الفلسطينيةمقالات

هل للعمَّال من يُمثّلهم؟ موجزُ العمل النقابيّ في فلسطين

عوني فارس | متراس

يُسلّط هذا المقال الضوءَ على تاريخ الحركة النقابيّة في فلسطين، ويستعرضُ محطّاتها المختلفة منذ ظهور العمل النقابيّ في النصف الأول من القرن العشرين حتى يومنا هذا، ويقرأ أهدافها وآليات عملها ومآلاتها، ويستذكر أبرز أجسامها التمثيليّة، مع التركيز على تلك الخاصّة بالعمّال. كما يرصدُ عوامل قوّة الحركة النقابيّة وعوامل ضعفها، وموقفَ قيادة الحركة الوطنيّة منها، وسلوك الاحتلاليْن البريطانيّ والإسرائيليّ تجاهها، ويُبْرِز احتياجاتها في المرحلة الحالية وتطلعاتها.1
من العثمانيِّين إلى السلطة الفلسطينيَّة
تعودُ جذور الحركة النقابيّة في فلسطين إلى أواخر العهد العثماني، حين ظهرت أنماطٌ قريبةٌ من النقابات الحديثة، مثل: جمعية “الإخاء والعفاف” المشكَّلة في حينه من العمّال وأصحاب الحرف. ثمَّ دخل العمل النقابيّ طوراً جديدًا أثناء الاحتلال البريطاني، خصوصاً مع زيادة عدد العمّال وصغار الموظفين والمهنيّين، وانتشارِ الوعي النقابيّ، وتصاعد حدّة الآثار السلبية للسياسات البريطانية في المجاليْن الاقتصادي والاجتماعي، فتأسَّست على سبيل المثال جمعيّة “العمال العربية الفلسطينية” عام 1923، وهي جمعيّةٌ تركَّزت مطالبها على زيادة الأجور، وتحديدِ ساعات العمل اليوميّ، والعطل المدفوعة الأجر، والإجازات السنويّة، وعلاوات السكن وغيرها، كما نفَّذت العديد من الفعاليات المطلبية. إضافةً إلى إنشاءِ نقاباتٍ مركزيّة وتأسيس جمعياتٍ تعاونيّة، مثل نقابات: معسكرات الجيش البريطاني، وعمال دائرة الأشغال العامة، وعمال دائرة البرق والبريد والهاتف، ومثل تعاونيّات: عمال ذابحي الأغنام (1939)، والجمعية التعاونيّة لعمال الخيَّاطين (1943)، وتوسيع دائرة منتسبيها ليصل عام 1947 إلى 89 ألفَ عاملٍ، وفروعها إلى ما يقارب 65 فرعاً.
على إثر ما فعلته النكبة عام 1948، أخذ الفلسطينيونَ في ترميم ما تبقّى من هياكلهم النقابيّة في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، فعاودت نقاباتُ العمال نشاطاتِها عام 1949 في مُدن نابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية، وتضاعفَ عددها حتى وصل إلى 40 نقابة و4 آلاف منتسبٍ عام 1967. كان من هذه النقابات: المطابع، والعمال، والخدمات، والخياطين، والصناعات، والنجّارين، وصانعي الأحذية، والغزل، وموظفي شركة كهرباء القدس، وعمال أمانة القدس، وعمال الدهان والطراشة، وعمال المطابع، وعمال البناء، وعمال الفنادق والمقاهي، وسائقي وعمال السيارات، وعمال المخابز. في المقابل تأسست 6 نقابات عماليّة في قطاع غزة بين عامي (1964-1965)، وهي نقابات: عمال الزراعة العرب، وعمال الصناعات المعدنيّة، والتجارة والبناء، والسائقين العرب، وعمال الخياطة والنسيج، وقد توحَّدت في إطار “اتِّحاد عمال فلسطين” في القطاع عام 1965.
كذلك ظهرت في الشتات أجسامٌ نقابيّة جديدة عملت على نشر الوعيّ الوطنيّ بين أعضائها، وشاركت في مؤتمراتٍ عربيّة ودوليّة مُخصَّصة للاتّحادات الشعبيّة، ومن هذه الاتحادات: الاتحاد العام لطلبة فلسطين (1959)، والاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين (1965). لاحقاً، دخلت الحياةُ النقابيّةُ مرحلةَ منظمة التحرير، حين أقرّ المجلس الوطنيّ عام 1968 تنظيم القطاعات الشعبية نقابيّاً ومهنيّاً، وظهرت المزيدُ من الاتحادات، مثل: الاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيّين (1969).
تراجعت الحركة النقابية داخل الأرض المحتلة بعد هزيمة عام 1967، ولم يبقَ في القدس سوى 3 نقابات، وفي نابلس 8 نقابات. ومع مرورِ الوقت ظهرت لجانٌ وروابطُ مختلفة شكَّلت أجساماً موازيةً للنقابات المهنية الأردنيّة، مثل: لجنة المحامين العرب، ورابطة الكتّاب، ورابطة الصحفيين، ورابطة الفنانين التشكيليين، ورابطة المسرحيين، ورابطة الأندية. كما استعاد اتحاد نقابات العمال نشاطهُ في نابلس عام 1969، وضمَّ نقابات: البلديات وموظفي المؤسسات العامة (جنين وطولكرم)، وسائقي السيارات وعمّال النقل والكراجات (نابلس)، والمؤسسات العامة (بيت لحم)، وعمّال البناء والمؤسسات العامة (رام الله). وبحلول عام 1980، كانَ في الضفّة الغربيّة وشرقي القدس 32 نقابة، وما يُقارب الـ 13 ألف منتسبٍ.
مع توقيع اتفاقيّة أوسلو عام 1993 عادت الهياكلُ النقابية التابعة لمنظمة التحرير للعمل. ومع تأسيس السُلطة الفلسطينيّة عام 1994، تركَّز نضالُ الحركة النقابيّة المطلبي في مواجهة سياسات السُّلطة الاقتصاديّة والاجتماعيّة. كما ظهرت نقابات مهنية جديدة، مثل: نقابة الصحفيين الفلسطينيين (1994)، ونقابة المحامين النظاميين الفلسطينيين (1997)، ونقابة الصيادلة (2016).
الأذرعُ النضاليَّة
امتازَ العمل النقابيّ في فلسطين بالتحامه بالمشهد السياسيّ طوال تاريخ الحركة النقابيّة، وكان سؤال التحرير حاضراً في محطاته المختلفة. من ذلك، مشاركةُ الشيخ عز الدين القسّام في تأسيس جمعية “العمّال العربيّة الفلسطينيّة”، والتي ربطت برنامجها بالمطالبة بالاستقلال التامّ ورفضِ الاستيطان. وممّا كان لافتاً سعيُ الجمعية إلى استغلال حضورها القوي في تأسيس حزبٍ سياسيّ منذ مؤتمرها الثاني عام 1946، والتقدّم خطوة باتجاه الانخراط بالشأن السياسيّ، وتبنّي موقف الحركة الوطنيّة في رفض قرار التقسيم والمطالبة بالاستقلال.
كذلك، فقد شكَّلت مشاركةُ الاتحادات الفلسطينيّة في المجلس الوطني منذ عام 1969 استمراراً لارتباط العمل النقابيّ بالمشروع الفلسطينيّ التحرري، إذ نظر النقابيون لإعادة إحياء العمل النقابي والمؤسساتي في الأرض المحتلة باعتباره حاضنةً تعزّز صمود الفلسطينيين وتفتح المجال للمشاركة في النضال الوطنيّ في مواجهة الاحتلال.
وساهمَ صعودُ منظمة التحرير وفصائل العمل الوطنيّ في تعزيز الدور السياسيّ للنقابات داخل الأرض المحتلة، والتي اعتُبرتْ في حينه أذرعاً نضاليّةً لمنظمة التحرير الفلسطينيّة. لبَّت النقابات دعواتِ المنظمة للوقوف ضدَّ سياسات الاحتلال، واتَّخذت مواقفَ منسجمةً مع توجّهات القيادة الرسمية للاستفراد بالحالة الفلسطينية بعيداً عن تدخُّلات دول الإقليم. مثالُ ذلك ما حدثَ حين استقل نقابيو الأرض المحتلة عن الاتحاد العام للعمال في الأردن، وفكُّوا الارتباط بالمركز الرئيس في عمان عام 1972، وأطلقوا على فرعهم اسم الاتحاد العام لنقابات العمال في الضفة الغربيّة.
أمَّا في ظلّ السُّلطة الفلسطينيّة، فقد تراجعت النشاطاتُ النقابيّة ذات البعد السياسيّ، واكتفت النقاباتُ بالحد الأدنى من ذلك النشاط من خلال إصدار البيانات في المناسبات والأحداث السياسيّة الكبرى، والمشاركةِ في الفعاليات الوطنيّة المختلفة من مسيراتٍ واعتصاماتٍ ووقفاتٍ احتجاجية، والمساهمة في حملة مقاطعة المنتوجات الإسرائيلية، وحملات مقاومة الجدار والاستيطان.
هكذا شُلّت الحركة النقابيّة
حاولَ البريطانيون خلال فترة احتلالهم لفلسطين، تحجيمَ الحركة النقابية الفلسطينيّة عبر اعتقال النقابيين والتلكؤ في إصدار الترخيص لجمعية العمّال العربية الفلسطينية، ثمَّ منافستها والتعطيل عليها بتشكيل أجسامٍ موازية لها، مثل: جمعية الموظفين العرب. كذلك، شكّل الوجود النقابي الإسرائيليّ تحدياً إضافيّاً على الحركة النقابيّة، إذ عملت “الهستدروت” على تصدير نفسها باعتبارها ممثلاً لجميع العمال في فلسطين، يهوداً كانوا أو عرباً، وعملت على إعاقة حصول العرب على ترخيصٍ رسميّ.
أثّر مثلُ هذا الواقع على الحركة النقابيّة، فأضعفَ من بنيتها الداخليّة وشطر أجسامها التمثيليّة. فمثلاً: عجزت جمعية العمّال أثناء الاحتلال البريطانيّ عن صهرِ جميع الكوادر النقابيّة داخلها، فأسَّس الحزبُ الشيوعيّ الفلسطينيّ جسماً موازياً أسماه اتحاد نقابات وجمعيّات العمّال العرب. تكرَّر ذات المشهد داخل الأرض المحتلة بعد الاحتلال الإسرائيلي، إذ انقسم اتحاد العمّال إلى ثلاثة اتحادات عام 1986، وأصبحَ لكلِّ فصيلٍ نقاباته الخاصة.
ليس هذا فحسب. بل قامَ الاحتلالُ الإسرائيليّ بعددٍ من الإجراءات المُعيقة للحركة النقابيّة، بغية إضعافها وشلّ حركتها. من هذه الإجراءات: فصلَ نقابات القدس عن باقي نقابات الضفة الغربيّة، ورَفضَ الترخيص للنقابات الجديدة، وقَمعَ النقابيين عبر اعتقال قادة وكوادر نقابيين وإبعاد بعضهم، وتغيير القوانين الناظمة للعمل النقابيّ لتكون في صالح الاحتلال، وإعطاءِ صلاحياتٍ واسعة لضابط العمل الإسرائيلي، وتعزيز دور الأجسام النقابية الإسرائيلية.
كذلك، تراجعت الحركة النقابيّة نتيجة محاولات منظمة التحرير الفلسطينيّة ضبط إيقاعه وفقاً لهواها، من خلال التدخّل في أنظمة الاتحادات الداخليّة وآليّات عملها. فمثلاً، أثَّر التوتر بين جمعية العمّال العربية الفلسطينية وقيادة الحركة الوطنيّة سلباً على نضال الجمعية المطلبي، خصوصاً مع اغتيال النقابي سامي طه عام 1947. هكذا، ومع مزيدٍ من سيطرة منظمة التحرير على العمل النقابي، تحوّلت الاتحادات النقابيّة إلى أدواتٍ سياسيّة، فورثتْ صراعاتِ المنظَّمة الداخليّة، وباتَ الانتماء السياسيّ شرطاً مسبقاً لاختيار قيادة الاتحادات بدلاً من الكفاءة النقابية، وهو ما أدَّى إلى إضعافِ بنية الاتحادات وأدائها.
ازدادت الهيمنة الحزبيّة على الحركة النقابيّة في مرحلة السلطة الفلسطينية، إذ هيمنَ عليها الحزب الواحد، فتحوّلت إلى منصّةٍ للعمل الحزبي بعيداً عن مصلحة منتسبيها. واجه اتحاد العمّال الاستفرادَ في قيادته، ممّا جعله عاجزاً عن توحيد نفسه بين الضفّة وغزّة، فأدّى ضعفه وتفكّكه هذا إلى ظهور أجسامٍ موازية له، مثل: اتحاد النقابات العماليّة الفلسطينيّة الذي تأسس عام 2016.
الترهّل ليس قدراً أبديّاً
لعبت التحديات الكبرى التي واجهتها الحركةُ النقابيّةُ دوراً رئيساً في تراجع دورها، لكنَّ هذه الحالة ليست قدراً أبديّاً، إذ يمكن للحركة النقابيّة استعادة ألقها ودورها الرياديّ عبر إعادة تأهيلها للعمل في بيئةٍ سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ تحمل خصوصية الحالة الفلسطينيّة. ولأجل تحقيق ذلك، لا بدَّ من تلبية العديد من الاحتياجات:
أولها مُتعلّقٌ بالتطوير القانونيّ، عبر إصدار قانونٍ لحماية الحقوق والحريات النقابية.

ثانيها، احتياجات بنيويةٍ وإداريّة وتنظيميّة داخل الأجسام النقابيّة نفسها، ناهيك عن الاحتياجات البرامجية والعملية المرتبطة بنشر الوعي الحقوقي والقانوني في صفوف العمال. إذ تحتاج النقابات إلى جذبِ العمّال من خلال حملاتٍ توعوية في صفوفهم، وتقديم الخدمات لهم، والحرص على تحقيق مصالحهم، وبالتالي دفعهم إلى زيادةِ توجههم نحو الانتساب للنقابات والانخراط في نشاطاتها.
أمّا ثالثها، فهو في تحقيق التوازن بين الشعار السياسيّ والبرنامج المطلبيّ داخل الحركة النقابيّة. يتطلَّبُ ذلك جهداً موازياً من خارج منظومة العمل النقابي، يعيد فيها النظام السياسي الفلسطيني تفعيلَ حواضن العمل السياسي الرئيسة، بحيث يسمح بدخولٍ سلسٍ للقوى السياسيّة الحيّة داخل مختلف الهياكل السياسية والأجسام التمثيلية وفق قوتها في الشارع. حتّى يتحقّق ذلك، نحن بحاجةٍ إلى إحياء المنابر السياسية الرسمية، مثل: المجلسيْن التشريعيّ والوطنيّ، وإعطاءُ مساحةٍ أكبرَ من الحرية لتحرّك الحركات والأحزاب في الشارع وفي وسائل الإعلام.
مُقابل ذلك، على الأحزاب والحركات السياسيّة إعادةُ النَّظر في رؤيتها للحركة النقابيّة، بما يتوافق والتطلعات الهادفة لتعزيزِ مكانةِ ودور الحركة النقابية وبرامجها المطلبية، مع الحرصِ على أنْ لا تتخلَّى النقاباتُ والاتحادات عن دورها في القضايا المحورية التي تهمُّ الشعب الفلسطينيّ وحركته الوطنية.
تأثّرت الحركةُ النقابيّة طوال تاريخها بوقوع فلسطين تحتَ الاستعمار، وشهدت فاعليتها مدّاً وجزراً تِبعاً لواقع الحركة الوطنيّة. وعلى الرغم مما تمرُّ به الحركة النقابية هذه الأيام من تراجعٍ في الحضور والتأثير، إلا أنّ إمكانية إعادة الحياة لأجسامها التمثيليّة واردة. ما نحتاجه هو إرادةٌ سياسيّةٌ ومسارٌ جادٌّ  تجري فيه إصلاحاتٌ عميقة على الحركة النقابيّة، تعودُ من خلالها إلى فعاليّتها المعهودة في تاريخ المجتمع الفلسطينيّ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى