الفكركتب

ما الشعبوية؟ الرؤية الشعبوية للعالم، بحث في قصور النظام التمثيلي

أواصر |عبد الحكيم كرومي

عرض كتاب

تأليف: يان فينر مولر

ترجمة: رشيد بوطيب

تمهيد:

يبدو أن الشعبوية -كظاهرة معادية للديمقراطية- لم تعد مقتصرة على الحياة السياسية الأوروبية والأمريكية؛ بل من السهل ملاحظة أنها اكتسحت الأنظمة السياسية العربية بأحزابها ونخبها بشكل ملفت، وهي بذلك تنضاف إلى جملة عوائق الانتقال الديمقراطي التي تشلّ تحرير الواقع السياسي العربي من العتاقة والتقليد، من هنا تأتي أهمية مراجعة أفكار كتاب «ما الشعبوية؟» ليان فيرنر مولر (Jan-Werner Mueller).

يتضمن الكتاب فصولاً ثلاثة، عدا الاستهلال والخاتمة، وقد حاول الكاتب فيه تقديم تصور نظري وعملي لظاهرة الشعبوية التي أضحت تخترق اليونان وأوروبا كلها علاوة على أمريكا، وبالتالي أضحت جزءًا من السيناريو السياسي العالمي، ولأجل ذلك نتساءل مع الكاتب ما الشعبوية؟ وما منطقها الداخلي الذي يحكم تصورها للعالم؟ وكيف يمكن مواجهتها وحصارها؟

لقد ظهر مفهوم الشعبوية منذ ستينيات القرن العشرين مع عالمي الاجتماع إرنست غيلنر (Ernest Gellner) وغيثا يونيسكو، وكان يُستعمل لوصف ظواهر متعددة مثل الماوية، وحقبة ما بعد الاستعمار، وكما أن للديمقراطية نظرية خاصة بها فلا يمكن تفكيك الإشكالات المرتبطة بالشعبوية من دون بناء نظرية خاصة، إذ من دونها يصبح الكلام فيها بلا معنى.

يحدد الكاتب أهدافه من الكتاب: أولاً في السعي نحو تطوير نموذج معرفي يسمح بوضع تحديد دقيق لهذا المفهوم، ثم ثانيًا التطلع نحو فهم طريقة تفكير الشعبوي، وثالثًا البرهنة على أن الشعبوية يمكن أن تحكم على نحو جديد رغم أنها في التحليل الأخير معادية للديمقراطية، إنها ظاهرة حديثة جوهرها تعلق أصحابها بأهداب الشعب، واعتقادهم أنهم ممثلوه الحقيقيون، ولما كان الأمر كذلك فهم أعداء المؤسسات الديمقراطية، ويؤمنون بلاشرعية من خالفهم، وهم بهذا أعداء للديمقراطية، ولذلك فالهدف الأخير من الكتاب هو تحديد استراتيجيات التعامل مع الشعبويين.

نحو بناء المفهوم:

يُقرّ الكاتب بصعوبة تحديد دلالة مفهوم الشعبوية، ويشير إلى أن أصل الإشكال يوجد في طبيعة السياسة المعاصرة التي تحمل في طياتها بعض مظاهر الشعبوية، وفي سبيل الإجابة عن سؤال مفهوم الشعبوية يقترح أولاً تجاوز الأحكام والمعايير الخاطئة عليه، وثانيًا التفريق بين الشعبوية وبعض الظواهر السياسية الأخرى.

لا شكّ أن ما يميز الشعبوية هو نقد النخبة أو معارضة المؤسسات، ثم معاداة التعدد التي تتجسد في شكل نرجسية يتم التعبير عنها بشعار: نحن من يمثل الشعب، ومن ثمة تختلف الديماغوجية عن الشعبوية؛ لأنها لا تدعي تمثيل الشعب، والأمر نفسه يقال عن الإرهابيين (خاصة المنتسبين للدين)؛ إذ ينطلقون من اعتبارات أخلاقية تجعلهم لا يدّعون تمثيل الشعب، فهم ليسوا شعبويين؛ لأن لهم تصورًا يدين الشعب من الناحية الأخلاقية. وقد تحمل الديمقراطية في طياتها بذور الشعبوية، خاصة إذا ادعى أحد أنه الممثل الوحيد للشعب، ويتهم مخالفيه باللاشرعية، ومن ثمة فالجو الذي تنتشر فيه الشعبوية هو الديمقراطية التمثيلية بوعودها التي يتم استغلالها من طرف الشعبويين الذين لا يستطيعون في النهاية الوفاء بها.

بناءً على هذا التحليل يجب إعادة النظر في مختلف الحركات التي يتم إلصاق تهمة الشعبوية بها، ذلك أنها لا تنظر إلى النخب من فوق، ولا تعتبر نفسها الممثل الوحيد للشعب حتى وإن دافعت عن جزء منه (كالفلاحين مثلاً)، وبالتالي وجب تنظيف الشعبوية من سوء الفهم والأحكام الاعتباطية.

تصورات خاطئة:

في نظر الكاتب هناك بعض التصورات الخاطئة والتبسيطية لمفهوم الشعبوية، خاصة من يعتمد على معايير سوسيولوجية تبدو واضحة من قبيل أن طريق معرفة الشعبويين يكمن في معرفة ناخبيهم (أسفل الطبقة المتوسطة المهددة بالسقوط الاجتماعي). إلى جانب هذا هناك أطروحة أخرى اجتماعية/نفسية تؤكد أن داعمي الأحزاب الشعبوية تحركهم بعض النوازع الانفعالية، مثل الغضب والمخاوف والغلّ، وثالثًا من يذهب إلى أن الشعبويين يقدمون وعودًا تبسيطية، وينشرون برامج سياسية غير معقدة وغير مسؤولة.

إن هذه التشخيصات السالفة للشعبوية تقوم على نظرية التحديث، ذلك أن الخطاب الشعبوي متوجه بالأساس إلى تلك الفئة التي تعيش في عالم بسيط سابق لعالم الحداثة، وهذه البساطة تجعل الخطاب الشعبوي سريع الانتشار، كما أن هذه الآراء ترتد في غالبها إلى العصر الذهبي لنظرية التحديث، لذلك فهي ذات حمولة معيارية، كما أن مصدر خطأ هذه التصورات لا يمكن من الناحية المعرفية، وإنما من الناحية الميدانية، إذ من السهل ملاحظة أن الوضع الاقتصادي ليس هو ما يدفع الأفراد للانحياز إلى جانب الأحزاب الشعبوية، بل الحكم العام على وضع البلاد، هذا الحكم الذي يتم الاستدلال عليه بطريقة معيارية.

وكما أن هناك مشكلة ميدانية ترتبط بتحديد نوعية الأشخاص الذين يفضلون الأحزاب الشعبوية، فهناك معضلة نظرية أخرى تتجلى في محاولة ربط تعريف الشعبوية بصفات الناخبين، فمن جهة أولى يتم تجاهل ما هو معياري في القضية، ومن جهة ثانية يتم الخلط بين الجانب التشخيصي والجانب المعياري، وبموجب هذا الخلط يتم تبرير بعض الاتهامات السيكولوجية من قبيل الحقد والغلّ والسلبية والميل نحو العنف والحسد، وهي اتهامات لا تستطيع تحليل الشعبوية ولا تفسيرها.

الشعبوية وتصحيح الديمقراطية:

ارتبطت الشعبوية في أذهان الناس اليوم بالبورجوازية الصغيرة، أو الطبقة العاملة، مع أنه إلى حدود الثمانينيات ظل اعتبار الشعبوية ذات علاقة بالقطاع الزراعي؛ وذلك لارتباط أولى الحركات التي سمت نفسها بهذا الاسم بالدفاع عن حقوق الفلاحين، كما في روسيا وأمريكا، وهؤلاء الشعبويون كانوا يميزون بين الشعب والنخب، أما حمولة مصطلح شعبوي إبان ظهورها في أمريكا القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فقد كانت سلبية.

لكن مع الوقت ستتحول الكلمة القدحية إلى أمر إيجابي وإلى اليوم، ذلك أن الشعبوي يقدم نفسه كيساري تقدمي منافح عن قضايا الشعب، وهذا على عكس أوروبا التي تعد الشعبوية حركة رجعية مرتبطة باليمين، ويبدو أنه لا حلّ لهذا التناقض الذي يحدثه الضياع في الدلالات التي يطلقها السياسيون، مما يحتّم الترفع عن تلك الدلالات وعدم السقوط فيها.

ما يجب الانتباه له هو أن هذا المفهوم بما أنه له تاريخ فيجب أن يغطي كل السياسيين، ولا يجب ربطه بفئة أو طبقة أو أتباع معينين، يعرف الكتاب الشعبوية بكونها: «ليست مطلبًا لطبقة واضحة المعالم، وليست قضية عاطفية… إنها تصور سياسي محدد، يرى أن شعبًا خالصًا ومنسجمًا يقف دائمًا ضد نخب غير أخلاقية، فاسدة وطفيلية، ويرى أن هذه النخب لا تنتمي إلى الشعب» (ص45).

إن الشعبوي يقوم بتمييز قائم على وضع حد فاصل بين من ينتمي إلى الشعب ومن لا ينتمي له من النخب، وبناءً على هذا التمييز يدعي أنه الممثل الحقيقي والوحيد للشعب، وبهذا يتضح أن الشعبوية تتأسس على معاداة التعدد في الحقيقة، وليس معاداة النخب، أي أنها لا تقوم بدور التصحيح في العملية الديمقراطية، ولا يمكن تصور أن الشعبوية تعيد التوازن للديمقراطية المختلة؛ فهذا عبارة عن سوء فهم،ذلك أن عيون الشعبويين ليست على أشكال الديمقراطية التمثيلية، وإنما على الماسكين بدواليب السلطة، فهؤلاء في نظرهم فاقدون للمشروعية الشعبية، بل وخونة.

هذا التصور يفيد أن الشعب كأنه قد فوّض أمره للشعبويين، ليغدو دوره سلبيًّا، وهذا ما يتعارض مع مبادئ الديمقراطية الحديثة، إذ إن الشعب ليس كتلة منسجمة، ومصالحه ليست موحدة، ومن ثم نفهم لماذا يرفض الشعبوي المؤسسات التعددية (مثل البرلمان).

ما يميز الشعبوية كذلك أنها لا تعرف مركزية القائد، فسواءٌ أكان قدوم هذا القائد من داخل النسق السياسي أم خارجه فالمهم أن دوره محصور في إبراز إرادة الشعب والدفاع عنها، وقبل ذلك القدرة على معرفتها جيدًا. كما أنه لا تهم فيه الكاريزما؛ إذ المهم هو التماهي مع المنطق الداخلي للشعبوية، والمتمثل أساسًا في شعار الانحياز إلى إرادة الشعب، هذه الإرادة الأخلاقية والخيرة دائمًا، ما يجعل الشعبوي يتخذها معيارًا أخلاقيًا فعالاً للتمييز بين الشعب الحقيقي والنخبة الفاسدة، فمن لا يدعم الشعب لا ينتمي إليه.

النرجسية الحزبية الشعبوية:

بما أن الحزب الشعبوي يستبطن فكرة التفويض فهو لا يجد غضاضة أن يكون حزبًا لشخص واحد، وأن يتمرد على الديمقراطية الداخلية للحزب، فما دامت هناك إرادة واحدة للشعب أو لقلة معرفته والدفاع عنه يُمَكّن للقائد، فلا حاجة بالتالي لأي ديمقراطية داخلية في الحزب الشعبوي، ولا حاجة للمؤسسات، ولا جدوى للتعددية، ينتج من هذا أن الحزب الشعبوي متفوق على كلّ الأحزاب التي لا تعدو أن تكون إلاّ مجرد تجمعات فاسدة منافسة، ولا شرعية لها في نظره، وهذا ما يقف بالتضاد مع فكرة التعدد السياسي.

إن أكبر تحدٍّ يواجه الشعبوي هو تفسير سبب كون الواقع السياسي دائمًا يقف ضد تصوره، أي واقعٌ لا يقبل بالتمثيل الأخلاقي، ويعيش ويتطور على أساس التعدد والاختلاف بين نخبه وحتّى إرادات الشعب المختلفة، ذلك أن الشعب -كما سبق- ليس كلاًّ منسجمًا وموحدًا، إن الديمقراطي الحقيقي يجب أن يعترف بأنه من المستحيل الإمساك بكلية الشعب ومعرفة إرادته على نحو قبلي، والذي يمكن أن يحدد إرادة الشعب هو العملية الانتخابية وحدها.

إن العملية الانتخابية عبر آلية الأغلبية هي الفيصل، لكن لمّا كان الشعبوي يطعن في المؤسسات وفي التعدد وفي الماسك بالسلطة باعتباره سياسيًّا مزيفًا فهو في الحقيقة يطعن في العملية الديمقراطية كلها بشكل غير مباشر.

الحاصل أنه لا يمكن معرفة الشعبوي من خلال ناخبيه المحمّلين بالحق والحقد، ولا بخطاباتهم، وإلاّ أضحى الكل شعبويًّا، إن ما يميزه بالأساس هو أنه ضد التعدد، وأنه يدعي الانحياز إلى الشعب الذي يمثل في نظره السلطة الأخلاقية العليا، وكذلك تشكيكه في مشروعية المؤسسات الوسيطة.

الشعبوية في الواقع العملي:

سواء كان الشعبوي في السلطة أو خارجها فإنه دائمًا يقوم بإصدار خطاب أخلاقي تمييزي، ويبحث عن أعداء، ويصنع الاستقطاب. والناظر في السياسة الشعبوية المعادية للتعدد يجدها تتميز بخصال ثلاثة، أولها السيطرة على مفاصل الدولة، والثانية تفريخ الأتباع الأوفياء، والثالثة قمع المجتمع المدني وأحيانًا الإعلام، والجديد في هذه السياسات التي تميز كل نظام سُلطِيّ هو أن الشعبوية تبررها بالمبادئ الأخلاقية، وباسم الديمقراطية.

أما السيطرة على مفاصل الدولة فتكون بشكل هجومي؛ لأنهم الممثلون الوحيدون والشرعيون للشعب، ومن تجرأ على النقد فهو ضد الشعب، وفيما يخص المجتمع المدني فأي صوت يرفع منه ضدهم يتم نزع المصداقية عنه، واتهامه بمعاداة السياسة الداخلية للدولة، ومن ثم شرعنة القيام بإجراءات قمعية ضده، وتطبيق القانون في حقه.

لا أهمية للديمقراطية وأشكالها لدى الشعبوية، فإجراءاتها يتم الالتزام بها صوريًّا فقط من أجل تجميل صورة البلد خارجيًّا، أما على المستوى الداخلي فالقيام بالانتخابات يكون شكليًّا لتكريس الأمر الواقع، والاستمرار في مسلسل السيطرة على مفاصل الدولة.

 في التناقض الشعبوي:

إن عداء الشعبوية للمؤسسات لا يمنع من استغلالها وتوظيفها لصالحها في فترة الحكم، ومثال ذلك الدساتير التي يصوغها الشعبويون بطريقة دكتاتورية تناسب رؤيتهم للحكم، فعبر التفويض الشعبي يتم تزوير الانتخابات وقمع المعارضة. وهكذا، فالعديد من القرارات السخيفة واللاشعبية يمكن أن تصبغ عليها الشعبوية صبغة دستورية، كما أن الدستور لمّا كان هو ضمانة التعدد فإن السيطرة عليه هي في الحقيقة تعطيل له ولدوره في تنظيم الحياة السياسية.

يرى الكاتب أنه من الواجب إبدال سياسة السطوة على الدساتير بسياسة دستورية تشاركية قائمة على مبدأ احترام التعدد داخل النسق السياسي، وبالتالي تغيير المنطق الذي يقوم على قاعدة «نحن الشعب» إلى منطق آخر قائم على قاعدة «نحن أيضًا من الشعب»، فالديمقراطية تسمح دائمًا باستمرار التعدد، ولذلك ليس من حق أحد أن يقدم إجابة نهائية عن طبيعة الشعب.

الحاصل إذن أن الشعبوية إضافة إلى أن لها منطقًا داخليًّا آيديولوجيًّا خاصًّا بها، فلها كذلك ممارسة خاصة، تسمح لها بالتخفي وراء شعارات ديمقراطية في الظاهر، لكنها متسربلة ببعد أخلاقي، إذ يغدو كل تفكيك لظاهرة الشعبوية في السياسة مُلزَمًا بأن يعمل على تحليل هذا البعد الأخلاقي، لكن كيف يتم ذلك على وجه التحديد؟

عن التعامل الديمقراطي مع الشعبوية:

في هذا الفصل الأخير يقوم الكاتب بتحليل بدائل التعامل مع الشعبوية وخياراته، خاصة وأنها ظاهرة أضحت ملازمة للديمقراطية التمثيلية المعاصرة، فيبدأ بالاستدلال على بعض الأفكار التي سبق أن أدلى بها في فصول الكتاب، وأول فكرة هي كون الشعبويين يعمدون إلى التمييز المعياري بين من ينتمي إلى الشعب ومن ليس منه، ومن الناحية الديمقراطية كيف يمكن الاستدلال على أن أولئك المستثنين من الشعب هم أيضًا منه؟

يبدو أنه من الناحية الديمقراطية ليس هناك جواب شافٍ عن هذا الإشكال، وكل الإجابات التي تقدم كرد فعل غير مقنعة ولا مقبولة، إن الحلّ في نظر الكاتب هو الدخول في حوار هادئ مع الشعبوية،كما أنه يجب النظر بعين الشك لكل الفاعلين الذين يرفضون الانخراط في حوار معهم؛ لأنهم بذلك يؤكدون أطروحات الشعبوية في كون النسق السياسي لا يسمح بالنقد.

ثم ينتقل الكاتب إلى مناقشة أسباب ظهور الشعبوية خاصة في ظل الإقبال عليها واكتساحها للمجتمع الأوروبي، وأن هناك من يربطها بأزمة التمثيل السياسي التي عاشتها أوروبا في سبعينيات القرن الماضي، والتي عرفت تهاوي الأحزاب الشعبية، والتي كانت تؤمن بالتعدد، ويمكن إضافة عوامل أخرى مثل عزوف الطبقات الفقيرة عن السياسة، وتراجع انخراط الناس في الأحزاب التي أصبحت متشابهة وعاجزة عن تغيير الواقع، وغير جديرة بالمسؤولية، لكن الكاتب يبين محدودية هذا الرأي وقصوره في تفسير أسباب بروز الشعبوية.

يشير مولر كذلك إلى الخلاف داخل أوروبا بين أنصار الانفتاح على الخارج والذين يريدون تبني سياسة أقل انفتاحًا، ثم يوضح كيف أن الصراع في حقيقته هو صراع مصالح اقتصادية، والمهم هو كيفية تدبير هذا الصراع المسيّس، وفي ظل هذا الوضع يتساءل: هل يمكن أن يكون اليسار الشعبوي جوابًا شافيًا عن هذا التحدي الأوروبي؟

يفنّد الكاتب رأي عالمة السياسة البلجيكية شانتال موف (Chantal Mouffe) التي ذهبت إلى أن الإجماع الليبرالي الجديد (New Liberalism) هو سبب ظهور الشعبوية، لأن هذه الليبرالية الجديدة تدافع عن فكرة الإجماع، أو بصيغة أخرى هي ضد الصراع والتعدد، ممّا يلزم منه أن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية هي المسؤول الأول عن هذا الوضع لأنها استسلمت لمنطق الليبرالية الجديدة، والحلّ الذي يقترحه الكتاب هو حوار عقلاني متحرر من الحمولة الأخلاقية.

خلاصات وآفاق:

لقد تبين أنه لا يمكن ربط الشعبوية بناخبين محددين، وأن لها منطقًا خاصًّا يتجلى في رفض التعدد، ومعاداة النخبة الحاكمة، وتدعي أنها الوحيدة التي تمثل الشعب، كما أنها ليست ضد مبدأ التمثيل، وإنما تتهم مؤسسات الدولة حين لا تساعدها في الوصول إلى السدة، وهي كذلك تربط بين مبدأ التمثيل الانتخابي وتفويض الشعب الذي تمتلك تصورًا أخلاقيًّا عنه لا يمكن تفنيده في الواقع، بل وتتجاهل أن إرادة هذا الشعب غير موحدة.

وقد اتضح كذلك أنه مع الشعبوية لا يمكن تصور وجود معارضة في السلطة، أما وصولها هي إلى السلطة فإن ذلك يعني تعطيل التوازنات داخل النسق، واتهام المعارضة، وتعطيل دور المجتمع المدني، والحكم بمنطق الزبونية والمحسوبية، وإن الليبرالية ترتكب خطأ الشعبوية نفسه عندما تعمد إلى إقصاء الشعبوين من الحكم، وتهميشهم باسم الأخلاق، أو استعمال العنف ضدهم.

ولأنّ الشعبوية تنخر أوروبا كلها، وهي في تزايد مستمر، وتختلط بالديمقراطية، فلا بدّ من إعادة طرح سؤال حدود الديمقراطية وعوائقها من أجل تحريرها من الأوهام الشعبوية، ولا بد من إعادة النظر في الديمقراطية التمثيلية؛ لأن النظام التمثيلي الذي تقوم عليه ليس ديمقراطيًّا، وتعويضه بعلاقات تمثيلية مختلفة داخل أوروبا، وفي سياقنا العربي تبدو الشعبوية -كما وصفها مولر- ظاهرة مخيفة، ومن ثم ليس الإشكال مرتبطًا في سياقنا بأزمة التمثيل، وإنما العقدة الكأداء هي أن الديمقراطية برمتها كثقافة وطريقة في الحكم ما تزال مشروعًا مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق