القضية الفلسطينية

إسرائيل–فلسطين: المنظومة الطبيعية للاحتلال توشك على الانتهاء

دايفد هيرست | عربي ٢١

الخاسرون من حرب غزة – إسرائيل والسلطة الفلسطينية – كلاهما ردا على المظاهرات التي خرجت في القدس ورام الله ومختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة أثناء أحد عشر يوماً من الاستخدام الأقصى للقوة. لقد تسنى إعادة “الهدوء” إلى الأحياء الفلسطينية في البلدان والقرى داخل إسرائيل وفي الضفة الغربية المحتلة من خلال الاعتقالات.

بحسب الإحصائيات الأخيرة فقد ألقت القوات الإسرائيلية القبض على 2100 فلسطيني داخل إسرائيل وأكثر من 1800 داخل الضفة الغربية المحتلة. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت منظمة اسمها “محامون من أجل العدالة” ومقرها رام الله أن الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية ألقى القبض على عشرين فلسطينياً غالباً بتهمة “التحريض على الصراع الطائفي” وكذلك “الطعن” في السلطة.

أقامت الشرطة في محطتها بمدينة الناصرة ما وصفته منظمة عدالة، المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، بغرفة التعذيب، وقيل إن المعتقلين يقادون إلى داخل غرفة تقع على الجانب الأيسر من قاعة مدخل المحطة حيث يجبرون على الجلوس على الأرض وأيديهم في الأغلال ويجبرون على طأطأة رؤوسهم باتجاه الأرض.

ثم بدأ ضباط الشرطة بضربهم على كل أجزاء البدن باستخدام الهراوات والرفس، وراحوا يخبطون رؤوسهم بالجدران أو الأبواب، وأكثر من ذلك. وتقول عدالة إن ضباط الأمن أصابوا المعتقلين بجراح وأرهبوهم، وكل من يجرؤ منهم رفع رأسه إلى أعلى فإنه يجازف بتلقي المزيد من الضرب على أيدي الضباط، وتقول إنه طبقاً لإفادات الشهود فقد كانت أرضية الغرفة ملطخة بالدماء بسبب الضرب.

وطبقاً لهيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين فقد رافق الاعتقالات الأخيرة في مختلف أرجاء البلاد شن هجمات وحشية، بما في ذلك توجيه الإهانات والضرب وتخريب محتويات مساكن المواطنين وممتلكاتهم.

ولكن لا إسرائيل ولا السلطة الفلسطينية تمكنتا من استعادة النظام بالطريقة التي ما لبثتا تقليدياً تستوعبان هذا المفهوم. وذلك لأنهما تجدان أنه لا يوجد “وضع طبيعي جديد” حتى يعودا إليه. فثمة شيء جوهري قد تغير.

انهيار أسطورة حل الدولتين

نشهد انهيار الوضع القائم الذي ظل على مدى عقود يخدم مصالح إسرائيل التوسعية ومصالح داعميها الغربيين الذين غذوا أسطورة مفادها أن حل الدولتين يمكن أن يُنجز فيما لو تحقق الاصطفاف المناسب للنجوم.

يتشكل هذا الوضع القائم من دورة كاملة من الوقود النووي: عمليات إخلاء الفلسطينيين والمستوطنات اليهودية في شرائح من السجق، وحملات قصف قصيرة من أجل “قص العشب” لدى المقاومة الفلسطينية المسلحة، ومحادثات تستخلص التنازلات بالتراكم من القيادة الفلسطينية، وتمهيد الأرض لإقامة المزيد من المستوطنات، في الوقت الذي استسلم فيه المفاوضون الفلسطينيون وتخلوا عن الاعتراض على هذه النقطة.

قبل وقت طويل من خطة نتنياهو ضم المستوطنات في القدس الشرقية كان المفاوض الفلسطيني الراحل صائب عريقات قد منح نظيرته الإسرائيلية تسيبي ليفني “أكبر يوراشليم (القدس) في التاريخ”.

يوشك النظام الطبيعي للاحتلال على الانتهاء. يجري هذا الانهيار بالتزامن على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني على حد سواء من خلال عمليات مرتبطة ببعضها ولكن في نفس الوقت مستقلة عن بعضها البعض.

فبعد أربعة انتخابات غير حاسمة باتت إسرائيل نفسها في حالة من الهيجان والاضطراب. ولا أدل على ذلك من أن نفتالي بينيت ونائبته في حزب يمينيا كلاهما خصصت لهما حراسات شخصية من قبل الشرطة بينما حذر رئيس الشين بيت، جهاز الأمن الداخلي في إسرائيل، بأن التحريض المتصاعد عبر مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن يفضي إلى “أعمال عنف”.

بدأت تجري المقارنات مع ظروف اغتيال إسحق رابين – ولكن على النقيض مما كان عليه الحال في تلك الأيام حينما كانت إسرائيل واقعة تحت هيمنة حزبين رئيسيين، العمل والليكود، يعاني الكنيست اليوم من حالة من التشرذم إذ يتشكل عدد كبير من الأحزاب الصغيرة، أكبرها هو الليكود الذي فاز في الانتخابات الأخيرة بثلاثين مقعداً.

اليمين أو اليمين

يجري تنظيم عمليات التحريض من قبل العشيرة التي تحيط برئيس الوزراء المنتهية صلاحيته بنيامين نتنياهو. قال هاغي بن آرتزي، شقيق سارة نتنياهو، زوجة رئيس الوزراء، إن قرار بينيت الدخول في شراكة مع الوسطي يائير لابيد ينطبق عليه التعريف التوراتي للخيانة. وأما نجل نتنياهو، يائير، فتم توقيف حساباته في إنستغرام وتويتر بشكل مؤقت بعد أن نشر عنوان منزل نير أورباخ، عضو الكنيست من حزب يمينا.

فيما يعتبر محاكاة لموقف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الإقرار بالهزيمة، قال نتنياهو إن إسرائيل تشهد “أكبر احتيال انتخابي” في التاريخ. يعتبر نتنياهو خروجه الوشيك من السلطة خطراً وجودياً يتهدد إسرائيل نفسها، لدرجة أنه استدل على ذلك بقصة موسى، قائلاً إن أولئك الذين عارضوه عاقبهم الرب حينما انشقت الأرض وبلعتهم.

بل وتنتظر إسرائيل وقائع أخروية أخرى مشابهة طبقاً لنتنياهو الذي وصف الحكومة الجديدة بقيادة بينيت من تيار اليمين المتطرف بأنها “حكومة تيار يساري خطيرة” يساندها “أنصار الإرهاب” الذين لا قبل لهم بالوقوف في وجه أعداء إسرائيل مثل إيران (ومن أولئك الذين اعتبرهم أنصار الإرهاب منصور عباس، عضو الكنيست الفلسطيني الذي كان نتنياهو نفسه يعتني به ويرعاه.)

يقول المحلل السياسي والخبير بالشأن الإسرائيلي ميرون رابوبورت إنه بينما كان نتنياهو يبني قاعدته السياسية على الاستقطاب الشديد، دخل خطاب الكراهية الآن إلى تيار اليمين ذاته.

يقول رابوبورت: “إن التحريض عدواني جداً، جداً. ولكن المثير للاهتمام هو أن خطاب الاستقطاب قد دخل معسكر اليمين ذاته”. ويشير إلى أن نتنياهو يعتقد بأن سبيله الوحيد للاحتفاظ بالسلطة هو اتهام بينيت بالخيانة، بينما يقوم أنصاره في نفس الوقت بالتهديد بقتل أعضاء الكنيست “فلأنهم ينحدرون من نفس معسكر اليمين وكانوا مقربين من بعضهم البعض فإن السخط والإحساس بالغدر أقوى”.

أما أورلي نوي، وهي معلقة أخرى تكتب لموقع ميدل إيست آي، فلاحظت أن “نتنياهو حطم كل ما كان يعتبر ملكاً للدولة، مثل النظام القضائي والشرطة. وهذا يعني حدوث حالة من الفوضى العارمة في جميع الأنظمة. فقد حطم جميع الأدوات التي كانت ذات مرة تحافظ على الدولة اليهودية. وها نحن الآن نرى ثمار عمله ذلك”.

وترى أوريت مالكا ستروك، عضو الكنيست من الحزب الصهيوني الديني، إنه إذا نجح نتنياهو في تحطيم الائتلاف الحكومي قبل أن تؤدي الحكومة الجديدة القسم، فإن إسرائيل نفسها ستصبح دولة فاشلة. وتقول: “سوف يعتقد نصف الإسرائيليين الذين صوتوا لصالح حكومة التغيير بأن حكم نتنياهو غير شرعي في وضع قريب من ذلك الذي ينظر منه الفلسطينيون إلى النظام في إسرائيل. وحينها سوف تتوجه إسرائيل نحو التفكك، ولذلك فإننا نعيش لحظة دراماتيكية. فيما لو حاول منع حكومة التغيير، أعتقد أن المؤسسات قوية بما يكفي لكي تتخطى نتنياهو، ولكن الأمر غير مؤكد. إنه زمن دراماتيكي جداً وقد يتعرض أحد أعضاء الكنيست للأذى”.

انهيار القيادة

وليس أقل أهمية من ذلك انهيار القيادة السياسية في الجانب الفلسطيني في رام الله، حيث تسعى قيادة السلطة الفلسطينية، وبشكل خاص الرئيس محمود عباس، لإخماد موجة من الغضب تكتسح جميع المستويات داخل حركة فتح. معظم هذه الموجة تدور فيما وراء الكواليس وتعبر عن نفسها عبر مجموعات الواتساب.

في تصريح لموقع ميدل إيست آي شريطة عدم الإفصاح عن هويته، قال أحد الموالين لحركة فتح والذي كان ذات يوم يحتل منصباً رفيعاً فيها: “إن الناس في حركة فتح يشتاطون غضباً. ما تفعله حماس الآن هو ما فعلته فتح أثناء الانتفاضة الأولى. كانت فتح تؤمن بالنضال ضد الاحتلال، بالتحرير، بالكفاح المسلح. ما فعله أبو مازن هو تفريغ حركة فتح من أي معنى، من أي غاية، من أي قتال في سبيل الحرية أو التحرير”.

وأضاف: “إن تنظيم فتح على الأرض غير مسرور بأبي مازن ولا بجماعته. تريد القيادة الإبقاء على الوضع الراهن لأنهم يريدون المال، يريدون الحفاظ على استثماراتهم في صفقات الأراضي. يريدون إبقاء الاحتلال كما هو، لأنهم بدونه لا دور لهم”.

معظم هذا الإحباط موجود تحت السطح، إلا أن بعضه ظهر إلى العلن، بدليل أن ناصر القدوة، العضو السابق في اللجنة المركزية لحركة فتح والممثل السابق لمنظمة التحرير في الأمم المتحدة ووزير الخارجية السابق، طرد من حركة فتح لأنه رفض المنافسة في الانتخابات ضمن قائمة يتزعمها الرئيس الفلسطيني، ولكنه مازال يعتبر نفسه “فتحاوياً حتى النخاع”. يذكر أنه ابن شقيقة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

سألته عما إذا كان عباس البالغ من العمر خمسة وثمانين عاماً مازال مؤهلاً لقيادة شعبه بعد أن قرر تأجيل ما كان سيعتبر الانتخابات الفلسطينية الأولى منذ أربعة عشر عاماً، فأجاب القدوة: “حسناً، لا أحب أن أشخصن الأمور، ولكنني أعتقد أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار. نحتاج إلى التغيير، والتغيير في رأيي يعني تغيير الأشخاص والشخصيات، وتغير السياسات، وكذلك تغيير المواقع. إن الاستمرار في الوضع الذي نحن عليه الآن من شأنه أن يقود فقط إلى مزيد من المشاكل ومزيد من النكبات للشعب الفلسطيني”.

لا يساور القدوة أدنى شك في أنه لو مضت الانتخابات قدماً لأحرزت قائمته نتائج أفضل من تلك التي كانت ستحصل عليها قائمة عباس، وأنه لو تبع ذلك إجراء انتخابات رئاسية وترشح لها مروان البرغوثي من داخل زنزانته في السجن الإسرائيلي لفاز هو بها.

فشل عباس

من المؤشرات الأخرى على نضوب سلطته الخطاب الأخير الذي دعاه فيه أكاديميون فلسطينيون رائدون إلى التنحي. وصل عدد الموقعين على الخطاب ثلاثة آلاف. بالطبع كان ذلك أكثر من مجرد خطاب. لقد كان بداية حملة لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية.

أشار تصريحهم إلى أن عباس كان أبرز الغائبين عن الأحداث الأخيرة، بما في ذلك الانتفاضة في القدس وعمليات الإخلاء من الشيخ جراح واجتياحات المستوطنين المسلحين للمسجد الأقصى.

وجاء في الخطاب: “بعد أن انتهت المعركة، أضاف عباس إلى سجله السياسي إخفاقاً آخر عندما تقاعس عن التضامن مع الشعب الفلسطيني في معاناته. فلم يعبأ بزيارة عائلات الشهداء في غزة والضفة الغربية. لقد كانت تلك فرصة وطنية وذهبية لزيارة قطاع غزة، واغتنام الفرصة واعتبارها بداية نهاية الانقسام، ولكن بدلاً من ذلك كشف عن عمق الشلل الذاتي الذي وضع الرئيس نفسه فيه”.

ثمة جيل جديد من الفلسطينيين هم من يدفعون باتجاه هذا التغيير. ولد هؤلاء بعد أوسلو، ولا تربطهم صلة برام الله وبقيادتها. بل رام الله نفسها، التي تعتبر تل أبيب الضفة الغربية، شهدت تظاهرات شارك فيها الآلاف من الفلسطينيين في احتجاج على رئيسها الصامت والغائب. المثير في ذلك أن هذا الحراك لا علاقة لحماس به.

يعتبر هذا الجيل نفسه جزءاً من شعب يمتد من النهر إلى البحر. بينما يحتاج عباس للحصول على إذن من إسرائيل في كل مرة يرغب فيها في التحرك برفقة حرسه الشخصي داخل الضفة الغربية المحتلة، لا يقيد هذا الجيل نفسه بالجدران ولا بنقاط التفتيش التي تفرضها سلطة المحتل. لا يخضع المقدسيون ولا فلسطينيو 1948 لسلطة عباس، ناهيك عن أن يخضعوا لسلطة فتح أو منظمة التحرير الفلسطينية.

رسالة واضحة

لا يوجد لدى عباس ما يقوله للفلسطينيين لأنه لم ينجز لهم شيئاً يذكر. لم تحقق ثلاثة عقود من المحادثات بعد الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل شيئاً سوى تفكيك جميع المؤسسات الفلسطينية التي كانت مشاركة في الحوار: المجلس الوطني الفلسطيني ومنظمة التحرير والمجلس المركزي.

ولذلك جاء على لسان الأكاديميين الفلسطينيين في خطابهم المذكور أعلاه: “لدينا الحق في التوقف الآن والسؤال: ما هي النتيجة؟ وما الذي حققه الرئيس لشعبه؟ ما هي الحقوق التي أملكها؟”.

فعلاً، يتوجب على عباس أن يتنحى، على الأقل من أجل الحفاظ على إرث حركة فتح كمنظمة للتحرير. ولن ينجيه لا الرئيس الأمريكي جو بايدن ولا وزير خارجيته طوني بلينكن – أرباب الصراع الفلسطيني الآخرين الغائبين عن المشهد، ولن تنقذه أموال الضرائب التي تسلمها له إسرائيل ولا أي من الامتيازات التي تنساب من ذلك.

بالنسبة لبايدن وبلينكن فالرسالة واضحة: لقد ولت الأيام التي كانت زعامة الشعب الفلسطيني تحدد مسبقاً من قبل مرشح مقبول لهما ولإسرائيل. إن أسرع وسيلة لإنهاء الصراع هي السماح للقيادة بتجديد نفسها وتمكينها من تمثيل الشعب الفلسطيني.

وهذا أمر لا قبل به لا لعباس ولا للقيادة الحالية للسلطة الفلسطينية، وإن إبقاءهم في السلطة يعني الحفاظ على واحدة من المكونات الأساسية للاحتلال الإسرائيلي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى