الانتخابات الفلسطينيةمقالات

الخيارات الفلسطينية المتاحة بعد تأجيل الانتخابات

علاء الجعبري | مركز رؤية للتنمية السياسية

خلال اجتماع استثنائي للقيادة الفلسطينية عقد في رام الله يوم الخميس 29/4/2021، أعلن الرئيس محمود عباس عن تأجيل عقد الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 22/5/2021، وذلك لحين سماح “إسرائيل” بعقد الانتخابات في القدس الشرقية، انتخابًا وترشيحًا. وأشار عباس إلى رسالة وصلته من الجانب الإسرائيلي جاء فيها: “نأسف يا جيراننا الأعزّاء أنّنا لا نستطيع أن نعطيكم جوابا بشأن القدس، السبب ليس لدينا حكومة لتقرر”. بعد هذا الاجتماع صدر المرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات، وجاء في نص المرسوم: “تأجيل الانتخابات العامة (التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني)، التي تمت الدعوة لإجرائها بالمرسوم الرئاسي رقم (3) لسنة 2021، الصادر بتاريخ 15/1/2021، إلى حين توفر شروط إجرائها في الأراضي الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها القدس العاصمة وفقًا لأحكام القانون”.
لاقى قرار تأجيل الانتخابات استياءً واعتراضًا واسعًا من غالبية القوائم المرشحة لانتخابات التشريعي، فقد عبرت حركة حماس عن رفضها لتأجيل الانتخابات، حيث قال رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية، إن الأسباب وراء قرار تأجيل الانتخابات غير مقنعة إطلاقا، وإن ذلك يعني إلغاء حق الشعب الفلسطيني ومصادرته. وأضاف هنية في كلمة متلفزة، أن حركته، كانت وما زالت، مع إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني في تواريخها المحددة (في أيار/ مايو)، واقترح بعض البدائل، كأن توضع صناديق الاقتراع في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة.
وأكد هنية موقف حماس الرافض للانتخابات من دون القدس، مشيرا إلى أن الخلاف مع الرئيس محمود عباس، هو في رهن القرار الفلسطيني ومسار التوافق بقرار الاحتلال، أو الرضوخ لإرادة “إسرائيل”، حسب تعبيره.
وعبرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن رفضها لتأجيل الانتخابات الفلسطينية، كما دعت أكثر من 15 قائمة إلى اعتصام في رام الله رفضًا لقرار التأجيل، وعقد ناصر القدة مؤتمرًا صحفيًا عن قائمة الحرية التي تمثله ومروان البرغوثي، عبر خلاله عن رفض تأجيل الانتخابات، واعتبر أن قرار التأجيل هو غصب للسلطة، ونيل من حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
كما عبرت عدة أطراف دولية عن رفضها لتأجيل عقد الانتخابات الفلسطينية، حيث عبر الاتحاد الأوروبي عن خيبة أملة من تأجيل عقد الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وحملت تركيا الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية تأجيل الانتخابات الفلسطينية، ودعت وزارة الخارجية التركية الاحتلال لاحترام بنود اتفاقية أوسلو 1995، وإنهاء موقفها الذي يمنع الانتخابات الفلسطينية في القدس.
تشير كل هذه المواقف إلى وجود جبهة فلسطينية واسعة من رافضي تأجيل الانتخابات، ووجود أطراف إقليمية ودولية تدعم عقد الانتخابات الفلسطينية، وترغب في أن يتمتع النظام السياسي الفلسطيني بشرعية مكتسبة عبر صندوق الاقتراع.
السؤال الهام هو: ما هي الخيارات الفلسطينية المتاحة بعد تأجيل الانتخابات؟
تتنوع الخيارات الفلسطينية المتاحة بعد تأجيل الانتخابات بحسب الجهات المختلفة المؤثرة في القرار الفلسطيني. تتناول هذه المقالة خيارات المؤيدين لقرار التأجيل، وهي حركة فتح وبعض فصائل منظمة التحرير، وخيارات المعارضين للتأجيل، وخاصة حركة حماس، وقائمة الحرية ممثلة بالقدوة والبرغوثي، وقائمة المستقبل التي تمثل محمد دحلان المفصول من حركة فتح، والجبهة الشعبية،  إضافة إلى قوائم المستقلين التي تشكل ما يقارب 30 قائمة.
أولا: خيارات حركة فتح
بلا شك أن حركة فتح في وضع لا تُحسد عليه، فقد ظهرت انقسامات كبيرة لديها عند تشكيلها لقائمتها الانتخابية، حيث خسرت فتح ناصر القدوة ومروان البرغوثي، عضوي اللجنة المركزية للحركة، وأدى تحالفهما إلى الإعلان عن قائمة الحرية، وهو ما شكل ضربة صعبة لحركة فتح، خاصة بسبب الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها مروان البرغوثي، إضافة إلى نية مروان البرغوثي الترشح لمنصب رئيس دولة فلسطين، وهو ما يعتبر خطرًا حقيقيًا على استقرار مؤسسة الرئاسة، وقد يكون هذا التوجه لدى البرغوثي أحد أهم الأسباب التي دفعت للتأجيل.
كما أن فتح في غزة تعاني من تنامي نفوذ محمد دحلان، وقد كانت المؤشرات تشير إلى أن قائمة المستقبل الخاصة بدحلان، ستأخذ حصة كبيرة من المخزون الانتخابي لحركة فتح في غزة، كما أن عددا لا بأس به من أبناء فتح في الضفة، لم يلتزموا بقرار الحركة الذهاب إلى الانتخابات تحت قائمة موحدة، فعمد العديد منهم إلى تشكيل قوائم انتخابية مستقلة، وظهرت تسريبات تشير إلى أن بعض قوائم المستقلين يتلقى دعما من محمد دحلان، مما يشير إلى رغبة دحلان في تشتيت أصوات حركة فتح.
أمام هذا المشهد، يبدو أن أحد أهم الخيارات لدى حركة فتح، هو توحيد صفها الداخلي، من خلال عقد مصالحات وتفاهمات مع القدوة والبرغوثي، وضمان انسحاب القدوة والبرغوثي من مشهد الانتخابات الرئاسية، مقابل حصولهما على مكاسب في التشريعي والوزارات. من مؤشرات هذا التوجه مبادرة أسرى فتح لتوحيد الحركة، والتي لم تستطع حل الأزمة.
كما أن حركة فتح قد تعمل على تفكيك قوائم المستقلين، خاصة المحسوبين عليها، ومن يأخذوا من مخزونها الانتخابي. يمكن أن تلجأ فتح لذلك من خلال الترهيب والترغيب.
وفيما يتعلق بوحدة حركة فتح، قد تكون تشكلت قناعة لدى المجتمع الدولي، بأن بقاء محمد دحلان خارج حركة فتح يهدد تماسك الحركة، فقد يكون هناك توجه دولي لعقد مصالحة ما بين دحلان وعباس، لإعطاء فتح مزيدًا من القوة والتماسك، وضمان قدرتها على هزيمة حركة حماس، والسيطرة على المشهد في فلسطين، حينها قد يصعب على الرئيس عباس رفض التقارب مع دحلان.
وفيما يتعلق بتوجهات فتح للتعامل مع المعارضين، فلا يبدو أن هناك تغييرات استراتيجية في طريقة التعاطي مع المعارضين، فقد أشار الرئيس عباس إلى ضرورة إقامة حكومة وحدة وطنية وفق الاشتراطات الدولية، مما يعني أنه يضع عقبات أمام دخول حماس في حكومة الوحدة الوطنية. كما أن نهج السلطة القاسي في التعامل مع المعارضين، يبدو أنه لن يتغير، بل يمكن أن يتعاظم، وقد تكون حادثة إطلاق النار على المعارض نزار بنات، المرشح عن قائمة الحرية والكرامة، مؤشرا لاستمرار سياسة القمع والتخويف مع المعارضين، مما يشير إلى أن الضفة الغربية ستعود إلى سالف عهدها ما قبل مرسوم الحريات، وقد يصبح واقع الحريات في الضفة أسوأ بكثير من ذي قبل.
أما خيارات فتح والسلطة في التعامل مع حركة حماس وغزة، فقد تستمر سياسة اللاموت واللاحياة تجاه غزة، وقد تحاول السلطة الحصول من حماس على تنازل كامل عن حكم غزة، مقابل فك الحصار، وسيتم استخدام حكومة الوحدة الوطنية القادمة، لمحاولة بسط نفوذ السلطة على غزة، وقد تكون الأطراف الدولية وخاصة “إسرائيل” وأمريكا، مقتنعة بأن السلطة بحاجة إلى مساعدة للتخلص من حكم حماس في غزة، خاصة أن فتح فشلت في ذلك عبر صندوق الاقتراع، وهنا قد تكون الظروف مهيأة لتوجيه ضربة عسكرية لحماس في غزة، فما لا يتم تحصيله بصندوق الاقتراع، يمكن أن يحصل من خلال العدوان، وتفكيك عناصر قوة حماس التي تؤهلها للاستمرار في حكم غزة، كما أن دحلان يمكن أن يأخذ حصته بسيطرته على غزة، دون منازعة سلطة رام الله في حكمها.
كما أن فتح ستكون في موقف ضعيف أمام المجتمع الدولي ما بعد تأجيلها للانتخابات، مما يسهل على اللاعبين الدوليين؛ وخاصة أمريكا وإسرائيل، جر فتح من جديد لمربع المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي وتقديم مزيد من التنازلات لصالح الاحتلال الاسرائيلي.
ثانيًا: خيارات حركة حماس
عبر رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية عن رغبة حركته في عدم تحويل الوضع الراهن، المتشكل نتيجة تأجيل الانتخابات، إلى صراع فلسطيني داخلي، وقال إن حركة حماس تريد أن تستمر بلغة الحوار، وهو ما يؤشر إلى توجهات الحركة في المرحلة القادمة، بالرغم من توجيه بعض أبناء الحركة الانتقادات إلى خطاب هنية، واعتباره أنه لم يرتقِ لمستوى الحدث.
أحد خيارات حركة حماس هو الدخول في حكومة وحدة وطنية، وقد يكون هذا خيارا صعبا وغير مرغوب به من قواعد الحركة، علما أن الرئيس محمود عباس وضع العراقيل أمام دخول الحركة في حكومة وحدة وطنية، كما أن العديد من المعنيين، يعتبرون دخول الحركة في حكومة وحدة وطنية، تجميلا لصورة السلطة بعد تأجيلها للانتخابات وشرعنة اللا شرعي. كما أن التسريبات التي تقول إن سلام فياض سيترأس الحكومة، تشير إلى أن أمريكا لها دور كبير في الحكومة القادمة، وأنه لن يكون لحماس مكان فيها، إلا إذا وافقت على الشروط الدولية، وخاصة الاعتراف بإسرائيل والاتفاقات الموقعة، لهذا يبدو أن خيار الدخول في حكومة وحدة وطنية، هو خيار صعب أمام حركة حماس، وفرصه قليلة جدا.
قد يكون أحد خيارات حماس الدخول في حكومة الوحدة الوطنية من خلال تسمية بعض الوزراء المستقلين كممثلين عنها، وأن تتعاون مع حكومة الوحدة القادمة بأن تسلمها قطاع غزة ضمن تفاهمات وحوارات تذلل الصعاب، خاصة أن الحركة تود التخلص من عبء حكم قطاع غزة، وإنهاء الحصار القاتل عليه.
أحد الخيارات الأخرى أمام حركة حماس، هو أن تعطي دحلان مساحة أكبر في قطاع غزة، بيد أن خطورة هذا الخيار تكمن في أنه يؤسس لانفصال غزة عن الضفة، كما أن نفوذ دحلان يشكل خطورة على حماس في حال تعاظمه.
ستحاول حركة حماس زيادة حضورها ونفوذها في الضفة الغربية، خاصة من خلال محاولتها تفعيل المقاومة، وهذا بدوره سينعكس على علاقتها بالسلطة الفلسطينية، وستعمل السلطة على قمعها بحجة أنها تخرب المشروع الوطني، مما قد يعيد المشهد إلى سالف عهده.
خيارات المستقلين
لن تشكل قوائم المستقلين حالة واضحة في رفضها لتأجيل الانتخابات، فأغلب هذه القوائم غير متجانسة، وتم حشوها بأسماء كتكملة للعدد، ويبقى هناك دور واضح للمستقلين الذين كان لهم حضور في معارضة السلطة ما قبل تشكيل القوائم، مثل الناشط نزار بنات، فهؤلاء النشطاء الذين استطاعوا تشكيل قوائم سيصبح لهم حضور أكبر، وسيكتسبون شرعية أكبر كممثلين عن قوائم ترشحت للانتخابات التشريعية، وستواجه السلطة صعوبة في قمعهم، أو إسكات صوتهم.
خيارات دحلان:
لا يبدو بأن دحلان يمتلك أوراق قوة كبيرة أمام هيمنة عباس على المشهد السياسي الفلسطيني، ولو كان يملك أيًا من أوراق التأثير، لكان له دور في فرض اجراء الانتخابات الفلسطينية من خلال حلفائه كالإمارات ومصر، لذلك قد يلجأ دحلان للأسلوب الناعم في اختراق ساحة الضفة الغربية، كما فعل مع خصومه في حركة حماس، فقد يكون على استعداد لعقد مصالحة مع محمود عباس، تضع له موطئ قدم في النظام السياسي الفلسطيني، ولكن هذا الخيار يبدو ضعيفا خاصة أن الرئيس عباس لا زال يرفضه، ولكن كما قلنا، فإن ضعف عباس قد يضطره لهذا الخيار.
الخيار الآخر لدحلان هو العمل على معاظمة قوته في غزة والبناء على ما سبق، وتعزيز تحالفاته مع حماس، وقد يشمل ذلك عروضًا لها بإدارته لقطاع غزة من خلال صيغة يتفق عليها الطرفان وتكون مقبولة دوليًا، بيد أن هذا الخيار قد لا تذهب له حماس حتى النهاية، وقد تفضل الاستفادة من دحلان بالتنفيس على المحاصرين فقط، مع إبقاء نفوذه في حده الأدنى.
والبرغوثي والقدوة
لا يستطيع الرئيس الفلسطيني تحديد موعد جديد للانتخابات طالما أن البرغوثي ينوي الترشح للانتخابات الرئاسية، وأيضًا الخيارات هنا محدودة، فقد لا يستطيع الرئيس عباس إقناع الإسرائيليين والأمريكان أن يدخل في قائمة مع البرغوثي بحيث يسند للأخير منصب نائب الرئيس، فقد ظهرت اعتراضات إسرائيلية وأمريكية على شمول قائمة فتح أسماء أسرى متهمين بقتل يهود، لذلك قد يراوح هذا الملف مكانه، وقد يشكل عائق كبير أمام الإعلان عن موعد جديد للانتخابات، الا إن استطاع فريق عباس عقد صفقة مرضية للبرغوثي تشمل انسحابه من مشهد الانتخابات الرئاسية.
أما القدوة فموقفه ضعيف، وعنصر القوة الوحيد الذي يمتلكه هو تحالفه مع البرغوثي، فإن ذهب البرغوثي الى تسويات مع الرئيس عباس دونه سيكون أكبر الخاسرين، أما إن تمسك البرغوثي بتحالفه مع القدوة، فسيرتبط مصيره بما يحدث من تطورات بين البرغوثي وعباس.
خلاصة: 
المشهد الفلسطيني خطير، ويشير إلى فترة جديدة من تدني الحريات، وتعظيم سلطة الفرد، وتبني الدكتاتورية كنظام حكم. وإن لم يتحلَّ الجميع بشيء من العقلانية، وتغليب لغة الحوار، فإننا سنتجه إلى صراعات فلسطينية داخلية، وانقسامات عميقة تحيل حياة الفلسطيني إلى جحيم.
فتح قررت مسارها بتبني الدكتاتورية كنظام حكم، وبالنسبة لحماس، فإغلاق الأفق السياسي أمامها لفك الحصار عن غزة يعني أنها قد تتجه للخيار العسكري.
الملفات ساخنة في المنطقة، وكل الخيارات تشير الى تصعيد الأمور سواءً على الصعيد الداخلي أو على صعيد العلاقة مع الاحتلال، كل ذلك يترافق مع هجمة استيطانية شرسة وحكومة يمينية تمتهن الاعتداء على المسجد الأقصى، لهذا فالمجتمع الدولي أمام خيارين: إما فك الحصار عن غزة وكف يد الاحتلال عن المسجد الأقصى وتسوية الأوضاع الداخلية الفلسطينية من خلال عقد الانتخابات التشريعية، أو الذهاب الى مسار تصعيدي قد يصل الى حد اندلاع انتفاضة ثالثة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى