القضية الفلسطينيةمقالات

هل تنجح دولة الاحتلال بصنع إسرائيل جديدة في الخليج؟

علي الصالح القدس العربي

نرفض رفضاً قاطعاً، بل ندين بأشد العبارات أي تدخل إيراني في الشؤون الداخلية للشعوب العربية، ونرفض وندين بشدة التدخلات الأخرى في المنطقة. على وجه الخصوص تدخلات دولة الاحتلال شبه اليومية في سوريا ولبنان، وفي الإمارات والبحرين، أليست دولة الاحتلال هي التي تنفذ يومياً على الأراضي السورية غارات جوية قاتلة، بحجة الوجود الإيراني، كما تعمل على خلق دول تابعة لها في الإمارات والبحرين؟ وندين ونرفض أيضا التدخل الأمريكي في العراق وسوريا وليبيا، وفي أي مكان في إقليمنا، وكذلك التدخل البريطاني والفرنسي والإيطالي والألماني والروسي والتركي، وأي تدخل آخر.
إن منطقتنا أشبه ما تكون بملعب كرة قدم، تستبيحه كل فرق العالم وتدوسه أقدامهم من دون إذن أهل البيت. فما أشبه اليوم بالأمس فمصائرنا يقررها الآخرون، هكذا كان الوضع في الماضي، وهذا هو حالنا الآن ونأمل في أن يتغير في المستقبل.
الأنظمة العربية المفروضة على شعوبها، لا تزال تقبل على نفسها أن تكون مستباحة لكل من هب ودب، ومن كل الأجناس، وتطالب من دون خجل بالحماية من أعداء هذه الأمة الغافلة، تحت يافطات ولافتات كاذبة مثل، التعاون الإقليمي أمنيا وعسكريا، وتعزيز السلم والسلام في المنطقة، والتسامح الديني، وتفاهمات إبراهام، والمخاوف المصطنعة من إيران. ولم تجد هذه الأنظمة سوى دولة الاحتلال، الأكثر خطورة على عقولنا ومصالحنا ومالنا وطاقاتنا وقدراتنا ووحدة أراضينا وشعوبنا في الماضي، وفي الحاضر، وفي المستقبل القريب منه والبعيد، وهذا يعني أن هذه الأمة التي طال سباتها قد حان الوقت كي تستيقظ على ما آل اليه حال أنظمتها وأوضاعها الداخلية والانهيار الكامل أمام كل التحديات صغيرها وكبيرها.

هذه المقدمة ما هي إلا مدخل لقرار ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، الذي يسير دوماً على خطى محمد بن زايد، رائد التطبيع المذل والمهين مع دولة إسرائيل، القائمة على الاحتلال المخالف لبنود مبادرة السلام العربية، والمتناقض مع قوانين وقرارات الشرعية الدولية. لم تكتف البحرين بافتتاح سفارة إسرائيلية على أراضيها، عملا باتفاق «التطبيع المشين» الموقع قبل عام بأمر من إدارة دونالد ترامب، إذ كشف النقاب عن وجود محادثات بين تل أبيب والمنامة، للتعاون في المجال العسكري والأمني، تعاون تفرضه إسرائيل، ولن يكون أكثر من تعاون السيد مع المسيود. وفي هذا السياق، كشفت صحيفة «هآرتس» العبرية، عن احتمال التعاون بين إسرائيل والبحرين، بزعم التصدي للتهديد الذي تتعرض له السفن البحرينية في الخليج، أمام الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة المفخخة، وهو أمر من شأنه أن يعود بالنفع اقتصاديا وأمنيا على جيش الاحتلال، الذي يواصل سياسة القتل والدمار في المناطق الفلسطينية.  وأوضحت «هآرتس» أن وزير خارجية الاحتلال يائير لبيد بحث أثناء زيارته الأخيرة للبحرين، طرقا لإنشاء «أمن إبحار» لحماية السفن البحرينية في الخليج. وهذا بالطبع لن يكون خدمة مجانية تقدمها إسرائيل لحليفتها الضعيفة الصغيرة، فعهدنا بدولة الاحتلال، أنها لا تقدم خدمات مجانية، بل تقبض الثمن مسبقاً. ويرجح أن يكون الثمن أن تجعل إسرائيل من البحرين قاعدة متقدمة لها في مواجهة إيران في محاولاتها لمنع حصولها على السلاح النووي.
ونقلت «هآرتس» عن مصدر سياسي إسرائيلي، أن ايران تعكف على تطوير قدراتها الهجومية في هذا المجال الأمر (وهذا بالطبع إن صح حق طبيعي لإيران)، الذي يضاعف قلق العديد من دول الخليج، حسب زعم المصدر، الذي يجب التعاطي مع تحذيراته برشة من الفلفل والبهار، بغرض بعث مزيد من الرعب والخوف في نفوس أنظمة هذه الدول، ودفعها أكثر نحوها. ونقلت الصحيفة عن مسؤول بحريني قوله «لا أحد يعاني من إيران أكثر منا»، ولا أدري عن أي معاناة يتحدث المسؤول البحريني هذا، فلم يحصل أن اعتدت إيران على البحرين التي يمكن أن تحتلها في غضون ساعات، إن هي أرادت ذلك.
ولو أخذنا بالزعم القائل، إن إيران حقيقة هي العدو الأول والرئيسي والأكثر خطرا على بعض الدول الخليجية، وإنها مصدر الخوف الرئيسي لأنظمة هذه الدول، وهو العذر الأقبح من الذنب، الذي تسوقه هذه الأنظمة دوما لتبرير لجوئها لإسرائيل، من أجل نيل رضاها وحمايتها، يبقى السؤال هو، ما الذي أوقف أو منع إيران على مدى عشرات السنوات، وتحديدا منذ الثورة الإسلامية بقيادة الخميني قبل نحو 42 عاما، عن ضرب هذه الأنظمة الهشة.
هل حقيقة هو الخطر الإيراني الذي يرمي هذه الأنظمة في حضن إسرائيل؟ أم أن الخوف من شعوبها التي خرجت، كما هي الحال في البحرين بشيبها وشبابها ورجالها ونسائها إلى الشوارع، للتعبير عن رفضها لزيارة وزير خارجية دولة الاحتلال للبحرين. لماذا لم تفعلها إيران، ولم تضرب هذه الأنظمة وهي القادرة على ذلك من قبل، والضرب هنا ليس المقصود بالقوة العسكرية المباشرة، بل عبر عملائها وجواسيسها وخلاياها النائمة، القادرين على خلخلة وقلقلة أسس هذه الأنظمة البالية والمهترئة من الداخل، وهي أنظمة لبلدان يعيش فيها مئات آلاف إن لم يكن الملايين من ذوي الأصول الإيرانية. وفي هذا السياق يذكر أنه في بلد كالبحرين يحكمها نظام سني مهترئ، تصل نسبة المواطنين من ذوي الأصول الإيرانية، ومن الذين ينتمون للطائفة الشيعية، إلى 62% وهناك إحصائيات تتحدث عن 72%. إسرائيل ليست معنية بالمال الخليجي، فلديها من المال ما يكفي لينفق على الدول الخليجية جميعا، بقدر اهتمامها بالموقع الجغرافي للدول الخليجية، التي أصبحت تشكل بالنسبة لها خط الدفاع الأول وقاعدة أمنية متقدمة في مواجهة إيران. ستجعل إسرائيل من هاتين الدولتين درعها الواقي في الجبهة الشرقية، ليس بجهودهما وقدراتهما، لأنهما أعجز من أن تحميا نفسيهما، لكن بالوجود الاسرائيلي الفعلي في هاتين الدويلتين.
إسرائيل تعمل على إقامة «دويلتين إسرائيليتين صغيرتين» في أبو ظبي والبحرين تكونا جزءا من المظلة الأمنية لإسرائيل، كما كان في سابق العهد عندما كان شاه إيران محمد رضا بهلوي وكذلك نظام الجنرالات في تركيا يوفران هذه الحماية والخدمات على هذه الجبهة الشرقية، ونذكر هذه الدويلات بأن إسرائيل فشلت في توفير الحماية للشاه وجنرالات تركيا.
وأخيرا وفي موضوع ذي صلة أتساءل، ما الحكمة من وراء مشاركة السلطة الفلسطينية في معرض أكسبو دبي 2020، رغم قرار الحكومة عدم المشاركة، رفضاً لاتفاقات التطبيع، ورغم تحذيرات حركة مقاطعة إسرائيل BDS التي أطلقت «عاصفة تغريد» رافضة لمعرض إكسبو دبي. ووصفت هذا المعرض بمثابة طعنة في ظهرها، وتغطية على الجرائم الإسرائيلية، وشرعنة التطبيع مع الدول العربية، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، التي لا تطبع العلاقات السياسية فحسب، بل في كل الأمور الحياتية وتعمل على سلخ الشعب الإماراتي عن محيطه العربي. وجاءت المشاركة أيضا رغم قرار للمجلس المركزي لمنظمة التحرير في دورته الأخيرة في رام الله 2018، بتوفير الدعم الكامل لـ BDSالذي يفترض أن تكون السلطة أول من يلتزم به وتكون نموذجا لغيرها لا أن تكون أول من يخرق قرار المشاركة. ووضع موقف السلطة هذا حركة المقاطعة في موقف محرج مع المؤسسات والدول التي وجهت لها نداء المقاطعة، وهو أمر ترتب عليه انسحاب عدد كبير من هؤلاء، لكن بفعل الخطاب والفعل الفلسطيني، أصبح هؤلاء يتحدثون بمنطق مختلف.
إن مشاركة السلطة الفلسطينية في معرض أكسبو دبي 2020 كان خطأ فاحشاً، ولا ينفع أي تبرير لهذه الخطوة، التي لا يمكن الدفاع عنها، أولا لأنها تعني الصفح عن كل تجاوزات وأفعال نظام أبوظبي التي تشكل طعنات بخناجر مسمومة في ظهر الشعب الفلسطيني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى