القضية الفلسطينيةدراسات

قراءة في رؤية حركة حماس المستقبلية للنهوض بالمشروع الوطني الفلسطيني

وائل المبحوح مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

تمهيد:

يعاني المشروع الوطني الفلسطيني حالة من الانسداد وفقدان الاتجاه، انعكست بشكل سلبي واسع على قدرته على العمل، وعلى قدرته على الاستفادة من الفرص المتاحة، وعلى قدرته على الاستفادة من الإمكانات الهائلة المذخورة في الشعب الفلسطيني وفي الأمة العربية والإسلامية.

يبدو واضحاً أن هناك انسداداً في مسار التسوية السلمية الذي تبنّته منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) وقيادة السلطة الفلسطينية في رام الله وحركة فتح، وهناك أزمةٌ يعاني منها مسار المقاومة المسلحة الذي تبنته حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، وهناك تعثرٌ واضحٌ في مسار المصالحة الفلسطينية؛ الذي ما يزال يراوح مكانه، بل ويزداد تأزماً، خصوصاً مع كل انفراجة تلوح في الأفق، ثم يعود منتكساً مرة أخرى.

قد يبدو الأمر مثيراً للسخرية أحياناً ونحن نتحدث عن مشروع وطني تشوبه كل هذه العثرات والأزمات، حتى بات البعض يتساءل: هل هناك مشروع وطني فلسطيني حقاً؟ وإن كان هناك من مشروع وطني، فما محدداته وأركانه وثوابته الوطنية التي لا يمكن تجاوزها؟ وهل يمكن أن يكون التنازل عن معظم فلسطين للاحتلال عملاً وطنياً، أو جزءاً من برنامج وطني؟

يشير محسن محمد صالح إلى أن هناك بعداً تاريخياً لأزمة المشروع الوطني الفلسطيني، إذ تكرست من خلال العلاقات الفصائلية وخصوصاً بين فتح وحماس، وطوال أكثر من ربع قرن، أزمة كبيرة في الثقة. فمن لغة الاتهام القاسية بين الطرفين بالفشل والعمالة، إلى حملات المطاردة الأمنية والاعتقالات والإقصاء التي قامت بها السلطة بقيادة فتح خلال الفترة من 1994-2000، في مقابل عمليات المقاومة التي كانت تقوم بها حماس وفصائل المقاومة، والتي كانت ترى فيها فتح تعطيلاً وإفشالاً لمسار التسوية المؤدي لتحقيق حلم الدولة الفلسطينية؛ إلى محاولات الإفشال والإسقاط والتعطيل ونزع الصلاحيات التي قامت بها قيادة فتح في مواجهة المجلس التشريعي الذي فازت حماس بأغلبيته الساحقة، وفي مواجهة الحكومة التي شكلتها حماس، إلى حالة الانقسام التي نتجت عن سيطرة حماس على قطاع غزة وسيطرة فتح على الضفة الغربية، إلى الإجراءات الأمنية المتبادلة التي قام بها الطرفان لضمان سيطرتهما، مع بلوغ التنسيق الأمني بين السلطة في رام الله وبين الطرف الإسرائيلي والأمريكي حدوداً قصوى، في السعي لاجتثاث العمل المقاوم، وتفكيك البنية التنظيمية لتيار “الإسلام السياسي” في الضفة. كما كان للفلتان الأمني وسيل الدماء بين الطرفين أثره في تعزيز انعدام الثقة بين الطرفين.[2]

عقد مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ببيروت مساء الأربعاء 3/11/2021، ندوة عن بعد، استضاف فيها، الأستاذ إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، حيث ألقى ورقة بعنوان: “رؤية حركة حماس المستقبلية للنهوض بالمشروع الوطني الفلسطيني“، حيث استعرض هنية خلال الندوة الوضع الفلسطيني العام، والعقبات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني، متحدثاً عن أربعة متغيرات كان لها تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على طبيعة الصراع والاحتلال وتموضع مشروع المقاومة. هذه المتغيرات هي ربما ما دفع حركة حماس للتقدم بهذه الرؤية الجديدة التي تضاف إلى أدبياتها الرسمية القديمة، وتحديداً ميثاقها الأول سنة 1988، ووثيقتها السياسية سنة 2017. وهذه المتغيرات هي:

1. إلغاء الانتخابات الفلسطينية 2021، والرئاسية والمجلس الوطني الفلسطيني الذي توافقنا عليه، بعد أن كنّا على مسافة قصيرة جداً من صناديق الاقتراع، والدخول في خريطة طريق لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وبناء النظام السياسي من جديد. ما شكّل مأزقاً وطنياً حقيقياً وأعادنا إلى المربع الأول، مع التأكيد أنه لا أحد في الساحة الفلسطينية يوافق على إجراء الانتخابات دون القدس، ولكن كنّا نؤكد دائماً أن إجراء الانتخابات في القدس معركة وطنية يجب أن نخوضها معاً، وأن نفرض فيها إرادتنا كفلسطينيين، ولدينا الكثير من الوسائل والطرق التي يمكن أن نقوم بها في هذا الموضوع.

2. معركة سيف القدس، حيث شكّلت تحولاً مهماً جداً في مسار الصراع مع الاحتلال الصهيوني، وكشفت عن نتائج غاية في الأهمية، وفتحت قوساً واسعاً على أفقٍ رحبٍ لشعبنا، ولأمتنا، ولكل أحرار العالم، فقد أكدت المعركة وحدة الوطن الفلسطيني على مستوى الجغرافيا من رفح حتى رأس الناقورة، ووحدة الشعب الفلسطيني على مستوى الفعل، وعلى قدرة المقاومة في ضرب نظرية الردع الإسرائيلية، كما أكدت أن القدس هي محور الصراع، وأعادت الاعتبار لقضية فلسطين في بُعدها العربي والإسلامي، وحتى العالمي، بعد السنوات العشر الماضية التي تراجعت فيها القضية في سُلّم أولويات شعوب المنطقة بسبب الانشغال في الصراعات التي اندلعت في الإقليم.

3. الانسحاب الأمريكي من أفغانستان 2021، وعلى الرغم من أن أفغانستان بعيدة عن فلسطين في الجغرافيا، إلا أن قرار الانسحاب له تأثيراته على المنطقة وعلى القضية، وعلى الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، فأمريكا دخلت قبل عشرين عاماً إلى المنطقة عسكرياً من بوابة أفغانستان، وبدأت بالخروج من المنطقة والانحسار عسكرياً أيضاً من أفغانستان، وهذا الانسحاب كما تراه “حماس” قد يعقبه انسحابات أخرى خصوصاً من العراق أو شمال سورية، ولا شكّ بأن نتائج هذا الانحسار ستؤدي إلى تأثير واضح على حلفاء أمريكا في المنطقة، وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني.

4. اتفاقيات التطبيع العربي الإسرائيلي، محاولات الاختراق الصهيوني للمنطقة عبر بوابة التطبيع مع بعض الحكومات العربية، تنفيذاً لصفقة القرن، ولمشاريع ما يسمى “السلام” الإقليمي أو “السلام” الاقتصادي، وما يتبع ذلك من محاولات بناء تحالفات عسكرية وأمنية في المنطقة تتسيّد فيها “إسرائيل” بحكم تفوقها العسكري والأمني والاقتصادي.

هذه المتغيرات؛ الداخلية والخارجية، ترى حماس أنها يمكن أن تؤثر في الحالة الفلسطينية بشكل أو بآخر، خصوصاً في ظلّ حديثها المتكرر عن أن ما قبل سيف القدس ليس كما بعدها؛ في إشارة إلى زيادةٍ في قوة الحركة، وصلابة مواقفها بعد تلك المعركة. كما إن إلغاء الانتخابات التشريعية الثالثة سنة 2021، حال دون تجديد الشرعيات الفلسطينية، بما فيها شرعية حماس؛ ما أثار حفيظة الفصائل الفلسطينية، والقوائم المسجلة لخوض الانتخابات، ولكن مع الأسف، دون ردة فعل حقيقية على أرض الواقع، وهو تكرار لحالة الحياد السلبي التي تحدُّث في كل مرة يخالف فيها محمود عباس وقيادة السلطة الاتفاقيات الفلسطينية الفلسطينية الموقّعة. إضافة إلى أن اتفاقيات التطبيع العربية الجديدة توحي بانشغال العرب عن القضية الفلسطينية، إن لم يكن التحلل من الولاء لها والعمل من أجلها. ويشير الانسحاب الأمريكي من أفغانستان إلى بداية انحسار المشروع الأمريكي في المنطقة، خصوصاً وقد سبق ذلك انسحاب آخر من العراق ومن الصومال، وهو ما دفع الحركة إلى المبادرة بتقديم هذه الرؤية في هذا التوقيت بالذات، بغضّ النظر عن مقدرة الحركة على تنفيذ هذه الرؤية لاعتبارات لا تتعلق بها نفسها.

هذه المبادرة وفي هذا التوقيت بالذات، ربما تأتي استشعاراً بخطورة المرحلة التي تمرّ بها القضية الفلسطينية أمام انسداد الأفق السياسي، واستمرار حالة الانقسام الفلسطيني، وإفشال مسار الانتخابات مؤخراً، وتصاعد وتيرة الاستيطان؛ على أمل تحريك المياه الراكدة تجاه القضايا الداخلية الفلسطينية.

بهذا الخصوص ترى لمى خاطر، أنّ:

النهوض بالمشروع الفلسطيني يلزمه ابتكار أدوات عمل تفكك الجمود، أو تستجلب تغييراً يعين على تجاوز المشكلات المزمنة، التي لا يحلّها انتظار يقظة ذاتية للعابثين والمفسدين والمتنفذين، وقد لا يكون الحلّ في وضع تصورات مثالية لحالة إجماع وشراكة غير قابلة للتحقق، إنما بالمضي بالمشروع المجدي ومحلّ التأييد فلسطينياً، واستثمار الطاقات كلها في كسر طوق التحديات وتجاوز المسارات العقيمة، وليس التعايش معها، وصولاً إلى صياغة ملامح مرحلة مختلفة، بأثر الفعل المجدي والمباشر، الذي تصبّ نتائجه مباشرة في مسار النهوض والتحرر.[3]

وجدير بالذكر هنا، أن هذه ليست المرة الأولى التي تناقش فيها حركة حماس أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، فقد سبق ذلك، وتحديداً في حزيران/ يونيو 2012، إذ عرضت رؤية حماس بالخصوص ضمن ورشة عمل نظمها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ببيروت وقدمها أ. أسامة حمدان؛ مسؤول العلاقات الدولية بالحركة وممثلها سابقاً في لبنان وإيران. بدأها بتوصيف وتعريف المشروع الوطني الفلسطيني، ثم لخص حينها أسباب أزمة المشروع الوطني الفلسطيني بما يلي:[4]

1. غياب المرجعية الوطنية الموحدة.

2. الأداء التكتيكي بدل الاستراتيجي.

3. إخضاع الواقع الوطني للإرادة الإسرائيلية، وفيه:

أ. التأثير على القرار الإداري.

ب. إمكانات البقاء.

ج. الأمن.

د. الاختلاف في تعريف المشروع الوطني الفلسطيني.

ثم تحدّث عن أولويات المشروع الوطني الفلسطيني، وعن المقاومة والتسوية، وتفعيل وتقويم منظمة التحرير الفلسطينية، وأخيراً تحدّث عن البدائل المتوقعة وذكرها كما يلي:

1. تقويم السلطة ومحاولة جعلها رافعة وطنية.

2. تطوير آليات صناعة القرار الوطني الفلسطيني، وتقليل تأثيرات السياسة الدولية السلبية عليها.
3. الاستفادة من التحولات الجارية في المنطقة.

وخلص أسامة حمدان يومها إلى أن المشهد المنظور في الواقع الفلسطيني يضعنا أمام خيارين:

1. إعادة بناء الواقع الفلسطيني على قاعدة مشروع التحرير والعودة، وهذا الذي سيُخرج القضية من مأزقها.

2. الاستمرار في التجاذب الداخلي، وهذا يعني مزيداً من الخسائر.

في هذه الورقة، يحاول الباحث تحليل الرؤية التي قدمها رئيس الحركة للنهوض بالمشروع الوطني الفلسطيني، مستعيناً بالنص الحرفي للرؤية، ما أمكن، كما ورد على لسان رئيس حركة حماس في الكثير من المواطن.

وقد حدّد هنية الرؤية بأربعة محاور جاءت كما يلي:

المحور الأول: رؤية الحركة وتوصيفها العام للواقع والمرحلة التي يمرّ بها المشروع الوطني، شعباً وقضية، من خلال عدة أبعاد وهي:

1. البعد الأول: قضيتنا هي قضية إسلامية، وذات ارتباطات بنصوص قرآنية وأحاديث نبوية، وهي حاضنة للمسجد الأقصى ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه إلى السماء، فالقدس بوابة السماء، فتحها عمر رضي الله عنه وحررها صلاح الدين، وتخضبت بدماء الصحابة والتابعين، واحتضنت رفات القادة المجاهدين والمؤسسين لحركات الجهاد والمقاومة على مدار الصراع المفتوح مع المشروع الصهيوني. وبالتالي، هي قضية مقدسة لا تخضع ثوابتها وهويتها الإسلامية للمتغيرات، ولذلك تتحرك حماس وتتعامل مع المتغيرات والتحديات والفرص؛ انطلاقاً من أساس رؤية ثابتة واضحة وجوهرية.

2. البعد الثاني: قضية فلسطين هي قضية وطنية وقضية عربية أيضاً، بالإضافة إلى كونها قضية إنسانية، وتتكامل فيها الدوائر الوطنية والعربية والإسلامية والإنسانية، وتنسجم وتتفاعل في مشروع التحرير والعودة دونما تعارض. إن مستوى الصراع مع العدو الصهيوني هو من التعقيد والتداخل بحيث لا يستطيع فصيل لوحده أن يحسم هذا الصراع، سواءً كان حركة فتح أم حماس أم غيرهما من الفصائل. وإذا قلنا إن طبيعة الصراع مع الاحتلال صراع حضاري، كون الكيان الفلسطيني يمثّل رأس الحربة للمشروع الغربي في المنطقة، فإن الفصائل الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية تشكّل رأس الحربة للأمة وأحرار العالم.

3. البعد الثالث: نحن في مرحلة تحرر وطني، ولسنا في مرحلة دولة، أو بناء الدولة، ولا حتى بناء سلطة بالمعنى المتكامل تحت الاحتلال؛ فالشعب الفلسطيني ما زال في مرحلة التحرر من الاحتلال، ويسعى إلى إنجاز أهدافه بالحرية والعودة والاستقلال. أي توصيف خارج عن هذا المعنى؛ يُدخلنا وقد أدخلنا في اضطرابات سياسية لها أول وليس لها آخر، لأن البعض اعتقد بأننا ندخل اليوم مرحلة بناء سلطة على طريق دولة فلسطينية، أو دولة تحت الاحتلال، أو سلطة تحت الاحتلال، فاضطربت المفاهيم والبرامج والأهداف، وانعكست بشكل أو بآخر على أدائنا السياسي والميداني.

4. البعد الرابع: أن تناقضنا الرئيس، كشعب فلسطيني، هو مع الاحتلال الصهيوني، وهذا موضوع في غاية الأهمية؛ فلسطينياً، وعلى مستوى الأمة، فنحن الفلسطينيون وإن اختلفنا، أو تعارضنا في البرامج، والوسائل، وكيفية التعاطي مع المستجدات، والمتغيرات، فإن حماس كانت، وما زالت، تنظر إلى أن الخلافات الداخلية الفلسطينية لا تعيد بناء معسكر الأعداء أو الأصدقاء، فليس لنا إلا عدو واحد هو الاحتلال الذي يريد أن يزهق روح الهوية الفلسطينية، فنحن الفلسطينيون شعب واحد على الرغم من الخلافات السياسية.

5. البعد الخامس: مبدأ الشراكة في بناء المؤسسات؛ القيادية التمثيلية للشعب الفلسطيني، أو الشراكة في الحكم داخل مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، يجب أن يكون مبدأً ثابتاً وراسخاً عند الجميع؛ فقانون الطرد لا يصلح أن يكون قانوناً يحتكم إليه الوطنيون، خصوصاً في مراحل التحرر الوطني، فمراحل التحرر الوطني لها قواعدها؛ بأن كل من يعمل من أجل الإسناد والتحرير؛ فصائل أو شخصيات أو مؤسسات أو قوى أو مستقلين، هو مهم في معادلة ميزان القوة الفلسطينية لمواجهة الاحتلال الصهيوني.

6. البعد السادس: القضية الفلسطينية بحكم الدوائر المتداخلة فيها تؤثر وتتأثر بالإقليم ومن الإقليم، وبالمجتمع الدولي ومن المجتمع الدولي، خصوصاً أن هذه القضية ذات أبعاد إقليمية ودولية، بل إن القرارات التي شكلت أساس المشروع الصهيوني في المنطقة هي قرارات دولية—إشارة إلى وعد بلفور 1917، وقرار التقسيم 181 في 1947—لذلك لا نستطيع ونحن نسعى إلى النهوض في المشروع الوطني أن نغفل هذا البعد، فنحن لسنا في جزيرة معزولة عن الواقع الإقليمي والدولي.

ويرى هنية في رؤية حركته:

أنه من أجل ذلك لا نستطيع، ونحن نبني المشروع الوطني، أو نحاول أن ننهض به، أن نغفل هذه الأبعاد، فلسنا جزيرة معزولة عن واقعنا الإقليمي والدولي، والسؤال المهم: كيف يمكن أن نبني معادلات إيجابية في بعدنا الإقليمي والدولي، وألا يكون ذلك على حساب ثوابتنا الوطنية الفلسطينية. ويؤكد أن هذه الأبعاد في توصيف الواقع والمرحلة تتطلب القول بكل وضوح أن شعباً تحت الاحتلال لا بدّ أن يعتمد استراتيجية المقاومة من أجل التحرير. كما أن الفارق بين التجربة الفلسطينية وأي تجربة أخرى مثل الهند أو جنوب إفريقيا اللتين اعتمدتا المقاومة السلمية من أجل الخلاص، أن الاحتلال الصهيوني هو احتلال إحلالي استيطاني يعتمد مقولة، شعب بلا أرض لأرض بلا شعب، ويعتمد فكرة يهودية الدولة بمعناها القانوني، وأنها دولة لكل اليهود.

يمكن القول هنا، إن حماس في توصيفها للحالة الفلسطينية الحالية، استندت إلى إرثها التاريخي بالخصوص، ويلاحظ أن حركة حماس تعيد ترتيب أفكارها بما كان حاضراً قبل كانون الثاني/ يناير 2006؛ أي قبل خوضها غمار الانتخابات التشريعية الثانية؛ التي فازت بها بأغلبية شبه مطلقة من عدد المقاعد، فهي تتحدث الآن عن وظيفة السلطة لخدمة الاحتلال، وتؤكد أننا ما زلنا نحن الفلسطينيون نعيش مرحلة التحرر الوطني، ولا معنى لوجود السلطة؛ حتى لا ندخل في اضطراب المفاهيم، ومتاهات اللعبة السياسية، ويُفتح المجال من جديد أمام مشروع المقاومة الشاملة.

والسؤال هنا: هل باتت حماس تفكر في مسألة حلّ السلطة، أو على الأصح، هل ستتعاطى مع هذا الأمر إن حدث بشكل إيجابي، استناداً إلى وظيفة السلطة التي باتت عبئاً على المشروع الوطني الفلسطيني كما تراه حماس؟ ولن تعارض ذلك.

تعترف حماس هنا بالخلافات الفلسطينية – الفلسطينية، وأنها كانت، وما زالت تشكل عقبة في طريق الوحدة الوطنية، كما تقرّ حماس هنا بوجود أخطاء لها، ولغيرها، في التعامل مع هذا الملف، لكنها تؤكد أنّه مهما بلغت حدّة الخلافات بين الأطراف الفلسطينية، حتى لو بلغت حدّ الاشتباك المسلح، كما حدث في حزيران/ يونيو 2007، فإن هذا لا يصل بنا إلى حدّ الكراهية، وإنّ التناقض الوحيد لنا نحن الفلسطينيون، يجب أن يكون مع الاحتلال، وليس سوى الاحتلال. كما تشير حماس إلى أن الخلافات الفلسطينية – الفلسطينية، ليست وليدة دخول حماس المعترك السياسي، ودخولها القوي إلى النظام السياسي الفلسطيني، ممثلاً بالسلطة الفلسطينية، بل هو خلاف قديم نشأ من بداية العمل الوطني الفلسطيني.

السؤال المهم هنا: هل تتفق رؤية الفصائل الأخرى، وخصوصاً حركة فتح مع هذه الرؤية؛ في أن التناقض الوحيد يجب أن يكون مع الاحتلال؟ أم أن هناك زاوية أخرى للنظر من جانب فلسطينيين آخرين، ترى في حركة حماس برنامجاً مناقضاً تماماً لها، وأن عناصر الالتقاء والاتفاق مع الاحتلال أكثر بكثير منها مع حركة حماس؟

في المجمل، فإن الإبقاء على الحالة الفلسطينية في بعدها الإقليمي؛ العربي والإسلامي، وفي بعدها الدولي، يرفع الحرج عن الشعب الفلسطيني ولا يحمله عبء التحرير وحده، ويُبقي على ارتباط العرب والمسلمين بالقدس وبالقضية الفلسطينية، حتى ولو مرّت القضية ومشروعها الوطني ببعض المعيقات والعراقيل التي تظهر بين الفينة والأخرى، خصوصاً في ظلّ سباق التطبيع العربي، الذي يُعدُّ مدعاة لليأس من إنجاز مشروع نهضوي عربي يعمل على تحرير فلسطين. ذلك أن الحديث عن أهلية الفلسطينيين وحدهم لتحرير فلسطين وبناء الدولة الفلسطينية في هذا التوقيت، ربما يوهم بأنهم يعفون العرب، الذين احتلت فلسطين وأعلن قيام “دولة إسرائيل” بعد هزيمة جيوشهم في حرب 1948، والمسلمين، من تبعات التحرير، والاكتفاء بدعمٍ معنويٍّ أو ماديٍّ هنا أو هناك، بل إنه ربما يفتح المجال أمام الدول العربية والإسلامية؛ لبناء علاقات سياسية، وتجارية مع الاحتلال؛ تحت ذريعة التخفيف عن الفلسطينيين ومساعدتهم، وأنه يصبّ في صالح الحلول المطروحة للقضية الفلسطينية. وهو في الوقت نفسه يتعارض بالكلية مع الحديث عن الدوائر الثلاث التي تحدث عنها ميثاق الحركة سنة 1988، الذي جاء فيه في المادة الرابعة عشر:

قضية تحرير فلسطين تتعلق بدوائر ثلاث، الدائرة الفلسطينية، والدائرة العربية، والدائرة الإسلامية، وكل دائرة من هذه الدوائر الثلاث لها دورها في الصراع مع الصهيونية، وعليها واجبات، وإنه لمن الخطأ الفادح، والجهل الفاضح، إهمال أي دائرة من هذه الدوائر، ففلسطين أرض إسلامية، بها أولى القِبْلتين وثالث الحرمين الشريفين، مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولمّا كان الأمر كذلك، فتحريرها فرض عين على كل مسلم حيثما كان، وعلى هذا الأساس يجب أن ينظر إلى القضية، ويجب أن يدرك ذلك كل مسلم. ويوم تعالج القضية على هذا الأساس الذي تعبأ فيه إمكانات الدوائر الثلاث، فإن الأوضاع الحالية ستتغير، ويقترب يوم التحرير.[5]

لا يمكن بحال أيضاً إغفال دور المقاومة الفلسطينية وصمود الشعب الفلسطيني على أرضه، ومواجهته للاحتلال بكل السبل، فهي كما يرى محسن صالح:

ركنٌ أصيلٌ في مشروع تحرير فلسطين من نهرها إلى بحرها. كما إن تحرير أيّ جزءٍ من فلسطين نتيجة ضربات المقاومة؛ هو خطوةٌ مهمّةٌ باتجاه تحرير كل فلسطين، والتأسيس لمشروع المقاومة على الأرض المحررة. وهذه المقاومة، وهذا الصمود، يشكّلان حائط صدٍّ في وجه المشروع الصهيوني، وخطَّ الدفاع الأول عن الأمة، ورأسَ حربةٍ في مواجهته، وأداةً قويةً في اهتزاز أمنه وضرب اقتصاده، ونزع “شرعيته”.[6] لكن هذا لا يعني أن نلغي المسار الحيوي للبيئة الاستراتيجية المحيطة عندما يتعلق الأمر بالتحرير الكامل لفلسطين، فإنّ إنهاء المشروع الصهيوني والتحرير الكامل لفلسطين، بما في ذلك الأرض المحتلة سنة 1948، التي قام عليها الكيان الإسرائيلي، أمرٌ مرتبطٌ بمعادلة أوسع مبنيةٍ على أساس تحقيق تكافؤٍ أو تفوقٍ استراتيجيٍّ مع الكيان، بحيث ترجح موازين القوى لصالح مشروع التحرير في مقابل المشروع الصهيوني. وعليه فإنّ تحرير فلسطين عمليةٌ متكاملةٌ تتم بالتوازي بين مشروع المقاومة الفلسطيني، والمشروع النهضوي الوحدوي للأمة؛ ولا يلغي أحدهما الآخر، كما لا يحلّ مكانه.[7]

تؤكد رؤية حماس هنا، أنها مع تنفيذ مبدأ الشراكة في المؤسسات القيادية التمثيلية للشعب الفلسطيني؛ منظمة التحرير الفلسطينية، وهو أمر دأبت الحركة على تأكيده منذ تسعينيات القرن العشرين، لكنها في الوقت نفسه، تدرك صعوبة تحقيق ذلك لأسباب متعددة منها: تعنّت الأطراف الأخرى المسيطرة على المنظمة، وصعوبة الاتفاق على آليات لتنفيذ تلك الشراكة، سواء بآلية المشاركة (الانتخابات أو التعيين)، أم كيفية المشاركة ومن يشارك؟ خصوصاً عند الحديث عن تمثيل فلسطينيي الخارج والشتات.

فيما يتعلق بحالة التأثير والتأثر بالإقليم والمجتمع الدولي، التي عرضتها رؤية الحركة، وخصوصاً عند الإشارة إلى القرارات والأحداث الدولية التي أسهمت في إنشاء “إسرائيل”، فهل يفهم من ذلك التفكير في الاستناد إلى القرارات الدولية، والعودة إلى المجتمع الدولي؟، ولو من باب المناورة السياسية، خصوصاً في ظلّ الحديث عن قبول حماس بدولةٍ فلسطينية في حدود سنة 1967، الذي يستند إلى القرارات الدولية، وخاصة قرار 242، وإن كان قبولها مشروطاً بعدم الاعتراف بـ”إسرائيل”.

المحور الثاني: تحديات المشروع الوطني الفلسطيني:

ترى حماس هنا أنه ينبغي إعادة توصيف، وتعريف المشروع الوطني الفلسطيني، على أنه مشروع تحرير، وعودة، ودولة على كامل التراب الوطني الفلسطيني؛ من خلال المقاومة الشاملة، ولم يكن هناك في يوم من الأيام أيّ تعقيدات في تعريف مفهوم المشروع الوطني الفلسطيني، فكلّ الأجيال الفلسطينية، وكلّ القيادات الفلسطينية، والفصائل، والشخصيات، كانت تدرك بكل وضوح طبيعة المشروع الوطني الفلسطيني، فما الذي أدخل هذا المشروع في هذا المأزق الذي هو فيه الآن؟

لا شكّ أن هناك الكثير من العوامل التي أدت إلى هذا المأزق، والكل الفلسطيني يتحمل المسؤولية مع فوارق هنا وهناك. وتلخص الرؤية طبيعة مأزق المشروع الوطني الفلسطيني، بأنه قديم، ويمكن أن يؤرخ له ببدء الحديث عن النقاط العشر سنة 1974، والحديث عن السلطة المقاومة، حيث وضعت اللبنات الأولى للدخول في عالم مختلف في إطار المشروع الوطني، ودخلنا في محطات ومراحل، وكلّ مرحلةٍ سلّمت أختها حتى وصلنا إلى اتفاق أوسلو سنة 1993، ونتج عن ذلك الكثير من التحديات والتراجعات الهائلة والخطيرة، بالرغم من بعض الصفحات المضيئة في الثورة الفلسطينية، مثل الصمود في لبنان، أو الانتفاضة الأولى سنة 1987.

نتج عن كل ذلك مجموعة من التحديات التي شكّلت منسوب التراجع في المشروع الوطني الفلسطيني، وهذه التحديات كما تراها حماس هي:

1. وقوع خلل سياسي كبير على مفهوم المشروع الوطني الفلسطيني؛ فبعد أن كنّا نتحدث عن فلسطين التاريخية، وحقّ العودة، والدولة الفلسطينية على كامل التراب الوطني الفلسطيني، والحقّ في المقاومة والكفاح المسلح. بعد أوسلو اضطربت هذه الأبعاد، فاضطربت الأهداف والوسائل، الدولة والحدود ووظيفة السلطة، ودخلنا في متاهات، وخلل كبير، عانت منه وما زالت تعاني الساحة الفلسطينية. عن أي أهداف نتحدث الآن، ما هي الثوابت الوطنية التي تشكل القاسم المجمع عليه في الداخل والخارج؟ ما مفهومنا للدولة وحدود الدولة؟ ما مفهومنا للتعامل مع هذا الاحتلال؟ هل هذه السلطة على طريق إقامة الدولة، أم أنها تحولت بشكل أو بآخر إلى وظيفة رضِيَ عنها هذا الاحتلال؟ خصوصاً أنها قبلت بمفهوم التعاون الأمني مع المحتل. هذا الخلل، وهذا الاضطراب السياسي انعكس على الأداء، والمجريات، وعلى العلاقات أيضاً، وانعكس على التضامن الخارجي معنا، على قاعدة، نقبل بما يقبل به الفلسطينيون، ولم يكن هذا إلا بعد توقيع أوسلو.

2. تغييب نصف الشعب الفلسطيني عن معادلة ومشروع التحرير والمقاومة، فلسطينيو الخارج، نحن نتحدث الآن، وكأن القضية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ فيما يتعلق بالانتخابات التشريعية والحكومة. بمعنى أن القيادة الفلسطينية الرسمية شطبت الشعب الفلسطيني في الخارج من معادلة مشروع التحرير والمقاومة، وما يترتب عليه من محاولات شطب حقّ العودة.

3. تراجع دور المؤسسة القيادية للشعب الفلسطيني، أي منظمة التحرير الفلسطينية التي اختزلت في السلطة الفلسطينية، وما نتج عن ذلك من ضرب وتبهيت لمنظمة التحرير الفلسطينية التي من المفترض أن تكون الإطار الجامع للكل الفلسطيني.

4. تراجع دور المقاومة كخيار فاعل واستراتيجي في عقل القيادة الفلسطينية، ووضعت الخيارات كلها في سلة واحدة؛ هي سلة المفاوضات، وسلة التسوية، والحديث عن “السلام” كخيار استراتيجي، وهو ما أفقدنا الفرصة في المزاوجة بين العمل السياسي والعمل المقاوم، وأفقدنا أنفسنا أوراق القوة.

5. تراجع حالة التضامن العربي بشكل أو بآخر مع الحالة الفلسطينية، وظهور موجات التطبيع العربية.

يرى الباحث، أنّه ربما هي المرة الأولى التي تستخدم فيها حماس مصطلح “المشروع الوطني الفلسطيني” في أدبياتها الرسمية. ثم إن الحديث عن إعادة تعريف هذا المشروع الوطني الفلسطيني جاء بما يتفق مع إرث حماس التاريخي في فهم معادلة الصراع مع الاحتلال؛ القائمة على المقاومة من أجل تحرير كامل التراب الفلسطيني. كما إن ما طرأ على هذا المشروع من تغيرات في التوصيف أو التنفيذ، وتغييب اللاجئين الفلسطينيين في الخارج عن دورهم في المعادلة، وغياب منظمة التحرير الفلسطينية عن واجهة التمثيل الرسمي والشعبي الفلسطيني لصالح السلطة الفلسطينية، ومغادرة بعض الفصائل الفلسطينية مربع العمل المقاوم؛ مكتفين بإرثهم التاريخي بالخصوص، وتحولهم إلى جمع مغانم وامتيازات السلطة، وحُمى التطبيع العربي التي شهدته سنة 2020، يحتم على الفلسطينيين العمل بشكل جاد من أجل إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، ووضعها من جديد على سلم أولويات العمل العربي والإسلامي، ولكن يبقى الاختلاف على البرنامج الوطني في ظلّ التفاوت الكبير في الأفكار وزاوية النظر لتعريف المشروع الوطني الفلسطيني بعد أوسلو.

يضع هاني المصري ملاحظة حول هذا الأمر بقوله:[8]

أول ملاحظة تتعلق بماهية المشروع الوطني الذي تستهدف حركة حماس النهوض به، هل هو تحرير فلسطين والعودة، وإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية أو غيرها، وكيف تتصور إمكانية حدوث ذلك؟ مرة واحدة، أم على مراحل؟ وهل هدف إقامة الدولة على حدود 1967م، يخدم ذلك أم يتناقض معه، وهل تحقيق هذا المشروع ضمن قدرات الشعب الفلسطيني وحده؟ وما موقع شعبنا في أراضي 1948م، وكذلك اليهود الإسرائيليين في المشروع الذي تطرحه حماس؟ وترجع هذه الملاحظة إلى أن “حماس” لم تول هذا الأمر الأهمية التي يستحقها، وأنا أقدر أن الأخ أبو العبد أولاها أهمية في مداخلته، كما لوحظ أن حماس في الأشهر الأخيرة لم تعدْ تتطرق إلى برنامج إقامة الدولة على حدود 1967م، فهل تخلت عنه الآن، لأن هناك تصريحات من قيادتها تضمنت بأن ما بعد معركة سيف القدس يختلف عما قبلها، وأن المطلوب الانتهاء من الجدال حول برنامج الدولة على حدود 1967م والعودة إلى الأصول؟ وما الموقف من كل ذلك؟

يرى الباحث، أنّ إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني من وجهة نظر حماس استناداً إلى التحرير والمقاومة وبناء الدولة على كامل التراب الفلسطيني، هو أمر غير واقعي الآن، خصوصاً في ظلّ تجاوز بعض الفصائل الفلسطينية المؤثرة لهذا التعريف، والاكتفاء بسياسة الأمر الواقع، والتمسك باتفاقية أوسلو؛ التي أنهت فكرة المقاومة والتحرير، وهو ما معناه، أن هذا الأمر سيعيد الخلاف والجدل بين الفصائل الفلسطينية إلى مربعه الأول، خصوصاً وأن حماس شاركت في الانتخابات التشريعية الثانية استناداً إلى اتفاق أوسلو، و”إن تبرير حماس بأنها دخلت السلطة بعد أن مات أوسلو، أو لم يعد يحكم النظام السياسي، لا يقنع أحداً كما يرى هاني المصري، لأن أوسلو أصبحت تمثل الحد الأقصى، فسقف السلطة انخفض ما بعد اغتيال الشهيد ياسر عرفات عن سقف أوسلو.”[9] كما “إنّ حماس فوّضت اللجنة التنفيذية ورئيسها في التفاوض حسبما جاء في وثيقة الأسرى وبرنامج حكومة الوحدة الوطنية، بل أكثر من ذلك أبدت الحركة استعدادها لاحترام الاتفاقيات، ووفرت شرعيةً لحكومة الوفاق الوطني التي أكدت التزامات المنظمة.”[10] وتبدو صعوبة تحقيق هذا الأمر الآن واضحة، خصوصاً في ظلّ اشتراط رئيس السلطة محمود عباس الدائم؛ ضرورة التزام جميع القوى التي ترغب في المشاركة في حكومة وحدة وطنية جديدة بالشرعية الدولية التي اعترفت بها منظمة التحرير الفلسطينية.

ويرى المصري هنا:

أن خطورة ما سبق أن “حماس” قررت المشاركة في السلطة والمنظمة والانخراط في اللعبة القائمة وفق القواعد القائمة من دون تغييرها، وكأن المشكلة تكمن فقط في اللاعبين، وليس في قواعد اللعبة وأهدافها، على أمل تغييرها من الداخل من دون أن تملك أدوات التغيير، والقدرة على تحقيقه، ما أدى إلى تعايش مع الواقع، وتنازلات لا حصر لها ظهرت في تذبذب مواقف “حماس” ما بين العمل على المشاركة والمغالبة، أي ما بين المحاصصة والتقاسم الثنائي مع حركة فتح بتوقيع الاتفاقات التي تتضمن تفويض الرئيس بالدعوة لعقد اجتماع الإطار القيادي المؤقت، وترؤس حكومة الوحدة الوطنية، وتشكيل حكومة رامي الحمد الله المعترفة بأوسلو، والموافقة على تمكينها، إضافة إلى الاتفاق على تشكيل قائمة مشتركة وأن يكون الرئيس مرشحاً متوافقاً عليه في الانتخابات الرئاسية التي كان متفقاً على إجرائها وفق تفاهمات إسطنبول، وما بين التخوين والمطالبة بالإسقاط والتغيير الشامل، وإيجاد البديل والمرجعية الجديدة المتمثلة بقيادة انتقالية.[11]

هذا يعني، كما أشرنا سابقاً، أنّ مجرد عرض فكرة إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني استناداً إلى رؤية حماس التاريخية بالخصوص، فإن ذلك سيُعدّ تعارضاً بين ما تطرحه حماس كأفكار، وما تطبقه على أرض الواقع. كما إن هذا الأمر في هذا التوقيت، وإن كان يُعيد توجيه بوصلة المشروع الوطني الفلسطيني نحو المقاومة والتحرير، وبناء الدولة المستقلة في حدود فلسطين التاريخية، فإنه أيضاً، يثير حفيظة بعض الدول العربية التي سارت في ركب التطبيع مع الاحتلال، والتي ما زالت تدعم فكرة حلّ الدولتين، وترغب في علاقات متميزة مع “إسرائيل”، وهو ما لا يمكن تنفيذه في ظلّ مشروعٍ مقاومٍ متفقٍ عليه فلسطينياً.

المحور الثالث: عناصر القوة للمشروع الوطني الفلسطيني:

وقد أشارت الرؤية إليها بما يلي:

1. الشعب الفلسطيني، الذي لا يكلّ ولا يملّ من المقاومة والصمود والثبات، والذي يثبت في كل مرة أنه شعب عظيم، ويثبت أنه خزان المقاومة أو حوضها المقدس، لم ينزل عن الجبل ولم يغادر عنصر الاستعداد والجهوزية.

2. الحق الذي يمتلكه، ويعتقده الشعب الفلسطيني، والعدالة التي يناصرها أحرار العالم.

3. الجغرافية السياسية، ففلسطين محتضنة من جغرافية سياسية حاضنة، بالرغم من هبوط وصعود العلاقات مع هذه البيئة الاستراتيجية.

4. المقاومة، بما يمثل القدرة على بناء نظرية الردع. فحينما تملك المقاومة المحاصرة في غزة صواريخ؛ تملك أن تصل إلى كل شبر في مناطق فلسطين المحتلة، علينا أن ندرك هذه القوة، والشعب الفلسطيني كلّه بكافة أشكال مقاومته يثبت نفسه على الخارطة، فنحن هنا نمتلك عناصر قوة كبيرة.

لا يمكن إغفال دور الشعب الفلسطيني؛ بصبره، وثباته، ودعمه اللا محدود لمقاومته، وتطلعه الدائم نحو التحرير والاستقلال، وبناء دولته المستقلة، ولا يمكن أيضاً إنكار الحق الفلسطيني الذي يدافع عنه الشعب الفلسطيني؛ وأنه صاحب الأرض والتاريخ والإرث الحضاري والفكري والثقافي. لكن الجغرافية السياسية والبيئة الإقليمية التي تحيط بفلسطين، وأشارت إليها رؤية حركة حماس، لم تدفع بعدُ بما هو مؤملٌ منها، أو مطلوب؛ للإبقاء على حظوظ الفلسطينيين فيما يرغبون به هم، أو يطلبون تحقيقه، بل إن البيئة التي من المفترض أن تكون حاضنة لمشروع التحرير الفلسطيني، بات جزء منها يسابق نحو الاعتراف بـ”إسرائيل” ويطلب ودّها، ويقيم علاقات ديبلوماسية وتجارية معها بشكل علني، وباتت سهام نقده توجه نحو الفلسطينيين وحدهم دون “إسرائيل”، ويُخشى أن يتحول هذا السلوك إلى سلوك شعبي عربي؛ سيكون له أثر سلبي كبير على الشعب الفلسطيني، الذي كان يستمد قوته، ويحافظ على صموده وثباته؛ بدعمٍ عربيٍّ وإسلاميٍّ كبير.

فيما يتعلق بالمقاومة، وخصوصاً المسلحة منها، فإن هناك تراجعاً كبيراً طرأ على سلوك بعض الفصائل الفلسطينية، وبات خيار “السلام”، وعملية التسوية أمراً استراتيجياً، وخيار التفاوض مع الاحتلال مقدماً على كل نهج آخر. وطرأ تغيير آخر على تعريف المقاومة في حدّ ذاته، ليشمل المقاومة السلمية والشعبية، وحتى المقاطعة للاحتلال. كما إن تصنيف العمل المقاوم يجعله أداةً لا هدفاً في حدّ ذاته.

هنا يبرز تساؤل كما يرى هاني المصري، حول محاولة الجمع ما بين السلطة، والمقاومة المسلحة، في ظلّ المعطيات الراهنة؛ التي جعلت المقاومة تبدو كأنها أداة لخدمة السلطة من أجل رفع الحصار أو تخفيفه، أكثر ما هي استراتيجية للتحرير، لذلك أصبحت التهدئة سياسةً عامةً تتخللها عمليات مقاومة مسلحة متفرقة، أو مواجهات عسكرية مع الاحتلال، كل سنوات عدة، سقفها التهدئة مقابل تخفيف الحصار؟[12] ويضيف المصري قائلاً:

بعد أكثر من 14 عاماً على الانقسام، ألا نحتاج إلى دراسة تجربة الانخراط في سلطة مقيدة بالتزامات مجحفة، والسعي للجمع ما بينها وبين المقاومة المسلحة، من دون – على الأقل – اشتراط تغييرها؟ ألم يكن هذا خاطئاً في المحصلة رغم بعض إنجازاته؟ ألم تقيد سيطرة المقاومة على السلطة في غزة إمكانية المقاومة المسلحة حتى في الضفة، كما يظهر في المعادلة التي يربط بها الاحتلال ما بين التهدئة في الضفة وغزة بتخفيف الحصار، وكما ظهر في شنّ العدوان على قطاع غزة في العام 2014، بعد عملية أسر المستوطنين الثلاثة وقتلهم في الخليل.[13]

ويؤكد المصري:

أن تجربة قطاع غزة تحت سيطرة “حماس” رغم الصمود العظيم والمقاومة الباسلة والشجاعة، وما تحقق من إنجازات، بحاجة إلى تقييم لجهة ضرورة توفر الحكم الرشيد، والشراكة والديمقراطية والانتخابات الدورية المحلية وفي النقابات والجامعات… إلخ، ولجهة العلاقة مع الاحتلال الذي أخذ يحسب ألف حساب لثمن إعادة احتلال قطاع غزة، وهذا دفعه إلى التراجع عن بعض مطالبه من “حماس”، مثل التخلي عن ضرورة الالتزام بشروط اللجنة الرباعية، ونزع سلاح المقاومة وعدم تطويره، والتوقف عن حفر الأنفاق على الحدود، ويتجه للموافقة على عدم الربط بين إعادة الإعمار والتهدئة وصفقة تبادل الأسرى، إلا أن إسرائيل من الجهة الأخرى نجحت في حصار المقاومة وتعطيلها وربطها باحتياجات السلطة في القطاع أكثر من أي شيء آخر، حيث دفعت “حماس” إلى الانهماك في السعي الدائم للتهدئة مقابل تخفيف الحصار، في الوقت الذي حافظت فيه إسرائيل على حصارها للقطاع، والأهم حافظت على الانقسام وعمقته.[14]

المحور الرابع: مقومات المشروع الوطني الفلسطيني، عناصر النهوض:

لا يمكن الحديث عن مبادرة ما للنهوض بالمشروع الوطني الفلسطيني دون الحديث عن مقومات هذا النهوض، وقد أشارت إليها رؤية حركة حماس بمجموعة من العناصر كما يلي:

1. العنصر الأول: إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني؛ بثوابته وأهدافه، باعتباره تحرير وعودة ودولة على كامل التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس، وتحرير الأسرى من سجون العدو. ومن هنا يجب الاتفاق على الأهداف والثوابت، وأن لا تضل البوصلة من جديد.

2. العنصر الثاني: إعادة تشكيل القيادة الوطنية الفلسطينية متمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، على أسس إدارية وسياسية جديدة تكفل مشاركة جميع القوى والفصائل، وتؤمن مشاركة شعبنا الفلسطيني في الداخل والخارج.

3. العنصر الثالث: التأكيد على أن القرار الوطني الفلسطيني، لا يمكن أن يؤخذ تحت الاحتلال عبر اجتماعات هلامية لمؤسسات السلطة أو المنظمة، ولا بدّ من تحرير الإرادة الفلسطينية من قبضة المحتل لضمان القرار الوطني المستقل.

4. العنصر الرابع: الاتفاق على برنامج سياسي للمرحلة الحالية من خلال القواسم المشتركة، وبالعودة إلى الاتفاقيات التي وقعناها، سواءً اتفاقية القاهرة سنة 2011، أم وثيقة الأسرى، أم برنامج حكومة الموقع في مكة؛ بحيث يشكل كل هذا إرثاً سياسياً نستطيع من خلاله أن نتوافق على برنامج سياسي للمرحلة الحالية؛ مع وجوب استناد هذا البرنامج على الثوابت الغير قابلة للتصرف، بحيث يحقق مشاركة الجميع من خلال إطار هذا البرنامج، وأن نُوجد للجميع مكاناً في هذا البرنامج السياسي للمرحلة الحالية.

5. العنصر الخامس: الاتفاق على استراتيجية نضالية كفاحية، وإدارة مشروع المقاومة ضدّ الاحتلال، بما في ذلك المقاومة الشعبية، والمزاوجة بين العمل الديبلوماسي والمقاومة، والاتفاق على إدارة القرار المتعلق بالمقاومة والعمل السياسي.

6. العنصر السادس: إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية ولمشروعنا الوطني الفلسطيني في بُعده الإقليمي عربياً وإسلامياً، باعتبار ذلك هو العمق الاستراتيجي للقضية، والشاهد التاريخي على أحقية شعبنا وأمتنا في أرض فلسطين وقدسها المباركة، وهو المنطلق للتحرير الشامل عبر وحدة الجهات، وامتلاك مقومات النهوض، وانخراط الأمة في المشاركة المباشرة في مشروع التحرير.

7. العنصر السابع: البعد الدولي؛ إذ يجب استثمار البعد الدولي للقضية الفلسطينية في إطاره الإيجابي على المستوى الرسمي والشعبي، وخصوصاً حالة التضامن المتزايدة مع الحق الفلسطيني، وتطوير العلاقات مع مختلف الدول والمؤسسات ذات العلاقة، والعمل على تفعيل الجهود الفاعلة ضدّ الاحتلال، مثل حركات المقاطعة مع الاحتلال، وفعاليات التضامن مع شعبنا، والمؤسسات الحقوقية والإنسانية، وبناء الجسور مع الأحزاب، والشخصيات الدولية الفاعلة لإيصال الصورة الفلسطينية لها على أفضل وجه، ودفعها للتحرك لرفع الظلم التاريخي عن شعبنا الفلسطيني.

إن إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني بحسب رؤية حماس، وإعادة تشكيل القيادة الوطنية الفلسطينية، والاتفاق على برنامج سياسي من خلال القواسم المشتركة، والاتفاق على استراتيجية كفاحية نضالية؛ للمزاوجة بين العمل السياسي والمقاومة، بما يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية ولمشروعها الوطني بأبعاده المتعددة؛ هي في حدّ ذاتها نقاط ضعف ما زالت تربك الحالة الفلسطينية، وتشعل فتيل الخلافات بين الأطراف الفلسطينية المتعددة والمتنوعة؛ وهو ما أدى إلى الانقسام السياسي؛ الذي أنتج أحداث حزيران/ يونيو 2007، وما يزال مستمراً. كما إن حماس ما تزال غير قادرة على اختراق منظمة التحرير الفلسطينية بشكل من الأشكال، مع صعوبة إجراء انتخابات خاصة بالمجلس الوطني الفلسطيني، إضافة إلى طبيعة تشكل الإقليم، الذي وإن عدّته حماس بعداً مهماً في رؤيتها، حاضناً لها بشكل عام، فإنه حقيقة لا يبدو كذلك على الأقل من الجهة الرسمية لدول الإقليم، بعيداً عن المشاعر الشعبية والعواطف التي تحملها تلك الشعوب تجاه فلسطين، لكنها لا تملك من أمرها شيئاً.

الخلاصة:

الرؤية المقدمة هي رؤية عامة وشاملة، حسنة الصياغة، متسلسلة الأفكار بشكل لائق وجميل، تحمل الكثير من الأفكار القديمة الحديثة، لكنها في الوقت ذاته عصيّة على التنفيذ؛ برامج وأنشطةً على أرض الواقع؛ لأنها بكل واقعية؛ مرتبطة بموافقة الآخرين، سواءً على الصعيد المحلي، مثل السلطة وحركة فتح وباقي الفصائل، أم على الصعيدين العربي والدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، والرباعية الدولية بشكل عام.

يمكن القول هنا، أن هذه الرؤية ليست بعيدة تماماً في شكلها العام وفي مواقف الحركة من أزمة المشروع الوطني الفلسطيني عن تلك التي عرضها أسامة حمدان، وأشار إليها الباحث آنفاً، بيد أن عرضها من قبل رئيس الحركة وفي لقاء خاص، وعدّها جزءاً لا يتجزأ من أدبيات الحركة الرسمية هو ما أضفى على هذه الرؤية الجديدة تلك الأهمية وذلك الاهتمام.

يرى الباحث، أن هذه الرؤية من حيث الجوهر والمضمون والمرتكزات التي انطلق من خلالها لم تحمل مواقف جديدة، وإنما جاءت لتأكيد المؤكد تجاه المواقف الثابتة لدى حركة حماس حول كل القضايا الوطنية التي تطرقت إليها في بنودها الخمسة، لكن هذه المرتكزات وعلى مدار السنوات الماضية، وكافة المحطات التي مرّ بها الشعب الفلسطيني لم تجد لها طريقاً للتفعيل الحقيقي.

بينت الرؤية التحديات التي تواجه الحالة الفلسطينية، وعناصر القوة ومقومات النهوض، ولم تغفل الحديث عن بعض القضايا المهمة مثل إعادة تعريف وتوصيف المشروع الوطني الفلسطيني، والحديث عن الحل الاستراتيجي بدلاً عن الحل المرحلي فيما يتعلق بمسألة التحرير، لا سيّما عند الحديث عن مشروع الدولة الفلسطينية. إذ ما زال هناك من يرى أن حركة حماس بقبولها حلّ الدولة الفلسطينية في حدود سنة 1967، ربما تكون تخلّت عن مشروع التحرير لكامل التراب الفلسطيني في الحدود التاريخية، لكن الأمر ليس كذلك كما تراه حماس، وأشار إليه هنية في تعقيباته على المداخلات والأسئلة، فلا تعارض لدى الحركة بين ما هو مرحلي، دولة في حدود سنة 1967، وبين الحل الاستراتيجي، تحرير كامل التراب، طالما أن تلك الموافقة تظلّ مشروطة بعدم الاعتراف بـ”إسرائيل”، أو التنازل عن باقي الأرض الفلسطينية المحتلة.

الأمر هنا ليس مرتبطاً بالتفاؤل والتشاؤم، فهو مرتبط بالعمل الميداني على الأرض، وعمق العلاقات الإقليمية والدولية، إضافة إلى العلاقات البينية الداخلية، والإدارة الصحيحة للملفات كافة على نفس الدرجة من الوعي السياسي والفكر الإداري، والقوة التي تمنحك القدرة على تنفيذ تلك المبادرات أو الرؤى، بعيداً عن مواقف وآراء الفاعلين الآخرين؛ الذين ربما تتعارض أفكارك وأفعالك مع أفكارهم وأفعالهم. وهو ما تشير إليه لمى خاطر بالقول:

وإن كان من المهم دائماً أن تظل لدى الحركات الريادية وذات الفاعلية رؤية واضحة يتعرف عبرها الناس إلى تصوراتها وأدواتها لإدارة المراحل المختلفة بتعقيداتها وتحدياتها، غير أنه في المقابل ينبغي الاقتصاد في تصور إمكانية طرح حلول وتصورات مبتكرة، أو خلق معجزات، أو تحويل مسارات كبرى، في ساحات لا تعدّ هذه الحركات الفاعل الأساسي فيها من ناحية التمكّن والمسؤولية وامتلاك أدوات إدارتها، وأمام إشكالات كبرى نتجت عن سياسات قارفها غيرها، أي خصومها السياسيون، وعن تفرّدهم وهيمنتهم وإصرارهم على إدارة المشهد الفلسطيني وفق منهجية خائبة، ظلّت الأيام والسنوات تثبت عقمها وخطرها على مجمل المشروع الوطني.[15]

وتبقى هناك أسئلة برسم الإجابة:

1. كيف يمكن إسقاط هذه الرؤية على أرض الواقع، في ظلّ كل هذا التعقيد الذي يحيط بالمشهد الفلسطيني، على قاعدة الأسئلة المعلومة دائماً؛ كيف؟ متى؟ من؟

2. إذا لم تنجح حماس، وهو أمر متوقع، في تحقيق هذه الرؤية على أرض الواقع، فما العمل؟ وما البديل الممكن؟

3. هل سينفد صبر حماس، وفصائل المقاومة، والفصائل الوطنية، ومكونات الشعب الفلسطيني من الانتظار على قارعة الطريق حتى تفتح أبواب منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى على جمود الواقع الفلسطيني الراهن؟[16] وتلجأ فيما بعد، تحت ضغط الحاجة، والواقع، وصعوبة الظروف الميدانية والحياتية في قطاع غزة، إلى التفكير في حلول صادمة وخارج الصندوق؛ استناداً إلى ما يسمى في الدراسات المستقبلية بالجهة الخامسة،[17] وخصوصاً فيما يتعلق بحالة قطاع غزة؛ التي باتت أحواله؛ بفعل الحصار، والاعتداءات الصهيونية المتكررة، وسياسات السلطة الفلسطينية تجاهه، وما يمكن تسميته بأخطاء تتعلق بإدارة ملف الحكومة، أكثر صعوبة من ذي قبل؟

يشير الباحث هنا إلى مجموعة من الأمور التي يجب على حركة حماس أن تلتفت إليها وهي تقدم رؤيتها لتطوير المشروع الوطني الفلسطيني، وهي تدخل في باب النصيحة ليس إلا، وهي على النحو التالي:

يرى الباحث، أن على حركة حماس، وهي تتهيأ، كما يشير بعض قادتها وكتابها، لقيادة المشروع الوطني الفلسطيني، بما تحمله من مؤهلات؛ مقاومة قوية، وتأييد شعبي، أن تعيد ترتيب أمورها التنظيمية، بيتها الداخلي، بما يتوافق مع مستجدات ومتطلبات المرحلة القادمة، خصوصاً في حال فشلت محاولات رأب الصدع الفلسطيني – الفلسطيني، إضافة إلى العمل الدؤوب من أجل تقوية علاقاتها الدولية بالمحيط أو المجتمع الدولي؛ خصوصاً في دول أمريكا اللاتينية، وعلى وجه التحديد تلك الدول التي تجاهر بالعداء للمشاريع الأمريكية في العالم.

كما يجب على الحركة؛ مع تزايد عبء تحمل تكلفة إدارة قطاع غزة، وما يترتب على ذلك من أثر على الحاضنة الشعبية في غزة، من العمل على زيادة الضغط على الاحتلال في الضفة الغربية؛ عبر فعاليات وأنشطة تستخدم فيها المقاومة السلمية أحياناً والمقاومة المسلحة أحياناً أخرى؛ لتبقى الضفة حاضرة ميدانياً في ذاكرة العمل المقاوم، ولتكسر حالة الجمود في العمل المقاوم، التي صنعتها الأجهزة الأمنية للسلطة هناك.

كما يجدر بالحركة أن تستفيد من تجارب العدوان السابقة على غزة، بتثبيت قواعد الاشتباك مع الاحتلال، والعمل على تثبيت منجزات تلك الاشتباكات ميدانياً؛ لأن الاحتلال يسعى دائماً إلى إفراغ تلك الاتفاقيات من مضامينها، بحيث تظهر المقاومة وكأنها لم تفعل شيئاً سوى إلحاق الدمار بقطاع غزة وأهله؛ الذين يمثلون الحاضنة الشعبية القوية للمقاومة.

ويجدر بالحركة وهي تسعى لتنفيذ صفقة تبادل أسرى مع الاحتلال أن تستثمر حاجة المحتل إلى تلك الصفقة في تحقيق إنجازات ملموسة على أرض الواقع؛ خصوصاً فيما يتعلق بكسر الحصار عن غزة.

كما يجدر بـحماس أن تفكر في إعادة تأهيل مؤسسات الدولة بشكل رسمي وكامل على قاعدة الحكم الرشيد؛ التشريعي والحكومة والنقابات والبلديات ومجالس واتحادات الطلبة وغيرها، مستعينة بذلك بالقوائم التي ترشحت لانتخابات التشريعي التي كانت مقررة في أيار/ مايو 2021، وألغيت بقرار منفرد من محمود عباس؛ وذلك من أجل إنجاز شراكة سياسية معتبرة تقوم بالمهمات المنوطة بها لإعادة الاعتبار لقطاع غزة على صعيد العمل السياسي والعمل الإداري والتنموي، ولا تنتظر نهاية الحقبة العباسية بالموت أو التغييب.

ويجدر بالحركة أيضاً أن تعيد الاعتبار للجاليات الفلسطينية في كافة دول العالم، وتعمل معها على إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي والذاكرة، وشرح كافة الظروف لمواكني تلك الدول، إضافة إلى تصعيد عمل الحركة في مجال المقاطعة للاحتلال، وتوفير الموازنات اللازمة لدعم حملات المقاطعة للاحتلال، ودعوة كافة أحرار العالم إلى تنفيذ تلك المقاطعة ميدانياً على كافة الصعد وفي جميع المجالات، وتكريم والاحتفاء بكل من يقاطع الاحتلال في أي مجال من مجالات المقاطعة المطلوبة.


[1] أكاديمي فلسطيني، وباحث في الشؤون السياسية، مقيم في غزة.
[2] محسن محمد صالح (محرر)، أزمة المشروع الوطني الفلسطيني والآفاق المحتملة (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2013)، ص 13-14.
[3] لمى خاطر، حول رؤية حماس للنهوض بالمشروع الوطني، موقع فلسطين أون لاين، 8/11/2021، انظر: https://felesteen.news/post/
[4] للاطلاع على الرؤية كاملة انظر: محسن محمد صالح (محرر)، أزمة المشروع الوطني الفلسطيني والآفاق المحتملة، ص 25-34.
[5] ميثاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، موقع الجزيرة.نت، 16/7/2005، انظر: https://www.aljazeera.net/encyclopedia/events/2017/5/2/
[6] محسن محمد صالح، أوهام في العمل الفلسطيني (4)، موقع مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 3/9/2021، انظر: https://www.alzaytouna.net/2021/09/04/
[7] المرجع نفسه.
[8] هاني المصري، ملاحظات على رؤية “حماس” للنهوض بالمشروع الوطني، موقع وكالة معا الإخبارية، 9/11/2021، انظر: https://www.maannews.net/articles/2053596.html
[9] المرجع نفسه.
[10] المرجع نفسه.
[11] المرجع نفسه.
[12] المرجع نفسه.
[13] المرجع نفسه.
[14] المرجع نفسه.
[15] لمى خاطر، حول رؤية حماس للنهوض بالمشروع الوطني، فلسطين أون لاين، 8/11/2021.
[16] أجاب السيد إسماعيل هنية على هذا السؤال بالقول: لا، بكل وضوح، الآن كيف؟، هذا الموضوع يحتاج إلى الحديث بالتفصيل، ولكن نحن لدينا أيضاً المؤهلات، ولدينا الأطر، ولدينا أيضاً الموقف الأخلاقي، والمسؤولية التاريخية التي تتطلب منا ألا نطيل الانتظار طويلاً على قارعة الطريق.
[17] استخدم هذا المصطلح خلال الندوة أ. د وليد عبد الحي، وقد مثّل لذلك بمجموعة من الخيارات والبدائل التي قد تحدث، وتؤدي إلى كوارث حال حدوثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى