القضية الفلسطينيةمقالات

تداعيات حظر حماس على الفلسطينيين.. وعلى السياسة البريطانية

زاهر بيراوي عربي21

مشروع التعديل القانوني الذي قدمته وزيرة الداخلية بريتي باتيل لإخراج الجناح السياسي لحركة حماس عن القانون في بريطانيا، والذي ستتم مناقشته في البرلمان البريطاني لإقراره قبل ٢٦ من الشهر الجاري، يوضح درجة التماهي البريطاني الرسمي مع السياسات الإسرائيلية تجاه المقاومة الفلسطينية، وتجاه الحركة التضامنية المتصاعدة مع الحقوق الفلسطينية، وتجاه كل ما يزعج الاحتلال الإسرائيلي العنصري ويكشف جرائمه على أرض فلسطين منذ عقود من الزمن.

هذا القرار يعتبر تعديلا لقرار حكومي سابق ومعتمد منذ ٢٠٠١ كان يصنف الجناح العسكري للحركة فقط كتنظيم إرهابي، ويسكت عن الجناح السياسي للحركة.

وتبدو فرصة إقرار هذا التعديل القانوني كبيرة هذه المرة، بسبب حجم الضغط الإسرائيلي ولوبياته القوية بهذا الاتجاه، وخاصة بوجود حكومة بوريس جونسون التي تعتبر الأكثر قربا من اللوبي وأكثر تماشيا مع طلباته، أيضا بوجود القيادة اليمينية في حزب العمال، الأمر الذي سيوفر العدد الكافي من النواب لاعتماد القانون، حيث من المرجح أن يقوم تيار زعيم حزب العمال كير ستارمر بالدفع باتجاه التصويت لصالح الاعتماد لهذا القانون، على عكس ما جرى في جلسات إقرار قانون تصنيف حزب الله قبل سنتين ونيف، عندما امتنع امتنع نواب الحزب عن التصويت.

تداعياته على الجالية الفلسطينية والحركة التضامنية في بريطانيا وعلى العلاقات الدولية لحركة حماس:

لا شك أن هذا القرار في حال اعتماده سيؤدي إلى تضييق أكثر على مساحات التضامن وعلى أشكال الدعم لحق الفلسطينيين في المقاومة للمشروع الاستعماري الصهيوني، ولكنه لن يؤدي إلى منع تصاعد حالة التضامن مع الحقوق الفلسطينية. تلك التداعيات السلبية لن تزيد عن تداعيات قرارات مماثلة بحق الحركة في عدد من الدول الغربية مثل أمريكا وكندا وألمانيا، والتي لم تحُل دون خروج مئات الآلاف من المتضامنين مع فلسطين في عواصمها خلال الحرب الأخيرة على غزة.

ومما يقلل من تأثير القرار على العمل لفلسطين في بريطانيا هو عدم وجود مؤسسات لحماس في بريطانيا، وإنما يوجد كثير من الفلسطينيين وغير الفلسطينيين في المجتمع البريطاني؛ ممن يؤيدون المقاومة ويعتبرونها حقاً قانونياً لشعبٍ تحت الاحتلال.

وهذا التقدير لا يعني بالضرورة عدم لجوء حكومة “جونسون/ باتيل” لاتخاذ بعض الإجراءات التحذيرية أو التخويفية التي من شأنها إشعار الجالية الفلسطينية بالجدية في تطبيق القانون في حال إقراره، وفي ذات الوقت لكسب رضا لوبيات الضغط الإسرائيلية التي تطالب منذ زمن بإجراءات ضد من تعتبرهم نازعي شرعيتها في الغرب.

تأثير على علاقات حماس الدولية:

أما عن تأثير القرار على حركة حماس سياسياً، فيمكن الاعتقاد أن اعتماد القانون في البرلمان البريطاني سيقلل من مساحات التواصل السياسي العلني بين الحركة وبين دول العالم الغربي، ولكن ذلك لن يمنع كثيرا من دول العالم من استمرار التواصل سراً معها رغم تصنيفها لديها كحركة إرهابية، بما في ذلك أمريكا وألمانيا وغيرهما من الدول التي ترسل مندوبيها وممثليها بشكل شبه دوري للقاء قيادات من الحركة، كما تؤكد الحركة نفسها بين الحين والآخر.

تأثير محتمل على المصالحة:

كما يتوقع أن يكون لهذا القرار تأثير على الوضع الفلسطيني الداخلي وبالذات على فرص المصالحة الوطنية، حيث سيزيد من تعقيد العلاقة بين حركتي حماس والسلطة الفلسطينية وعمودها الفقري حركة فتح؛ لأن هذا التصنيف للجناح السياسي يعني استخدام هذه الورقة للحيلولة دون قبول حركة فتح بالشراكة الوطنية، خشية الموقف الدولي الذي لن يقبل بوجود حركة حماس في المشهد الوطني الفاعل دون تخليها عن برنامج المقاومة ودون الاعتراف بشروط المجتمع الدولي (الرباعية الدولية).

الدور البريطاني في جهود إقرار السلام في الشرق الأوسط:

لا يبدو أن الحكومة البريطانية وهي تتخذ هذا القرار معنية بأي دور حقيقي لتحقيق سلام عادل بين الإسرائيلين والفلسطينيين، لأن هذا القرار يعني استبعادا قسريا لمكون أساسي في المشهد السياسي الفلسطيني، وبالتالي لاعبا أساسأ في أي سلام محتمل في المنطقة.

ومن الواضح أن الحكومة البريطانية لا تستمع إلى حكماء السياسة الذين لطالما نصحوها بالاستفادة من تجربة المصالحة الإيرلندية التي اعتمدت على مبدأ أن من يريد السلام فلا بد أن يتحدث مع حَمَلة البنادق، والتي قادها رئيس الوزراء الأسبق توني بلير وأفضت إلى اتفاقية الجمعة العظيمة (اتفاقية بلفاست).

والأخطر من ذلك أن هذا التصنيف للجناح السياسي ربما يسهل على دولة الاحتلال القيام بعمليات اغتيال للقيادات السياسية للحركة عندما تقرر القيادة الإسرائيلية في تل أبيب خوض هذه المغامرة، حيث ستبرر ذلك بأنه لا فرق بين العسكري والمدني في حركة حماس.

هل ستندم بريتي باتيل على قرارها؟

وأخيراً، يبدو أن حكومة المحافظين في لندن ستكرر خطأ حكومة العمال عام ٢٠٠١ ولم تستفد من تجربة ومواقف قيادات تلك الحكومة البارزة، سواء رئيس الوزراء الأسبق توني بلير أو وزير داخليته آنذاك جاك سترو، حيث أعرب الأول قبل بضع سنوات عن قناعته بأن طريقة تعامل الحكومات الغربية – بما فيها بريطانيا – مع حركة حماس بعد فوزها في الانتخابات لم يكن عاملا مساعدا في إحلال السلام، وربما كان ذلك سبب لقاءاته المتكررة مع زعيم حركة حماس عام ٢٠١٧ في قطر، بينما أعرب جاك سترو عن الندم بشكل صريح على وضع اسم حركة حماس على قائمة الإرهاب عام ٢٠٠١ ، فهل سيأتي اليوم الذي ستعتذر فيه بريتي وبوريس عن هذا الخطأ؛ ليس بحق حركة حماس ولكن بحق الشعب الفلسطيني وأجياله المختلفة التي عانت وما زالت من قرارات وسياسات بريطانيا الظالمة منذ وعد بلفور حتى اليوم؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى