الفلسطينيةالقضية الفلسطينيةمقالات

شيء عن شخصية الفلسطيني

ساري عرابي | عربي ٢١

واجه الفلسطينيون في السنوات الأخيرة أصنافا من التنميط، تتجاهل التنوّع الكبير الذي يتّسمُون به، في عملية مبرمجة لإثارة الكراهية ضدّهم، بهدف تسويغ مشاريع التطبيع، والتحالف مع الاحتلال الإسرائيلي، كما في الجهود الحثيثة للذباب الإلكتروني والدول التي تشغّله، وهو ما تأكّد بالفعل لاحقا.

وفي سياقات إقليمية وعربية متعدّدة، في التاريخ والراهن؛ عانى الفلسطينيون من التنميط في صور أخرى ولأغراض مختلفة، بعضها ناجم عن مقارنات قسريّة، واعتباطيّة، بين أوضاع الفلسطينيين وغيرهم من العرب، لا تأخذ العوامل التاريخية والموضوعية التي يمكن منها استنتاج، وبقدر من التحفّظ، شخصية عامّة للفلسطينيين.

لأسباب كثيرة، منها ما سبق، تبدو عملية تصوّر شخصية عامّة لمجتمع ما محفوفة بالمجازفة، بما يقتضي قدرا من التحفّظ والتحوّط، بيد أنه يمكن الإشارة إلى بعض أهمّ العوامل التي من شأنها أن تساهم في بلورة شخصية جماعية للفلسطينيين، باتت مهدّدة للتحوّل الجوهري الذي حصل في الواقع الفلسطيني بتأسيس سلطة محلّية، قبل إنجاز التحرير، وبما من شأنه أن يستدعي الممارسات السلطوية العربية في سياق مختلف تماما. وقد تأكّد أنّ طبقة السلطة غير مدرِكة لهذه الشخصية العامّة، أو على الأقل تغيب عنها الاعتبارات والعوامل المهمّة المؤثّرة في بلورة الشخصية الفلسطينية.

طوال الاستعمار، لأكثر من مئة عام (الإنجليزي والصهيوني)، مع صمود الفلسطينيين، وتجاوزهم الدائم لكلّ محاولات التدجين، والمحو، والاستيعاب، والتذويب، وتجدّدهم الكفاحي في هذا المسار الطويل، جعل العداء للاستعمار منظارا ثابتا وأوّليّا، يرى منه الفلسطينيون أنفسهم والعالم، بما قد لا يبدو مفهوما لكثير من العرب، الذين انقطعت معاناتهم من الاستعمار منذ عقود. ولا شكّ أنّ هذه المفارقة، بين الفلسطينيين ومحيطهم العربي، تخلق تصورات مركّبة وملتبسة تجاه بعضهم.

الاستعمار الطويل يفضي إلى تنوّع سياسيّ بالضرورة، لا سيما إن كان معقّدا، ويستدعي وجهات نظر مختلفة في التعامل معه، ثمّ إن المجتمع الفلسطيني في أصله، متنوّع على المستوى الاجتماعي، بالرغم من الضيق الجغرافي، ومتداخل مع السياسات العربية. ومع اهتمام الفلسطينيين البالغ بالتعليم، خاصة من بعد النكبة، وبالتضافر مع بقية الأسباب، كانت النخب السياسية والثقافية الفلسطينية كثيرة، ومعبّرة عن ذلك التنوّع، بينما عانت مجتمعات عربية أخرى من قمع محلّيّ مركّز، كان يهدف إلى إلغاء تنوّعها، وتحويلها، في سياق عملية تحديث مشوّه، إلى صورة من الحزب الحاكم.

التنوّع في سياق النضال أوجد حالة شديدة التعقيد، فالبيت الفلسطيني الواحد يتوزّع أبناؤه على عدد من التنظيمات الفلسطينية التي يحكمها التنافس، وأيضا التآلف والتراحم في أوقات النضال، كما في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وقد استعاد شيئا من صورته في الانتفاضة الثانية، فالشهيد في هذا الإطار له قدسية عالية، لا يمسّها التنافس الحزبي مهما كانت حدّته.

وقد ظلّ الأمر على هذا النحو إلى حين دخول السلطة، التي حاولت أن تُحِلّ مكان التنافس الواحدية السلطوية، وتذويب الكثرة في وحدة السلطة ورؤيتها ومشروعها، وباستخدام الأدوات الخشنة.

الاحتفاء بالشهيد، أو الضحية، بغض النظر عن انتماءاته السياسية ومعتقداته الفكرية، والتجاوز – بعد استشهاده – عن كلّ الخلافات التي كانت معه، قبل استشهاده، مهما كانت صورتها وتمثّلاتها حدّة، قد لا يبدو مفهوما خارج السياق الفلسطيني، لكن ظلّ الحال الفلسطيني كذلك إلى حين تأسيس السلطة، حيث بات اقتراب الشهيد، أو الضحية، من السلطة أو بعده عنها معيار الموقف منه، في عملية استنساخ للموقف في الحالات العربية اللصيقة بفلسطين. فالإنسان الجيد هو المتماهي مع السلطة السياسية فحسب، وهو ما انعكس بقدر ما على المجتمعات التي تُبَلوِر مواقفها الأخلاقية بقدر الاقتراب منها، لا من حيثية الموضوع نفسه. ولم يكن الحال كذلك في فلسطين في مراحل التنافس الحزبي، فقد ظلّ الشهيد، أو الضحية، فوق كلّ اعتبارات التنافس أو الخصومة، حتّى لو كان جزءا منها.

ما سبق، وبفصل عنفوان النضال، وما ينبثق عنه من إرادة التحدّي، التي تعمّ الفلسطينيين بصور متباينة في الدرجة، ولأنّ الفلسطيني مقيد بالاحتلال، مقيد في حركته، وقدرته على البناء، والعمل، وبالمنع من السفر، وبالسجون، والحواجز، فقد استعاض عمّا فقد بالحرية في الرأي والكلمة والموقف، وبقدر لا يخلو من النزق. وباتت هذه الحرّية من أهم ما يملك، وما يميّزه، وبما يجعله أقلّ باطنيّة، فهو يقول ما يؤمن به ويعتقده، إذ لا يمكن له أن يتصوّر أن يكون على صورة الحاكم، الذي هو الاستعمار الصهيوني، بينما الاستبداد المحلّي أكثر قدرة على نحت المجتمع على صورته، مما يخلق مجتمعا باطنيّا انتهازيّا.

إلغاء التنوّع، وتوحيد المجتمع على صورة الحاكم، وسياسات “إمّا أنا أو الطوفان”، وعبارات “العيش تحت حذاء الحاكم أو الحزب”، ذلك كلّه غير أصيل بين الفلسطينيين، وإنما مستحدث مع إدخال السلطة، وتكثّف مع كفّها، وكفّ حزبها، عن القيام بدور تحرّري يرقى إلى طبيعة الاستعمار ومستوى التحدّي، وهو ما يذكّر بالعامل المذكور أولا عن مركزية العداء للاستعمار في تصوّرات الفلسطينيين.

لا شكّ أن السياسات السلطويّة مؤثّرة في معالم الشخصية الفلسطينية، لكنّها لن تكون قادرة على اجتثاث العوامل الأكثر أصالة في بلورة شخصيته، وهذا ما يفسّر الغضب الكبير بعد مقتل الناشط السياسي، الذي كان الأعلى سقفا والأكثر وضوحا في تعبيراته في نقد السلطة، نزار بنات.

صحيح أنّ جانبا من هذا الغضب ناجم عن جملة تراكمات ضخمة، تكثّف بعضها في وقت وجيز في الشهور الأخيرة، لكنه أيضا لأنّ الفلسطينيين يحمون كرامتهم، وشخصيتهم المتبلورة من عقود، ويستعيدون ذاتهم، بالقدر نفسه الذي يحمون فيه أنفسهم من مصير نزار نفسه.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى