الفكركتبمقالات

كتاب الدين والكرامة الإنسانية

عبد الجبار الرفاعي | مركز أفكار للدراسات والأبحاث

لا يمكن أن نفهمَ الدينَ قبلَ أن نفهمَ الإنسانَ أولًا، وحاجتَه لمعنى لحياته، وحاجتَه للكرامة والمساوة والحرية. إعادةُ تعريف الإنسان هي المدخلُ الصحيح لإعادةِ تعريف الدين وكيفيةِ فهمه وتفسيرِ نصوصه، بالشكل الذي يصيرُ الدينُ فيه مُلهِمًا للعيش في أفق المعنى.

في ضوء فهمنا للإنسان نتحدّثُ عن حاجتِه العميقة للدين الذي يفرض حضورَه في كلِّ عصرٍ مهما اشتدّت مناهضتُه ورفضُه، ربما يحتجب الدينُ مؤقتًا إلا أنه لن يختفي من الحياة.

‏   لم أرَ ما هو أشدُّ أثرًا ‏من الدين في حياة الفرد والمجتمع، ‏ولم أرَ ما يمتلك كلَّ هذا الحضور الطاغي والتأثير الهائل كالدين، وتظلّ دراستُه العلمية وتفسيُر تعبيراته المتنوّعة منسيةً في مؤسّسات التربية والتعليم العالي والثقافة والإعلام في بلادنا.

الدينُ يتغلغلُ في كلِّ شيء في حياتنا بصورةٍ ظاهرة وخفية، كلُّ محاولةٍ لإعادةِ البناء التربوي والتعليمي والثقافي، وإعادةِ بناء المجتمع لا تبدأ بإعادةِ تعريف الإنسان، وإعادةِ تعريف الدين، وبناءِ فهمٍ جديد لنصوصه، تموتُ لحظةَ ولادتها.

الدينُ مكوّنٌ عميق لماضينا وحاضرنا، متغلغلٌ في كلِّ شيء في حياتنا، لا يتحقّق فصلُ الدين أو وصلُه بحياتنا بقرارٍ نتخذُه، أو رغبةٍ عابرة، أو تذمّرِ البعض وانزعاجِهم من ممارسات مُستهجَنة تتخذ من الدين غطاءً لها، ومن اسمِ الله لافتةً تخدعُ الناسَ بها. يتعذّر طردُ الدين من حياة الناس، مهما أساء له أولئك الذين يتخذونه ذريعةً لسلوكهم المتوحش. الدينُ مكوّنٌ أساسي في الهويةِ، والبنيةِ اللا واعية في ذهن الفرد وثقافة المجتمع.

قراءةُ نصوص الدين برؤيةٍ تنتمي للتراث أهمُّ أسبابِ انسدادِ الآفاق المضيئة لفهم الدين، وتعطيلِ حضوره الإيجابي الخلّاق في حياتنا. يفرض الواقعُ إعادةَ تعريف الدين وقراءةَ نصوصه برؤيةٍ تنتمي إلى عالَمنا، كي تنتج المعنى الديني المتناغم مع إيقاعِ حياتنا ومتغيراتِها المتواصلة.

أخفقت مشاريعُ ودعواتُ القطع الجذري مع التراث، ولم توصلنا إلى أية محطةٍ لبناء الفرد والمجتمع والدولة. الطريقُ الصحيح هو دراسةُ التراث دراسةً علمية معمّقة، والتوغلُ في اكتشافِ بنيتِه التحتية ورؤيتِه للعالَم، في ضوء منطق العلوم والمعارف الحديثة، ومغادرةُ ما استنفد غرضَه فيه، ولم يعد صالحًا لغير زمانه.

كتاباتُنا المنشورةُ عن الدين تنويعاتٌ لرؤيةٍ واحدة، رؤية تحاول أن تتعرّف على الدين عبر اكتشافِ الإنسانِ، والتعرّفِ على حاجتِه المزمنة للدين، ووجودِ كلِّ شيءٍ من أجله بوصفه الغايةَ، لأنه خليفةُ الله في الأرض. الإنسانُ هو الكائنُ الوحيد في الوجود الذي تتوافر فيه المتطلباتُ الضرورية للاستخلاف، الإنسانُ يمتلكُ ما لا يمتلكه غيرُه من إمكانات تؤهله لهذه المهمة الثقيلة الاستثنائية.

ذكرنا في أكثر من موضع في هذا الكتاب أن الإنسانَ غايةُ الدين، ‏كلُّ دينٍ لا تكون غايتُه الإنسانَ ليس إنسانيًا. جوهرُ إنسانية الدين حمايةُ الكرامة، ورفضُ كلِّ أشكال التمييز بين الناس.‏ كلُّ دين لا يحمي كرامةَ الإنسانِ ويصونها ليس ‏إنسانيًا. الإنسانُ وكرامتُه وسكينتُه وطمأنينتُه وإسعادُه غايةُ ما ينشدُه الدين.

لا كرامةَ بلا مساواةٍ، خلقَ اللهُ الناسَ متساوين في إنسانيتهم، فليس هناك إنسانٌ كاملُ الإنسانية وآخرُ إنسانيتُه ناقصة. تُختبَر أخلاقيةُ أية ديانةٍ بما ترسّخه من قيمةٍ للكرامة والحرية والحقوق، وبجهودِها من أجل تحريرِ الإنسان من الاستعباد، وقدرتِها على حمايته من الإذلال والاحتقار. أيُّ مسعىً لتحقيق العدالة اليوم بلا تحقيقِ المساواةِ لا تتحقّق به عدالةٌ ولا يحمي كرامةَ الإنسان.

الكرامةُ قيمةٌ أصيلةٌ، إنها أحدُ مقوّمات تحقّق إنسانيّة الإنسان، حضورُها يعني حضورَ إنسانيّة الإنسان، وغيابُها يعني غيابَ إنسانيّة الإنسان. لا تعني الكرامةُ عدمَ الإهانة فقط، عدمُ الإهانة أحدُ الآثار المترتبة على حضورِ الكرامة، وثمرّةٌ من ثمرات تحقّقها في الحياة البشرية. لا قيمةَ سامية تعلو على قيمةِ الكرامة، هتكُ الكرامةِ والاحتقارُ يثيران الفزعَ في كيان أيّ إنسان، مهما كان بَليدًا وأبْلَهًا في نظر البعض، إلا إذا كان ذلك الإنسانُ مدجّنًا على التنازل عن كرامته ليقبلَ الاستعبادَ طوعًا. نصابُ الكرامة في القيم يتفوّق على كلِّ ما سواه، كلُّ القيم تجد معناها في حمايتِها للكرامة وصيانتِها من كلِّ ما ينتهكها، الكرامةُ لا غير هي ما يُرسِّخ الشعورَ بأهمية الحياة، وتجعلها تستحقُّ أن تعاش، وهي شرطٌ لتذوّق معناها.

كما أوضحنا في الكتاب أن الكرامةَ ضرورةٌ للفرد وكذلك للأمة، تبدأ بكرامةِ الفرد لتنتهي بكرامة الأمة، لا كرامةَ لأمةٍ بلا كرامةٍ لأفرادها. عندما تُنتهَك كرامةُ الأفراد، تحت أيّة ذريعة، فلا كرامةَ للأمة. كلُّ مجتمع تكون كرامةُ الأفراد الشخصية فيه مستلبةً هو مجتمعٌ مُستلَب الكرامة. مادام الفردُ مُهانًا فلا كرامةَ لمجتمعه أو وطنه أو دولته.

الإنسانُ بوصفه إنسانًا لا غير يستحقُّ الكرامةَ والحرياتِ والحقوق. الإنسانيةُ قيمةٌ كونية عابرة للأعراق والثقافات والأديان، الكرامةُ هي الإطارُ الأخلاقي الذي تتوحّد فيه قيمةُ الإنسان ومكانتُه، وتقديرُه لذاته وتقديرُ الغير له. الكرامةُ تضمن إنسانيةَ الإنسان، وتحميها من كلِّ تمييزٍ وتعصب واحتقار ينشأ على أساس الجنس أو العرق أو الثقافة أو الجغرافيا أو الدين أو غير ذلك.

وأشرنا أيضًا إلى أن المعيارَ الكلّي لاختبار إنسانيّة أيّ دينٍ هو كيفيةُ تعاطيه وإعلائه للكرامة الإنسانيّة، والموقعُ الذي تحتلّه الكرامةُ في منظومة القيم لديه. إنسانيّةُ الدين تلخّصها نظرتُه للكرامة بوصفها القيمةَ التي تستحضر كلَّ قيمة، وتتسع لكلِّ الحقوق الأساسية، وتضع الحريةَ غايةً تتطلّع لاستردادها على الدوام كاملةً غيرَ منقوصة. والخلاصُ في شريعته من أيّة محاولةٍ لتسويغ العبودية المُعلَنة أو المقنَّعة، والإكراهية أو الطوعية. تكريمُ الإنسان بوصفه إنسانًا واجبٌ أخلاقي وليس مِنّةً أو تفضّلًا من أيّ أحد. الكرامةُ قيمةٌ إنسانيةٌ عليا، معناها واحدٌ صريحٌ يتساوى فيه كلُّ الناس، بغضّ النظرِ عن دينهم وثقافتهم وجنسهم وموطنهم ولونهم ومهنتهم.

إن انتهاكَ كرامةِ أيّ كائنٍ بشري هو انتهاكٌ يطالُ كرامةَ غيره من البشر أيضًا. الكرامةُ قيمةٌ كونيةٌ، لكلِّ انسان نصابُه فيها، لذلك يفرضُ الضميرُ الأخلاقي على الكلِّ حمايتَها، كلٌّ حسب موقعه، ووفقًا لإمكاناته وقدراته.

احترامُ الكرامة الإنسانية مقصدُ مقاصدِ الدين وأسمى أهدافه، وذلك يفرض أن يُعاد تفسيرُ كلِّ نصٍّ ديني بما لا ينقض الكرامةَ أو ينتقص منها. كلُّ نصٍ يتعارضُ مع هذا المقصد الكلي، ويقوم على التمييز بين البشر، سواء كان آيةً أو رواية، مثل تشريع الرقّ وما يماثله، يُطرح وينتهي العملُ بأحكامه، لأنه ينتمي للتاريخ ويعكسُ ظروفَ مجتمع عصر البعثة الشريفة. كلُّ كتابٍ مقدّس يتضمنُ ما هو عابرٌ للزمان والمكان والواقع الذي ظهرَ فيه، كما يتضمنُ ما هو زماني ومكاني وتاريخي. في الفصل الرابع من هذا الكتاب شرحنا المفتاحَ المنهجي الذي نعتمدُه في تفسيرِنا للقرآن الكريم وفهمِ الأحاديث والروايات، وكيفيةِ التمييز بين ما هو ثابتٌ من القيم الروحية والأخلاقية الأبدية، وما هو متغيّرٌ من أحكام تنتمي إلى ظروف وأحوال مجتمع عصر النزول.

الدينُ حياةٌ في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الكائن البشري الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية. هذا هو تفسيرُنا للدين، وكيف أن الدينَ يُعبِّرُ عن هشاشة الكائن البشري، وقلقِه الوجودي وألمِه، وطبيعتِه بوصفها ملتقى الأضداد، وحاجةِ وجوده الفقير للاتصال بوجود الحقّ الغني بذاته. في ضوء هذا التفسير يتحدّدُ ما ينشده الدينُ في حياة الفرد والجماعة. إنه تفسيرٌ يحضرُ فيه عالمُ الغيب كما يصوّره القرآنُ الكريم مثلما يحضرُ عالمُ الشهادة، ويكشف عن حاجة الإنسان العميقة للإيمانِ باللهِ للخلاص من الاغتراب الوجودي.

أعتمدُ الفهمَ المعنوي للدين، والتفسيرَ الرحماني الأخلاقي للقرآن الكريم، واستخلاصَ المضمون الإنساني الأخلاقي في الأحاديث والأخبار والتراث. إنسانُ اليوم يفتقر لتديّن عقلاني أخلاقي رحماني ينقذه، لأنه يعيش في عالَم يضمحلّ فيه معنى كلِّ شيء في حياته، عالَمٌ تزدادُ فيه كآبتُه، ويشتدُّ اغترابُه.

تظلُّ الأفكارُ الواردة في هذا الكتاب وغيره من أعمالي تحتَ سقف النقد العلمي، لأنها تعكسُ رؤيتي للدينِ وكيفيةِ قراءة نصوصه. لا قطيعةَ فيها مع التراث، إلا في حدود ما هو ميّتٌ ومميتٌ فيه. التجديدُ البنّاء يتأسّس على فهمٍ علمي للتراث، واستيعابٍ نقديّ للمعارف اليوم.

قوةُ الفكرة لا تكفي وحدَها لتطبيقها، مالم تتبنّاها سلطةٌ تفرض حضورَها، أو تتجنّد لها جماعةٌ تحشدُ كلَّ طاقاتها من أجلها. ظهرت أفكارٌ منطقية ذكية في مختلف العصور، لكنها أخفقت في أن تطبع بصمتَها في التاريخ، لافتقارِها إلى جماعةٍ تتبنّاها، وسلطةٍ تحميها. ولبثت بعضُ المعتقدات، كالمانوية وغيرها، تتحكّمُ في الضمير الديني لكثير من الناس عدةَ قرون، لكنها غادرت الحياةَ مُكرَهةً بفعل سلطةٍ صارمةٍ قهرتها.

يعلّمُنا التاريخُ في عصوره الماضية، وتتحدّث لنا نشأةُ الأفكار والمعتقدات والأيديولوجيات في العصر الحديث، بأنه مهما كانت عقلانيةُ الفكرة ورصانةُ حججها، فإنها لا تكفي وحدها لتمكينها، وغالبًا لا تجد الفكرةُ طريقَها للواقع بلا سلطةٍ تتبنّاها وقوةٍ تفرضها.

لم تتسيّد الفلسفةُ اليونانية ويتحول المنطقُ الأرسطي إلى مرجعية تتسلّط على طرائقِ الفهم والاستدلال والنظر لولا سلطةُ الخليفة المأمون ودورُ بيت الحكمة المعروف في ترجمة التراث اليوناني ونشره. في تاريخنا اندثر الاعتزالُ ولبث نائمًا حتى اليوم، وسيظلّ قابعًا في الكتب، على الرغم من اتفاق الباحثين المتخصصين على عقلانيتِه وتماسكِ حججه، وإن كان بعضُ أعلامه لم يكن متسامحًا في مواقفه مع المُختلِف في المعتقد. لبث الاعتزالُ عقيدةً للنخبة، ولم نجد له صدىً لافتًا في المجتمع، ولم ينعكس فهمُه أو قراءتُه العقلانية لبعض الآيات والروايات على حياة المسلم، بعد أن خذلته السلطة، وظلَّ يفتقرُ لحاضنةٍ مجتمعية يأوي إليها. وبموازاة الاعتزال ترسّخت وتمدّدت واتسعت الحنبليةُ بشكل متزايد بمرور الأيام، بعد دعمِ سلطاتٍ في عصور متعدّدة لها وتحالفها معها، على الرغم من تشديدِ الحنبلية على مرجعية الأحاديث والأخبار، وفهمِها الحرفي لها، وانغلاقِها الحاد، وشحّةِ حضورِ العقل في فهمِها للعقيدة وتفسيرِها للقرآن والحديث.

ليست قوةُ الفكرة ومصداقيةُ تعبيرها عن الواقع هو الذي يكفلُ شيوعَها وتجذّرها. بعضُ الكتّاب اتخذتهم جماعاتٌ يسارية وقومية وأصولية مرجعيات لها، ففرضت كتاباتُهم حضورَها في ضمير القراء، وإن كانت هذه الكتاباتُ سطحيةً هشّة، تفتقرُ إلى أيِّ مضمونٍ متماسك رصين، ويدثرُها ركامُ شعارات تُذكي العواطفَ وتثيرُ المشاعر.

لا يُنكَرُ أن بعضَ الأفكار العظيمة تظلّ حيةً في ضمير التاريخ ولن تندثر، غير أن حضورَها النظري شيء، وتمكينَها في الواقع شيءٌ آخر، التمكينُ لا يتحقّق بلا تجنيدِ قوةٍ تفرضها، وجماعةٍ تحتضنها.

‏التجديدُ في الدين لا يحقّقُ وعودَه من دون أن تتبناه المؤسّسةُ الدينية، ويجد حاضنةً مجتمعية يلوذ بها، أو تفرضه السلطةُ السياسية، ‏وذلك لن يتحقّق قريبًا. يظلّ التجديدُ في الدين غريبًا، ولن يجدَ مَنْ يرعاه، مادام يتحدثُ لغةً لا تشبه لغةَ الجماعات الدينية، ولا تدعمه سلطةٌ سياسية، أو تحتضنه مرجعيةٌ دينية، ولا يتناغمُ ورؤيةَ التراث للعالَم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى