القضية الفلسطينيةمقالات

مناطقُ “ج” .. خسائرُ مركّبة للفلسطينيّين

موسى عجوز | متراس

يسكن مُعظم فلسطينيي الضفّة الغربيّة (قُرابة 96%) على مساحة 39% من أراضيها في مناطق “أ” و”ب”، وهي أشبه بجُزرٍ مُفتّتةٍ إلى ما يُقارب 165 منطقة. أما الـ 61% المُتبقيّة من أراضي الضفّة الغربيّة فيُطلق عليها اسم مناطق “ج”. تُعتبر هذه المناطق صلة الوصل بين مناطق “أ” و”ب”؛ وفيها مخرج أهالي الضفّة الوحيد إلى العالم، وفيها المخزون الاحتياطي من الأراضي والموارد الطبيعيّة، يُسيطر عليها الاحتلال أمنيّاً ومدنيّاً، ويواجه سُكّانها محاولات ضمٍّ وسرقةٍ للأرضي وهدمٍ للبيوت.

 

كانت هذه التقسيمة الاستعماريّة لأراضي الضفّة الغربيّة نتاج توقيع اتفاقيّة أوسلو (ب) عام 1995، بين مُنظمة التحرير الفلسطينيّة والاحتلال الإسرائيلي، على أن يسري هذا التقسيم لمدّة خمس سنوات فقط، تنتقلُ بعدها السيطرة كاملةً إلى السُلطة الفلسطينيّة. غير أنّ هذا لم يحدث، بل على العكس ثبّتت “إسرائيل” هذه التقسيمة، وقبضت بمخالبها على الجزء الأكبر والأهم من أراضي الضفّة: أراضي “ج”.

 

نُبيّن في هذا المقال القيمةَ الاقتصاديّةَ والسياسيّةَ لمناطق “ج”، وما يترتّب على سيطرة ونهب “إسرائيل” لكنوزها، وحرمان الشعب الفلسطينيّ من خيراتها والعيش عليها.

 

ذهبُ الضفّة

في عام 2004، عدّل الاحتلال الاسرائيلي مسارَ الجدار الفاصل، ليمتدَّ قرابة 4 كم داخل حدود بلدة رنتيس في الشمال الغربيّ من مدينة رام الله. لاحقاً عُثر على مجموعة من الاكتشافات النفطيّة في المنطقة، والتي تقع ضمن الأراضي المصنّفة “ج”. منحتْ “إسرائيل” حقوقَ التنقيب والاستخراج لهذه الثروة لشركة “جفعات عولام” الإسرائيليّة، وذلك حتّى عام 2032 قابلة للتجديد.

 

لم يُصرّح الاحتلال عن كميّة البترول المُكتشفة، ولكنّها بحسب تقديرات فلسطينيّة تُقارب 1.5 مليار برميل نفط بالحدّ الأدنى. فيما تُشير تقديرات أخرى، إلى وصولها ما يُقارب 2.5 مليار برميل نفط، إضافة إلى قرابة 182 مليار قدم مكعبٍ من الغاز.1

 

في السياق نفسه، أظهرت المعلومات الشحيحة المتوفّرة قيامَ الاحتلال باستخراج الصخر الزيتيّ من موقع قرب بلدة ترقوميا غرب الخليل، ويقع قرابة 85% من هذا الحقل على أراضي المناطق المصنّفة “ج”.2

 

الأرض عليها “علامة إسرائيل”!

يعاني السُكّان الفلسطينيون في مناطق “أ” و “ب” من اكتظاظٍ سكانيّ ونقص في الأراضي المتاحة للبناء، ممّا يؤدي إلى ارتفاع كبيرٍ في الأسعار في قطاع الأراضي والإنشاءات. لا يمكن تقدير التكلفة الحقيقية المترتبة على حرمان الفلسطينيين من أراضي “ج”، غير أن توفّر هذه المساحة الضخمة من الأراضي سيؤدي إلى انخفاضٍ في أسعار الأراضي، وسينعكس هذا الانخفاض كذلك على تكلفة البناء. فبحسب تقرير البنك الدولي لعام 2014، إذ كان للفلسطينيين سيادةٌ على مناطق “ج” سينخفضُ ثمن الوحدات السكنية والتجارية بنسبة 24%، ممّا سيزيد من الطلب على تشييد المباني ويرفع من مساهمة قطاع البناء في الاقتصاد الفلسطينيّ إلى ما يقارب 239 مليون دولار سنوياً.

 

يمتدُّ أثر السيطرة على مناطق “ج” إلى الصناعات التحويليّة. على سبيل المثال، تحتوي أملاح البحر الميّت على الكثير من المعادن القيّمة والنادرة، مثل: البوتاس والبرومين. تُنهب خيرات البحر الميّت منذ العام 1956 بواسطة شركة “إسرائيل المحدودة” (Israel Corporation)، والتي تمتلك حقوق التعدين فيه حتى العام 2030. تُقدّر القيمة السنويّة لهذه المعادن بـ 918 مليون دولار تقريباً، تذهب إلى جيوب الإسرائيليين.

 

كذلك، فإنّ مناطق “ج” غنيّة بالموارد الحجرية، فصناعةُ الحجر والتنقيب من أضخم الصناعات التصديريّة في الأراضي الفلسطينية. تعملُ الشركات الإسرائيلية على نهب الثروات الحجريّة في الضفة الغربية منذ سبعينيّات القرن الماضي، فتدير قرابة 11 محجراً، تُوفّر خلالها ما يُقارب 12 مليون طن من المواد الخامّ لقطاع البناء الإسرائيلي. ولكي تفرغ الساحة للقطاع الخاص الإسرائيلي، أوقف الاحتلال منحَ تراخيص المحاجر للشركات الفلسطينية منذ العام 1994، ما يجعل قرابة الـ 70 محجراً فلسطينيّاً تعمل بدون ترخيص، وهو ما يفوّت على الفلسطينيين مُضاعفة صناعة الحجر وبالتالي زيادة المُساهمة في الاقتصاد الفلسطيني بنحو 241 مليون دولار سنوياً.

 

 

لعلّ من أهمّ ما يُميّز مناطق “ج”، هو كونها أراضٍ غنيّة بالموارد والأراضي المتاحة للزراعة. لكنّ الاحتلال بإجراءاته وسياساته يمنع المزارعين من الوصول إلى هذه الأراضي، ويهدمُ المنشآت والمباني وآبار المياه التي يستعملونها، بالإضافة إلى منعه أعمال البنية التحتيّة من شبكات مياهٍ وري وتعبيد طرق، تُوفّر على المُزارع ماديّاً وتُسهّل عليه عمله. بينما، سُخّرت هذه الأراضي الخصبة لخدمة الشركات الزراعيّة الإسرائيلية وتجاربها، الأمر الذي يحرمُ الفلسطينيين من قرابة 704 مليون دولار سنوياً، كان يمكن أن تُساعد في تطوير الاقتصاد الفلسطيني والتخفيف من الأعباء المادية للفلسطينيين.

 

 

ليس هذا فحسب، إذ تتركّز في مناطق “ج” الكثير من الأماكن السياحيّة المُهمّة، ففيها ما يزيد عن أربعة آلاف موقع ومعلمٍ أثري وتراثي وديني، مثل: دير مار سابا في بيت لحم، وكهوف قمران، والبحر الميّت، وغيرها من المواقع تتبع إدارتها، وبالتالي عوائدها، إلى المستوطنات. البحر الميّت مثلاً؛ تُحقّق “إسرائيل” من سيطرتها عليه وإقامة شركاتها منتجعاتٍ سياحيةً على شواطئه قرابة 126 مليون دولار سنوياً.

 

مثلما أنّ السيطرة على مناطق “ج” تُتيح لـ “إسرائيل” القبض على أهمّ ما في جوف الأرض وما عليها، فإنّها كذلك تُمكّنها من التحكّم في الهواء، فتُوسّع من مجال التغطية الخلويّة لشركاتها. في فبراير/ شباط الماضي أصدر وزير الاتصالات الإسرائيلي، قراراً بتوسيع التغطية الخلويّة لشبكات الجيل الرابع التي تُقدّمها الشركات الإسرائيليّة في مناطق الضفة الغربية لتصل خلال عامين من 75% إلى 95%، وبالتالي تغطية هواء الضفة بشكلٍ شبه كامل بواسطة 8 شركات إسرائيلية بحجة أنّ خدماتها مقدَّمة للمستوطنين. طبعاً يأتي هذا على حساب الشركات الفلسطينيّة، والتي لو أتيحَ لها العمل بحريّةٍ في مناطق “ج”، كان من الممكن لها بناء بنية تحتية للهواتف المحمولة والخطوط الأرضية وشبكات الانترنت (ADSL)، والتي من شأنها إضافة نحو 48 مليون دولار إلى الاقتصاد الفلسطيني.

 

 

“المناطق المُهمّشة”.. من السلطة

لم تضع السلطة الفلسطينيّة مناطق “ج” (تُسمّيها مثلاً: المناطق المهمّشة أو الأقل حظاً أو النائية) ضمن خططها إلا متأخراً، إذ لم تظهر في خطط التنمية الوطنيّة حتى عام 2014. ومع ذلك، لم تحقّق هذه الخُطط تقدماً ملموساً على أرض الواقع. ذلك أنّها تعتمد في تنفيذها وتمويلها على المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية، وهو ما لا يمكن التعويل عليه كثيراً لإحداث نقلةٍ تنمويّة نوعيّة في تلك المناطق. ما تحتاجه مناطق “ج” هو إرادة سياسيّة لاستعادة هذا الحقّ، ومن ثمّ بذل الموارد اللازمة لتطوير القطاعات الإنتاجيّة واستغلال الموارد الاقتصاديّة فيها، وهو ما لم يحدث حتّى الآن.

 

 

لو لم يكن البناء والاستثمار والعمل في مناطق “ج” مُحرّماً على الفلسطينيّ، لكان من المُمكن أن تتحقّق زيادة ما نسبته 35% من إجمالي الناتج المحلي الفلسطيني، بقيمة إجمالية تقدر بقرابة 3.4 مليار دولار سنوياً. بالإضافة إلى انخفاضٍ يزيد عن 50% من العجز المالي للسلطة الفلسطينية. إضافة إلى ذلك، فإنَّ الفوائد المترتبة على خلق الكثير من فرص العمل ستكون كافيةً لإحداث انخفاض ملموس في معدل البطالة البالغ 26.6%، وبالتالي التخفيف من معدلات الفقر، الذي توقّعت وزارة التنمية الاجتماعيّة أنّه مع نهاية عام 2020 سيصل إلى 50%.

 

لماذا لا تُسلّم “إسرائيل” أراضي “ج”؟

يعودً تقسيم أراضي الضفة الغربية إلى مناطق ثلاثة: أ، ب، ج، إلى اعتباراتٍ مرتبطة بالتاريخ الديني لليهود، ممّا جعلها مكاناً لاستقطاب المهاجرين اليهود إلى فلسطين. من ذلك، يعتبر المفاوض الإسرائيلي جويل سينغر، الذي تفاوضَ على اتفاقيّات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينيّة، أنّ الضفّة الغربيّة هي مهد اليهوديّة، ففيها تنتشرُ العديد من المواقع الدينيّة والتاريخيّة حسب زعمه.

 

بالتأكيد ليس هذا هو السبب الوحيد، إذ لدى “إسرائيل” اعتبارات أمنيّة جعلتها تُفكّر بحماية نفسها من خلال تأمين الضفّة الغربيّة، التي تمتلك حدوداً طويلة جداً ومتعرّجة نسبيّاً مع دولة الاحتلال، يُقارب طولها 770 كم. لهذا، فإنّ تقسيمها إلى ثلاث مناطق، والاستحواذ الكامل على مناطق “ج”، يُسهّل من حمايتها وضبطها. وهذا يشير إلى أنّ الاحتلال ومن خلال استراتيجيته التفاوضية لم تكن لديه النية للانسحاب أو تسليم السيطرة للفلسطينيين على هذه المناطق تحت أيِّ ظرفٍ من الظروف، على الأقل ليس في العام 2000.

 

 

أعاقت هذه التقسيمة الاستعماريّة، التي أدّت إلى استحواذ “إسرائيل” على مناطق “ج”، أي عمليّة تنمويّة وتطويريّة للفلسطينيين. فيما بالمُقابل سيطرَ الاحتلال على المساحات الواسعة المليئة بالخيرات. لذا لم يكن وارداً لدى “إسرائيل” أن تُفرّط بمُنجزها هذا، الذي له دوافع سياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة ومُبرّرات دينيّة، وليس مشروع الضمّ الإسرائيلي وتزايدُ أعداد المستوطنات والمستوطنين في الضفّة إلا دليلاً على ذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى