القضية الفلسطينيةمقالات

القدس ومواجهة العدوان على المقابر

نزار السهلي عربي 21
لم تترك المؤسسة الصهيونية شيئاً يتعلق بمدينة القدس إلا واستهدفته بسياسة العدوان الممنهج، بهدف تهويد المدينة واقتلاع كل أثر يشير لأصحاب الأرض في فلسطين التاريخية.

القدس لها حيّز واسع وبُعد تاريخي في برامج المؤسسة الصهيونية القائمة على النفخ بالأساطير التلمودية لتزوير الوقائع على الأرض، وفي باطنها للنبش عن أي أثر يدعم تلك المزاعم. فبعد سياسة الاستيطان والتمدد اليهودي الديمغرافي لحصار الأحياء العربية المسلمة والمسيحية في المدينة، ومحاولات العبرنة والتهويد والتشويه لتاريخها، يخوض المقدسيون مواجهة عدوان المؤسسة الصهيونية على مقابر المدينة، مواجهة ليست جديدة، خصوصاً بما يتعلق بتجريف المقابر الإسلامية والعربية، بما يتلاءم وأهداف الاحتلال المعروفة في خلق أوضاع تكون فيها السيطرة المطلقة للوجود اليهودي في المدينة.

تضم مدينة القدس خمس مقابر إسلامية، هي: مقبرة مأمن الله، ومقبرة المجاهدين، ومقبرة باب الرحمة، والمقبرة اليوسفية، ومقبرة النبي داود.يخوض المقدسيون مواجهة عدوان المؤسسة الصهيونية على مقابر المدينة، مواجهة ليست جديدة، خصوصاً بما يتعلق بتجريف المقابر الإسلامية والعربية، بما يتلاءم وأهداف الاحتلال المعروفة في خلق أوضاع تكون فيها السيطرة المطلقة للوجود اليهودي في المدينة

كل هذه المقابر تعرضت للاعتداء والنبش وتغيير المعالم والمصادرة. والعدوان على المقبرة اليوسفية سبقه عدوان على مقبرة مأمن الله، أقدم مقابر القدس والتي تشير الى الخليفة عمر بن الخطاب في بنائها، وتضم رفات صحابة وتابعين وعلماء من القدس والعالم العربي. جُرفت المقبرة لصالح حديقة توراتية تحت اسم الاستقلال و”متحف التسامح” الذي ينتهك بالأصل حرمة الأموات. بقية المقابر المصادرة تحت ذرائع واهية لمشاريع التهويد كانت لنفس الغرض الهادف لقطع وتجريف كل ما يدل على أصحاب الأرض الفلسطينيين، في وجودهم وتاريخهم في القدس.

انتهاك المقابر في مدينة القدس بالتوازي مع سياسة الاستيطان في المدينة، ومحاولات طرد سكان الأحياء العربية في سلوان والشيخ جراح وحي البستان وقبلها في الخان الأحمر وعناتا شمال القدس وصور باهر وقلندية، ومصادرة الأراضي والتضييق على المقدسيين وتسريب العقارات وغيرها من سياسات العدوان في البلدة القديمة.. كل ذلك وغيره يأتي ضمن خارطة القدس الموسعة التي وضعتها المؤسسة الصهيونية وحكوماتها المتعاقبة للمدينة، بمشاريع الاستيطان الضخمة لـ”تحصين القدس اليهودية” ولمواجهة الأحياء العربية في محيطها من العيزرية وأبو ديس، والعيسوية، والطور، والعبيدية، وبيتونيا وبيرنبالا، وأراضي عرب التعامرة، وعرب السواحرة والخان الأحمر.

خلخلة الروابط الاجتماعية والروحية والتاريخية مع القدس؛ من الأهداف الكامنة خلف العدوان على المقابر في المدينة. وفي وقت تسعى فيه الجهود المبذولة لإحياء ما قتلته إسرائيل مما يسمى عملية السلام أو المفاوضات بين الجانب الفلسطيني والإسرائيلي، تُكمل حكومة نفتالي بينيت ما بدأته الحكومات السابقة الخطط المرسومة بالنسبة للقدس.

ومن الواضح أن إسرائيل متمسكة بالحفاظ على نزع واقتلاع الأحياء من العرب ونسلهم من الأموات في المقابر في مدينة القدس، في وقت ينظر فيه المجتمع الدولي والعربي لهذه المسألة على أنها مجرد نزاع على هامش الصراع، ومن جانب آخر تطفو على السطح مسألة النفاق المستمر بشأن العدوان على المقابر. ولو افترضنا أن قبرا واحدا ليهودي في أي مكان في العالم تعرض لاعتداء أو نبش لقامت قيامة المؤسسة الصهيونية للضخ بدعاية “معاداة السامية”، وارتفع منسوب البوق الصهيوني عالياً.

إذا كانت جدية مواجهة العدوان الصهيوني على الفلسطينيين والعرب الأحياء غائبة، على طول خط المواجهة، فمن أين للأموات حرمة في مراقدهم الأبدية؟ عملية الاغتصاب التدريجي للقدس، وصمت العالم العربي، ونفاق المجتمع الدولي مع إسرائيل.. عزز من عمليات الاقتحام اليومي للمدينة وللمسجد الأقصى، بعد تمزيق المناطق المحيطة بالقدس بسلسلة من المستعمرات اليهودية.. يتبين لنا أن كل ما رُوج لها من دعاية التفاوض مع المحتل، والتعايش والتسامح والسلام والتطبيع، هو جزء مكمل لعدوان لا يقبل النقاش والجدل بشأنه، وتلك مسؤولية ملّ الحديث بشأن التحرر من أوهامها، وللأحياء في المدينة والأموات في القبور عبرٌ لن يدركها من ماتت ضمائرهم في عالم العرب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى