الشؤون الإسرائيليةمقالات

عمّ تبحثُ “إسرائيل” في إفريقيا؟

المهدي الزايداوي متراس

في يوم 10 ديسمبر/ كانون الأول أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عبر حسابه على تويتر عن توصّل المغرب ودولة الاحتلال، برعاية أميركيّة، إلى اتفاقٍ يقضي بإقامة علاقاتٍ دبلوماسيّةٍ كاملة بينهما. انحصرت غالبيةُ التعليقات السياسيّة آنذاك في الحديث عن “هرولة الدول العربيّة إلى التطبيع” مع كيان الاحتلال، لكنّ زيارةَ وزير خارجيّة الاحتلال، يائير لابيد، إلى الرباط في أغسطس/آب الماضي، أعطت بُعداً آخر لهذا الاتفاق.

خلال زيارته للمغرب، عبّر لابيد في إحدى تصريحاته عن قلقه من التقارب الجزائريّ الإيرانيّ، ومن “الخطر” الذي يشكّله ذلك التقارب خاصّةً بعد تعبير الجزائر عن رفضها منح “إسرائيل” صفةَ “عضو مراقب” في الاتحاد الإفريقيّ. لم تُعجِب هذه التصريحات الجزائر، بطبيعة الحال، فبادرت – إلى جانب أسبابٍ أخرى – إلى قطع العلاقات الدبلوماسيّة مع المغرب، وبدا أن القارة الإفريقيّة أصبحت ميداناً جديداً للصراع والمواجهة بين إيران وتل أبيب.

تل أبيب “تصالح” الأفارقة

في الثامن من يوليو/تموز 2016، كان رئيسُ الوزراء الإسرائيليّ السابق بنيامين نتنياهو يُنهي جولةً إفريقيّةً استثنائيّةً شمِلَت كينيا وأوغندا وإثيوبيا ورواندا. كانت تلك الجولة الأولى من نوعها لرئيس وزراءٍ إسرائيليّ بعد سنواتٍ طويلةٍ من العلاقة الفاترة بين القارة الإفريقيّة ودولة الاحتلال.

بدأت “إسرائيل” مساعيها في التغلغل داخل إفريقيا في ستينيات القرن الماضي، وكانت في حينها تبحثُ عن شرعيّةٍ دوليّةٍ في سنوات تأسيسها الأولى، بعد أن اغتصبت أراضي الفلسطينيين وذبّحتهم وهجّرتهم. لكنّ العدوان الإسرائيليّ في حرب أكتوبر 1973، أعاد رسمَ صورةِ هذه الدولة الجديدة في العقل الجمعيّ السياسيّ الإفريقي، فتغيّرت النظرةُ إليها من “كيانٍ فتيّ مُسالم” إلى دولةٍ قويةٍ تتحرك وفق خطواتٍ عدوانيّة دامية، تهدف من خلالها إلى التوسع على حساب دولٍ أخرى، من بينها دول القارة السمراء. 

لكن، رغم هذه القطيعة، حاولت “إسرائيل” الإبقاءَ على تواجدِها في إفريقيا ولو بالحدّ الأدنى، فقد واظبت على تقديم المساعدات العسكريّة في عدةِ مجالاتٍ، كتقديم التدريبِ لقوات الشرطة والحرس الرئاسيّ لعددٍ من الدول. وحضرت بقوّةٍ أيضاً في الشق الاستخباراتيّ، إذ شاركتْ عبر “الكوماندوز الإسرائيليّ” في عملية اقتحامِ طائرة “إير فرانس” التي كانت خليّةٌ للجبهة الشعبيّة قد اختطفتها عام 1976 في مطار عنتيبي في أوغندا.

وقد استفادت “إسرائيل” من توقيع القاهرة معاهدة كامب ديفيد عام 1978، فتوغلت أكثر فأكثر في الداخل الإفريقيّ، وفتحت أبوابَ التعاون العسكريّ والاقتصاديّ مع دول القارة، إذ كانت تجد في إفريقيا التي تعيش على وقع النزاعات المسلحة سوقاً مثالية لتسويق الأسلحة والبرامج الخاصّة بالتجسس، والاستفادة من المعادن الثمينة والمواد الخام التي تزخر بها إفريقيا. بجانب ذلك عملت “إسرائيل” عبر مؤسسة رجال الأعمال الإسرائيليّة التنمويّة “مشاف” على الانخراط في أنشطةٍ تنموية تجارية واقتصادية وأكاديمية وتكنولوجية وثقافيّة.

واصلت “إسرائيل” مثابرتها لاختراق إفريقيا، وتأتّى لها ذلك من بوابة بعض الدول العربيّة التي كانت عدواً لها في الأمس القريب، فأعلنت تطبيع علاقاتها مع المغرب في ديسمبر/ كانون الأول 2020، ثمّ مع السودان، إلى أن أُعلِن في يوليو/ تموز الماضي عن حصولها على صفة عضو مراقب داخل الاتحاد الإفريقي بعد حوالي عقدين من المحاولة. (أرجأ المجلس التنفيذيّ للاتحاد الإفريقيّ حسم قبول أو رفض “إسرائيل” كعضو مراقب إلى القمة الإفريقية المقرر عقدها في فبراير/ شباط 2022).

تهدف دولة الإحتلال من خلال هذا الاختراق إلى تأمين مصالحها الاقتصاديّة والسياسيّة والعسكريّة، وتأمين نفسِها من “الحركات الجهاديّة” التي تنشط داخل إفريقيا، لكن بجانب كلّ هذا يوجد هدف هام تحاول “إسرائيل” تحقيقه بعد أن وجدتْ مؤخراً مكاناً لها وسط القارة السمراء، وهو محاربةُ الحضور الإيرانيّ الذي ينشط في المنطقة منذ عقود. 

إيران الحضور القديم

يعود الحضور الإيرانيّ في إفريقيا إلى ما قبل الثورة الإيرانيّة 1979، إذ كانت إيران الشاه الموالية لأميركا آنذاك تُبدي اهتماماً كبيراً بالقارة الإفريقيّة في إطار مواجهة المدّ السوفيتي. ورغم تغير مواقف البلاد من أميركا بعد الثورة التي قادها آية الله الخميني، إلا أنَّ الأهمية الإستراتيجية للقارة السمراء ظلّت حاضرةً في المشاريع السياسيّة للحكومات المُتعاقبة على حكم طهران، إذ زار رؤساء إيران السابقون أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي وأحمدي نجاد العديد من الدول الإفريقية من أجل الدفاع عن الوجود الإيرانيّ. تُوجت هذه المجهودات بحصول إيران على صفة مراقب داخل الاتحاد الإفريقي عام 2002.

أما أهداف إيران من هذا التقارب والحضور، فيمكن الحديث أولاً عن الاستفادة العسكريّة، إذ تُعتبر إيران من أهم الدول التي تزود القارة بالأسلحة، إذ كانت الصناعة العسكريّة الإيرانيّة حاضرةً في العديد من الاضطرابات طويلة الأمد، كنزاع إقليم دارفور في السودان، والمشاكل الداخليّة في الكونغو الديمقراطيّة، والحرب الأهليّة في ساحل العاج وغينيا، بالإضافة إلى الدول التي شهدت حروباً طائفيّة مثل كينيا والنيجر وأوغندا.

لكنَّ بيع السلاح لم يكن الهدف الوحيد لإيران، ذلك لأنّها ترى في إفريقيا شريكاً مثالياً يُساعِدُها على تطوير مشروعها النوويّ ويوّفر لها اليورانيوم، تلك المادة الموجودة بكثافة لدى عددٍ من الدول الإفريقيّة، وعلى رأسها النيجر، الأولى إفريقيّاً والرابعة عالميّاً، وناميبيا الثانية إفريقيّاً والخامسة عالميّاً، إلى جانب كلٍّ من مالاوي وغينيا وتوغو وأفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية وأوغندا وزيمبابوي. إنّ مخزونَ هذه الدول من اليورانيوم كفيلٌ بمساعدة إيران على الانتهاء من مخططها لبناء 16 مفاعلاً نوويّاً لإنتاج الطاقة. كذلك تعتمد إيران على القارة الإفريقية من أجل الالتفاف على العقوبات التي تفرضها عليها الدولُ الغربية الرافضة لطموحاتها النوويّة.

وللحفاظ على علاقاتها متينةً مع إفريقيا، تستعملُ طهران عدداً من الوسائل الدبلوماسيّة والاقتصاديّة الكلاسيكية، لكنها تملك بجانب هذه الوسائل بطاقةً مهمةً لا تملك “إسرائيل” نظيراً لها، إنّها بطاقة التأثير الثقافيّ والدينيّ عبر نشر المذهب الشيعيّ. حرصت إيران على بناء شبكةٍ واسعةٍ من العلاقات القوية داخل مراكز التأثير الدينيّ والاجتماعيّ غرب إفريقيا، واعتمدت في ذلك على حضور الجاليات الشيعيّة اللبنانيّة التي لها علاقة قوية بـ”حزب الله”، وعلى عددٍ من الشخصيات الشيعيّة المؤثرة، كالزعيم الشيعي إبراهيم الزكزاكي في نيجيريا، ونائب رئيس المجلس الإسلاميّ الأعلى في السنغال عبد المنعم زين، وهو شيعيٌّ من أصلٍ لبناني. كما استقطبت إيران زعماء وشيوخ بعض الطرق الصوفيّة، كما حدث مع الطريقة القادريّة في السنغال، وبعض الطرق الصوفيّة الأخرى شرق السودان.

 إفريقيا .. ساحة المواجهة الدامية

في يناير/ كانون الثاني 2018، أعلن جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” اكتشاف خليةٍ لمقاومين فلسطينيّين من الضفّة الغربيّة، وادّعى أنه تم تجنيدُهم من طرف عناصر استخباراتيّة في جنوب إفريقيا للقيام بعملياتٍ بتكليفٍ مباشر من طهران. ادّعى “الشاباك” أنَّ المقاومين الفلسطينيّين الثلاثة تواصلوا مع الاستخبارات الإيرانيّة عن طريق فلسطينيٍّ مُقيمٍ في جنوب إفريقيا، لكنه أكدَّ عدم معرفته بمدى إطلاع حكومة جنوب إفريقيا على هذه التحركات الفلسطينيّة الإيرانيّة.

لم تكن هذه الحادثة نقطة المواجهة الوحيدة بين طهران وتل أبيب على الأراضي الإفريقية. في 15 فبراير/ شباط الماضي، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركيّة تقريراً يتحدث عن توقيف السلطات الإثيوبيّة لمجموعةٍ تتكوّن من 15 شخصاً كانوا يستهدفون المصالح الدبلوماسيّة لكلٍّ من الإمارات، والولايات المتحدة، ودولة الاحتلال، في مدينة أديس أبابا.

بحسب الصحيفة فإنّ الإدارتين الأميركيّة والإسرائيليّة تتهمان إيران بالوقوف وراء هذا المخطط بعد إعادة تنشيط عددٍ من الخلايا النائمة، بهدف جمعِ أكبرِ عددٍ من المعلومات الاستخباراتيّة عن السفارتين الأميركيّة والإسرائيليّة في إثيوبيا. وأضافت “نيوريوك تايمز” أنَّ هذه الخلية كانت تبحث عن أهداف سهلة تنتقم من خلالها إيرانُ من اغتيال عالم الذرة مُحسن فخري زادة الذي اغتاله الموساد في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، بعد 10 شهور من اغتيال الولايات المتحدة الأميركية لقاسم سليماني.

إيران رفضت وبشكلٍ قاطع هذه الاتهامات معتبرةً إياها بروباغندا صهيونيّة. أما إثيوبيا التي تُعتَبرُ حليفاً استراتيجيّاً لـ”إسرائيل” فقد اختارت عدم الكشف عن تفاصيل أكثر، ربما لأنها لا ترغب في تسويق نفسها على أنّها تلك الأرض الإفريقيّة التي تتطاحن فيها قوى  الشرق الأوسط.

وكانت الاتهامات الأميركيّة الإسرائيليّة لإيران باستهداف مصالحها انطلاقاً من الساحة الإفريقيّة قد ظهرت في 2020، وذلك عندما كشف موقع “بوليتيكو” عمّا وصفه بمخطط اغتيال لانا ماركس، سفيرة الولايات المتحدة السابقة لدى جنوب إفريقيا. وقال الموقع إنّ جواسيس أميركيين أعلموا الحكومة الأميركيّة أنّ عمليةً لاستهداف السفيرة المقربة من دونالد ترمب يتم إعدادها، إذ يستغل الإيرانيون علاقاتهم الجيّدة مع جنوب إفريقيا لأجل ذلك.

من جهته أكد مافا سكوت، المتحدث باسم وكالة أمن الدولة في جنوب أفريقيا، أنَّ بلاده لم تجد أيَّ دليلٍ يؤكِّدُ المزاعم الأميركية، واعتبرت إيرانُ أنَّ ما يتم نشره يهدف إلى خلق مناخٍ مُعادٍ لها دوليّاً. حاولت “إسرائيل” الاستثمار في هذه الحوادث، لإقناع الإدارة الأميركيّة بخطورة التوصل إلى اتفاق مع إيران يخصّ برنامجها النووي، كما أنها عملت على مشاركة عدة دول معلوماتها الاستخبارية حول الأنشطة الإيرانيّة لحثّها على الوقوف في وجهها، وذلك عبر محاولة تفكيك الجماعات المسلّحة ذات الولاء الإيراني، وإغلاق الأماكن الثقافيّة والدينيّة، كالمساجد والحسينيات.

ويبدو أن باب التطبيع الذي فُتح بين دولة الاحتلال وعددٍ من الدول الإفريقيّة، ومن بينها دول عربيّة وإسلاميّة، والحضور الإسرائيليّ داخل مؤسسة الاتحاد الإفريقي، سيعني أنّ استراتيجية المواجهة المباشرة لإيران داخل الأراضي الإفريقيّة ستتخذ بُعداً آخر. وكانت واحدة من الخطوات في ذلك الإطار التحالفُ مع المغرب للضغط على الجزائر التي تملك علاقات قديمة مع إيران، وتلتقي معها في عدد من الملفات الاستراتيجية التي تخص المنطقة. وقد اعتبر المحلل السياسي داني سيترينوفيتش، كبير الباحثين في معهد آبا إيبان للدبلوماسية الدولية في دولة الاحتلال، أنَّ الخلافَ الأخيرَ بين المغرب والجزائر يعكس مواجهةً دبلوماسيّةً مُحتملة بين إيران و”إسرائيل” داخل إفريقيا، إذ لطالما رأت إيران في إفريقيا أرضاً خصبة لمواجهة أعدائها عموماً، بدايةً بالسعودية وصولاً إلى دولة الاحتلال. 

وقال سيترينوفيتش في مقالٍ على موقع “المونتور” إنَّ التحركَ الإسرائيليَّ الجديد في إفريقيا لتنشيط علاقاتِها الاستخباراتيّة مع عددٍ من الدول سيجد في وجهِهِ سياسةَ الرئيس الإيرانيّ الجديد إبراهيم رئيسي، والذي أكدّ أن حكومة بلاده ستعمل بجهد من أجل تعميق العلاقات مع الدول الإفريقيّة. 

المواجهة إذاً بدأت من شمال إفريقيا، حيث دشّنت المنافسةُ الإيرانيّةُ الإسرائيلية خطواتِها بتأزيم العلاقات المغربيّة الجزائريّة العليلة منذ ستينيات القرن الماضي. ويبدو أنّ هذه المعركة ستستمر في سبيل تحقيق أكبرِ عددٍ من المكاسب السياسيّة والاقتصاديّة لكل طرف، فإفريقيا هي إحدى أهم الكتل التصويتيّة التي تريد “إسرائيل” ضمان ولائها في مجلس الأمن، أو على الأقلّ تحييدها في مواجهتها لأعدائها المفترضين. كما أنّ إفريقيا طوق نجاةٍ لتل أبيب التي وإن طبَّعت مع العرب، إلا أنها لا تثق في مدى صدق نواياهم، لذلك فإن الاحتماء بالدول الإفريقية هو ضرورة قصوى  في سبيل الحفاظ على بقائها في منطقة مشتعلة ومتقلبة.

أما إيران، فإنّها ترى في إفريقيا أرضاً خصبة للتزوّد باليورانيوم لمشروعها النوويّ، ومواجهة الحلف الجديد الذي يتكون من “إسرائيل” وأميركا وعدد من الدول العربيّة، متسلحةً بدول إفريقية لا زالت تعادي “إسرائيل” كجنوب إفريقيا، ونيجيريا والجزائر، وهو ما يعني وصول حرارة المواجهات الشرق أوسطية إلى قلب القارة الإفريقية غير المستقرة سياسيّاً ولا أمنيّاً منذ عقود طويلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى