القضية الفلسطينيةكتب

قراءة في كتاب: المسؤولية الجنائية الفردية عن الانتهاكات الجسيمة بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين بموجب القانون الدولي العام

على الرغم من الأهمية الخاصة التي أولاها القانون الدولي الإنساني، سواء بطبيعته التعاقدية أم العرفية، للأسرى والمعتقلين في أثناء الحروب، إلا أن دولة الاحتلال الإسرائيلي استطاعت تمييع المركز القانوني للمحتجزين الفلسطينيين لديها منذ عقود طويلة. ومع هذا التمييع ضاعت حقوق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين بشكل فاضح، دون أن يكون هناك تحرك دولي فاعل يتناسب وهذه القضية. وبقيت قضية الأسرى قضية أرقام، مع أن لكل أسير وأسيرة قصة إنسانية كثيرة التفاصيل.

أولى المهمات كناشطين حقوقيين وقانونيين هي حسم المركز القانوني للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين ليس في الإطار البحثي والأكاديمي فقط بل واتخاذ خطوات جادة للاستفادة من الحقوق التي أقرها لهم القانون الدولي الإنساني.

لقد أحسنت الكاتبة في تبيان المركز القانوني للأسرى والمعتقلين وبذلت جهوداً بحثية جادة ومهنية. وهي مهمة ليست يسيرة أمام الحجج التي تسوقها دولة الاحتلال (حروب دفاعية، وأراضٍ مدارة، وأراض مقدسة،…). دولة الاحتلال تمتلك من الإمكانات السياسية والديبلوماسية والعسكرية ما يجعل صوتها أكثر ارتفاعاً، وهي قادرة على التشويش وإضاعة الوقت والاستهزاء بالمنظومة الدولية كلها.

لقد بلغ مدى الاستهتار والاستهزاء الإسرائيلي بالقانون الدولي الإنساني القول أنه دولة الاحتلال تطبق الشق الإنساني من القانون، وكأن القانون الدولي الإنساني فيه شق إنساني وشق غير إنساني.

انقسم الكتاب إلى محورين أولهمها تبيان المركز القانوني للمحتجزين الفلسطينيين، والمحور الثاني محاكمة الأفراد الإسرائيليين مرتكبي الجرائم الدولية بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين.

في المحور الأول استطاعت الكاتبة بجدارة تعريف الجزء المتعلق بالقانون الدولي الإنساني والخاص بالمحتجزين، ومدى سريان القانون الدولي الإنساني عليهم. كما بينت حقوق الأسرى والمعتقلين بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني (الحقوق المعنوية والمادية).

تدحض الكاتبة مقولة الاحتلال الكاذبة والمخادعة بأن هؤلاء المحتجزين هم سجناء أمنيون تنطبق عليهم القوانين الإسرائيلية الخاصة بالمجرمين والجنائيين. هذه الكذبة تسوقها دولة الاحتلال من خلال ماكينتها الديبلوماسية والإعلامية، وهي تقارن بين سجناء سياسيين وجنائيين في سجون عربية يعانون ظلماً شديداً وبين السجناء الفلسطينيين الذين يتمتعون بحقوقهم في سجونها الخاصة. هناك اختلاف نوعي بين الأمرين. المحتجزون الفلسطينيون هم معتقلون أو أسرى حرب تنطبق عليه قوانين دولية ذات صلة لا سيّما اتفاقية جنيف الثالثة والرابعة ولهم حقوق واضحة بهذا الخصوص.

توصلت الكاتبة إلى أن اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة لسنة 1949 تنطبقان على الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، هذا يعني أن لهم حقوقاً راسخة بموجب أحكام القانون الدولي الإنساني. لقد بينت الكاتبة هذه الحقوق مقسمة إياها إلى حقوق مادية وأخرى معنوية. وهذا التبيان مهم جداً تبنى عليه خطط التحرك والمطالبة كخطوة لاحقة.

لكن ثمة تحدٍ كبير يطرح نفسه أمام الحقوقيين والقانونيين، وهو كيف يمكن أن ندافع عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

الخيارات الدولية التي طرحتها الكاتبة انحسرت في خيار محكمة الجنايات الدولية، وعلى أهمية هذا الخيار إلا أن ثمة خيارات أخرى ممكنة وقد تكون أكثر جدوى من خيار محكمة الجنايات الدولية.

بحسب الباحثة ينطبق الاختصاص الموضوعي والزماني والإقليمي للمحكمة على حالة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ولعل الباحثة قد فصّلت تفصيلاً جيداً في آلية عمل محكمة الجنايات الدولية، وأن معاملة الاحتلال للأسرى والمعتقلين تعد جريمة حرب وهي من الجسامة من حيث خطورتها، ما يوفر شروط انعقاد الاختصاص لمحكمة الجنايات الدولية.

يعد هذا البحث مرجعاً قانونياً تأصيلياً لحالة الأسرى والمعتقلين، ويحسم الجدل الذي يثيره الاحتلال الإسرائيلي عن المركز القانوني لهم.

لكن السؤال العملي الذي يطرح نفسه، هل المشكلة هي فقط في اعتراف الاحتلال الإسرائيلي بالمركز القانوني للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين؟ أم أن المشكلة في الآليات الدولية المتعلقة بتطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني لا سيّما ما يتعلق بحالة الدراسة التي بين يدينا؟ ثم هل توجد خيارات قانونية ممكنة في هذا الإطار؟

للإجابة عن التساؤلات أعلاه لا بدّ من التأكيد على عدة أمور أهمها:

أولاً: إن مسألة إظهار المركز القانوني للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال أمر غاية في الأهمية، وهي ليست ترف بحثي بل هي أمر يصب في جوهر البعد القانوني. وقد نجحت الكاتبة في ذلك.

ثانياً: عدم اعتراف الاحتلال بالمركز القانوني للأسرى والمعتقلين يفرغ حقوقهم من المضمون العملي. فالمعادلة لها طرفان رئيسيان الجلاد والضحية. وما لم يعترف الجلاد بحقوق الضحية يعقّد الجانب العملي كثيراً، ويفقد الضحايا من حقوقهم الراسخة في القانون الدولي الإنساني.

ثالثاً: هناك عجز واضح في المنظومة الدولية وقصور مؤسف في آليات التطبيق، حيث إن الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات الجنيف الأربع لم تتخذ يوماً قراراً رادعاً ضدّ الجهات التي تنتهك القانون الدولي الإنساني، ومن بينها دولة الاحتلال التي تشعر باطمئنان تام تجاه سلوكها المشين. إن هذا القصور ليس قدراً يجب الاستسلام له، بل لا بدّ من البحث عن خيارات وبدائل قانونية وحقوقية أخرى. لا بدّ من التفكير بطريقة غير نمطية. من بين البدائل غير النمطية والتي يمكن أن تعطي أملاً ولا قليلاً هي إمكانية ملاحقة قادة احتلال متهمين بجرائم أمام محاكم ذات اختصاص عالمي تجعلهم يحسبون ألف حساب لتحركاتهم الدولية، ومنها ملاحقة الشركات التي تغذي مصلحة سجون الاحتلال بالمعدات والأدوات، ومنها التحشيد الإعلامي المركز والمهدف والمدفوع الأجر في وسائل إعلام مؤثرة لفضح الاحتلال، ومنها المشاركة الفاعلة في اجتماعات دولية (الاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي،…) أو على هامشها.

رابعاً: إن قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال لم تحظَ بالاهتمام المناسب من جانب السلطة الفلسطينية، ولم تقم الديبلوماسية الفلسطينية بما يجب مقارنة بالديبلوماسية الإسرائيلية. وللمفارقة أن دولة الاحتلال تمتلك نحو 90 بعثة ديبلوماسية حول العالم فيما تمتلك السلطة الفلسطينية نحو 100 بعثة. إن الجانب الرسمي الفلسطيني يمتلك أدوات تأثير أكبر بكثير من مؤسسات المجتمع المدني. إن إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية مسألة ليست مطلب سياسي فحسب بل هو مطلب قانوني، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. إن القرار القانوني الفلسطيني الرسمي مقيد، ويحول دون الدفاع القانوني والحقوقي عن أسرانا ومعتقلينا في سجون الاحتلال.

إن البعد الإنساني والسياسي والقانوني لقضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال يجب أن يحظى بالاهتمام الكافي من كل الأطراف المعنية. إن أسرانا ومعتقلينا هم أيقونة تختزل آلاف التفاصيل ما بين ألم وأمل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى