مقالات

كيف تبني الدول القوة الناعمة بالدبلوماسية الإسلامية؟

سليمان صالح الجزيرة

إن تطوير الدبلوماسية العامة يعتمد على إدارة الأصول الثقافية والمعنوية التي يمكن أن تجذب الشعوب وتؤثر على اتجاهاتها.

ومن المؤكد أن الدين يمكن أن يساهم في بناء القوة الناعمة للدول، ويفتح لها آفاقا جديدة لبناء علاقات طويلة المدى مع الشعوب التي يمكن أن تساهم في تكوين التحالفات بين قطاعات من الدول خلال القرن الـ21.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بحثت أميركا وأوروبا عن العوامل التي يمكن أن تربطها بدول أوروبا الشرقية، فوجدت أن المسيحية هي أهم تلك العوامل التي يمكن أن تشكل مستقبل العلاقات مع تلك الدول وتبني القوة الناعمة لأميركا وأوروبا فيها، لذلك عملت على دفع دول أوروبا الشرقية لتعريف نفسها على أساس المسيحية وأنها جزء من العالم المسيحي.

وتعتبر تلك تجربة مهمة لفهم الإمكانيات التي يمكن أن يوفرها الدين لبناء علاقات الدول الخارجية، وأنه يمكن أن يشكل الأساس للتحالف بين الدول.

التجربة التركية

توضح دراسة الباحث التركي محمت أوزكان أن السياسة الخارجية التركية حتى عام 2000 كانت ذات بعد واحد هو التوجه نحو الغرب على الرغم من الضغوط الشعبية بالانفتاح على أجزاء أخرى من العالم مثل الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.

لذلك، جاء انتخاب حزب العدالة والتنمية عام 2002 ليشكل بداية فترة الانفتاح في السياسة الخارجية التركية على الكثير من المناطق التي تجاهلتها الحكومات السابقة.

ولقد كان علماء السياسة الأتراك يتجاهلون الدبلوماسية الدينية ويقللون من أهميتها، لكن مع انتخاب حزب العدالة والتنمية جاء الوقت الذي يتم التعامل فيه مع الدبلوماسية الدينية كأساس لتشكيل العلاقات مع الشعوب وبناء علاقات تركيا الخارجية.

لكن، ما مكونات الدبلوماسية الدينية في السياسة الخارجية التركية؟ وما دورها في تشكيل الخطاب التركي الموجه للشعوب؟

لقد قاد حزب العدالة والتنمية تحولا فكريا في السياسة الخارجية التركية، فنظرة تركيا للعالم تطورت طبقا لرؤية جيوبولوتيكية، وفهم للعلاقات الدولية.

لقد أصبحت تركيا تنظر للمنطقة التي تعيش فيها، لذلك عملت على تطوير علاقاتها مع أفريقيا والبلقان وآسيا وأميركا اللاتينية، حيث تم النظر إلى دول المنطقة كشركاء محتملين يمكن تطوير علاقات سياسية واقتصادية معها، فهناك روابط تاريخية ثقافية تربط تركيا بشعوب هذه الدول، ويمكن أن تصبح الدبلوماسية الدينية (الإسلامية) هي المفتاح لبناء تلك العلاقات.

مركز تركيا في الاقتصاد العالمي

كان هناك عامل آخر ساهم في زيادة اعتماد تركيا على الدبلوماسية الإسلامية لبناء علاقاتها مع شعوب المنطقة وهو طموحها لبناء مركز متميز في الاقتصاد العالمي وبناء دور إقليمي لتركيا، ولتحقيق ذلك كان لا بد أن تقلل من التركيز على علاقاتها مع الدول الغربية لتقوم بصياغة علاقاتها الخارجية طبقا لمنظور جديد يقوم على مشاركة فاعلة لتركيا في المنطقة.

وهذا يعني أن حزب العدالة والتنمية قام بصياغة رؤية قومية تهدف إلى بناء قوة تركيا في كل المجالات، وإدارة حضورها في كل المنظمات العالمية، مثل منظمة التعاون الإسلامي.

لذلك، أعلن وزير الخارجية عبد الله غل عام 2004 قبل انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامي أن تركيا تؤكد على أهمية علاقاتها مع العالم الإسلامي.

لذلك، قدمت تركيا مرشحها أكمل الدين إحسان أوغلو لرئاسة المؤتمر الإسلامي، وبدأت في زيادة فعالية دورها في المؤتمر.

منظمات المجتمع المدني

تطور هذا الدور منذ عام 2004، حيث استخدمت منظمات المجتمع المدني للقيام بدور في بناء علاقاتها مع الشعوب الإسلامية، فقامت رئاسة الشؤون الدينية التركية بتمثيل تركيا في الكثير من المؤتمرات الإسلامية على المستوى العالمي، وتنفيذ الكثير من الأنشطة التي جعلتها فاعلا في الدبلوماسية الإسلامية التركية.

وقد توجهت رئاسة الشؤون الدينية التركية نحو أميركا اللاتينية للاستفادة من الوجود الإسلامي فيها، حيث عقدت عام 2014 مؤتمر قمة للقيادات الإسلامية هناك حضره 71 قائدا إسلاميا من 40 دولة، من أهمها البرازيل والأرجنتين وفنزويلا وكولومبيا.

وكان من أهم أهداف المؤتمر بناء العلاقات وتبادل الخبرات والعمل على حل المشكلات التي تواجه المسلمين في أميركا اللاتينية.

وكان من أهم الموضوعات التي ناقشها المؤتمر مشكلة نقص الدعاة الإسلاميين الذين يتحدثون اللغة الإسبانية.

وطالب القادة المسلمون بإنشاء مواقع إسلامية موثوق بها على شبكة الإنترنت يمكن أن تكون مصدرا للمعرفة.

ويأتي اختيار أميركا اللاتينية ليوضح أن رؤية تركيا لتوسيع نطاق دبلوماسيتها الإسلامية تتميز بالذكاء ودراسة الواقع، فهناك إمكانيات كبيرة لانتشار الإسلام في أميركا اللاتينية التي تطمح دولها لبناء علاقات طويلة المدى مع الدول الإسلامية تتيح لها إمكانيات التبادل الاقتصادي على أسس متكافئة تقوم على الاحترام المتبادل، خاصة أن دول أميركا اللاتينية تعاني من محاولات أميركا المستمرة للسيطرة عليها والتحكم في اقتصادها.

ولذلك، فإن دول أميركا اللاتينية يمكن أن تفتح المجال للإسلام، ويمكن أن يقوم المسلمون فيها بدور مهم في الدبلوماسية الإسلامية وبناء القوة الناعمة لتركيا وللإسلام.

ومن الواضح أن تركيا قد أدركت ذلك، فأعلنت عام 2006 “عام أميركا اللاتينية”، ووضع صناع السياسة الخارجية التركية أهمية كبيرة للعلاقات مع دولها.

وكان من الواضح أيضا أن حكومة الرئيس محمد مرسي في مصر عملت على تطوير السياسة الخارجية المصرية لزيادة العلاقات مع دول أميركا اللاتينية.

التبادل الطلابي

وقد فتحت تركيا المجال لاستقبال الطلاب من أميركا اللاتينية للدراسة في تركيا، وقدمت لهم الكثير من المنح.

ويلاحظ أن الإسلام هو أكثر الديانات انتشارا في دول أميركا اللاتينية، وهناك الكثير من الأدلة التي تشير إلى تزايد اهتمام الشباب في دولها بدراسة الإسلام.

لذلك، فإنه على الرغم من أهمية الدعم المقدم من تركيا للمنظمات الإسلامية في دول أميركا اللاتينية فإنه ليس كافيا، ويجب أن تطور الدول الإسلامية برامجها في مجال الدبلوماسية الإسلامية هناك.

بناء علاقات تركيا بأفريقيا

من الواضح أن تركيا قد درست واقع أفريقيا بعمق، واكتشفت أهمية استخدام الدبلوماسية الإسلامية مع الشعوب الأفريقية، حيث توجد روابط تاريخية ثقافية يمكن أن تساهم في زيادة القوة الناعمة التركية، فالدين -كما يقول محمت أوزكان- قوة مؤثرة وشرعية، وهو أحد أركان القوة الناعمة في أفريقيا.

وقد اهتمت رئاسة الشؤون الدينية التركية باستضافة القيادات الإسلامية الأفريقية في تركيا، وعقدت اجتماعات معهم، كان من أهمها مؤتمر القيادات الإسلامية لدول القارة الأفريقية 2006 و2011، بالإضافة إلى القيام بالكثير من الأنشطة التي تستهدف بناء القوة الناعمة التركية.

وقد عبر القادة المسلمون في أفريقيا عن تطلع شعوبهم لقيام تركيا بدور في تطوير التعليم الإسلامي في دول القارة.

كما قامت تركيا ببناء المساجد في الكثير من الدول الأفريقية، وأدى ذلك إلى تذكر الشعوب الأفريقية أمجاد الدولة العثمانية، وتطلعهم لقيام تركيا بدور في تحسين مستوى التعليم، وزيادة حب الشعوب الأفريقية لتركيا وإعجابهم بها.

لذلك، تفتح التركية آفاقا جديدة لتطوير علم الدبلوماسية الإسلامية ليشكل أساسا لبناء القوة الناعمة للإسلام في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى