القضية الفلسطينيةمقالات

الفلتان الأمني في مناطق السلطة الفلسطينية، الخلفيات والأسباب

أشرف عثمان بدر | مركز رؤية للتنمية السياسية

تسود في بعض مناطق الضفة الغربية من حين لآخر حالة من الفلتان الأمني، ففي حزيران/يونيو حصل تبادل لإطلاق للنار بين عائلتين في قباطية (جنين). وقد سادت حالة من الفوضى في مدينة الخليل في بداية شهر أغسطس/آب 2021، على خلفية جريمة قتل ثأرية بين عائلتين، مما أثار من جديد موضوع الفلتان الأمني في مناطق السلطة الفلسطينية، لا سيما مظاهره، وخلفيته وأسبابه. تشير إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لسنة 2020، إلى أن نسبة جرائم القتل والشروع في القتل في مناطق السلطة الفلسطينية تصل إلى 10.5 لكل 100 ألف من السكان، وهي نسبة تعتبر عالية مقارنة بالمعدل العالمي الذي يصل إلى 6.1 لكل 100 ألف من السكان[1]تشير إحصائيات معدل الجريمة حول العالم لسنة 2021 إلى النسبة العالية للجرائم في مناطق السلطة، والتي يصل فيها مؤشر الجريمة[2] إلى 43.74، مقارنة بدولة كالأردن التي يصل فيها إلى 39.96، بينما في الكيان الصهيوني، الذي توجد فيه عصابات الجريمة المنظمة يصل إلى 31.47.

أسباب الفلتان الأمني:

توجد عدة أسباب للفلتان الأمني تتداخل فيما بينها، قد يكون من أبرزها الأسباب التالية:

أولاً: الاحتلال: يوجد دعم احتلالي مباشر وغير مباشر لظاهرة الفلتان الأمني، حيث يتعامى الاحتلال عن انتشار سلاح العشائر أو الجريمة، ولا يلاحق هذا النوع من الأسلحة. في المقابل، يلاحق الاحتلال ويعتقل ويقتل حملة السلاح من الثوار والمناضلين. وهذا يؤشر على دعم الاحتلال لانتشار الفوضى في مناطق السلطة الفلسطينية.

ثانياً: فقدان السيادة الفلسطينية: بحسب اتفاقية أوسلو تم تقسيم المناطق المحتلة سنة 1967 إلى مناطق (أ) الواقعة تحت السيطرة المدنية والأمنية للسلطة الفلسطينية، ومناطق (ب) الواقعة تحت السيطرة المدنية للسلطة، والسيطرة الأمنية للاحتلال، فيما يسيطر الاحتلال أمنياً ومدنيا على مناطق (ج)، التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، مع الأخذ بعين الاعتبار عدم احترام الاحتلال لهذه التقسيمات وتدخله الأمني المستمر في جميع المناطق المحتلة سنة 1967، وفي مقدمتها مناطق(أ)، وبحسب اتفاقية أوسلو أيضاً، ليس للسلطة أي ولاية قانونية على مواطني القدس من حملة الهوية الزرقاء أو فلسطينيي المناطق المحتلة سنة 1948، وبالتالي لا تستطيع السلطة اعتقال أي من حملة الهوية الزرقاء، الذين يتخذ بعضهم من مناطق السلطة ساحة لممارسة بعض الجرائم. علاوة على عدم قدرة السلطة على ممارسة أي دور لفرض القانون في المناطق (ج)،  وتسمى في الخليل مناطق H2، إلا بتنسيق مسبق مع الاحتلال، حيث تحولت تدريجياً إلى ملجأ للمطلوبين جنائياً والصادر بحقهم أحكام قضائية.

ثالثاً: ضعف منظومة العدالة: هنالك عدة عوامل ساهمت في ضعف منظومة العدالة، من بينها: تغول السلطة التنفيذية، وطول أمد التقاضي، والركون للقانون العشائري.

أ)تغول السلطة التنفيذية: ساهم تغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، وتدخلاتها السافرة في ترهل منظومة العدالة، فحسب تقرير مؤسسة الحق تعاني المنظومة القضائية الفلسطينية من خلل بنيوي ناتج عن هيمنة السلطة التنفيذية وتدخلها[3]. وبحسب بيان صادر عن بعض مؤسسات المجتمع المدني فإن قرارات رئاسة السلطة في بداية سنة 2021 تجاه القضاة جعلتهم “مهددين بأمنهم الوظيفي ويؤثر على حيادهم واستقلاليتهم، في مخالفة واضحة وصريحة لمبدأ عدم قابلية القضاة للعزل،…، وهو أمر يضاف إلى جملة من الانتهاكات للقواعد الدستورية والمعايير الدولية والمبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية الصادرة عن الأمم المتحدة”.

إذا ربطنا تغول السلطة التنفيذية وتأثيرها المتنامي على السلطة القضائية مع الانطباع السائد في المجتمع الفلسطيني بفساد السلطة، فهذا يفسر انخفاض ثقة المواطنين بمنظومة العدالة. حيث تشير بعض استطلاعات الرأي إلى أن 83% من المستطلعة آراؤهم يعتقدون بوجود فساد في مؤسسات السلطة الفلسطينية[4].

ب) طول أمد التقاضي: يساهم طول أمد التقاضي في لجوء السكان لانتزاع حقوقهم بيدهم بعيداً عن منظومة القانون. يشير تقرير صادر سنة 2020 إلى أن حوالي 80% من جلسات القضايا المعروضة على المحاكم، يتم تأجيلها إلى موعد آخر، دون اتخاذ أي خطوة إجرائية، (من قبيل تحديد موعد جديد للجلسة)، ودون إحراز تقدم ملموس[5]، وأنّ 75% من تأجيلات القضايا كان أمدها طويلاً[6]. فيما بقي أكثر من 20% من القضايا المعروضة على المحاكم معلقة لأكثر من خمس سنوات[7].

ج) الركون للقانون العشائري: ساهم تغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية وكذلك طول أمد التقاضي، في توجه الناس للقضاء العشائري، الذي عملت السلطة على تعزيزه. يجادل Robert Terris بأنّ النظام الأبوي الجديد (المتغلغل في السلطة الفلسطينية)؛ يشجع على دمج القانون العرفي والقبلية في السلطة الفلسطينية، على حساب النمط الديموقراطي “القانوني”، بحيث يصبح هنالك تعددية قانونية داخل السلطة الفلسطينية، قانون عشائري مع القانون المعمول به في المحاكم. وهذا يضعف المنظومة القانونية الفلسطينية. يعزو Terris عدم رغبة قيادة السلطة في توحيد القوانين إلى مصلحتها في وجود مثل هذه التعددية التي تخلق منافسة بين الأفراد والمنظمات، وخلق شبكات ولاء وزبائنية مع بعض أطراف القضاء النظامي والعشائري. مما يعزز التفرد في الحكم[8]. فقد عززت السلطة منذ قدومها حكم العشائر، وإنشاء ما يعرف بالهيئة العليا لشؤون، وفي العديد من الحالات تشترط الجهات التنفيذية (كالشرطة) والقضائية في حل المنازعات والإفراج عن المتخاصمين وجود صك صلح عشائري[9].

رابعاً: غياب منظومة الرقابة: بتعطيل المجلس التشريعي على يد الرئاسة الفلسطينية منذ بداية الانقسام سنة 2007، ومن حينها تعطلت منظومة الرقابة على أداء السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية، بل وغاب المجلس التشريعي عن المشهد تماماً، حينما قام رئيس السلطة بالإعلان عن حله بتاريخ 23/12/2018.

خامساً: انخفاض الثقة في الأجهزة الأمنية: تشير أحدث استطلاعات الرأي إلى أنّ 57% من المستطلعة آراؤهم، يعتبرون أحداث العنف الأخيرة مؤشراً على ضعف ثقة المجتمع الفلسطيني بمنظومة العدالة وفرض القانون[10]. وفي قضايا محددة كقضية قتل السلطة للمعارض السياسي نزار بنات أعرب 69% عن أنّ الاجراءات التي قامت بها السلطة في ملاحقة قتلة نزار بنات غير كافية[11].

سادساً: غياب المشروع الوطني الجامع: ساهم ذلك في انحراف البوصلة الوطنية وانتشار العنف الداخلي، بدلاً من توجيه جميع الجهود إلى المسبب الرئيس لحالة الفلتان وهو الاحتلال.

سابعاً: تراجع الأحول الاقتصادية: مما قد يساهم في انتشار العنف، وكمؤشر على تراجع الوضع الاقتصادي يمكن الاستشهاد بنسبة البطالة التي وصلت في سنة 2020 إلى 25.9%[12].

الخلاصة:

توجد عدة أسباب لانتشار الفلتان الأمني منها ما هو موضوعي يتعلق بممارسات الاحتلال والاتفاقيات الموقعة معه، والتي تنتقص من سيادة السلطة، ومنها ما هو ذاتي يتعلق بتغول السلطة التنفيذية، وضعف منظومة العدالة، علاوة على غياب رقابة المجلس التشريعي. يضاف إلى ذلك أسباب اقتصادية وسياسية تتمثل بتردي الأحوال الاقتصادية، واستمرار الانقسام المتزامن مع غياب المشروع الوطني الجامع.

من الواضح أنه دون العمل على إنهاء الانقسام، والتوافق على مشروع وطني جامع، ودون إعادة انتخاب المجلس التشريعي لضمان وجود سلطة رقابية، ودون إصلاح الأجهزة الأمنية بما يضمن التزامها بالقانون، وبعيداً عن المحسوبية والحزبية. ودون إعادة تشكيل المنظومة القضائية بما يضمن استقلاليتها، وإبعاد سيطرة السلطة التنفيذية عنها، سيصبح من الصعب وقف حالة التدهور في المستوى الأمني بمناطق السلطة الفلسطينية.

[1] United Nations Office On Drugs And Crime (UNODC), Global Study On Homocide,Vienna: U.N, 2019, p: 11. https://bit.ly/3CKUDvp

[2] يتم التعبير عن جميع المعدلات العددية للجرائم لكل 100 ألف شخص.

[3]  عصام عابدين، ملاحظات على قرار بقانون بتعديل قانون المحكمة الدستورية العليا، رام الله: مؤسسة الحق، ط2، 2014، ص: 5.

[4] المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، نتائج استطلاع الرأي العام رقم (81)، 21/9/2021، ص: 4. https://bit.ly/3iaqZb3

[5] الائتلاف الأهلي لإصلاح القضاء وحمايته، التقرير الرقابي حول سير محاكمات الجنايات في الضفة الغربية وقطاع غزة، موقع الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، تشرين الثاني/نوفمبر 2020، ص: 28. https://bit.ly/3CE4YJA

[6] المصدر نفسه، ص: 29.

[7] المصدر نفسه، ص 32.

[8] Robert Terris and Vera Inoue-Terris, A Case Study of Third World Jurisprudence – Palestine: Conflict Resolution and Customary Law in a Neopatrimonial Society, 20 Berkeley J. Int’l Law. 462 (2002).

[9] أشرف بدر، النظام الأبوي في السلطة الفلسطينية، بيروت: مركز الزيتونة، نيسان/أبريل 2021، ص: 19. https://bit.ly/39BoQjR

[10] المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، مصدر سابق، ص: 4.

[11] المصدر نفسه، ص: 2.

[12] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، معدل البطالة من بين المشاركين في القوى العاملة للأفراد 15 سنة فأكثر في فلسطين حسب الجنس والمحافظة (2015-2020). https://bit.ly/39H1Gc5

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى