الشؤون الإسرائيليةمقالات

حكومة إسرائيل الجديدة سوف تعمق التصدعات ولن تنهيها

كانت الصورة غير مسبوقة. ظهر فيها منصور عباس، زعيم حزب إسلامي فلسطيني في إسرائيل، وهو يوقع اتفاقاً مساء الأربعاء للمشاركة في “حكومة تغيير” جنباً إلى جنب مع زعيم المستوطنين نفتالي بينيت.

سوف يسعى رئيس الوزراء في حكومة تصريف الأعمال بنيامين نتنياهو، وبكل ما أوتي من قوة، لإيجاد وسيلة لإفشال الائتلاف خلال الأيام القليلة القادمة قبل جلسة التصويت على الثقة التي سيعقدها البرلمان (الكنيست). ولكن فيما لو أخفق، فستكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ البلد، الذي تأسس قبل ثلاثة وسبعين عاماً، التي ينضم فيها حزب يقوده مواطنون فلسطينيون – أو يسمح له بالانضمام – إلى حكومة إسرائيلية.

فيما عدا رمزية اللحظة، لا يوجد سبب آخر للاحتفال بالحدث. بل من المؤكد أن مشاركة القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس وبأعضائها الأربعة في البرلمان في ضمان حكومة أغلبية يقودها بينيت ويائير لابيد سوف تؤدي في الأغلب إلى مزيد من التدهور في العلاقات بين الأغلبية والأقلية.

سيكون لهذه اللحظة ما بعدها وسيأتي يوم الحساب، ولسوف يدفع المواطنون الفلسطينيون، الذين يقدر عددهم بما يقرب من 1.8 مليون نسمة – أي خمس عدد السكان الإجمالي، الثمن باهظاً جداً.

إن السبب الوحيد من وجود هذا الائتلاف المؤقت – المادة اللاصقة الوحيدة التي تجعله يتماسك – هو مشاعر العداء التي تكنها مختلف الأحزاب المشكلة له تجاه نتنياهو. وفي معظم الأحوال، لا يستهدف هذا العداء مواقفه السياسية وإنما يستهدف شخصه كما يستهدف القبضة المفسدة التي أحكمها على النظام السياسي الإسرائيلي طوال الاثني عشر عاماً الماضية.

يبدأ “التغيير” الذي يشير إليه هذا الائتلاف الحكومي وينتهي بإزاحة نتنياهو من السلطة.

إساءة مزدوجة

بالكاد يحتاج المرء إلى التصريح بإن بينيت، الذي سيتولى أولاً منصب رئيس الوزراء بالتبادل مع لابيد، أكثر يمينية من نتنياهو. بل إن ثلاثة على الأقل من الأحزاب الرئيسية المكونة للائتلاف، إن لم يكن أكثر، أشد شراسة قومية من نتنياهو نفسه، ولطالما كانوا في أي ظروف أخرى في غاية الحماسة للمسارعة إلى الانضمام إلى حكومة يشكلها حزبه، حزب الليكود.

بينما كان بينيت ومنصور يدلفان إلى فندق بالقرب من تل أبيب للتوقيع على اتفاق تشكيل الائتلاف وعقارب الساعة توشك على الاقتراب من نهاية المهلة التي منحها لابيد لتشكيل الحكومة، تجمهر متظاهرون من أتباع اليمين وهم يهتفون بصخب في الخارج ضد بينيت الذي اتهم بأنه ينضم إلى “حكومة يشارك فيها داعمو الإرهاب.”

لقد أسخطت أفعال بينيت الكثيرين من أتباع التيار اليميني القومي المتطرف لدرجة أنه وعدد من أعضاء حزبه “يمينا” خصصت لهم حراسات خشية تعرض أي منهم لمحاولة اغتيال.

لم ينس أحد أن معسكر الاستيطان الذي يتزعمه بينيت هو الذي أفرز شخصاً مثل ييغال عامير، الرجل الذي قام في عام 1995 بإطلاق النار على رئيس الوزراء حينذاك إسحق رابين فأرداه قتيلاً وذلك بهدف إفشال اتفاقيات أوسلو للسلام مع الفلسطينيين. لقد أقدم عامير على قتل رابين على الأغلب لأن الأخير اعتبر خائناً للشعب اليهودي لسماحه للعرب – أي الأحزاب الفلسطينية الممثلة داخل البرلمان – بتعضيد حكومة الأقلية التي شكلها حين صوتوا لصالح سن تشريع ضروري للبدء بتطبيق عملية أوسلو.

سلسلة الأحداث التي تلت عملية الاغتيال باتت معروفة جيداً. فقد مال الإسرائيليون أكثر نحو اليمين وانتخبوا نتنياهو. وما لبثت مسيرة أوسلو مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات أن أجهضت، وتفجرت الانتفاضة الفلسطينية رداً على ذلك، واكتملت الدائرة بعودة نتنياهو إلى السلطة، حتى غدا رئيس الوزراء الذي يمكث أطول حقبة من الزمن في الحكم في تاريخ إسرائيل.

كل من هم على شاكلة ييغال عامير ولديهم القابلية لأن يسيروا على دربه غاضبون اليوم بسبب سلوك بينيت، الذي يعتبرون أنه قد أساء إليهم، ويعتقدون أنه طعن الزعيم الطبيعي للتيار اليميني، نتنياهو، في ظهره، بينما سمح لمنصور عباس – الذي يعتبره اليمين الإسرائيلي رجل حماس داخل الكنيست – بإملاء السياسة على أصحاب الأرض من اليهود.

التشبث بالموقف

من الملاحظ أن بينيت ومنصور عباس كانا آخر من وقع على اتفاق تشكيل الائتلاف، بعد أن مارس كلاهما لعبة التشبث بموقفه حتى اللحظة الأخيرة لانتزاع مزيد من التنازلات مع أن كلاً منهما يجازف بإثارة حنق قاعدته الجماهيرية من خلال إعطاء الانطباع بأن أحدهما يتعاون مع الآخر.

لسوف يسعى المعلقون نحو تصوير هذا الاتفاق بين زعيم المستوطنين ورئيس حزب إسلامي على أنه لحظة سانحة قد تشكل فرصة للوئام بعد شهر من الاقتتال المجتمعي الداخلي في مدن وبلدات إسرائيل.

إلا أن هذه القراءة مضللة تماماً كما هي الرواية التي يتم سردها حول “الصدامات اليهودية العربية” الأخيرة. فالحقيقة هي أن الاحتجاجات التي قام بها الشباب الفلسطيني ضد التمييز المنتظم إنما تصاعدت وتحولت إلى مواجهات فقط بعد أن لجأت الشرطة الإسرائيلية إلى العنف وسمحت للأوباش اليهود بتولي زمام تطبيق القانون بأنفسهم. وكما أن ميزان القوة في الشوارع مال بشدة لصالح هؤلاء اليهود الذين تطوعوا لإنفاذ القانون بأنفسهم، فلسوف ينحاز ميزان القوة داخل هذا الائتلاف الجديد ليعمل بحزم ضد منصور عباس.

عندما تحدث على الملأ يوم الأحد، وكانت عمليات التفاوض مازالت تجري على قدم وساق من وراء الكواليس، تفاخر بينيت بسجله كزعيم سابق لمجس إدارة المستوطنات اليهودية. ولسوف يكون ذلك هو عنوان “حكومة التغيير” المقترحة.

حلف مع “الشيطان”

أثناء مفاوضات تشكيل الائتلاف، جنحت أحزاب ميريتس والعمل الأكثر اعتدالاً نحو الخضوع تارة أخرى لمطالب اليمين المتطرف والأحزاب الاستيطانية بشأن المناصب الوزارية والسياسة المتبعة. وذلك لأن المعتدلين لا يجدون ملاذاً آخر.

فقد أسسوا استراتيجيتهم الانتخابية بأسرها على فكرة الإطاحة بنتنياهو بأي ثمن، مستخدمين المظاهرات التي انطلقت في الشوارع ضد نتنياهو خلال العامين الماضيين صرخة لتجميع القوى ضده، ولم يكن من الوارد السماح بأن يراهم الناس يفوتون هذه الفرصة.

في المقابل، وكما تثبت التهديدات بالقتل، ستكون خسارة بينيت أكبر بكثير. ففي استطلاع أخير لآراء الناخبين الذين صوتوا لحزبه، قال ستون بالمائة منهم إنهم ما كانوا ليدعموه لو علموا أنه سينضم إلى ائتلاف مع لابيد. ولا تقل عن ذلك مجازفة جدعون سعار، الذي انشق حزبه، حزب الأمل الجديد، عن حزب الليكود في تحد لنتنياهو، ولا مجازفة أفيغدور ليبرمان، السياسي الاستيطاني الذي رأت فيه قاعدته اليمينية رجلاً قوياً قادراً على تمثيل مصالحها.

يتوجب على هؤلاء الثلاثة الآن عمل كل ما في وسعهم أثناء فترة الحكومة الجديدة – إذا ما تم لها الأمر – لإقناع قواعدهم الانتخابية بأنهم لم يخونوا القضايا المفضلة لدى تيار اليمين، من الاستيطان إلى الضم. إلا أن نتنياهو سيعمل، من كل حدب وصوب وبكل ما أوتي من قوة، على استمالتهم، مستثيراً العواطف في صفوف أتباع اليمين – على الأقل إلى أن يُكره على التنحي، إما من قبل حزبه أو من قبل حكم يصدر بحقه في قضية الفساد التي يحاكم بشأنها حالياً.

لسوف يستمر نتنياهو بكل الشراسة التي تتسنى له في التحذير من أن خصومه في التيار اليميني أبرموا تحالفاً مع “الشيطان” العربي. يتوهم من يستبعد ذلك من نتنياهو الذي لم يتورع يوماً عن التحريض ضد الأقلية الفلسطينية، ولا يتصور أن يضبط نفسه ويتجنب القيام بذلك هذه المرة.

يعي بينيت المخاطر، ولهذا فقد حاول شرعنة تعاملاته مع منصور عباس يوم الخميس من خلال الإشادة به بوصفه “الزعيم الشجاع”. إلا أن بينيت كان حريصاً أيضاً على التأكيد على أن منصور عباس لن يكون ضالعاً في أي قضايا أمنية، وأنه ليس مهتماً بمسألة “القومية” – مشيراً في هذه الحالة إلى أن منصور عباس لن يقدم أي دعم للفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال ولن يطالب بتعزيز الحقوق القومية للمواطنين الفلسطينيين بحيث تصبح على نمط ما يتمتع به اليهود الإسرائيليون.

في وقت مبكر من يوم الخميس حذر نتنياهو من أن الائتلاف الجديد خطير ويساري. وغالباً ما سيحتل مقعد القيادة حتى عندما يكون في المعارضة. وبذلك فإن “حكومة التغيير”، وبدلاً من أن تكون بلسماً يشفي البلاد، قد تؤدي إلى تفجر مزيد من العنف في الشوارع، وخاصة إذا ما اعتقد نتنياهو أن مثل هذا التدهور قد يفضي إلى إضعاف بينيت كرئيس للوزراء.

انتزاع المكاسب

يقال إن منصور عباس، زعيم القائمة العربية الموحدة، ظل ممتنعاً حتى النهاية قبل التوقيع، وذلك أن استراتيجيته الانتخابية بأسرها كانت قائمة على إنهاء الإقصاء الدائم الي يمارس بحق الأحزاب الفلسطينية واستبعادها من المشاركة في السياسة الوطنية الإسرائيلية، وسيكون حريصاً على إثبات ذلك الكم من المكاسب التي بإمكانه انتزاعها من خلال دوره داخل الحكومة – حتى لو كانت معظمها امتيازات طالما تمتعت بها الأغلبية اليهودية بوصفها حقوقاً.

ذهب منصور عباس يشيع بأن الاتفاق سوف “يقدم حلولاً للقضايا الملحة داخل المجتمع العربي – التخطيط، أزمة الإسكان، وكذلك بالطبع مكافحة العنف والجريمة المنظمة.” ويقال إنه تمكن من ضمان تخصيص ستة عشر مليار دولار على شكل ميزانيات إضافية للتطوير والبنى التحتية، وكذلك ضمان أن ثلاثة من القرى البدوية التي طالما رفضت الدولة الاعتراف بها سوف يتم منحها وضعاً قانونياً.

كما يدفع منصور عباس باتجاه إلغاء قانون صدر في عام 2017 من شأنه أن يهدد بهدم عشرات الآلاف من المنازل داخل المجتمعات العربية في إسرائيل.

ولدى الحديث عن الدور الجديد الذي ستلعبه القائمة العربية الموحدة، قال أحد زملائه النواب واسمه وليد طه: “منذ عقود والإسرائيليون العرب (المواطنون الفلسطينيون) بلا نفوذ، أما الآن فقد بات الجميع يعلم بأننا نحسم الأصوات حين يتعلق الأمر بالسياسة.”

لدى منصور عباس كل المحفزات لاستخدام مثل هذه الادعاءات للسع ظهور منافسيه في القائمة المشتركة، والتي هي عبارة عن ائتلاف يجمع عدداً من الأحزاب الفلسطينية التي ستبقى في المعارضة. فهو بحاجة إلى التأكيد على دوره في إحداث تغيير، الأمر الذي سيبدو معه عملهم بلا تأثير.

عداوة وازدراء

ولكن بالرغم من الوعود التي أغرت منصور عباس بالمشاركة في الحكومة الجديدة لسوف يواجه مسيرة مضنية في سبيل ضمان ترجمة أي منها إلى تغييرات ملموسة على الأرض.

سوف ينشغل لابيد في منصبه كوزير للخارجية في الترويج لهذه المرحلة الجديدة من السياسية الإسرائيلية. أما بيني غانتز، وزير الدفاع الحالي، والذي أشرف بنفسه على تدمير غزة تارة أخرى، فلسوف يستمر فيما هو عليه من نهج.

وفيما يتعلق بالحقائب الوزارية الرئيسية التي تعنى بالشأن المحلي، فهذه سوف يشغلها أتباع اليمين المتطرف. إذ سيتحكم ليبرمان بالمخصصات وبتوزيعها عبر وزارة المالية، مؤثراً المستوطنات بالمال على حساب المجتمعات الفلسطينية داخل إسرائيل. أما شريكة بينيت، أياليت شاكيد، فستشغل منصب وزيرة الداخلية، الأمر الذي سيعني أن المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة سوف تعامل على أنها جزء لا يتجزأ من إسرائيل وعلى أنها أكثر انتماء للدولة من مجتمعات المواطنين الفلسطينيين. وسيشغل سعار منصب وزير العدل، وستناط به مهمة إدارة النظام القضائي والدفع به أكثر نحو اليمين.

في مواجهة هذه الكتلة، والتي سيحرص كل عناصرها على إعطاء الانطباع بأنهم يتمسكون بقيم اليمين ويعلونها، سوف يجد منصور عباس عنتاً شديداً في سبيل تحقيق أي تقدم. وهذا دون الأخذ بالاعتبار الوضع الذي سيجد فيه نفسه فيما لو اتجه بينيت نحو ضم الضفة الغربية، أو فيما لو أمر باقتحام آخر من قبل الشرطة للمسجد الأقصى، أو أشرف بنفسه على طرد العائلات الفلسطينية من حي الشيخ جراح، أو أصدر أمراً بشن هجوم جديد على غزة.

وكان منصور عباس قد توقف عن مفاوضات الائتلاف أثناء هجوم إسرائيل على غزة الشهر الماضي. لن يتمكن من فعل نفس الشيء من داخل الحكومة، إذ سوف يتعرض حينها للاتهام المباشر.

ونتيجة لذلك، من المحتمل أن ينتهي المطاف بالمواطنين الفلسطينيين وقد زالت كل غشاوة عن أعينهم إزاء هذا النظام السياسي الذي طالما عاملهم بمزيج من العداوة والازدراء. فأخيراً سيكون لديهم من يمثلهم داخل الحكومة ولكن ستستمر الأمور على ما هي عليه خارجها دون تبديل، وبذلك لن تتلاشى العوامل التي فجرت الاحتجاجات بين الشباب الفلسطيني داخل إسرائيل الشهر الماضي.

والسيناريو الأكثر احتمالاً خلال الشهور القادمة هو أن نتنياهو وبينيت سوف يخوضان منافسة شرسة على من منهما يستحق لقب “بطل اليمين”. سوف يسعى نتنياهو إلى كسر جزء من الائتلاف في أسرع وقت ممكن من خلال التحريض على منصور عباس وعلى الأقلية الفلسطينية، أملاً في الحصول على فرصة أخرى للبقاء في السلطة. وبالمقابل لسوف يحاول بينيت الضغط على الليكود حتى يتخلى عن نتنياهو حتى يتسنى لبينيت إحداث انهيار في “حكومة التغيير” والعودة في أسرع وقت ممكن للانضمام من جديد إلى حكومة ليكودية يمينية متطرفة ذات أغلبية كبيرة.

لن تتلاشى التصدعات، ولن يتم إحياء التعايش، إلا أن الذي سيحدث هو عودة اليمين القومي المتطرف إلى التمكن، سواء بقي نتنياهو أم ذهب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى