القضية الفلسطينيةمكتبة الديوان

“الوكالة اليهودية”.. كتاب يصطاد في مياهنا العكرة؟

أحمد مأمون متراس

شَهِدَ المشرقُ العربيُّ مطلع القرن العشرين ظهور الحركة القوميّة العربيّة التي كانت نخبويّةً في بدايتها، كما هو متفقٌ عليه عند المؤرخين والدارسين. وفي الفترة ذاتها، كانت الوكالة اليهوديّة تسعى لبناء مشروعها الاستعماريّ في فلسطين بأدواتها المختلفة: تشجيع الهجرة، وجمع المعلومات الاستخباراتيّة، وتشكيل المنظمات السياسيّة، والسعي لبناء شبكةِ علاقاتٍ داخل فلسطين، وفي محيطها العربيّ.

من خلال كتابه “العلاقات السريّة بين الوكالة اليهوديّة وقيادات سورية في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى” 1936-1939م، ومُعتمداً على البحث في الأرشيف الصهيونيّ، يسعى الباحث الفلسطينيّ محمود محارب إلى الكشف عن جانبٍ من علاقة النخب العربيّة بالمشروع الصهيونيّ، خاصّةً تلك التي نُسجت خلال فترة الثورة الفلسطينيّة الكبرى. في كتابِهِ، يُضيء محارب على سعي الوكالة اليهوديّة إلى تجنيد عشرات الصحافيّين العرب والسياسيّين في سورية، وعلى مساهمة هذه العلاقات والاختراقات في خدمة أجندة الحركة الصهيونيّة.

صدر الكتاب عام 2021 عن “دار جسور للترجمة والنشر”، ويقع في 496 صفحة، 200 صفحة منها هي ملحق الوثائق التي تُدرَس للمرة الأولى من باحثٍ عربيّ، بعضها باللغة العربيّة، وأكثرها بالعبريّة (ترجمها الباحث).

المقالات الصهيونيّة المدسوسة في الصحف العربيّة

لعلّ أهم ما يكشف عنه الكتاب هو أنَّ الوكالة اليهوديّة تمكنّت من دسِّ 280 مقالاً في الصحف اللبنانيّة والمصريّة والسوريّة أثناء الثورة الفلسطينيّة الكبرى (1936-1939). نُشرت تلك المقالات تارةً باسم “هيئة التحرير”، وأخرى بأسماءٍ عربيّةٍ مستعارة، أو على شكل تقارير صحفيّة كأنّها مُرسلةٌ من مراسلين ميدانيّين، وذلك من أجل إخفاء كُتّابها الصهاينة.

والأنكى من ذلك أنَّ الوكالة قد أسّست واشترت صُحفاً خاصّةً كانت تُنشر بوصفها صُحفاً عربيّة. ففي صيف 1938 اشترت الوكالةُ خمس صحفٍ؛ ثلاث في بيروت، واثنتين في دمشق. وكانت وظيفة تلك الصحف، بحسب تقرير إلياهو ساسون من الأرشيف،  “الامتناع عن نشر موادٍ مُعاديةٍ للصهيونية، والتقريب بين وجهات النظر العربيّة واليهوديّة، وإدانة “الإرهاب” العربيّ في فلسطين، واتخاذ موقفٍ مؤيدٍ لليهود في كلّ ظاهرةٍ سياسيّة”.1

ويُشير الكتاب أنّ هذا الاختراق كان قد بدأ قبل سنوات الثورة أيضاً. ففي لبنان مثلاً، زار مسؤولُ جهاز المخابرات في الدائرة السياسيّة للوكالة اليهوديّة حاييم كالفاريسكي Haim Kalvarisky بيروت في يناير/ كانون الثاني 1930، وشكّل لجنةً من أربعة ناشطين يهود لبنانيّين للتنسيق مع مخابرات الوكالة، من أجل التأثير في الصحف اللبنانيّة لاتخاذ مواقفَ مواليةٍ للصهيونية، ومنحت الوكالةُ اللجنةَ حينها 150 جنيه فلسطينيّاً لتمكينها من القيام بمهماتِها. اجتمع كالفاريسكي أثناء وجوده في بيروت بمُحرِّرِ صحيفة “العهد الجديد” خير الدين الأحدب، الذي أصبح لاحقاً رئيس وزراء لبنان، وطَلَبَ منه نشر مقالات موالية للصهيونيّة في صحيفته. طلب الأحدب مقابل ذلك 400 جنيه فلسطينيّ سنوياً، ونظراً لضخامة المبلغ آنذاك انتهت المساومة إلى الاتفاق على دفع 200 جنيه فلسطينيّ بالأقساط، كل ثلاثة شهور.

وفي مصر، أسّس عميل الوكالة اليهوديّة ناحوم فيلنسكي Nachum Ulanovsky عام 1934 وكالةَ الشرق في القاهرة، ومنذ إنشائها زوّدتها الوكالةُ اليهوديّة بالمواد الدعائيّة الصهيونيّة لنشرِها وتوزيعها. “واستمر نشاطُ وكالة الشرق أعواماً طويلة، زرعت خلالها المعلوماتِ الهادفةَ إلى الإساءة للحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، وإلى إيجاد الصراعات العربيّة – العربيّة وتغذيتها، وإلى غرس أوهام في شأن سعي الصهيونية لتحقيق السلام. وعلاوةً على ذلك، فإن كثيراً من قادة جهاز المخابرات التابع للوكالة اليهوديّة، خلال زياراتهم المتعددة للعواصم العربيّة في تلك الفترة، وفي مقدمتهم إلياهو ساسون وإلياهو أبشتاین، استخدموا صفة مراسلي وكالة الشرق، للتغطية على عملهم التجسسيّ ضدّ العرب”.2

اختراق الوكالة اليهوديّة للكتلة الوطنيّة

عدا عن الاختراق في المجال الصحافيّ، يستعرض الكتابُ الصلاتِ بين الوكالة اليهوديّة وشخصياتٍ بارزةٍ في سورية، بلغ عددها قرابة 16 شخصيّةً حاولت الوكالة اليهودية استقطابها للعمل معها، ونجحت في عقد اجتماعاتٍ دوريّةٍ معهم. إلّا أنَّ 12 من هؤلاء لم يوافقوا على تقديم الخدمات التي طلبتها، وانتهى الأمر عند حدود الاجتماعات فقط، بينما تمكنّت من إسقاط وتجنيد 4 شخصيات، بحسب الكتاب.

وتوزّعت علاقات الوكالة اليهوديّة الوثيقة مع القادة الكلاسيكيين في سورية على طرفي المعارضة والكتلة الوطنية3، فمن أبرز قيادات الكتلة الوطنيّة التي تواصلت معها نجد جميل مردم بك، وشكري القوتلي، وفايز الخوري، ولطفي الحفار أمّا في المعارضة فهناك: نصوح بابيل، ووديع تلحوق، وفريد زين الدين، ومع الدروز سلطان باشا الأطرش ويوسف العيسمي وأسعد كنج.4

ولأنّه من الصعوبة بمكان الحديث عن علاقة هؤلاء جميعاً بالوكالة وتفاصيلها، فإننا سنقصر الحديث على نسيب البكري، الشخصية التي يرى فيها كاتب هذه السطور أنّها كانت الأكثر إفادة للوكالة اليهوديّة، وذلك بحسب ما أظهره الكتاب. يُمثّل البكري نموذجَ الشخصيّة التي سقطت في أحضان الوكالة اليهوديّة، ونفّذت ما تريده الوكالة، وذلك – مرةً أخرى – بحسب أرشيف الوكالة الذي عرضه الكتاب. في المقابل، لم يُقَدِّم الكتابُ ما يُبيّن أنَّ الشخصيات الأخرى قد قامت بالفعل بتنفيذ مطالب الوكالة اليهوديّة، بل يبدو أنَّ الأمر اقتصر على المساومات والحوارات فقط، وهذه إحدى الإشكاليات في الكتاب التي سنتناولها لاحقاً.

نسيب البكري.. عميل برتبة وزير؟

تدّعي الوكالة اليهوديّة في أرشيفها، أنّها قد “أسقطت” نسيب البكري أحد قادة الكتلة الوطنيّة ورئيس فرعها في دمشق في فبراير/شباط 1938، وبعد عامٍ واحدٍ أصبح البكري وزيراً للعدل، كما توّلى وزارتي الزراعة والاقتصاد لاحقاً. خصّصت الوكالة اليهوديّة مبلغ 500 جنيه فلسطينيّ للبكري للقيام بمهامه، كما رأت في منصب أخيهِ مظهر البكري، قائد شرطة دمشق، فرصةً كبرى يمكن الاستفادة منها لتجنيد بعض رجال الشرطة والمخبرين لتقصي نشاطات الثوار الفلسطينيّين في سورية.

وبحسب ما يُبيّنه الكتاب، فإنَّ الوكالة حصلت على الكثير من المعلومات بخصوص الثوار الفلسطينيّين، وحققت عشرات الأهداف لصالحها، بناءً على تقارير نسيب البكري الدوريّة. من ذلك حصولها على معلومات دقيقة عن الثوار الفلسطينييّن، وعن أنصارهم السوريّين، وطرق دخولهم إلى فلسطين، ومصادر السلاح والمدن التي يُشترى منها، وكميّاته ومسارات تهريبه من سورية إلى فلسطين. شمل ذلك مثلاً قائمةً بأسماء 12 ثائراً ينتقلون دوريّاً بين سورية ولبنان وفلسطين للوصل بين قيادات الثورة في دمشق وبيروت، والثوار في فلسطين.5

إضافةً إلى ذلك، يُشير كتاب محارب إلى أنّ تقارير البكري وفّرت معلوماتٍ هامّة ودقيقة عن قرارات الكتلة الوطنيّة والحكومة السوريّة وسياساتهما، ولا سيما تجاه القضية الفلسطينيّة والثورة في فلسطين، وتجاه الوكالة اليهودية والمشروع الصهيونيّ. شمل ذلك مثلاً قائمةً بأسماء تسعة من كبار القادة والموظفين السوريّين الذين يدعمون الثورة في فلسطين، ويساعدون في نقل الثوار والسلاح، من بينهم منير الريس وعادل العظمة وفخري البارودي. وقائمة أخرى بأسماء سبعة رجال يديرون الدعاية لمصلحة الفلسطينيين، وقائمة بأسماء 15 شخصيّة قياديّة سوريّة ولبنانيّة تدعم المفتي الحاج أمين الحسيني.6

ورغم الحديث المطول عن البكري في كتاب محارب، إلا أنّ باحثين (مثلاً نشوان الأتاسي7) يستغربون من أن يكون وزيرٌ وقيادي في الكتلة الوطنيّة، وأحد أبناء البرجوازيات السوريّة متورطاً بلعب دور “المخبر” الذي يكتب تقارير الوشاية، فذلك مستغرب كونه لا يتناسب مع موقع الشخصية، ويفتقر إلى توضيح سياق ودوافع التي قد تؤدي بالبكري إلى الموافقة على لعب دور كهذا.

حول الأرشيف وإشكاليات منهجيّة

لا يعد الاعتماد على الأرشيف المؤسساتي إشكاليّاً في البحث وفق المنهج التاريخيّ في العلوم الاجتماعية من حيث الأصل، بل هو المطلوب أصلاً وهو أساس المنهج، ولكن ثمة إشكاليتان منهجيتان في التعامل مع الأرشيف. الأولى: أنَّ الأرشيف لا يمكن الاعتماد عليه كمصدر وحيد للمعلومة، إذ في كثير من الأحيان لا يطابق المكتوب في الأرشيف الوقائع التاريخية الثابتة في مصادر أخرى معتمدة، كشهادات الفاعلين في  المذكرات الشخصية، أو المقالات الصحافيّة والتقارير الحكوميّة والتاريخ الشفوي، أو حتى الأبحاث والكتب الأكاديمية، ولذلك عادةً ما يقوم الباحث الجاد بالاعتماد على أكبر قدرٍ ممكن من هذه المصادر لتشكيل السرديّة التاريخيّة عن المرحلة المدروسة.

ففي هذا الكتاب تكرّرت عبارات مثل: سعت الوكالة لاستخدام الشخص، كانت ترى أن هذا العمل، وجدت أنه من المفيد.. الخ، وهي عبارات تكشف أن الوكالة سجّلت في الأرشيف الكثير من الخطط والمطامح التي تسعى إليها، أكثر مما تكشف عن الوقائع والأحداث التي حصلت بالفعل. وفي كثير من الشخصيات تبدو محتويات الأرشيف حولها تقريراً حول أهمية الشخصية وأسباب استهدافها، ومجرد وجود معلومات وتفاصيل حول شخصية ما واجتماعها بممثلين عن الوكالة، لا يعني بالضرورة أنَّ هذه الشخصية قد خضعت لرغبات الوكالة ونفذّت ما طُلِب منها، فالعديد من السياسيين العرب اجتمعوا بقادة جهاز المخابرات في الوكالة اليهودية ولكنهم لم يقدموا ما تريده الوكالة واستمروا في دعمهم للثوار الفلسطينيين، كشكري القوتلي الذي حاولت الوكالة اغتياله لاحقاً.

والثانية: أن قيمة الأرشيف مرتبطة بمصداقية الجهات التي أنتجت المواد والوثائق المؤرشفة، ومدى مصداقية هذه الجهات، ولذلك فإن من الضروري للباحث أن يُحدِّد موقفه المعرفيّ والأخلاقيّ من المصدر. وهذا يُضاف إلى ما تقوله الباحثة آن لورا ستار في أنَّ الإشكال الأكبر في التعامل مع الأرشيف المؤسساتيّ الاستعماريّ لا يجب النظر إليه كآلية لاستخراج المعرفة، وإنما يجب النظر في آلية إنتاج الأرشيف ذاتهِ كبُنية استعماريّة.

فالباحث هنا اعتمد على الأرشيف الخاص بالوكالة اليهوديّة فقط، ولم يقم بمقارنة الأحداث والوقائع والتفاصيل عن الشخصيات السياسيّة العربيّة في مصادر أخرى، للتأكد من مدى مصداقية المعلومات الواردة فيه، فتعامل مع “أرشيف العدو” بوصفه شاهداً على تلك المرحلة، ولم يتعامل معه برؤيةٍ نقديّة، تسعى للتحقق من صحة “ادعاءات” الذين كتبوا هذا الأرشيف يوماً ما.

عندما يتحدّث الكتابُ عن نسيب البكري بوصفه عميلاً مميّزاً على سبيل المثال، فإنّنا لا نجد أي إشارةٍ إلى علاقات البكري المزعومة مع الوكالة اليهوديّة في أي مصدرٍ عربيّ على الإطلاق. على الجانب الآخر، فبالقدر الذي يبدو فيه الأرشيفُ كاشفاً عن خيانة العديد من السياسيين والصحافيين، فإنَّه يكشف أيضاً عن موقف الشعب السوريّ من الثورة الفلسطينيّة ودعمهم غير المحدود للثوار، ويوضح حجم انزعاج العدو من هذا التلاحم بين شعوب المنطقة، انزعاجاً لا يزال مستمراً منذ انطلاق الثورة الفلسطينية الكبرى حتى يومنا هذا، ولذلك سعت الوكالة وخليفها الكيان الصهيونيّ بكل الطرق والأساليب لكسر هذا التلاحم الشعبيّ بين فلسطين ومحيطها العربيّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى