الفكردراسات

المناهج الدراسية بين السياسة والأيديولوجيا والمعرفة

معتز الخطيب | الجزيرة

يتردد بين الحين والآخر الحديث عن تعديل أو تغيير أو تصحيح المناهج الدراسية، وخاصة في ظل التحولات أو التقلبات السياسية، وقد فُتح ملف تغيير المناهج بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، وبعد الثورات العربية في عدد من الدول كسوريا ومصر واليمن والسودان وغيرها. وهذا الملف يثير السؤال عن العلاقة بين المناهج الدراسية ومتطلبات التعليم والمعرفة من جهة، وتفاعلات كل من السياسة والأيديولوجيا من جهة أخرى، وعن أثر نظام الحكم والتغيرات السياسية في المناهج الدراسية.
وبعيدا عن الصياغات المتخصصة للمقررات الدراسية التي تتم لأغراض معرفية أو تعليمية وتربوية، يتخذ التدخل في المقررات الدراسية إما صيغة التدخل السياسي أو التدخل الأيديولوجي (قومي، أو إسلامي حركي، أو علماني). وقد سبق لي أن كتبت في ملف تغيير المناهج بعد أحداث سبتمبر وخاصة سنة 2003، والآن أعيد مناقشة الموضوع في ظل التدخلات التي وقعت بعد الثورات العربية، والتي يمكن أن نصنفها إلى نمطين:
الأول: التدخل الثوري، فبعد الثورات أنشئت في بعض الدول مقررات مستقلة عن النظام الرسمي؛ بحيث تعبر عن حالة الانفصال والقطيعة مع النظام السابق، ففي المناطق السورية المحررة مثلا تمت القطيعة مع كل ما يمت إلى نظام البعث بصلة، من العلَم إلى المقررات التعليمية، لتجسد الحالة الثورية. وذلك ردّ على الصياغة القومية البعثية للمناهج التعليمية، وخاصة مادة التربية القومية التي تتمحور حول تمجيد شخص الرئيس والحزب الحاكم وأيديولوجيته. وكانت هناك دعوات في السودان لتغيير المناهج؛ بحجة تنقيتها من الآثار “الإخوانية” التي وقعت خلال فترة حكم الرئيس عمر البشير، ولكن وجدت في المقابل دعوات مضادة لطبيعة هذا التغيير المطلوب؛ بحجة أنه يعبر عن أيديولوجيا القائمين على المرحلة الانتقالية، ولا يتوافق مع الانتماء الثقافي والديني للمجتمع السوداني.
النمط الثاني: تدخل الثورة المضادة أو من هم على هامش النظام الرسمي، ويمكن أن نذكر هنا سعي نظام الرئيس السيسي لتعديل المناهج ومحاربة ما يسميه “التطرف الإسلامي”، و”تجديد الخطاب الديني”، وذلك في سياق محاربته للإخوان المسلمين، وقمع أي معارضة ممكنة، ولصياغة مقررات دراسية على صورته. كما أن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وجدتها فرصة للتدخل في المقررات الدراسية للمناطق الواقعة تحت سيطرتها؛ لتثبيت أيديولوجيتها القومية الكردية.
وقد شهدنا خلال العقدين الماضيين على الأقل نوعين من التدخل:
الأول داخلي، وهو سابق على الثورات العربية، وخصوصا في سوريا ومصر، في ظل صراع الأنظمة العسكرية مع الإسلام السياسي على مسألة الشرعية وصياغة المواطنين أو صياغة نمط معين من التدين (إما تدين مدجن أو تدين احتجاجي). ولكن هذا التدخل كان محدودا، ووقع بعد معاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية (اتفاقية وادي عربة 1994)، والتي أجرت تعديلات على المناهج تم فيها تخفيض حصص التربية الإسلامية وحذف بعض الآيات والأحاديث التي تتعرض لليهود في بعض المراحل الدراسية.
النوع الثاني: تدخل خارجي، وهنا نجد أن 11 سبتمبر/أيلول 2001 كان تاريخا حاسما في هذا الموضوع في ظل إدارة جورج بوش الابن، كما أنه جرى بعد الحرب على العراق أيضا 2003-2004، وعقدت له مؤتمرات خليجية وعربية.
وتتم التدخلات السياسية في المقررات لخدمة هدفين رئيسين: ما يسمى الإرهاب والتطرف من جهة، وإسرائيل خاصة واليهود عامة من جهة أخرى. فما سُمي الإرهاب يعبر عن منظور أميركي طُرح بعد أحداث سبتمبر على اعتبار أن المقررات الدراسية العربية هي التي تفرخ الإرهاب، ثم تبنى هذا المنظور أنظمة عربية وعلمانيون متطرفون، وفي هذا السياق نوقش مؤخرا حذف آيات القرآن والأحاديث النبوية من المقررات الدراسية في مصر وتم حصرها في مادة التربية الدينية فقط؛ بحجة أنه يُساء فهمها وتُستخدم لتعزيز أفكار متطرفة! ومن ضمن القضايا المحذوفة موضوعات الجهاد، والولاء والبراء، ومسائل الكفر والإيمان، وغيرها.
أما فيما يخص إسرائيل واليهود، فقد شكل هذا الموضوع أولوية في سياق اتفاقيات السلام وعملية التطبيع منذ بدايتها في كامب ديفيد، مرورا باتفاقية وادي عربة، وصولا إلى التطبيع الإماراتي والمغربي مؤخرا. ومن اللافت أن هذا التغيير لا يتم إلا من طرف واحد، فهو لا يشمل الإسرائيليين أنفسهم، كما أن القائمين على عمليات تغيير المناهج أو من يصرحون بشأنها، بعضهم ينتمي إلى لجنة الدفاع كما في مصر والإمارات مثلا، وبعضهم وزراء داخلية كما حصل بعد الحرب على العراق مثلا، أي إن المسألة أمنية من منظور هذه الأنظمة.
فعلى المستوى الداخلي تؤثر سياسة الدولة الخارجية على مضمون المقرر الدراسي فيما يخص العلاقة بإسرائيل أو التاريخ الإسرائيلي الفلسطيني، وعلى المستوى الخارجي تخضع الدولة لإملاءات خارجية لشطب موضوعات معينة ترى القوى الخارجية أنها تضر بمصالحها، رغم أن هذه الأنظمة تتصلب أحيانا في رفض الضغوط الغربية فيما يخص حقوق الإنسان مثلا.
والمسألتان السابقتان (ما يسمى الإرهاب، وإسرائيل) تتقاطعان مع مجالات عدة: فقهية (كمسائل الجهاد)، وعقدية (كمسائل الكفر والإيمان، والولاء والبراء)، وتاريخية (كحذف وقائع تاريخية محددة تحيل إلى العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية وغيرها كوقائع من السيرة النبوية أيضا). فهنا لا يتم التدخل لصياغة مواطن صاحب حقوق، ولا لتعزيز الحريات، أو التفكير النقدي، أو ما شابه؛ لأن هذه مسائل تصب في مصلحة المتعلمين أولا، وتضر بمصالح النظام الحاكم من جهة، وبمصالح القوى المهيمنة من جهة أخرى، والتي تسعى لوأد مقاومة الشعوب أو أن يكون لها مصالح مستقلة بحيث تخرج من دائرة التبعية.
يوضح ما سبق أثر تغير نظام الحكم أو الصراعات السياسية على المناهج التعليمية، وهو ما يردنا إلى أثر شكل نظام الحكم عامة على مختلف مناحي الحياة، سواء لجهة حجم وشكل تدخل النظام في الجوانب المختلفة من الحياة الاجتماعية، أم لجهة وجود أو غياب المعايير التي تحدد هذا التدخل وتضبطه. فالنظام الاستبدادي يتوسع في التدخل ولا تحكمه أية معايير، ويتصرف بطريقة فوقية. بينما نرى أن تدخل النظام الديمقراطي محدود، ولا يتم إلا وفق معايير وبشكل مؤسسي وقانوني.
ويمكن توضيح أثر النظام السياسي في التعليم من ناحيتين:
الناحية الأولى: الفلسفة والرؤية، حيث نجد أن الدولة الوطنية بالمفهوم الحديث (الدولة-الأمة) تسعى إلى بناء إنسان الحقوق والواجبات، والتعليم هو الفضاء الذي يستكشف وينمي طاقات المواطن، ويصوغه ليكون فردا صالحا في هذه الدولة. في حين أن الأنظمة الاستبدادية محكومة بأيديولوجيا الحزب الحاكم التي يتم فرضها على المقرر الدراسي كما شهدنا في ظل أنظمة البعث وغيرها. كما أن التعليم يتحول تحت هذه الأنظمة إلى فضاء للسيطرة وصياغة المواطن الخاضع والمدجن؛ لأن التعليم يتحول إلى جزء من المنظومة الأمنية للنظام الحاكم، ومن هنا يحرص على السيطرة على مؤسسات الدولة (وخاصة وزارات التربية والتعليم والأوقاف) التي تعمل رديفا لوزارات الداخلية ومؤسسات الأمن، وكلها تهدف إلى تأمين أمن النظام بوسيلتين: وسائل القوة المادية أو التخويف بها، ووسائل القوة الرمزية المتمثلة في المؤسسات الدينية والتعليمية.
الناحية الثانية: تقنيات ونمط التعليم، حيث إن نظام التعليم في الأنظمة الديمقراطية هو نظام رعاية وتربية لصياغة مواطن الحقوق والواجبات، أي مواطن له كينونة وصاحب حقوق وتربطه علاقة ودية بالمؤسسة التعليمية؛ لأنها تستخرج طاقاته ويجد فيها متعته ويمارس هواياته. في حين أن نظام التعليم في الأنظمة الاستبدادية هو نظام ضبط وتحكم لصياغة المواطن الخاضع، فيتم تحويل المؤسسة التعليمية إلى مؤسسة قهرية، تتوسل بنظام العقوبات والإكراه، ما يتخذ صورة النظام السياسي نفسه.
وإذا كان ما سبق قد تناول التدخلات السياسية في المقررات، فإن التغيير المبني على أسس علمية يتطلب رعاية 3 مكونات، هي: حاجات المجتمع وحاجات المتعلمين ومواكبة حالة البحث العلمي. أما بالنسبة إلى المحتوى التعليمي، فيجب أن يتضمن: ترسيخ جملة من القيم وتنمية المهارات والطاقات، ومنها التفكير النقدي، والتزويد بالمعلومات اللازمة. فالتعليم ليس مجرد حفظ وتلقين؛ إذ لا بد أن يتوفر فيه جانب ابتكاري وآخر تفاعلي. كما أنه لا بد في وضع المناهج من توفر أمرين: الأول: الاستمرارية والاستقرار؛ لأن العملية التعليمية بحاجة إلى وقت حتى تحقق أهدافها ويتم اختبار مخرجاتها، والثاني: أن يكون ثم ملاءمة بين التعليم وسوق العمل من جهة، والخطة العامة للدولة وأهدافها الإستراتيجية لسد حاجاتها وخططها في التنمية الشاملة من جهة أخرى.
والأصل في تغيير المناهج أن يتم بناء على متطلبات علمية لا سياسية أو أيديولوجية، فالتغيير يأتي بعد تقويم علمي للمناهج ومخرجاتها وقياس مدى تحقيق أهداف كل مقرر. ولذلك فإن من شروط أهداف التعليم أن تكون قابلة للقياس، بمعنى أنه يمكن التأكد من تحققها أو عدم تحققها، كما أنه لا غنى في أي منهاج دراسي عن خضوعه للتجريب قبل أن يُعمم. وهذه الشروط والمتطلبات تعني أنه علينا أن نتلافى أمرين: الأول: ربط المقررات بأمور متغيرة وصراعات سياسية واجتماعية، والثاني: كثرة التغيير الذي من شأنه أن يخل بالعملية التعليمية. نعم يمكن أن يتم التغيير على مستوى التقنيات وطرائق التدريس بوتيرة أسرع؛ لأنه لا يتناول مضمون المقررات وإنما كيفية تقديمها أو تحسين طرائق عرضها.
فالتدخل في المقررات يكون مشروعا بأحد أمرين: لتنقية المناهج من تدخلات سياسية وأيديولوجية سابقة من دون إضفاء طابع سياسي أو أيديولوجي مضاد عليها، أو لأغراض علمية وتربوية تستهدف تطوير العملية التعليمية نفسها بعيدا عن أي غرض سياسي أو أيديولوجي، خاصة في المسائل العلمية؛ لأن المعرفة متطورة وتقنياتها متطورة كذلك، ومن هنا نميز بين 3 مصطلحات: تغيير، وتحسين، وتطوير.
وقد يجري بعض التغيير في المقررات بناء على أفكار نتفق معها، كحذف بعض المسائل المشكلة كقتل المرتد أو اعتزال الكفار والتضييق عليهم أو بعض التعميمات حول اليهود وقتلهم في آخر الزمان، ولكن المشكلة تتمثل هنا في أمرين: الأول: تحديد الجهة التي تقوم بالتعديل من حيث إن التغيير كما نراه يتم بناء على قرار سياسي أو ليتوافق مع توجهات سياسية للنظام القائم، وليس على أسس علمية، والثاني: كيفية التعديل حيث يتم التغيير كما شهدناه بالحذف والاستبعاد والتجاهل، ولا يتم بناء على قناعات أو تطوير أفكار أو تحليل نقدي علمي لها بما يتناسب مع المراحل العمرية للمتعلمين؛ خصوصا أن المدرسة ليست المصدر الوحيد للتنشئة الاجتماعية، وهو ما يعني أن التغيير مشكل من ناحيتي الشكل والمضمون، ولن يحقق تقدما في مسار العملية التعليمية والتربوية بهذه الصورة؛ فحذف مسائل من المقرر الدراسي لا يعني غيابها من وسائل التنشئة الاجتماعية الأخرى أو من الثقافة العامة أو من وسائل التواصل الاجتماعي، بل على العكس قد تكون مناقشتها بطريقة نقدية داخل المقرر الدراسي هي الطريق الأنجع.
وفي الختام، لا بد من إبقاء العملية التعليمية خارج الصراعات السياسية والأيديولوجية أولا، والإلحاح على اعتبار العملية التعليمية عملية تخصصية وتخضع لمعايير علمية وتربوية صرفة، وأن يتوافق النظام التعليمي مع قيم المجتمع نفسه وتقاليده وتاريخه، ويبني عليه ولا يقطع معه، وفي الوقت نفسه لا يتقيد به، فثمة مجال دائم ومستمر لتطوير المعرفة ولتطوير تقنيات ومناهج التدريس وأساليبه التربوية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى