القضية الفلسطينيةدراسات

هل يمكن أن يدوم خيار التعايش الإسرائيلي مع الصراع ؟

ماهر الشريف | مؤسسة الدراسات الفلسطينية

 يشغل هذا السؤال بال عدد من المحللين،  ومنهم  الباحثة الفرنسية وأستاذة علم الاجتماع السياسي لاتيسيا بوكاي التي ترى، في مقال نشرته في 1 حزيران/يونيو الماضي، أن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي هو “صراع منخفض الحدة، إذ يبقى عدد ضحاياه محدوداً مقارنة بالمسارح الأخرى التي تشهد حروباً في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وأوروبا”، معتبرة أن اليمين الإسرائيلي الحاكم عمل، على مدى العقدين الماضيين، “بصورة أساسية على احتواء التهديد الفلسطيني، لكنه لم يشرع أبداً في حل الخلافات التي من شأنها أن تؤدي إلى سلام مقبول ودائم”[1].

والواقع، أن الحكومات الإسرائيلية التي تعاقبت منذ مطلع الألفية الثالثة قررت التعايش مع هذا الصراع والامتناع عن التوصل إلى حل نهائي له. وتساوقاً مع هذا التوجّه، طرح رئيس الوزراء الحالي نفتالي بينت فكرة “تقليص” حدة الصراع  كي تتمكن حكومته من التعايش مع استمراره. ومن المعروف أن بينت عارض، منذ دخوله المعترك السياسي، فكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة ودعا  إلى ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة إلى إسرائيل؛ ففي مقابلة أجرتها معه الصحافية أود ماركوفيتش، مراسلة مجلة “السياسة الدولية” الفرنسية في إسرائيل، في صيف سنة 2017، أكد بينت  أن “الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود هو فقط الذي يتوافق مع بقاء إسرائيل”، وأشار، في رده عن سؤال بشأن حرب حزيران/يونيو 1967، إلى أن هذه الحرب “تعني أولاً، بالنسبة إليه، توحيد القدس” وعودة اليهود “إلى وطنهم وإلى عاصمتهم التي كانت لهم منذ 3000 عام”، معتبراً أن “يهودا والسامرة هي المنطقة التاريخية لليهود، الذين هم سكان أرض إسرائيل، وأن  عِلم الآثار والتاريخ والكتاب المقدس يظهرون ذلك بوضوح”[2].

بقاء “الوضع الراهن” مريح لإسرائيل

يرى هيو لوفات زميل سياسات الشرق الأوسط وأفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، في مقال نشره في 5 تموز/يوليو الفائت بعنوان: “تحويل جهود السلام في الشرق الأدنى”[3]، أن “عملية السلام”، التي تسببت في تدهور أوضاع الفلسطينيين خلال العقود الماضية، عادت بفوائد جمة للإسرائيليين، إذ أدى استمرار الحديث عنها إلى إضعاف الانتقادات الدولية التي وجهت إلى تصرفات إسرائيل على الأرض، كما أن الهياكل التي أقامتها اتفاقيات أوسلو، أي السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، حسنت إلى حد كبير أمن الإسرائيليين والمستوطنين. ومن ناحية اخرى، فإن الموجة الأخيرة من إعلانات التطبيع بين إسرائيل والدول العربية، عززت شعور اليهود الإسرائيليين بأن العالم العربي لم يعد يعبأ كثيراً بتطلعات الفلسطينيين الوطنية. ويتابع قائلاً إنه بالنظر إلى التكاليف السياسية والأمنية المنخفضة نسبياً لاحتلال غير محدد زمنياً،  فإن “أقلية فقط من اليهود الإسرائيليين ترى في حل النزاع أولوية”. ففي مواجهة الاختيار بين الحفاظ على الواقع الحالي والتخلص من الاحتلال، تفضل غالبية اليهود الإسرائيليين الاستمرارية على التغيير. ويتمحور النقاش اليوم في إسرائيل حول أفضل الطرق لإدارة السيطرة على الفلسطينيين “بما يمنع التهديد الديموغرافي لحل الدولة الواحدة”.

ويقدّر لوفات أنه توجد بصورة إجمالية مدرستان فكريتان تعكسان غالبية الرأي العام الإسرائيلي، لا يؤيد أنصار أي منهما حل الدولتين على أساس المعايير الدولية، أو على أساس انسحاب كبير من الأراضي الفلسطينية المحتلة. فالمدرسة الفكرية الأولى، التي يجسدها بعض أعضاء اليمين مثل بنيامين نتنياهو ومسؤولين أمنيين وسياسيين من “يسار الوسط ” مثل وزير الخارجية يائير لبيد ، ترى أن بقاء “الوضع الراهن” بما يضمن سيطرة غير محدودة على الأمن، هو أفضل طريقة لإدارة الصراع. ولا يحبذ أنصار هذه المدرسة القيام بضم إسرائيلي رسمي للضفة الغربية، وقد يتحدث بعضهم أحياناً عن الحاجة إلى الانفصال عن الفلسطينيين، أو عن مبدأ “دولتين لشعبين” على أن تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الحصرية على القدس الموحدة، وعلى جزء كبير من أراضي الضفة الغربية، علماً أنهم بتواصل أفعالهم المشجعة على نمو المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، يساهمون في تآكل جدوى حل الدولتين. أما أنصار المدرسة الفكرية الثانية فهم يدعمون، كما يضيف، الخطوات العملية الرامية إلى ضمان  الضم الرسمي للضفة الغربية أو لأجزاء  واسعة منها وفرض السيادة الإسرائيلية عليها. وهم يتمثلون في جيل شاب من السياسيين اليمينيين، مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نفتالي بينيت.

ويخلص لوفات إلى أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة تضم مزيجًا من أنصار هاتين المدرستين. فنفتالي بينيت كان، قبل تسلمه رئاسة الحكومة، مؤيداً بشدة لمشروع الضم الرسمي للمنطقة ج إلى إسرائيل، وهو موقف يتبناه  اليوم اليمينيون الآخرون في حزبه وفي الحكومة. بينما يبدو أن يائير لبيد “الوسطي” يؤيد استمرار النموذج الحالي للاحتلال، وكان قد أعلن في الماضي إنه سيسعى للحصول على موافقة أميركية لمواصلة البناء في الكتل الاستيطانية الإسرائيلية الرئيسية. ولعل حزب ميرتس “التقدمي” الصغير هو –كما يضيف- “الحزب اليهودي الوحيد الذي لا يزال يدعم حل الدولتين التقليدي”، بينما “يقع حزب العمل في مكان ما بين الموقفين”. وهكذا، ونظراً إلى هذا المزيج من المواقف الإيديولوجية وإلى وحدة هشة بين أطرافها، فمن الأرجح أن تختار حكومة بينت-لبيد الحفاظ على الوضع القائم وتستمر في سياسة الضم التدريجي غير الرسمي، مع شروعها في تقديم بعض التسهيلات للسلطة الفلسطينية.

الضم التدريجي الزاحف غير الرسمي

في خطوة “مثيرة” بحسب المراقبين، أعلن وزير الدفاع بيني غانتس عن نيته توسيع الوجود الفلسطيني في المنطقة ج عبر السماح للفلسطينيين ببناء 1000 وحدة سكنية فيها، وذلك بعد الاجتماع الذي عقده في إسرائيل مع مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية وليام بيرنز، الذي دعا غانتس ورئيس الوزراء بينت إلى تعزيز مكانة السلطة الفلسطينية وأنصار “الاعتدال” في الضفة الغربية. بيد أن وزير الدفاع الإسرائيلي أفرغ هذه الخطوة من معناها عندما قرر، في المناسبة نفسها، توسيع البناء الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة عبر السماح ببناء أكثر من 2000 وحدة سكنية جديدة للمستوطنين[4].

من جهة أخرى، وبينما كان غانتس يعلن قراره بالسماح للفلسطينيين بالبناء في منطقة ج، كانت حكومته تمضي قدماً في خطة لإقامة مستوطنة إسرائيلية جديدة ضخمة في منطقة القدس. ففي تقرير أصدرته في 8 آب/ أغسطس، كشفت منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية النقاب عن خطة لبناء 9000 وحدة سكنية بالقرب من مطار عطروت، بين أحياء كفر عقب وقلنديا والرام جنوب رام الله، ووصفتها بأنها خطيرة للغاية ويمكن أن تكون ضربة قاسية لـ” حل الدولتين”، لأنها ستقطع التواصل الفلسطيني الحضري بين رام الله  والقدس الشرقية. ومن المفترض  أن تقوم لجنة التخطيط اللوائية في القدس بالموافقة النهائية على هذه الخطة في أوائل شهر كانون الأول/ ديسمبر القادم؛ وبمجرد المصادقة عليها ونشرها، سيتم إصدار تصاريح البناء في الموقع المحدد. وبالتوازي مع كشف النقاب عن هذه الخطة، تواصل الحكومة الإسرائيلية العمل على تنفيذ الخطة المعروفة بـ E1 ، والتي تتضمن إنشاء منطقة سكنية إسرائيلية تمتد من القدس إلى مستوطنة معاليه أدوميم على مسافة  11 كيلومتراً (5 أميال) وراء الخط الأخضر، أو الحدود المعترف بها دولياً للفصل بين إسرائيل والضفة الغربية.  وبحسب منظمة “عير عميم” الحقوقية الإسرائيلية ، فإن خطة E1  ستؤدي “إلى قطع اتصال القدس الشرقية بالضفة الغربية،  وفصل رام الله وشمال الضفة الغربية عن بيت لحم وجنوب الضفة الغربية”[5].

ويتفق المحللون على أن حجم الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، يقوّض عملياً التواصل الإقليمي لدولة فلسطينية قابلة للحياة، ويزيد إلى حد كبير التكاليف السياسية لأي انسحاب إسرائيلي مستقبلي. بينما تمحو سياسة الضم التدريجي “الخط الأخضر” بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يكرس واقع وجود دولة واحدة  تقوم على التمييز العنصري المؤسسي، الذي يمنح اليهود الإسرائيليين امتيازات كثيرة على حساب جيرانهم الفلسطينيين.

عواقب استمرار الصراع

تترافق القناعة المتزايدة بأن إسرائيل لا تريد التوصل إلى حل لهذا الصراع يتوافق مع الشرعية الدولية، وهي مستعدة بالتالي للتعايش معه، بتحذيرات عدة من العواقب الخطيرة التي ستترتب على استمرار هذا الصراع، وهو ما أظهرته جولة الصراع الأخيرة التي تفجرت في شهر أيار/مايو وغطت جميع مناطق فلسطين التاريخية، والتي دلت “-كما يقدّر لوفات- على “احتمال كبير لاندلاع أعمال عنف في المستقبل في قطاع غزة وخارجه”، كما بيّنت، بالترافق “مع الاحتجاجات الداخلية المتصاعدة على السلطة الفلسطينية، أن الفلسطينيين لا يرضون عن مسار الصراع”. وفي غياب أي أفق سياسي واقعي للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فإن الصراع الذي تفجّر في أيار/مايو الفائت لن يكون سوى أحدث مظهر من مظاهر التدهور طويل الأمد على الأرض”، وهو تدهور تتحمل الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي  قسطاً كبيراً من المسؤولية عنه.

من الصحيح أن الإدارة الأمريكية الجديدة للرئيس جو بايدن نأت بنفسها عن خطة الرئيس السابق دونالد ترامب، وأكدت التزامها اللفظي بـ “حل الدولتين” وبذلت جهوداً للتوصل إلى وقف إطلاق النار في المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وحركة حماس، إلا أنها “لم تصلح بالكامل الضرر الذي لحق بالتوازن بين الطرفين”، إذ هي أوضحت، على سبيل المثال، أنها لن تلغي اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على القدس، وما زالت تخضع للضغوطات الإسرائيلية لمنعها من الإقدام على الخطوة التي وعدت بها بإعادة افتتاح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية. أما الاتحاد الأوروبي، فهو ما زال يتطلع إلى الولايات المتحدة “كي تبيّن له الطريق”، ولا تزال سياسته الخارجية “مسدودة الآفاق بسبب الانقسامات العميقة داخله وعجزه عن التوصل إلى اتفاق بين دوله البالغ عددها 27 دولة”. والأهم من ذلك كله، أن الطرفين يصران على الامتناع عن اللجوء إلى أي إجراءات لمحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها للقانون الدولي وكبح نشاطها الاستيطاني.

الفلسطينيون لن يستسلموا: جيل جديد وبرادايم جديد

إن ابتعاد آفاق الاستقلال من خلال المفاوضات التي أطلقها مسار أوسلو صار، كما يرى العديد من المحللين، يضغط بشدة على النظام السياسي الفلسطيني، وخصوصاً في ظل “تطبع السلطتين في الضفة الغربية وقطاع غزة بطابع سلطوي وغير خاضع للمساءلة”، وإلغاء الانتخابات التشريعية والرئاسية، والعجز إلى الآن عن  رأب الصدع الداخلي بين قطاع غزة والضفة الغربية وتعزيز الوحدة الفلسطينية الداخلية. كما أن تواصل التقييدات الإسرائيلية المستمرة، بما فيها سرقة جزء من أموال المقاصة، وخفض المساعدات الخارجية، قد يدفعان النظام المالي الفلسطيني إلى حافة انهيار محتمل، قد يفجر موجات من الغضب الشعبي ويزيد الدعم لـلمقاومة بما فيها المقاومة المسلحة.

وكما ترى بوكاي، فإن أهمية  موجة الصراع الأخيرة تتمثل في نجاح الفلسطينيين في تجاوز الانقسامات الجغرافية والسياسية التي تفرّق بين تجمعاتهم المختلفة، ومبادرتهم إلى خلق جبهات كفاحية فوق أرض فلسطين التاريخية في الوقت نفسه، في ظاهرة غير مسبوقة. وتتبلور اليوم، من خلال منظمات المجتمع المدني وجيل من النشطاء والقادة الشباب، محاولات لتنظيم تعبئة بأشكال جديدة  تتمحور “حول الدعوات إلى المساواة في الحقوق والعدالة الاجتماعية وإنهاء الاستعمار والوحدة الفلسطينية”، و”التخلي التدريجي عن البرادايم الحالي المتمحور حول الدولة، والذي تجسده اتفاقيات أوسلو والسلطة الفلسطينية، لصالح حركة وطنية متجددة بين النهر والبحر”. فالقضية الفلسطينية لم تعد، في نظر هذا الجيل الشاب، تتمحور حول النضال من أجل حل الدولتين أو حل الدولة الواحدة، وإنما باتت تتمحور حول وجود “شعب واحد مقسّم ما  بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط​​، يريد نهاية النظام الاستعماري وجميع الممارسات التمييزية”.

البحث عن سياسة دولية جديدة

إن إخفاق مسار أوسلو، والتحوّل الذي يطرأ على طبيعة الصراع، باتا يفرضان على اللاعبين الدوليين البحث عن سياسة جديدة إزاء هذا الصراع وسبل حله، كما يؤكد لوفات، وتشاركه هذا الرأي الباحثة بسمة قضماني في مقال نشرته في 18 حزيران/يونيو الفائت بعنوان: “إسرائيليون وفلسطينيون: هذه المرة هناك شيء آخر”[6].

فالدول الغربية، التي بذلت جهوداً لوضع حد سريع للمواجهة الأخيرة بين إسرائيل وحركة حماس، لم تبدِ رغبة، بمجرد التوصل إلى وقف لإطلاق النار، “في إعادة إطلاق العملية السياسية”، بل عادت “للتأكيد بتكاسل على دعمها حل الدولتين”، وتمسكها بمسار أوسلو أو بما تبقى منه، واستمرت في غض الطرف “عن الواقع المتنامي للفصل العنصري”، في حين أن كسر الجمود الدبلوماسي الحالي يتطلب “إعادة التفكير بصورة أساسية في السياسة الدولية”، التي اتبعت إلى الآن، وتركيز هذه السياسة بصورة أكبر “على نزع الاحتلال والمساواة في الحقوق كمتطلبين أساسيين لأي اتفاق مستقبلي في دولة أو دولتين”. ولن يكون هذا ممكناً من دون  “تغيير حسابات التكلفة والعائد الإسرائيلية، التي تفضل حاليًا الحفاظ على الوضع الراهن”، وذلك عبر قيام الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، بصورة خاصة، بفرض “تكلفة سياسية” عالية على إسرائيل، بما في ذلك “دعم آليات المساءلة الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية”.

 

[1] https://theconversation.com/israel-palestine-le-pourrissement-161546

[2] https://politiqueinternationale.com/revue/n156/article/le-conflit-israelo-palestinien-ou-comment-vivre-avec

[3] https://legrandcontinent.eu/fr/2021/07/05/transformer-les-efforts-de-paix-au-proche-orient/

[4] https://www.cablechronicles.com/israel-etendra-son-implantation-palestinienne-dans-la-zone-c-de-la-banque-w-de-1-000-maisons/

[5] https://news.fr-24.com/international/166689.html

[6] https://www.institutmontaigne.org/blog/israeliens-et-palestiniens-cette-fois-ci-cest-autre-chose

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى