاستعمار فلسطين واستيطانها وتطهيرها من سكانها الأصليين وتحويلهم إلى لاجئين وتجريدهم من حقوقهم الأساسية. ويرى هذا المفهوم أن ما هو قائم الآن على أرض فلسطين التاريخية هو دولة فصل عنصري (أبارتايد)، وأن الصهيونية فشلت في حل المسألة اليهودية، بل فاقمتها من خلال ممارسة الاضطهاد والتشريد والتمييز والتطهير العرقي ومن وضع شعب آخر (الشعب الفلسطيني) في «غيتوات»؛ ولأن نسبة عالية من اليهود في العالم تعيش خارج إسرائيل ومندمجة في مجتمعاتها؛ ولأن المجتمع الإسرائيلي[2] مجتمع يتسم بانقسامات متنافرة (بهذا القدر أو ذاك) عموديًا وأفقيًا؛ ولأن الفلسطينيين سواء الذين يقيمون في وطنهم الأم (على أرض في فلسطين التاريخية) – وهم لم يعودوا أقل عددًا من اليهود الإسرائيليين – يجمع أغلبيتهم التمسك بحقوقهم وبهويتهم الفلسطينية العربية ويتطلعون إلى ممارسة حقهم في تقرير المصير والعودة والمساواة التامة. يطرح هذا الفهم أن حل المسألة الفلسطينية (والمسألة اليهودية) حلًا عادلًا ومنصفًا يستدعي إقامة دولة ديمقراطية واحدة على أرض فلسطين التاريخية تضم الفلسطينيين (بمن في ذلك الذين في الشتات) واليهود الإسرائيليين؛ على قاعدة المساواة التامة في الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وعلى قاعدة تفكيك النظام الاستعماري الاستيطاني والتخلي عن الصهيونية بوصفها أيديولوجيا استعمارية عنصرية، شهدت تحولات مهمة وبخاصة بعد عام 1967 حيث حصل «تنحٍ متدرج للمستعمرة كفكرة علمانية قومية مقابل هيمنة متصاعدة للمستعمرة الدينية، وصلت إلى ذروتها بإزاحة مركبات الدولة المدنية والمواطنة والديمقراطية الاستعمارية لمصلحة تلك الاستيطانية الدينية والهوية القبلية، مثلما تجلّت في قانون القومية اليهودية مؤخرًا، ثم في صفقة القرن»[3]. وما يطرحه هذا الفهم يمثل مشروعًا نضاليًا يجمع بين الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين وتدعمه القوى والمؤسسات الديمقراطية في العالم.
هناك فهم ثالث ينطلق من اعتبار فلسطين وقفًا إسلاميًا، لن يناقش هنا كونه يقع خارج سياق المسألة الفلسطينية لأنه يحول الإسلام إلى دين وقومية، وهو ما قامت به الصهيونية إزاء فهمها لليهودية. وينظر إلى الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على أنه صراع عقائدي ديني لا سياسي-تحرري[4].
أولًا: المسألة الفلسطينية وتوصيفها احتلالًا للضفة والقطاع
ليس من الهيّن معرفة كيف تسلل هذا المفهوم إلى الوعي السياسي الفلسطيني، وقد نجد تكويناته البدائية في مراجعة الموقف الفلسطيني الرافض لقرار التقسيم مقابل موقف الحركة الصهيونية التي وافقت لأسباب تكتيكية، إذ رأت أن ذلك يخدم هدف تأسيس دولتها على أرض فلسطين. لكن ينبغي البحث عن المحركات الفعلية لولادة فكرة دولة فلسطينية على جزء من فلسطين (بجوار إسرائيل)، ليس في قرار التقسيم نفسه (هذا جاء ربما لتسويغ الفكرة وليس لتوليدها)، بل نجدها في تجربة المقاومة الفلسطينية وإطارها التنظيمي – السياسي منظمة التحرير، التي تولت بناء الحقل السياسي الفلسطيني بعد سيطرتها على المنظمة التي تألفت بقرار عربي رسمي ولاعتبارات عربية دولاتية (من الدولة). وكما يعرف الجميع فقد نشأت أطر وهيئات المنظمة خارج أرض فلسطين التي باتت كلها تحت الاحتلال بعد حرب حزيران/يونيو 1967. ولأن قيادة وأطر الحقل السياسي الفلسطيني باتت تقيم في محيط دولاتي عربي، كان متوقعًا أن يطرأ توتر بين حقل تشكله حركة تحرر وطني لها منطقها واعتباراتها وأنشطتها التي تخدم أهدافها، وبين وحقل تشكله دولة لها حدودها ومفهومها السيادي واعتباراتها الأمنية والاقتصادية وعلاقاتها الدولية وسياساتها التي تسيّر في خدمة نظام الحكم ومصالحه وأمنه.
وهذا في الواقع ما حصل، فقد دخل حقل منظمة التحرير، كحقل يحركه ويقوده هدف التحرر الوطني، في حالة من الصراع والتنافر مع نظم الحقول الدولاتية التي نشط فيها بتكويناته المختلفة (التنظيمية والسياسية والعسكرية والإعلامية واللوجستية)، وبخاصة حيث توافر قاعدة بشرية للحقل (مخيمات فلسطينية ووجود بشري داعم لهدف التحرر). هذا حدث في الأردن (في عامَي 1970 و1971)، وفي لبنان (في ربيع 1973 حين وقعت اشتباكات ضد المقاومة قادها الجيش اللبناني، ثم تفجّر الحرب الأهلية التي قادها أحزاب اليمين اللبناني ضد الوجود الفلسطيني في لبنان عام 1975 واستمرت حتى 1982) ومع النظام في سورية (في عام 1976 وبعد عام 1982). كما رأينا تعبيراته في دول أخرى، وبخاصة في مصر السادات حيث أعطى النظام الأولوية لمصالحه، وفق رؤيته وتوجهاته المحلية والإقليمية والدولية، وهو ما تجسد في اتفاق كامب دايفيد، الذي تجاهل منظمة التحرير مانحًا أولوية لاتفاق سلام مع إسرائيل الدولة التي ترى في منظمة التحرير عدوًا عليها سحقه، وهو ما سعت له، بعد مدة قصيرة من اتفاقها مع مصر، في غزوها للبنان ومحاصرة مؤسسات وقادة ومقاومي المنظمة لما يقرب من ثلاثة أشهر في صيف عام 1982. وبعد خروجهم من بيروت سعى قادة النظام في سورية وبدعم من النظام الليبي، وتواطؤ من غيرهما لاحتواء المنظمة، أي تحويلها من وجود تحرري إلى مجرد مؤسسات وأجهزة تابعة. وعندما فشل الاحتواء تم اعتماد الإضعاف والحصار المالي والسياسي واللوجستي، بما في ذلك إدارة حرب ضد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين كما حدث في لبنان (عام 1985).
ما سبق يشير إلى أن الجغرافيا السياسية التي أحاطت بمنظمة التحرير – منذ نشأتها – كان لها دور حاسم في الضغط على المنظمة وتوجيهها نحو هدف التحول بأسرع ما يمكن إلى كيان دولاتي، وهو ما حدث. لقد ساهم في إسراع سير المنظمة باتجاه التحول إلى كيان دولة، حرب تشرين عام 1973 والحديث عن انسحاب إسرائيل من أراض احتلتها عام 1967، والتساؤل حول مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة السياسي، ومسؤولية منظمة التحرير عن هذا المستقبل. بتعبير آخر، رفض عودتهما إلى الوضع الذي ساد قبل عام 1967 (أي عودة الضفة الغربية إلى الحكم الأردني، وغزة إلى الحكم المصري). من هنا برنامج ما سمي «النقاط العشر» الذي تبنّاه (وإن من دون إجماع) المجلس الوطني عام 1974 ودعوته إلى قيام سلطة وطنية «مقاتلة» على الأراضي الفلسطينية التي تتحرر. لكن تبني مشروع دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل وعلى أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة عجّل في بلورته إبعاد منظمة التحرير من قواعدها في لبنان، والانتفاضة الشعبية في أواخر عام 1987 التي أبرزت انتقال مركز ثقل الفعل الوطني إلى الضفة الغربية وقطاع غزة. وجاء إعلان الدولة الفلسطينية في المجلس الوطني في أواخر عام 1988 ليعلن قيام دولة فلسطينية على جزء من أرض فلسطين.
الجديد في اتفاق أوسلو ليس إعلان القبول بدولة على الأراضي الفلسطينية التي احتُلت عام 1967، ومن دون أن يقابله إعلان اسرائيل اعترافها بدولة فلسطينية ذات سيادة على هذه الأراضي. الجديد في أوسلو هو إقرار منظمة التحرير رسميًا بالرواية الصهيونية من خلال اعترافها بحق إسرائيل في الوجود على أرض فلسطين، مقابل مجرد قبول إسرائيل بالتفاوض مع منظمة التحرير حول مستقبل الأراضي المحتلة عام 1967 (من دون الاعتراف بمكونات الشعب الفلسطيني). لقد تعاطت إسرائيل مع السلطة الفلسطينية بوصفها سلطة حكم ذاتي محدودة الصلاحيات وفق تحديدات إسرائيل لهذه الصلاحيات. لقد أغفل اتفاق أوسلو علاقات القوة بين الطرفين وتحكّمها في صيرورة الاتفاق وحصيلته.
لقد أدخل اتفاق أوسلو تحوّلًا جذريًا على الرواية التاريخية الفلسطينية الرسمية. صحيح أن النكبة تبقى حدثًا يتم إحياء ذكراه سنويًا، لكن ليس كجزء من عملية الظلم التاريخي الذي لحق، وما زال، بالشعب الفلسطيني. في الرواية الرسمية وفق خطاب السلطة الفلسطينية وخطاب منظمة التحرير (بما في ذلك مسمى دولة فلسطين كما اعترفت بها الجمعية العامة للأمم المتحدة)، المسألة الفلسطينية تخص احتلال إسرائيل لأراضي الضفة والقطاع، ويتم حلها إذا ما انسحبت إسرائيل من هذه الأرضي، واعترفت بدولة فلسطينية ذات سيادة، ويبقى تطبيقها لحق العودة وتطبيق قرار الأمم المتحدة 194 موضوع تفاوض بين الطرفين، وكما ورد في نص المبادرة العربية لعام 2002 (الذي وافقت عليه منظمة التحرير ولم توافق عليه إسرائيل). لذا باتت إسرائيل تعرّف بدولة الاحتلال (والمقصود بالاحتلال احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967)، والاستيطان هو ما يجري من بناء مستعمرات لليهود الإسرائيليين في أراضي الضفة الغربية المحتلة عام 1967، وليس ما جرى ويجري في فلسطين الانتدابية قبل ذلك وبعده. لقد بات هناك روايتان، رواية تاريخية تسندها الذاكرة الجمعية والأحداث المسجلة والمصورة، ورواية رسمية (وشبه رسمية) كما في الخطاب الرسمي سواء للسلطة الفلسطينية أم المتداول رسميًا عربيًا ودبلوماسيًا دوليًا وفي وسائل الإعلام المهيمنة عالميًا. وهناك إضافة إلى ذلك الرواية الصهيونية كما ترويها وسائل الإعلام الصهيونية والإسرائيلية الرسمية والدولية المنحازة لها. والرواية الأخيرة تستند – في ما تستند – إلى الأساطير الدينية وغير الدينية.
ما زالت الرواية الرسمية للسلطة الفلسطينية رواية قابلة للتحدي والنقد لأكثر من سبب، منها أن التاريخ الفلسطيني المقاوم والمسجل والمروي ما زال حيًا وفاعلًا، وما زالت الذاكرة الشعبية وافرة وغنية والحس الوطني متجذرًا. ومنها أن هذه الرواية تغيّب – أو تتجاهل، أو هي غامضة – إزاء مكونات أساسية من الشعب الفلسطيني (اللاجئين وفلسطينيي الشتات، وفلسطينيي الأرض المحتلة عام 1948). كما أن اتفاق أوسلو فشل فشلًا مدويًا في نقل السلطة الفلسطينية إلى دولة ذات سيادة وذات سيطرة تامة على الموارد والحدود والوثائق والتسميات، في حين واصلت إسرائيل تغيير الفضاء المكاني لفلسطين وتشويه وتحريف تاريخها وشيطنة شعبها ونضاله من أجل حريته وعدالة قضيته وفرضت نظام فصل عنصري (أبارتايد) على الفلسطينيين المقيمين على أرض وطنهم وإفقارهم وتنمية مشروعها الاستعماري الاستيطاني الاستثنائي.
ما ينبغي الانتباه إليه، إضافة إلى ما دخل من تغيير على الحقل السياسي الفلسطيني وتفكيكه إلى حقول محلية معزولة جغرافيًا وسياسيًا بعضها عن بعض[5]، هو تغييرٌ تنامى وترسخ في اللغة المتداولة في السلطة بعدما حوّلت هذه الحركة السياسية الفلسطينية من حركة تحرر إلى مشروع دولة قيد البناء على الجزء الذي احتُل من فلسطين عام 1967، بكل مؤسساتها ولغتها وبنائها الفكري وتراتبية العلاقات بين أفرادها، ومن تخاطب بين أفراد التنظيمات كإخوة ورفاق نضال إلى خطاب تراتبي على أساس رئيس ومرؤوس في مؤسسات أجهزة أمنية وهيئات ذات سمات ووظائف دولاتية (من الدولة)، وسيادة خطاب وتسميات دولة ومشتقاتها من دون حيازة أي من سمات الدولة الفعلية[6]. لذا نجد أن أشد المتمسكين بهذا الهدف هم ممّن استفادوا، ومرشحون للإفادة (من حيث تكوين رأسمال مادي، وسياسي واجتماعي، ومعنوي ورمزي)، من قيام السلطة ومن تحولها إلى دولة وإن مقيدة بشروط دول الجوار. وساهم في هذا التغيير نمو، مع نمو مؤسسات وأجهزة وهيئات السلطة، طبقة وسطى واسعة نسبية، وبقاء الطبقة العائلة أسيرة مؤسسات صغيرة جدًا، وجزء يعتمد على العمل في مشاريع إسرائيلية، ونمو طبقة أصحاب رؤوس أموال (مالية وعقارية وخدماتية بالأساس) موالية للسلطة تتجنب المواجهة مع إسرائيل.
لكن ما يستدعي بعض التأمل هو أن السلطة الفلسطينية رغم تكالبها لاكتساب سمات دولة سيادية ما زالت، من وجهة نظر إسرائيل الصهيونية تسعى لإزالة الاحتلال عن جزء من فلسطين، أي إنهاء سيطرتها العسكرية والاقتصادية والأمنية على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967. ولعل هذا ما يفسر، وإن جزئيًا، سياسة النخب الإسرائيلية الحاكمة تجاه السلطة الفلسطينية وتقليص صلاحياتها الفعلية إلى صلاحيات بلدية بغض النظر عن التسميات التي تطلقها السلطة على نفسها أو يطلقها الغير عليها.
في الواقع من يستمع إلى ممثلي السلطة الفلسطينية وقادتها السياسيين، وبعد أكثر من ربع قرن من اتفاق أوسلو، لا بد من ملاحظة حالة الإنكار التي لا تقر بفشل هذا الاتفاق في توليد دولة فلسطينية ذات سيادة على الضفة الغربية وقطاع غزة. وهي حالة إنكار ما زالت تصر على أن قيام الدولة الفلسطينية على هذه الأراضي وعاصمتها القدس، هو الحل الوطني الممكن والمحبَّذ، ودعاة حلول أخرى (الدولة الديمقراطية الواحدة) هم أصحاب أوهام ومغفلون (انظر على سبيل المثال مقال ناصر القدوة)، بدلًا من دعوتهم القوى السياسية إلى تطوير رؤية موحدة واستراتيجية كفاحية تشرك كل مكونات الشعب الفلسطيني في النضال (طويل الأمد بكل تأكيد) من أجل قيام الدولة الواحدة على أرض فلسطين التاريخية وترفض منطق مطالبة الدولة الاستعمارية بالاعتراف بحقوق جزئية للشعب المستعمَر والمحتل، الأمر الذي يمنح الشرعية لمنطق وسلوك المستعمِر والمستوطِن[7]. والاعتراف بالدولة الاستعمارية الاستيطانية لا يزيدها، كما من تجربة الولايات المتحدة، وكندا وأستراليا، ونيوزيلاندا ومن التجربة مع إسرائيل، سوى تمسكها بالسيطرة.
ثانيًا: المسألة الفلسطينية وحضور استعمار استيطاني مستمر
هناك منطلق آخر لفهم المسألة الفلسطينية بات يعود إلى الوعي بعد أن خبا بعد اتفاق أوسلو وما سبقه من أحداث ومتغيرات إقليمية ودولية. وهو وعي ينطلق من أن المسألة الفلسطينية هي وليدة حركة استعمارية استيطانية ولدت في بيئة أوروبية تعيش حركة مد استعماري واستيطاني وتمييز صارخ ضد أقليات إثنية ودينية، وبخاصة ضد الأقليات اليهودية. رأى البعض في الأقليات اليهودية أن الخلاص من العداء لليهود (العداء للسامية) يتم عبر إقامة دولة يهودية، ووفرت بعض نصوص الرواية التوراتية، واعتبارات مصلحية لمراكز قوى استعمارية أوروبية مسوغات لعَدِّ فلسطين مكانًا لإقامة الدولة الصهيونية، وهو الرأي الذي هيمن، مقابل رأي آخر (دعمته شخصيات فكرية يهودية معروفة) رأى أن مواجهة ظاهرة العداء للسامية واضطهاد اليهود وغيرهم يستدعي الصراع داخل المجتمعات الأوروبية لتحويلها إلى مجتمعات أكثر مساواة وعدالة.
أملت انتهازية الحركة الصهيونية أن تطرح نفسها منذ تأسيسها حليفًا وخادمًا لمراكز القوى المسيطرة عالميًا، وهذا هو سياق تصريح أو وعد بلفور (عام 1917) ودعم حكومة بريطانيا (حكومة الدولة الاستعمارية الأكبر آنذاك) لقيام «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين التي كانت قبل الحرب العالمية الثانية تخضع للسلطة العثمانية. سكن فلسطين، حينها أقلية يهودية فلسطينية بلغت نحو 8 بالمئة من مجموع السكان عام 1914 (وفق تقديرات الدولة العثمانية)[8]. واشترط تصريح بلفور ألّا ينتقص قيام وطن قومي لليهود في فلسطين من «الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر». يرى التصريح أن هناك شعبًا يهوديًا (وليس طائفة أو طوائف يهودية)، في حين لا يعترف بوجود شعب فلسطيني، بل يصفه بمجوعة من «الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين». هذا التوصيف خدم جيدًا سياسة داعمة للاستيطان الاستعماري الصهيوني في فلسطين، أنتجت لاحقًا سياسة تطهير عرقي (وهي جريمة ضد الإنسانية بحسب القانون الدولي) تجاه سكانها الأصليين وسياسة مشجعة لهجرة مستوطنين يهود من بلدان مختلفة.
ما يعنيني هنا ليس تفاصيل تداعيات السياسة الاستعمارية الاستيطانية في فلسطين بل تأكيد حقيقة كونها مولد المسألة الفلسطينية ومأساة الشعب الفلسطيني، كما تبقى، أو هكذا ينبغي، الموجِّه الرئيسي لنضالاته من أجل الحرية والعدالة. في هذا السياق لا بد من تأكيد أن إسرائيل واصلت بعد حزيران/يونيو 1967 السياسة نفسها التي اعتمدتها قبل ذلك التاريخ، وهو ما استمرت في انتهاجه بعد اتفاق أوسلو، بل استفادت من التحول الذي أحدثه اتفاق أوسلو في الحال الفلسطينية لتصعّد من سياسة القمع وتشويه الرواية التاريخية الفلسطينية وتغيير طوبوغرافيا فلسطين وتزييف تاريخ شعبها.
1 – نحو فهم أعمق لمأزق إسرائيل
بتكثيف شديد، يتمثل المأزق الفلسطيني بتفكك الحقل السياسي الفلسطيني وحركته الوطنية. وفي غياب مؤسسات وطنية موحدة، افتقدت الحركة السياسية الفلسطينية رؤيةً واستراتيجيةً جامعة لمواجهة نظام استعماري استيطاني يفرض الفصل العنصري (الأبارتايد) على فلسطين التاريخية، واللجوء والاستلاب على معظم الفلسطينيين خارجها. ويتمثل الخروج بإعادة بناء الحقل السياسي الفلسطيني على أسس تمثيلية ديمقراطية جامعة تشترك وتمثل كل مكونات الشعب الفلسطيني.
وفي إعادة بناء الحركة السياسية الفلسطينية (حقل سياسي وطني جديد ومنظمة تحرير جديدة) على ذات برنامج تحرري كفاحي، يجدر الانتباه إلى أن إسرائيل كنظام استعماري استيطاني تواجه مأزقًا تاريخيًا لأكثر من عامل: أولها أنها فشلت، بعد أكثر من قرن من الاستعمار الاستيطاني بدعم من أقوى مركزين إمبراطوريين في العالم، في تطهير فلسطين من أغلبية سكانها الفلسطينيين، حيث بات نصف سكانها (على الأقل) هم فلسطينيون يقيمون على أرض وطنهم في فلسطين التاريخية تكمن في حيوية الوطنية الفلسطينية التي يتمتع بها الفلسطينيون داخل فلسطين وخارجها (أي بين اللاجئين والجوالي الفلسطينية)، وأغلبية هؤلاء، رغم مواقف نخب سياسية وغير سياسية فلسطينية متهالكة أقصى ما تسعى له هو دولة في الضفة والقطاع (مع «تبادل أراضٍ»!)، متمسكون بحقوقهم السياسية التاريخية والراهنة، وبهويتهم الوطنية وبحقهم في العودة. والعامل الثاني يعود إلى حقيقة أن معظم يهود الولايات المتحدة وأوروبا باتوا مندمجين في مجتمعاتهم ولا يرغبون في الهجرة إلى إسرائيل، وبتنا نجد يهودًا إسرائيليين، لأسباب سياسية، يرغبون في الهجرة إلى خارجها، كما تزداد الانتقادات لإسرائيل وما ترمز إليه بين المثقفين اليهود، وتحديدًا في الولايات المتحدة[9]. والعامل الثالث ربما يتمثل بما يشهده الحقل السياسي الإسرائيلي من تعدد أشكال الاستقطاب على أسس إثنية ودينية وقومية وطبقية، والتنافس الفئوي على المواقع الوزارية وما يشهده هذا الحقل في العقدين الأخيرين من تحولات يمينية رجعية وعنصرية تخيف العلمانيين والليبراليين قبل غيرهم[10]. الجمهور العلماني في إسرائيل يشعر بأن هناك تسلطًا دينيًا نابعًا يبرز من مساعي سن قوانين دينية تغير من العلاقة بين الدين والدولة، وهو مسعى يريد تثبيت صورة إسرائيل كدولة يهودية خالصة، تحافظ على التراث الديني للشعب اليهودي، وإن بدت شكلًا دولة علمانية حديثة[11]. وترى أغلبية من اليهود العلمانيين أن المبادئ الديمقراطية يجب أن تنال الأولوية على الشريعة الدينية، في حين ترى أغلبية اليهود المتدينين أنه يجب إعطاء الأولوية للشريعة الدينية، وتختلف هذه المجموعات بصورة أعمق فيما بينها حول تعريف الهوية اليهودية[12].
وكعامل رابع لا بد من التذكير بأن نظام الفصل العنصري الذي شرّعه قانون القومية الإسرائيلي المقر من الكنيست في عام 2018 مرفوض بقوة من الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين. لأن القانون يحدد دولة إسرائيل بوصفها الدولة القومية للشعب اليهودي، والبيت القومي لليهود، وأن حق تقرير المصير هو حصري للشعب اليهودي، كما يؤكد حق اليهود في العالم في الهجرة إلى إسرائيل والحصول على مواطنتها. إنه قانون يمنح شرعية قانونية للتمييز العنصري. والفلسطينيون كغيرهم من شعوب العالم يريدون دحر هذا النظام والعيش بحرية ومساواة وعدالة. إنهم لا يطلبون بمجرد التساوي في الحقوق مع المستوطنين المستعمرين، لأن هذا يمنح المستوطنين شرعية وجود، بل يطالبون بهزيمة نظام الاستعمار الاستيطاني ومؤسساته وعقليته. كما أن هذا النظام لا يمكن أن يوفر حلًّا مشرفًا للإسرائيليين اليهود لأنه نظام قائم على استعباد وقهر واحتلال وتهجير شعب آخر ومنعه من إحقاق حقوقه الأساسية، واستمرار هذا النظام سيوّلد – عاجلًا وليس آجلًا – نظامًا استبداديًا فاشيًا لا يحترم حريات وحقوق مواطنية اليهود، وهو بات يوفر البيئة الملائمة لتنامي الحركات الأصولية الدينية والقومية اليمينية المتزمتة. ليس المطلوب من الشعب الفلسطيني، أو أي من مكوناته، المطالبة بحقوق من المستعمر. المسألة الفلسطينية ليست مجرد استثناء شعب من حقوقه، بل هي، في الأساس، سلب شعب لأرضه وحقوقه وتهجيره وفرض التمييز ضده من جانب مستعمِر استهدف، وما يزال، الاستيلاء على الأرض وتصفيتها من سكانها.
بات من الهيّن الآن – بعد أكثر من سبعة وعشرين عامًا من اتفاق أوسلو، وما شهدتها هذه السنوات من تحولات وأحداث، وما تبعها من مفاوضات ثنائية ومن تدخلات وتوجيهات أمريكية - القول إن إسرائيل استخدمت اتفاق أوسلو كغطاء لمواصلة مشروعها الاستيطاني وتكريس سيطرتها على الحركة والموارد الطبيعية وتتبيع الاقتصاد الفلسطيني وتوليد اعتماد مؤسسات السلطة الفلسطينية على التحويلات الخارجية، بما في ذلك تحويلات «المقاصة». لقد فشل مشروع بناء دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على حدود الأرض المحتلة عام 1967، ولأن المشروع تم من دون مشاركة مختلف مؤسسات المجتمع السياسي والمدني، وبتغييب مكونات أساسية من الشعب الفلسطيني، ومن خلال المجتمع الذي يتحوَّل إلى متفرج على هامش الفعل الوطني النضالي. فالمقاومة هي فعل متعدد الأساليب والأهداف والنتائج، كما أوردتها الانتفاضة الأولى، قبل تدخُّل الأطر القيادية برؤيتها الخاصة لما ينبغي أن تسير عليه المسيرة النضالية في الداخل، وهو ما أثر سلبًا في حجم وسعة المشاركة في العملية التحررية التي ارتسمت من خلال دور وحراكات اللجان الشعبية والمختصة، نظرًا إلى ما سبَّبه من تضييق على تنوع وتعدد أشكال المشاركة لفئات وشرائح مختلفة من الفلسطينيين داخل فلسطين التاريخية وخارجها.
2 – شروط إعادة الاعتبار للمسألة الفلسطينية
ينطلق هذا المقال من وجود حاجة ملحّة إلى طرح رؤية للمسألة الفلسطينية تؤكد حقوق مكونات الشعب الفلسطيني التاريخية والراهنة، بما فيها حق العودة كاملًا (كونه المعيار والمؤشر الواضح على كون النكبة الفلسطينية ما تزال مستمرة)، ودحر الاحتلال والاستيطان والحصار العنصريين على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 ويزيل التمييز القومي والإثني عن الفلسطينيين الذين بقوا على أرض فلسطين التي احتُلت عام 1948. هذه الرؤية تمنح أولوية للحفاظ على وحدة أرض فلسطين التاريخية ولتأمين العدالة لكل مكونات الشعب الفلسطيني التي نشأت بعد نكبة عام 1948، وتطرح حلًا يمنح اليهود الإسرائيليين حق المواطنة في دولة ديمقراطية واحدة بالتساوي مع الفلسطينيين.
لا ينبغي أن يبقى المشروع الوطني الفلسطيني في حيازة الشعب الفلسطيني (بمكوناته داخل فلسطين التاريخية وخارجها) فقط، بل ينبغي أن يوجه لليهود الإسرائيليين كمشروع يطرح عليهم البقاء في فلسطين الموحدة والديمقراطية والعلمانية شرط الالتزام التام بقواعد الديمقراطية السياسية وقيم وسلوك المساواة والعدالة بما يستدعيه هذا من نبذ واضح للصهيونية كأيديولوجيا استعمارية استيطانية عنصرية وإقرار بواقع إسرائيل كدولة أبارتايد[13]. كما أنه مشروع يستحق العمل كي يلقى دعم وتضامن القوى السياسية والمدنية والثقافية في العالم التي تحترم وتعلي قيم الحرية والمساواة والعدالة، بمن فيهم اليهود غير الإسرائيليين. هذا يعني رفع شعار «رفع الاحتلال والاستيطان والتمييز والتهجير عن الشعب الفلسطيني أمر مهم»، كما أن «حياة السود أمر مهم» و«التحرر من أنظمة الاستعباد والدكتاتورية والتمييز» أمر مهم.
مفيدة هنا الإشارة إلى رأي أبراهام بورغ (شغل منصبي رئيس الوكالة اليهودية ورئيس الكنيست الإسرائيلي سابقًا) الذي لاحظ تزايد نسبة اليهود المتزوجين من غير اليهود (خارج إسرائيل) باستمرار، وهو ما يشير، وفق رأيه، إلى أن مشكلة اليهود تتركز في معظمها في إسرائيل، في حين أنها محلولة تقريبًا في الغرب بصورة عامة. ويطرح بورغ مفارقة غريبة مؤداها أنه وخلافًا ليهود العالم الغربي المندمجين تمامًا كأفراد في النسيج الدستوري العالمي، والمستوعب في الغرب، فإن إسرائيل اليهودية تعيش في مفارقة مثيرة. فالعلاقات بين اليهود وغير اليهود قد حلت بصورة تامة في الغرب في حين ما زالت مكرسة بقوة في إسرائيل، وخلاصة المفارقة التي يقدمها بورغ أن اليهود في خارج إسرائيل يعيشون في أوضاع جيدة وانفتاح أما في إسرائيل فيعيشون حياة «الغيتو» (Ghetto) والعداء[14]. ويضيف بورغ «حسب رأيي أننا سائرون في اتجاه انشقاق داخل الشعب اليهودي، ويجوز أننا في خضم الانشقاق، ويجوز أن الانشقاق حصل فعلاً من غير أن نشعر به، وعمّا قليل في جيلنا أو في جيل أولادنا وأحفادنا نجد أنفسنا في وضع انشقاق طبيعي يكون هناك شعب يهودي أ، وشعب يهودي ب»[15].
الدعوة إلى إزالة نظام التمييز العنصري (الأبارتايد) وصفة الصهيونية من إسرائيل كشرط سلام طرحها أكثر من مفكر إسرائيلي، منهم إيلان بابيه[16]، والمؤرخ شلومو ساند الذي يرى أن الحل السياسي الوحيد للصراع مع الفلسطينيين يتمثل بإزالة الدولة اليهودية[17]. وترى جوديت بتلر أن مشروع التعايش المشترك بين الفلسطينيين والإسرائيليين اليهود لا يمكن أن يبدأ إلا مع تفكيك الصهيونية السياسية[18].
طرح مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة فلسطينيًا في سياقات سياسية مختلفة، فقد طرح في كتاب أصدرته في عام 1919 مجموعة من المثقفين الفلسطينيين في مقاربة للنهوض بفلسطين في جوانب متعددة لمواجهة مشروع الاستيطان الصهيوني[19]. كما ورد في مشروع لحركة فتح كتبه ونشره نبيل شعث في عام 1971، جاء في مقدمته:
«منذ سنتين تكلم مندوب فتح إلى مؤتمر القاهرة لنصرة الشعوب العربية فأعلن باسم الثورة الفلسطينية «نحن نقاتل اليوم في سبيل إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية يعيش فيها الفلسطينيون بكل طوائفهم… مسلمين ومسيحيين ويهوداً في مجتمع ديمقراطي تقدمي، ويمارسون عباداتهم وأعمالهم مثلما يتمتعون بحقوق متساوية» وأردف البيان قائلاً «إن ثورتنا الفلسطينية لتفتح قلبها وفكرها لكل بني الإنسان الذين يريدون أن يعيشوا في المجتمع الفلسطيني الحر الديمقراطي وأن يناضلوا في سبيله بصرف النظر عن اللون أو الدين أو العرق»[20]. ويضيف المقال؛ «وتبع هذا البيان بيان أدلت به الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين وآخر أدلت به الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعدد آخر من البيانات أدلت به فتح. وكان بيان القاهرة هذا أول إعلان صريح كامل عن مفهوم حركة المقاومة الجديد لفلسطين الغد. لكن هذا المفهوم لم يكن بالتأكيد رؤى جديدة تمامًا، فقد كان الفلسطينيون منذ الثلاثينيات من هذا القرن يأملون في إقامة دولة فلسطينية موحدة ديمقراطية متعددة الأجناس تضمهم والمستوطنين اليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين. وقد ورد ذلك في الشهادة المقدمة إلى لجنة بيل عام 1937 وكررته وفود رسمية إلى المؤتمرات»[21].
قدّر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية في منتصف عام 2020 بنحو 6.7 مليون نسمة[22] في حين قدّر مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل عدد اليهود الإسرائيليين في منتصف عام 2020 بنحو 6.8 مليون نسمة[23]، أي أن عدد اليهود الإسرائيليين يتساوى في الواقع مع عدد الفلسطينيين المقيمين على أرض وطنهم. لكن ربما الأهم من هذا، هو أن الروح الوطنية لدى فلسطينيي الشتات تتمتع بحيوية عالية، وهذا هو عنوان مأزق المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني. والمخرج من هذا المأزق الاستراتيجي لن يكون في إبادة الشعب الفلسطيني، إذ لم يعد هذا ممكنًا، بل في الاعتراف بحقه في وطنه والفسح في المجال لقيام دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية يتعايش فيها الفلسطينيون (بمن فيهم من يعود من فلسطينيي الخارج) واليهود الإسرائيليون على أسس ديمقراطية ومساواتية تامة. هذه هي المساومة التاريخية التي على الحركة السياسية الفلسطينية طرحها كحل وطني وكمخرج لمأزق دولة إسرائيل التاريخي. وهي مساومة يفترض أن تطرح للنقاش الشعبي الواسع والمعمق في كل تجمعات الشعب الفلسطيني.
لعل ما هو مطروح هنا يستدعي طرح المشروع لمناقشة معمقة ومستفيضة من جانب مكونات الشعب الفلسطيني لأمرين: الأول، هل بات اليهود الإسرائيليون (وليس اليهود كجماعة دينية) باتوا يشكلون شعبًا له سماته الثقافية؛ والثاني، هل لدى كل من الطرفين (الفلسطيني واليهودي الإسرائيلي) الاستعداد للدخول في «تسوية تاريخية» تتمثل بالعيش المشترك في دولة ديمقراطية واحدة على أرض فلسطين التاريخية تفتح أبوابها من دون قيود لعودة اللاجئين الفلسطينيين وخلفهم لفلسطين واستعادتهم لممتلكاتهم أو تعويضهم عنها وعن استخدامها، إضافة إلى تعويض الفلسطينيين العمال عن استغلالهم خلال مدة عمل مئات الألوف من العمال الفلسطينيين على مدار عدة عقود[24].
من دون دولة ديمقراطية واحدة على أرض فلسطين التاريخية تضع الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين على قدم المساواة التامة في الحقوق والواجبات لن يكون هناك أبدًا حل للصراع وسوف يستمر إلى أمد طويل. لن يستكين الفلسطينيون للوضع الراهن، أو لواقع لا يتيح للاجئين الفلسطينيين العودة إلى وطنهم الأصلي. فشلت الحركة الصهيونية، خلافًا لما حدث، في مجتمعات استعمارية استيطانية أخرى، في إبادة السكان الأصليين أو تحويلهم إلى أقلية صغيرة مهمشة، أو كيّ وعيهم ليقبلوا بالواقع الاستعماري العنصري وبالتهجير والتمييز العنصري. كما فشلت في معالجة حالة الانقسام (القومي والإثني والديني والطبقي والأيديولوجي) التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي.
وحتى يستطيع الشعب الفلسطيني طرح رؤية واضحة لمشروعه الوطني التحرري الجامع لا بد من بلورة حركته الوطنية الجامعة من جديد بعدما تفككت وفقدت الرؤية والمؤسسات الموحدة الجامعة التي تدرك تمامًا أن لا حل للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي من دون هزيمة النظام الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري وتفكيك بنيانه، وتعي أن تحقيق ذلك قد يمتد لأجيال، وأن الأولوية في النضال التحرري يجب أن ترتكز على منهج إدارته بإيلاء الأهمية القصوى لبناء الذات على صعيد كل تجمع فلسطيني وتعزيز مقومات الصمود داخل الوطن وفي الشتات، بكل ما يعنيه ذلك من الانتباه إلى شروط كل منها في تحديد الأولويات واختيار المناهج النضالية القادرة على حشد الإمكانات الذاتية وتوظيف الظروف الموضوعية من دون تغليب مصلحة مكوّن على مصالح المكونات الأخرى، واعتبار نجاح مكون في تحقيق أهداف تخدم حقوق ومصالح ذلك التجمع رصيدًا وطنيًا يصب في مصلحة نضال التجمعات أو المكونات الأخرى. الحقوق المدنية والمساواة لفلسطينيي 1948 هدف وطني يستحق التفهم والدعم والمؤازرة من مختلف المكونات الفلسطينية الأخرى. بتعبير آخر، دحر الاحتلال والاستيطان عن الضفة الغربية وإنهاء الحصار عن قطاع غزة هو أحد أهداف النضال الوطني الفلسطيني، كما هو هدف إزالة التمييز ونظام الأبارتايد (هو يعرّف كجريمة ضد الإنسانية في القانون الدولي) عن الشعب الفلسطيني المقيم في فلسطين، سواء ما احتل منها عام 1948 أو عام 1967، هدف مشروع يستدعي الدعم والإسناد الوطنيين (ومن القوى المؤيدة للعدالة والمساواة في العالم) ويصبح ترسيخ حق الشعب الفلسطيني في المنافي والشتات للعودة هدفًا وطنيًا يستوجب الدعم والمساندة من مكونات الشعب الفلسطيني الأخرى ومن قوى العالم المساندة للحرية والعدالة. أما أشكال النضال فتحددها ظروف كل تجتمع وقرارات قياداته المحلية المتناغمة مع الاستراتيجية الوطنية العامة.
لا بد من الخروج من الواقع الفلسطيني الراهن حيث تهيمن نخب سياسية محلية تتنافس فيما بينها على منافع فئوية جدًا، وحيث تراجع النضال التحرري الوطني وقيم المساواة والروح التكافلية والتطوعية وذهنية العمل الجماعي، لحساب السعي للمصلحة الفردية ولتنمية ذهنية «الموظف» بديلًا من تقمص النفس النضالي. وهنا لا بد من استدعاء الثقافة التحررية لتشديد حراستها على الرواية التاريخية الفلسطينية في مقارعة الرواية الصهيونية والاستعداد لتقديم تنازلات مبدئية وجوهرية لها (كما حصل عند الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود)، وكما حصل عند إظهار الاستعداد لتبادل أرض في الضفة الغربية (أي مستوطنات صهيونية) بأرض في إسرائيل (أي أراض فلسطينية محتلة منذ عام 1948).  لقد هيمنت في الثقافة الفلسطينية قيم ديمقراطية قبل النكبة ولمدة عقود بعدها، وما زال الحقل يحتفظ بتيار ديمقراطي تقدمي تجسد في الانتفاضة الأولى وإعلان الاستقلال. لكن هذا التيار شهد تراجعًا مع بروز اتجاهات يمينية وأصولية سلفية اقتحمت الحقل السياسي الفلسطيني ودخلت، بعد تشكل السلطة الفلسطينية إلى الحقل الثقافي الفلسطيني عبر منهاج التعليم الديني الرسمي المتمثل بكتاب التربية الإسلامية المُقر في مدارس السلطة، بما يمثله من رؤية وتوجهات السلفيين والإخوان المسلمين، وبما يتناقض مع قيم الحرية والمساواة والعدالة لصالح تقديس الجهل والخرافة[25].
رموز الثقافة الفلسطينية الأبرز، سواء في الشعر أو الرواية والقصة أو الفن التشكيلي والغناء والمسرح أو في البحث التاريخي العلمي وفي الفلسفة والفكر أوفي السينما، كانت وما زالت صاحبة توجه ديمقراطي علماني، أي تتبنى فصل الحقل الديني عن الحقل السياسي وحملت مبكرًا توجهات ديمقراطية ببعدها القيمي. وهذا يسري على الحركة الوطنية الفلسطينية (كأحزاب وتنظيمات وكقيادات وطنية) التي حرصت منذ العشرينيات من القرن الماضي على إبراز تكوينها السياسي الوطني بتعبيرات متعددة شملت أن يكون في صفوف الحركة القيادية الأولى فلسطينيون مسيحيون في مواجهة الحركة الصهيونية التي تعلي الانتماء الديني[26]. والواقع أن منظمة التحرير حافظت على طابعها العلماني رغم ما دخل على العالم والمنظمة من تشوّهات على صعيد العلاقة بين الشأن الديني والشأن السياسي، واستخدام الدين في خدمة السياسة وللتغطية على تفرد وفساد النخب الحاكمة وفي الترويج للدجل والجهل.
إن تحرر الحقل الثقافي النسبي (مقارنة بالحقل السياسي) من دكتاتورية الجغرافيا السياسية ومن قوانين السوق[27] ومن موازين القوى العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية التي تكون حاضرة يؤهله لأداء دور مهم في حراسة الرواية التاريخية الفلسطينية بعد تفكك الحقل السياسي الفلسطيني وتراجع دوره الوطني الجمعي. وهنالك ما يشير إلى ذلك، فقد شهد العقدان الأخيران نشاطًا مميزًا في مجالات الأدب والفن والسينما والمسرح والغناء والموسيقى والفكر وفي عدد الجامعات ومراكز البحث والتفكير والدراسات الاستراتيجية في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 كما في الأردن ولبنان وأماكن أبعد من ذلك (كمؤسسة الدراسات الفلسطينية، ومدى الكرمل، ومركز مسارات، ومدار، والشبكة، ومواطن وغير ذلك). ولعل صعود حيوية الحقل الثقافي خلال العقدين الأخيرين مصدره تنامي إدراك أن نكبة الشعب الفلسطيني (وشعوب عربية باتت تعيش نكبات متواصلة) مستمرة وتصيب، بشكل أو بآخر، مكونات الشعب الفلسطيني كافة، وأن انكشاف تجمعات الشعب الفلسطيني تفاقم مع تغييب حضور مؤسسات منظمة التحرير وتنظيماتها السياسية كمؤسسات وتنظيمات للكل الفلسطيني، ومع اتضاح عمق المأزق الذي توّلد من اتفاق أوسلو، ووهم الدولة المستقلة على الضفة والقطاع الذي سوغ الاتفاق، وتنامي الوعي، وبخاصة بين الشباب، بالحاجة إلى تجديد منظمة التحرير الفلسطينية كبنية ودور للكل الفلسطيني[28]. بتعبير آخر مطلوب إعادة تشكيل حقل وطني (بالمعنى الجامع) جديد يمثل كل مكونات الشعب الفلسطيني على أسس ديمقراطية جامعة من دون تجاهل خصوصيات كل مكون وحاجاته.
خاتمة
من دون مشروع نضالي تحرري جامع للكل الفلسطيني، ووسائل نضالية مدروسة وفق إمكانات الكل الفلسطيني وإمكانات وشروط كل مكوِّن فلسطيني، ومن دون بناء علاقات حميمة ومستدامة مع القوى المناهضة للظلم والاستعمار والاستبداد والعنصرية في العالم، ومع القوى اليهودية المناهضة للصهيونية وللعنصرية، لن تنشأ أوضاع جديدة تهيئ لدحر الاحتلال الاستيطاني الذي تم في عام 1948، ولن  ينشأ واقع جديد يمهد لتفكيك النظام الاستعماري الاستيطاني الصهيوني وينهي نظام الأبارتايد العنصري بما يتيح حل ديمقراطي وعادل للصراع ليبني حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والراهنة ويفتح المجال لحل منصف لليهود الإسرائيليين في دولة ديمقراطية واحدة تضم الطرفين[29].

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى