الفكردراساتمنوعات

التقنية من التنمية إلى القهر

محمد الأحمري | أواصر

قديمًا قال أحد الحكّام المستبدين: “الطريق الذي يأتيك منه الثوار لا تعبّده لهم”.

ارتبطت التقنية بالتجسس على الناس في البلدان المقهورة أو المسماة متخلفة، تلك التي لا حرية ولا قيمة للإنسان فيها في عصرنا، كما ارتبطت بالراحة والقوة لدى البلدان الحرة أو المتقدمة التي لإنسانها مكان فيها. ولا تزال التقنية من أعظم إنجاز الإنسان عبر كل العصور، وفاقت في خدمتها للإنسان المعاصر الكثير من تطلعاته، ولا نقول تجاوزت خياله، فالخيال يسوقها ويفتح الطريق للإبداع والمهارات، وحين يقف الخيال والتطلعات تتجمد الآمال وتشح الأعمال وتكبو المسيرة. ومن هنا كان لا بد للإنسان من إشعال خياله وإيقاد عزيمته وترقية طموحاته، وحين يجد جدار المستبد أمامه فإنه يروغ منه بالهجرة، ليجد لخياله ولإبداعه فضاء يرحب بكل مبدع. وقد قامت مؤسسات كبيرة مشغولة بالخيال والآمال المستقبلية؛ إذ ليست راحة وصحة وقوة فقط، ولكنه تفوق الإنسان على إمكانات زمانه ومكانه وتجاوزًا لما كان متخيلًا من حدوده. يستوي في ذلك الإنجاز الكبير في مجالات كالطب واللقاحات من الأمراض المعدية، ووسائل النقل والاستصلاح الزراعي، وأنواع المتعة السمعية والبصرية وكل وسائل الراحة، ليس أقل ذلك التكييف بالتدفئة والتبريد، فحولت جحيم الحرارة إلى برد وسلام، ومن يعيش في الصقيع جعلت التقنية حياته دافئة مريحة، ومن كان طموحه في اختراق الكون الذي يعرف تحقق له المغامرة في كل آفاق الأرض ونحو السماء، ومنه ما فاق خيال الأمم السابقة.

لكن الظلم والقهر وقصر النظر وخيبة الزعامات الصغيرة في عالمنا القريب جعلت حياة الإنسان ضيقة حرجة مقهورة مقصورة على النجاة من شر الطغيان، وتلك آمالنا الكبرى في زمن الصغار جدًّا، مقموعي الآمال ومعدومي الخيال، لا يرفعون بلادهم لأي أفق ولا أمل ولا يريحون سكان بلادهم من التضييق والمطاردة. ولما وقعت في أيديهم نتائج العقول الغربية والشرقية المعاصرة حولوها إلى صغارة ورداءة وسوء إدارة وجعلوا الحياة جحيمًا على الإنسان الحر، حتى كاد يكون حديثه لنفسه جريمة يحاكم عليها، ويسخرون إمكانات الشعوب لخدمة رعبهم وخوفهم وشكهم وشعورهم المرعوب بالخوف وبالنقص ومخاوف الانتقام.

لماذا تكون التقنية جنة لمجتمع وجحيمًا لمجتمع لآخر؟ لماذا يفرح بها قوم ويتنكد بها آخرون؟ لماذا تكون التقنية نعيمًا لشعب وجحيمًا لآخر؟ حين قرأت رواية 1984 لجورج أورويل تعجبت من مقطع يتحدث فيه عن الإنسان المقهور بالتجسس عليه، الذي ينهض صباحًا يتلقى التدريبات الصباحية من تلفاز ينقل له الصوت والصورة، ولكنه في الوقت نفسه يراقبه ويرى ويسمع مدى تنفيذه للأوامر الملقاة من التلفاز[1]. في زماننا أصبح كل إنسان يمكنه أن يستقبل ويرسل ما يشاء، بل تجاوز التقنية ما كان في عقل أورويل وخياله الجامح، فما كان لتلك الرواية أن تخرج في مجتمع مقموع كالذي حذرت منه الرواية.

كانت الرواية تنذر بأن التقنية سوف تكون في خدمة المستبدين، وتقتحم خصوصيات الناس وتذلهم وتستتبعهم، وتزرع إرهاب السلطة في كل بيت “الأخ الأكبر”، ذلك أن المكان الذي كان يأمنه ويأوي إليه سيصبح جحيمًا يصلاه ورقيبًا يتبعه صوتًا وصورة لا مأوى يريحه.

ولن يكون القول هنا عن الجانب الجميل المفيد للإنسانية الذي تقدمه التقنية كل لحظة للعالم، ولكن كيف استطاع صناع الجحيم أن يجعلوا من التقنية المفيدة للبشرية وسيلة عذاب وتدمير للإنسان؟ وماذا على البشرية أن تعمل لتخفيف الإرهاب التقني؟

الدكتاتور المذكور أعلاه يرى الطرق وتسهيلها على الناس عدوانًا على ذاته، فالطريق الممهد للناس الذي يحقق تواصلهم المريح قد يوصل إليه الثوار بسرعة، ولهذا فعلى الناس أن يبقوا في شقاء مع معاناة الطرق الوعرة، والغياب في أهوال الغابات أو مهالك الصحاري. وكم كنت أستغرب أن طرقًا ضرورية كان يجب أن تكون من أول أعمال الدول ولم يخطط لها وإن بدأت فلا تتم، رغم الغنى وتوفر الموارد والعمالة والتقنية، ثم لا تجد من تفسير لهذا الحال إلا خوف الحاكم من تيسر طرق انتقال للناس إلى عاصمته، ثم لم يسمح بمد الطرق إلا حين توفرت له وسائل تدمير الطرق وقطع الجسور، وإبادة المحتجين لو وفدوا على عاصمته المعتصم فيها من الشعب.

من المناخيس إلى “قلها كلامًا”

في إحدى الدول العربية جمع مجلس بعض الجيران في لقاء ودود مما يحدث في مجتمعاتنا، في أحد المجالس السابقة تحدث أحدهم إلى جيرانه منتقدًا الحكومة، وكان أحد الجيران يسجل الكلام على جاره، ثم قام الجار المتجسس بتسليم التسجيل أو الإثبات للسلطات فسجنت المتحدث زمنًا، وبعد زمن خرج الضحية وقد أصبح حذرًا خائفًا من لسانه قبل خوفه من جميع جيرانه. اجتمع الجيران في مجلس آخر، وجاء كلام عن السلطة، فأظهر السجين السابق سخرية واستهزاء، وفي هذه المرة كان قد ترك لسانه في السجن، وأصبح يعمل بالإشارة بدلًا من ذلك، وسخر من الحكومة هذه المرة بحركة وليس بصوت، فقال المتجسس، ويبدو أن جهاز تسجيله يعمل: “قلها كلامًا”، لأن الإشارة لن تسجل فطلب التعبير بالصوت ليثبت الموقف والرأي، وبهذا انكشف المتجسس. ربما لم تكن لديه آنذاك أجهزة بصرية لمراقبة المتحدثين تسجل الإشارة. ومن سذاجة هذا الجاسوس ومن صفاقته أن يطلب من المتحدثين أن يثبتوا على أنفسهم “صوتًا أو كلامًا” ما تراه السلطة جريمة لينقله إليهم.

وعقد خوف الحكام تطاردهم عبر العصور، وهي مذلة للناس، مرعبة للحاكم، وأدواتها غالبًا تسبق مهارات المجتمع وثقافته. لا شك أن الانتقال بين مناخيس العباسيين وتجسس المعاصرين أصبح بعيدًا في الهيمنة، ولهذا فإن قمع التسلط على الناس وتحديد سلطات الحكومات أصبح أكثر إلحاحًا في عصرنا أكثر مما مضى في أي عصر سبق.

أشاع أحد الحاقدين المتجسسين عن الإمام أحمد بن حنبل أنه ربص (أخفى) أحد العلويين في بيته، ليظهره ثم يبايعه إمامًا بديلًا للخليفة العباسي[2]، فأرسل الخليفة رجالًا إلى بيت أحمد بحسب رواية ابن أخيه، “ففتشوا منزل أبي عبد الله والبيوت والغرف والسطوح، وفتشوا تابوت الكتب، وكان معهم نساء ومناخس فجعلوا ينخسون بها الأرض، ونزل النساء إلى منزلنا ومنزل صالح ففتشوا النساء والمنازل فلم يروا شيئًا ولم يحسوا بشيء”[3]. ثم كتبوا بنتيجة البحث والتحري إلى المتوكل “فوقع منه موقعًا حسنًا”، وتبين أنها دسيسة من أحد مشاهير الفقهاء في زمانه، بل كان “فقيه العراق في وقته” كما وصفه الذهبي في تاريخ الإسلام. ثم يقول: “ولم يمت حتى بين الله أمره للمسلمين، وهو ابن الثلجي”[4]. تلك كانت أدوات التحقق البدائية في زمانهم، ويتضح الانسياق وراء رغبة السلطة في التجسس على الناس، وتمادي الحاكم في اتباع خوفه، وبذل وسائله للتتبع والبحث، حيث لا يحمي الناس منه قانون ولا مؤسسة ولا برلمان ولا محاكم، ويصبح التشبث ببقية أخلاق للسلطة مجرد حلم للضعفاء، وهو حلم لا يعني شيئًا عند السلطات.

أذكر مرة في لقاء مع موظفين أمنيين أن أحدهم أخبر الموجودين وهم جمع من المتعلمين أنه سيفتح الهاتف ليستمع إلى ربات البيوت ماذا يقلن وماذا يتحدثن عنه، وأن متابعته كانت ممتعة وتعطي مؤشرًا إلى رأي الناس واهتماماتهم، مفتخرًا أنه بتجسسه يكشف عن حال مجتمعه، وظهر للحاضرين وكأن سلوكه في كشف خصوصيات البيوت مباح وحماية للأمن العام، ولم نكن نتوقع مستقبل هذه الاختراعات على أمن الناس وخصوصياتهم. وللأسف تلقى الجالسون كلامه بتقدير كونه يعرف، وأن معلوماته دقيقة وواضحة عن المجتمع وما يدور فيه، والمحزن وقتها حديثه ببساطة عن سهولة الاطلاع على الخصوصيات والاستهانة بحرية المجتمع، وصمت الفريق الكبير الجالس عما يحدث، ربما تقديرًا لعمله الذي لا ينطلق من الحرص على مصالح الناس بمقدار ما كان يريد التتبع والتدقيق فيما يقولون ويعملون، هذا على فرض أن تسلم تلك الأسر من الوقوع في جحيم المتابعة بعد السماع العشوائي كما عرض للسامعين.

تلك المجتمعات تعدّ المعرفة والمعلومات حقًّا للسلطات ومحرمًا على الناس، فقد كان قرار السماح باستخدام تقنية الإنترنت في كثير من الحكومات قرارًا لوزارات الداخلية أو الأمن أو الجيش الوصي للخارج على الشعب، وتأخرت استفادة العرب منها، خوفًا من تواصل الناس أو تقاربهم واطلاعهم على ما يجري في العالم، أو خوفًا أن تتواصل الشعوب مع المعارضات، حتى إن بعض المقربين من السلطة في بلده شرح مفاخرًا كيف ساهم في فك الحرمان من الإنترنت الذي فرضته حكومته على الشعب فساهم في كسر الحصار التقني.

 

قيمة التقنية في مجتمع استبدادي

التقنية عند المستهترين بكرامة الإنسان توجه لحرب المجتمع وإذلاله واستتباعه، ونتاجها شر يوضع بأيدي شرار الناس، ممن يعرفون أضراره ولا يعرفون منافعه. فإذا كان التقدم التقني في مجتمعات حرة يعني تقدم حماية الإنسان من الأمراض الخطرة، ويعمل لصحة الناس ورفاهيتهم ولتطويل أعمارهم، فإن هذا التقدم عند الآخرين يعمل في مجتمعاتنا ضد مصالح الشعوب، ويسخر للإضرار بها عند كثير من المفسدين، وكأن القانون متبع من حكمة الدكتاتور المذكور: “التقنية التي تهيّج الثوار اقطعها”.

وقد عرفت سجون العرب الصعق بالكهرباء قبل أن تنير الكهرباء شوارعهم، وعرفوا أجهزة التجسس تحصي عليهم أنفاسهم قبل أن يعلموا أنه يمكن أن يستمتعوا بفوائدها للاتصال، وعرفوا الإعلام دعاية تكذب عليهم وتسخرهم لطغاتهم وتنفخ في أعدائهم المفسدين وتقصي وعيهم قبل أن يعلموا أنها تستخدم في مجتمعات أخرى سلاحًا للمجتمع ضد انحراف السلطة الحاكمة أو جورها ولنقد الإدارات والسلطات وفسادها لتمنع التسلط المطلق، ونقلوا إلى لغتهم اسمها من هناك دون غاياتها، ففي البلاد الحرة يسمونها “السلطة الرابعة” بجانب السلطات الموازية: التنفيذية والقضائية والتشريعية، وبغباء أو مكر ساذج سموها في عالمنا (عالم سجونهم) “السلطة الرابعة”، نقلًا غبيًّا للتسمية الغربية، بينما هي في بلادهم أداة قمع لهم ولسان للسلطة القاهرة لعقولهم، فهي جزء من المخابرات أو القمع الإعلامي الذي تسيره الأجهزة التنفيذية التي تستعبدهم، تلك الأجهزة التي تستبيح أبدانهم في مكان وتساندها الإعلامية لتستبيح عقولهم وضمائرهم وألسنتهم، فيصفقون لمن يغتال ضمائرهم ووعيهم بكل وسيلة، ويخرجون للمجتمع كائنات مسلوبة التفكير في تسمع، ودورها فقط أن تردد ما تسمع ولو كان ضررًا محضًا بها. وهنا مقاطع حوارية مسرحية لأحمد شوقي تصف الواقع المعاد بأشنع مما كان، حتى تمنينا من الطغيان ما كان على ما نرى:

اسمع الشعب (ديون)        كيف يوحون إليه

مــــلأ الجـــــو هتافـــــــا        بحيـــــــــاة قاتــــليه

أثــــــر البهـــــتــــان فيه        وانطلى الزور عليه

يــــــا له من بـــــبــــــغاء        عقــــــله في أذنـــيه
***
أن الرمية تحتفي بالرامي [5]   (حابي) سمعتُ وراعني

 

كتب ضاحي خلفان، رئيس شرطة دبي، على تويتر: “كنت في دولة أوربية راقية للغاية، وقد كنت أجري أشعة على الركبة… سألتني الأخصائية: أنت من أين؟ قلت لها: من الإمارات…  قالت حلمي أزورها لأرى برج خليفة.. تعجبت أن أوروبية تحلم بزيارة الإمارات… ثم قلت في نفسي: لا عجب… ما حدث عندنا مدهش”. (تويتر، 22 مارس 2021).  ثم رد على تغريدته من سمى نفسه سلطان محمد (@sultanbattah): غريبة عندكم برج خليفة ولا عندكم أشعة للركبة”[6]. هكذا فُهمت التقنية والتطور العالمي بأنه تطاول في البنيان وخفس بضرورات الإنسان كالحرية والصحة، مع تراخي أهمية حاجاته، بل لو كان هناك بحث لأسوأ ما يقع لإنسانية الإنسان من تدمير ولكرامته من إهدار، لوجدته يقبع في سجون الرعب ومخافر زعموا أنها للتأديب بينما هي للترعيب والترهيب بجوار تلك الناطحات للسحاب المغتربة عن البيئة وعن الوعي وعن منافع المجتمع. ترى لو كان الإنسان بقي بحريته وكرامته، أليس خيرًا له وأسعد أن يعيش في متاحف يأتي العالم ليسخر بدمار إنسانها وارتفاع بنيانها في تناقض غريب؟

الحرب على السكان[7]

نشرت سُريا [ثريا] دادو[8] مقالًا مهمًّا عن التجسس على الشعوب من قبل واحد وعشرين من الحكام الأفارقة، وكلهم يستعملون منتج الجيش الصهيوني عبر شركة (OSN) وهي الشركة نفسها التي تعاقد معها أربعة من الحكام العرب، فأصبح العدد خمسة وعشرين مستخدمًا للتقنية الصهيونية ضد الشعب، وهي شركة تدار بخبرات من متقاعدين من الجيش ممن سبق أن عملوا في وحدة النخبة في الجيش الصهيوني، وعدد من شخصيات الموساد[9]. قامت هذه الشركة الصهيونية ببيع هؤلاء المستبدين المتخلفين من العرب والأفارقة أجهزة تنصت على السكان لتخترق هواتفهم وتقوم بالتنصت الصوتي على أحاديثهم ورسائلهم دون علمهم، وكذا تقوم بتشغيل كاميرات التصوير لهواتفهم دون إرادتهم، ثم تنقل النصوص والصور والمكالمات إلى خوادم صهيونية للشركة قبل أن تنقل هذه المعلومات إلى إدارات الرعب أو التجسس الإفريقية والعربية التي يهينون بها الشعوب ويستعبدونها ويسمونها “المؤسسات الأمنية”، بينما هي مؤسسات استعباد تستعبد الحاكم والمحكوم في هذه البلدان للطغيان الصهيوني وتحول السكان وحكامهم إلى مجرد كائنات أشبه بفئران التجارب في معامل التقنية التجسسية، كائنات مرعوبة خائفة مأسورة بأسرارها وفضائحها التي تخزن عند عدوها كل لحظة ليستذلها ويستتبعها بها، وهذا ما يفسر التبعية الشاملة للإرهاب الصهيوني والمسارعة في خدمة مصالحة باندفاع لا مثيل له حتى قبل طلبه.

وليست المعلومات هذه فقط هي الغنائم الباردة التي يحصل عليها العدو من الطغاة، بل العجب أنه يبيع عليهم برغبتهم الجامحة سلاحه ليفتك بهم ويفضحهم وبالمال المنهوب من الشعوب الخانعة؛ إذ لا تقل كل صفقة للبرنامج الصهيوني (OSN) عن خمسين مليون دولار في كل مرة يتم تركيبه، وهي مبالغ مؤقتة تحتاج تجديدًا أو ما يسمونه ترقية دورية باستمرار. أما الحكومة الأمريكية فقد حصلت على إعلان تعهد من الصهاينة في حديث بين نتن ياهو وترمب بعدم التجسس عليهم ولا في بلادهم، بعد أن كشفت تقارير عن زرع أجهزة تنصت في واشنطن على المكالمات والنصوص المرسلة عبر الهواتف، وكانت المشكلة قد نشر عنها منذ عام 2017 [10]، لكن هل يمكن الثقة بذلك؟ علمًا أن الحكومة الأمريكية أخبرت بعض العرب المقيمين على أراضيها بأنها تؤمنهم ضد التجسس الصهيوني على هواتفهم بحيث لا تسلم معلوماتهم لبلدانهم عبر شركة (OSN) ولا غيرها، وتخضع هواتفهم لفحص أمني دوري.

التكنولوجيا وكورونا

أثبتت الدول ذات المراكز البحثية الجادة والحرة إمكانها في مساعدة البشرية للخروج من وباء كورونا، وهذا الجهد العظيم حقق مكاسب مشهودة للبشرية، وخفف عن الملايين كثيرًا من مخاطر هذا الوباء. غير أن هذا الإنجاز العظيم سوف يواجه آثارًا سلبية على العالم ونتائج عنصرية وسياسية تصنع آثارًا من سوء الأخلاق والطبقية والعنصرية والكبت غير مسبوقة. فمثلًا ستحافظ حكومات قوية ومجتمعات غنية على تفوقها وسلامة مجتمعها من الأوبئة الفتاكة، وتبقى مجتمعات أخرى مكشوفة للأمراض ومهددة لزمن طويل وقليلة الاستفادة من اللقاحات والعلاجات لزمن قادم؛ مما يصنع مزيدًا من الطبقية في العالم، ومزيدًا من التفاوت في المجتمعات، وتتجذر الأوبئة والفقر في مجتمعات وتطفو على السطح مجتمعات أفضل تقنية وحظًّا.

وهناك بعد آخر لهذا الإنجاز في مواجهة الوباء، فقد استغلت حكومات وبكل وضوح هذه الفرصة لتجربة الإغلاق على الناس وحرمانهم من فرصة الحركة والتجول، فيما يسمى بكلمة حظر التجول (curfew) الذي تم تلطيفها بالإنجليزية ولأسباب سياسية خوفًا من حمولتها السياسية المثيرة بعبارة [إغلاق] (lockdown)، وذلك ما تستطيع المجتمعات الغربية تحمله بالكلمة الأخف وقعًا في الإنجليزية لما يمكن أن توحي به الكلمة الحقيقية من حرمان سياسي لمجتمعاتها من حرية التنقل والحركة. ثم إن لتلك المجتمعات من قوانين الحرية والاختيار ووسائل التحرر والانفتاح ما يجعل تلك المجتمعات بمنأى من هيمنة سلطوية أطول على المجتمع، ولكن المجتمعات المحكومة بحكومات مستبدة سوف تصبح مخبرًا تنفيذيًّا لمزيد من الحرمان من الحرية والحركة، وحتى تجريم الاحتجاج على الحجر بحجة أن في الحركة والتجمع مضارّ صحية، وتلك حجة أو فرصة غير مسبوقة لكبت الناس.

وفي منطقتنا من العالم جرى استغلال مشين للوباء لمنع الحديث ومنع نشر الأخبار والأرقام الصحيحة، فكانت المعلومات المتاحة عبر الإنترنت تتعرض لمزيد من التقييد غير مسبوق، مما نشر الخوف عند الصحفيين والأطباء من المعلومات ابتداء فضلًا عن نشرها، وبهذا تصبح المكاسب التقنية والإعلامية للإنسان وسائل مخيفة للأفراد في حال استخدامها. فضلًا عن خوف الحكومات من نشر أخبار عن تقصيرها أو فشلها في التعامل مع الوباء، فتتشدد في كبت الأصوات ومنع التعبير عما يحدث. وتعرض صحفيون للاعتقال وحجبت مواقع معلوماتية عن الناس بحجة أنها تنشر معلومات غير صحيحة عن الوباء. ولعل الواقع أو السبب أنها نشرت الحقيقة أو بعضًا منها. كما أن الوباء وفر عذرًا لحكومات تضر بالناس من قبل بالتضييق، فوجدت عذرًا لمزيد من التتبع والتشدد ضد السكان بحجة مراقبة المرض.

التكنولوجيا وحقوق الإنسان

شد انتباه العالم تلك الصور التي نشرت في بلجيكا لطفل أسود وضع للبلجيكيين ليشاهدوه وكأنهم يشاهدون قردًا أو حيوانًا نادرًا. ولم تحرك الصور وقتها الناس للاحتجاج إلا بمجموع الأحداث والصور المكررة، ثم ساعدت بعد عقود على يقظة الضمير البشري، وهكذا ساهمت تكنولوجيا التصوير في الاعتراف بالإنسان وتقليل مآسيه. كذلك الصور التي كانت تنشر عن أحوال المستعبدين ونمط حياتهم كما حولها الإنسان القاهر لأخيه الإنسان. ولعل أكبر الأعمال تأثيرًا في العام الفائت كاميرا التصوير التي سربت مشهد قتل جورج فلويد، فأثارت حول العالم مأساة حقوق الإنسان الأسود حول العالم، وفرضت على المجرمين أن يخففوا من جرائمهم، وإن كانت قد أثرت من قبل صورة تعذيب الشرطة البيض لرودني كينج (1991) فما كانت مؤثرة كما أثر فلويد. ولو قارنا هذا بما فعله السيسي في مذبحة رابعة (2013) لتأكدنا من بقاء العنصرية العميق في التعامل مع التكنولوجيا والتصوير، فإحراق البشر والإبادة الجماعية للشعب أكسبته قبولًا دوليًّا وترحيبًا غير مسبوق؛ لأنه أبدى القبضة الحديدة على شعب يرى الغرب والشرق أنه يجب أن يبقى مستعبدًا وليس له حق الحرية ولا المطالبة بها ولا يدخل باب التحرر، خاصة لو أخذ حقوقه عن طريق الدين، فهذه جريمة كبرى في عيون العنصرية التي لا تراعي حتى مكاسب التكنولوجيا حين تفيد المقموعين. ومع إفادة السود والمقموعين في أمريكا من التقنية وخاصة عبر الحوادث المذكورة أعلاه، فإن المسيطرين، خاصة من لديهم نزعة مواجهة الملونين المطالبين بالحقوق، يستخدمون التقنية المتطورة وصفحات التواصل الاجتماعي لمطاردة المستفيدين أيضًا. فقد كتبت تقارير لافتة عن اختراق السلطات الأمريكية، خاصة مكتب التحقيق الفدرالي، المجموعات التي نظمت الاحتجاجات لحركة “حياة السود مهمة” (Black lives matter) وتطورت وسائل تتبع وجوه الأشخاص والتعرف إليهم عبر كاميرات التصوير المنتشرة في كل مكان، وكذلك تمييز الهواتف الموجودة أو المجموعة في منطقة واحدة، بحيث يمكن منع التظاهرات قبل حدوثها، فضلًا عن معرفة من كانوا في نفس المكان[11].

نلاحظ التناقض بين ما تدعوه السلطات المستبدة تنمية وما تفعله في الواقع من تسخير التقنية بكل أنواعها قديمها وحديثها للهيمنة على الناس. ونلاحظ أكثر من ذلك هذا الغياب الكبير عن توجيه عالمنا نحو وعي سوء استخدام التقنية في مجتمعاتنا، فقد كنا نتحدث عن استيراد المخترعات من أجل نيل عصابات المتنفذين لنسب من غنائم الفساد في الصفقات، ولم يكن في وعينا صرف الموارد على وسائل التقنية التي تساعد في قمع المجتمعات وتكبيلها. وكنا نتحدث عن حسن العلاقات الكبير بين وزراء الداخلية في الحكومات القامعة وتنافر من عداهم، وذلك بسبب وحدة الهدف، وهي تدمير حريات الشعوب وتبادل خبرات القمع والتعذيب، حتى إنهم ليتبادلون خبراء التعذيب أسهل وأسرع من تبادل الأطباء والمهندسين أو أي خبرة أو معرفة أو علم آخر، ويوطنون هذه الخبرات بأسرع مما يمكن أن يتم مع أي خبرة، ووسائل القمع التي تنتشر في أي ركن من العالم وخاصة التقنيات تصرف عليها الحكومات المستبدة أكثر من صرفها على غيرها.

لقد سبق أن نادت بعض المنظمات بمنع بيع البرامج التجسسية إلى الحكومات التي تسيء التعامل مع معلومات الناس وخصوصياتهم. غير أن هذه النداءات، التي تطالب حكومات مستبدة ولها سوابق بالإضرار بالشعوب وانتهاك حقوق الإنسان بعدم جمع المعلومات في خوادم حكومية تخضع فقط للحكومات وتحرم الناس من خصوصياتهم، سوف تذهب مع الريح ولن تجد تجاوبًا؛ لأنه في هذه الدول لا توجد مجتمعات لها حق المعرفة، ولا توجد قوانين تحمي من سوء استخدام التكنولوجيا[12].

وبما أن التقنية أصبحت في المجتمعات المحرومة من الحرية أداة لقتل الإنسان بسبب كلمة أو خاطرة، أو وسيلة لحرمان الإنسان من حريته ومن كرامته ومن حقوقه، أو أداة لاغتياله أو موته البطيء في سجون بمدد أبدية ووسائل لتجريمه وتخويفه، فإن صرخة عالمية إنسانية أصبحت ضرورية، وإن عملًا سياسيًّا وأخلاقيًّا واجتماعيًّا لتحرير الإنسان من سوء استعمال التقنية أصبح أشد إلحاحًا. فإن كان الإنسان في البلاد الحرة يخشى من تطور الأسلحة ومن تخريب البيئة بالمواد المشعة وغيرها، فإن الإنسان في عالمنا عليه أن يعمل لتحرير جسمه وروحه من سوء استخدام حكوماته للتقنية المسخرة لاستعباده وترويعه وتجريده من إنسانيته، وتحريره من الأحكام الجائرة المبنية على خواطره أو حديث بجانبه أو صورة أو فكرة قالها يومًا ما، فأصبحت عبر هاتفه أو وسيلة نقل حديثة أخرى مصدرًا لتعذيبه وربما لقتله.

 

[1]  جورج أورويل، 1984، ترجمة الحارث النبهان، بيروت: دار التنوير، 2014، ص 7.

[2]  كتاب المحنة: ذكر محنة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، رواية ابن عمه أبي علي الشيباني حنبل بن إسحاق بن حنبل، الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، تحقيق مصطفى القباني، 1440-2019، ص152.

[3]  المرجع نفسه، ص 151.

[4]  المرجع نفسه، ص 152.

[5]  الفصل الأول من مسرحية مصرع كليوباترا.

[6]  تويتر في اليوم نفسه، الساعة 11:20 دقيقة ليلًا، صورة.

[7]  https://freedomhouse.org/issues/technology-democracy

[8]  https://africanarguments.org/2021/02/the-seven-african-governments-using-israeli-cyberespionage-tools/

وهنا:

https://www.middleeastmonitor.com/20210224-african-governments-are-crushing-opposition-using-israeli-spyware/

[9]  موقع دويتشه 17 فبراير 2020.

[10]          نتن ياهو ينفي تقريرًا عن زرع إسرائيل أجهزة تجسس قرب البيت الأبيض، موقع التلفزيون الألماني: DW 13\9\2019.

[11] Funk. Allie, How Domestic Spying Tools Undermine Racial Justice Protests. https://freedomhouse.org/article/how-domestic-spying-tools-undermine-racial-justice-protests

[12] انظر تقارير فريدوم هاوس عن أثر كورونا “كوفيد 19” على الحرية، ومقال كاثرين جروث (Cathryn Grothe) في هذا الرابط:

https://freedomhouse.org/article/amid-covid-19-pandemic-internet-freedom-under-attack-middle-east-and-north-africa

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى