دراسات

إعادة تعريف السياسة في الشرق الأوسط القادم

هشام جعفر الجزيرة

إذا كنت ممن يتعاطون السياسة تفكيرا وعملا، فإن العامين الماضيين كانا مزيجًا مجنونًا من السرعة والبطء: فالتفاعل السريع مع الأزمات والاضطرابات المتتالية قد يجعلك تشعر بالجمود في مساراتك عندما يتعلق الأمر بالتخطيط على المدى الطويل.

وبالنظر إلى المستقبل، فإنك تدخل عام 2022 ولا بد أن تضع نصب عينيك الأفق الأطول؛ تريد أن تستجيب للأحداث من حولك مع زيادة التركيز على تحديات المستقبل.

مهمة أي سياسي في منطقتنا الآن هي إدارة التغيير التي تتقاطع مساحاته بين مكونات ثلاثة: الدولة التي يعاد رسم حدودها وأدوارها، والمجتمع الذي يشهد تغيرات عميقة، والتطورات الجيوسياسية التي تتسم بالسيولة، ويضاف إلى الثلاثة: ضرورة إثراء فهمه للعالم من حوله، والطريقة التي يتغير بها، ومكانه فيه.

جدلية الدولة بين القوة والتوحش

ستتواصل محاولات تقويض أو استكمال دور الدول في المنطقة. ومن المرجّح أن يتحقق هذا من خلال الجهود المبذولة لتقليص حجمها وامتيازاتها، من خلال حزم السياسات التي تروج لها المؤسسات المالية الدولية والتي تسير في اتجاه الخصخصة.

استطاعت دول المنطقة أن تثبت أنها أكثر مرونة مما كان متوقعا. وفي المستقبل سيظل التحكم في الدولة هو الأساس، وغالبا الضمانة الوحيدة لبقاء النخبة.

ستواجه دول المنطقة الفجوة القديمة بين القدرة والتوقعات. يتوقع المواطنون من الدولة أن تحميهم وأن توفر لهم -خاصة الشباب- فرصا جديدة وفقا للمقاييس العالمية، ومع ذلك فقد يشعرون أن هدف الدولة الوحيد هو السيطرة عليهم، وقد يؤدي ذلك إلى تنامي الإحباط وتقوية الانقسام بين النخب وبقية الشعب.

قد تستعرض الدول قوتها من خلال القمع والمراقبة، وخصوصا إذا شعرت النخب أنها مهددة وأنها تخشى زوال القوة. ستتعلم الدول المتوحشة باستمرار من بعضها البعض كيفية التغلب على الاستياء الاجتماعي وكبح المعارضة السياسية، وعلى المستوى الإقليمي، قد تسعى نخب الدولة إلى بلوغ أقصى درجات القوة.

قد تعطي الإستراتيجيات التي تعزز توحش الدولة بدلا من قوتها نتائج عكسية، وقد يؤدي تقويض شرعية الدولة إلى تحويلها إلى الفشل أو إلى إخفاق مشروعاتها السياسية، ويمكن أن يتفاقم هذا الوضع بسبب غياب قوى بديلة    ذات وزن، سواء على المستوى المجتمعي أو على المستوى فوق الوطني. كما أن هذا قد يعزز أيضا من مطالب الانفصال بين مكونات الدولة.

تحتاج المناصب القيادية إلى نخب تولي الاهتمام بما يفكر فيه المواطن العادي وما يتوقعه من الدولة. سيوفر وجود دول قوية الفرصة لنوع من الارتباط وتقاسم السلطة مع جهات فاعلة أخرى من المجتمع وقطاع المشروعات الخاصة، تحت اسم المشاركة في المسؤوليات والتعاون في التنمية.

ويمكن ملاحظة اتجاهات مماثلة على امتداد المحور الرأسي من ديناميات المركز- الأطراف، وبشكل أكثر وضوحا بين العاصمة وأكثر المناطق تهميشا في كل بلد؛ مما سيؤدي إلى محاولات ناجحة ومبدعة لتفكيك مركزية القوة حتى تكون الدول أكثر قربا من مواطنيها، ولإطلاق العنان لإمكانياتها الاقتصادية والثقافية.

كانت معظم دول المنطقة قوية من منظور احتكار استخدام الحكومات للعنف وتأمين الحدود. كانت هناك استثناءات قليلة لهذا: لبنان واليمن والصومال والعراق اعتبارًا من عام 2003، وأصبحت تلك المساحات ساحات للتنافس بين المتنافسين الإقليميين، وأضافت انتفاضات عام 2011 عدة دول أخرى إلى تلك القائمة: سوريا وليبيا، بالإضافة إلى نمو الجهات الفاعلة غير الحكومية، وهذا ليس بالأمر الجديد، فقد ظهرت جهات فاعلة غير حكومية تاريخياً في مناطق مثل لبنان والعراق، حيث كانت الدولة ضعيفة.

لذلك أدى النمو في عدد الدول الضعيفة إلى جانب زيادة الفاعلين الإقليميين والدوليين الراغبين في رعايتها، إلى نمو مماثل في الجهات الفاعلة غير الحكومية، ولكن تم تضخيمه بعده وبتأثيره؛ رجحان الجهات الفاعلة غير الحكومية القائمة على سياسات الهوية، حين سيطرت مجموعات على العراق وسوريا ولبنان واليمن، تولي درجات متفاوتة من الأهمية للإسلام السني والشيعي، بينما لا يزال القوميون الأكراد يهيمنون على المناطق الكردية في سوريا والعراق وتركيا.

تجتمع هذه التحولات لتقديم صورة جيوسياسية تبدو مختلفة تمامًا في عشرينيات القرن الحالي عما كانت عليه في بداية العقد الأول قبل الانتفاضات: هناك المزيد من الدول غير المستقرة، والمزيد من الجهات الفاعلة غير الحكومية (المحلية والوطنية وعبر الوطنية) تعمل داخلها، والمزيد من القوى الإقليمية والدولية المستعدة للتدخل، إما من خلال رعاية اللاعبين المحليين أو نشر جيوشهم الخاصة، وهذه التحولات الهيكلية جميعا تجعل من المحتمل أن يتم امتصاص الساحات المستقرة سابقًا.

والخلاصة: أن السياسة تصنع من أسفل، وفي المستوى المحلي، وتحكمها شبكية التفاعلات على المستويات جميعا محلية ووطنية وإقليمية ودولية، وباتت الفواعل غير الحكومية فيها تحتل وزنا كبيرا في مقابل الدولة التي يعاد رسم أدوارها وحجمها الآن وفي المستقبل.

المواطنة الحاضنة للتنوع

ستنتج الاتجاهات المجتمعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من التفاعل المعقد بين المتغيرات الذاتية الجوانية وبين العوامل الخارجية. وسواء تحركت المنطقة أو أجزاء منها بصورة كبيرة نحو الاستقطاب أو نحو التعددية، فإنها ستعتمد بشدة على الخيارات التي ينتجها المجتمع والقيادات السياسية للتعامل مع ذلك.

سيظل الموقف نحو الديني محركا أساسيا للديناميات المجتمعية والسياسية، وسيبقى قضية مثيرة للنزاع بشكل كبير، إلا أن ما يجب أن نشير إليه في هذا الصدد أن التعامل معه يشهد تحولات عميقة خاصة بين الشباب تغذيها أنماط ثقافية ومعرفية جديدة، تقوم على الفردية والنفع والعملية واختفاء المرجعية أو النقطة المركزية…إلخ.

ومن المرجح أن يعمل التفتيت وتحولات المجتمعات من الأيديولوجيا إلى خطاب المعاش -المرتكز على أولوية مستوى حياة الناس- على تشكيل المعسكرين الديني والعلماني، بالإضافة إلى المجتمعات كلها، وقد تؤدي ديناميات التفتيت بالإضافة إلى الانقسام الديني العلماني والانقسام داخل المعسكرين، إلى صراعات أكثر حدة متعلقة بالهويات.

يمكن أن تتعرض المواطنة والالتزام بالتنوع والحقوق الفردية للخطر بسبب تميز الانتماء والولاء للهويات الأساسية، وقد يؤدي الاستغلال السياسي للخطابات الدينية والعلمانية التي استمرت فترات طويلة إلى وقوع المزيد من الصراعات المجتمعية والتنافس من أجل التحكم في قيادة المعسكرين.

التلاعب بالانقسامات المجتمعية سعياً وراء مصالح النظام/ النخبة/ الجماعات؛ ربما يؤدي ذلك بشكل واضح إلى تصاعد الانقسامات الطائفية.

سيستمر إنشاء خطوط الاستبعاد سمة للحكم والحياة السياسية، ومع ذلك لا يزال من غير الواضح أين ستوجد خطوط الاستبعاد هذه؛ بدءًا من الجنسية أو العرق أو الطائفة أو الدين أو الطبقة أو القبيلة أو الانتماء السياسي أو غير ذلك.

يمكن أن تكون الفردية والتنوع بأشكاله كافة أساسا لإعادة استكشاف مفهوم المواطنة الحاضنة للتنوع، باعتباره القوة المحركة الأساسية للتنمية المجتمعية، وسبيلاً غير مباشر في تضميد جروح النزاعات المرتبطة بالهوية، بينما من المرجح أن تواصل الهويات الجماعية وهياكل الاتصالات القيام بدور هائل، إلا أنه قد تقل إمكانياتها المستقطبة داخل المجتمعات المنقسمة، إذا حدث تركيز جديد على الحريات والحقوق الفردية.

يمكن للمجال الديني المتنوع أن يجعل القادة الدينيين عُرضة للمساءلة أمام العوام من المؤمنين. وقد يساهم ذلك في تقليل استغلال الخطاب الديني بشكل كبير، وتدعيم الفصل بين سلطة الدولة والمؤسسات والمنظمات الدينية.

استجابات مرنة للمستقبل

ربما يكون التحدي الأكبر الذي يواجهه أي سياسي في العقود القادمة هو تطوير استجابات مرنة للتغيير في 3 مجالات رئيسية ستشكل طبيعة الحياة السياسية في السنوات القادمة: التركيبة السكانية، والاقتصاد الذي سيتأثر بعوامل مستجدة تغير طبيعته، والجغرافيا السياسية.

وفقا لأحد تقارير اليونيسيف، سيزداد عدد سكان الشرق الأوسط بشكل كبير بحلول عام 2050، من حوالي 500 مليون في عام 2020 إلى 724 مليونًا في 30 عامًا. ضمن هذه الزيادة، هناك تضخم كبير في عدد الشباب الذي يضع مجموعة معينة من الضغوط على الدول.

التحديات التي تواجه بعض الدول أشد من غيرها. تشير تقديرات اليونيسيف إلى أن عدد السكان في مصر سينمو بمقدار 60 مليونًا بحلول عام 2050، بينما سيزداد عدد السكان في العراق بمقدار 45 مليونًا.

وأشارت الغالبية العظمى من الذين تم استطلاع رأيهم في استطلاع عام 2020 لمؤشر الرأي العربي، إلى أن القضايا الاقتصادية كانت أكثر المشاكل إلحاحًا التي يتعين على بلدانهم معالجتها. ويعتقد 91% من المستجيبين أن الفساد موجود في بلدانهم الأصلية، وتشير بعض التقديرات إلى ضياع تريليون دولار بسبب الفساد على مدار الخمسين عاما الماضية. الفساد عامل رئيسي في الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة على مدار العقد الماضي.

التطورات الاقتصادية في المستقبل ستتأثر بعوامل جديدة تتفاعل مع البني القائمة، بما ينتج أنماطًا جديدة في الاقتصاد.

العوامل المستجدة 4، هي:

  • تغير المناخ: فبحلول عام 2050، سيكون تغير المناخ حقيقة عالمية حاسمة، ولكن يختلف تأثيرها من منطقة لأخرى. وستكون دول المنطقة من الأكثر تأثرا: ستكون التأثيرات محسوسة عبر المنطقة على شكل ظواهر جوية قاسية، وموجات من الحرارة والقحط، والتصحر والنقص الحاد في المياه وارتفاع في مستوى البحر. ومن أكثر المناطق عرضة للمخاطر: دلتا النيل، حيث إن ارتفاع مستوى سطح البحر حوالي 50 سم قد يجبر 4 ملايين مصري على استيطان مناطق أخرى. وسيتعين على حكومات ومجتمعات المنطقة أن تتعامل مع ندرة الموارد الطبيعية، بما في ذلك الغذاء وتقلب الأسعار والمخاطر المرتبطة بالأوبئة الجديدة. التدهور البيئي سيضخم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وخصوصا أن هذا يتزامن مع الزيادة الملحوظة في عدد السكان. ستكون القدرة على استباق هذه التحديات والتعامل معها هي المفتاح إلى اغتنام الفرص ومواجهة المخاطر.
  • عالم ما بعد النفط: بحلول عام 2050، سيسود نظام عالم ما بعد النفط نتيجة التغييرات العميقة في النظام العالمي للطاقة. لن ينشأ مثل هذا النظام نتيجة نقص في العرض، على العكس، قد يزيد إنتاج الوقود الأحفوري لفترة من الزمن، بفضل اكتشاف احتياطيات جديدة، والاستثمارات المبتكرة في مجال النفط والرمال النفطية، وتعميم الغاز الطبيعي المسال. قد تبقى الأسعار منخفضة نسبيا لبعض الوقت رغم العرض المتزايد من الاقتصاديات الناشئة. ولكن على المدى الطويل، سيكون المحرك الأساسي للتخلص من الكربون هو الخطوات العملاقة نحو الابتكار التكنولوجي في مجال إنتاج الطاقة المتجددة والقدرات التخزينية لها، علاوة على أن الطاقة النظيفة ستكون متاحة وجماهيرية نتيجة الوعي العالمي بالنسبة للتغيير البيئي. وستؤيد هذا التحول القوتان العالميتان الأسرع نموا في العالم وهما الصين والهند، كما أن أوروبا سوف تستثمر أيضا في هذه العملية، وسيكون للمنطقة نصيب كبير في هذا التحول.
  • منطقة متوسعة عمرانيا: تتميز منطقتنا بالتوسع العمراني الهائل؛ فقد كان 60% من السكان يقطنون فعليا في المناطق الحضرية، ولا يتوقع أن يختلف هذا التوجه عام 2050، حيث ستستضيف المدن في هذه المنطقة 130 مليون شخص إضافيا، وستكون بالتالي مزدحمة للغاية. ستكون التحديات الحضرية حادة خصوصا بسبب سرعة هذه العملية، وكذلك بسبب تناقص المساحات والموارد، وقد يسارع التدهور البيئي من عمليات النزوح من الريف، ولكن يتعين على المدن أيضا أن تتعامل مع التحديات المرتبطة بالبيئة. وبينما كنا بالفعل معتادين على “المدن المهولة” مثل القاهرة وإسطنبول، فإن هناك مدنا أخرى سيتجاوز تعدادها 10 ملايين شخص. ستكون بغداد والخرطوم -وكل منهما يصل تعداد سكانها إلى 15 مليون شخص- من أكبر المدن السريعة النمو في المنطقة. وتليهما طهران (11 مليون شخص)، ثم الرياض وجدة (8 ملايين و7 ملايين على التوالي)، والجزائر والدار البيضاء (5 ملايين شخص). سوف تعتمد قدرات المناطق الحضرية على التكيف مع هذه الحقيقة الجديدة على معدل النمو، وأيضا على الموارد التي تنشرها السلطات المحلية والقومية لتحديث البنيات التحتية مثل النقل العام والصرف الصحي… إلخ.
  • الرقمنة والأتمتة: التوسع في استخدام التكنولوجيا سيكون من الاتجاهات العظمى العالمية عام 2050. ستغير الرقمنة النماذج الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بشكل كبير، وسيكون الابتكار هو المفتاح الأساسي للمنافسة الناجحة في السوق العالمي، وستحول الأتمتة والذكاء الاصطناعي أسواق العمل بصورة جذرية في معظم البلاد. ستتأثر المنطقة عن طريق تلك الاتجاهات بفضل البطالة العالية بالفعل (والمتواصلة) ومعدلات العمالة الزائدة، وخصوصا بين الشباب. ستزيد القدرة المتغيرة على التكيف مع الاتجاهات الاقتصادية والتكنولوجية من الفروق بين الدول وداخل كل دولة. بينما قد يسهل تكيف منطقة الخليج مع هذه التغييرات، إلا أن الدول الأخرى ذات الأعداد الكبيرة من الأيدي العاملة وأسواق العمل المتوترة والحكومات غير الكفؤة، قد تواجه مشكلات اجتماعية كبرى.

الجغرافيا السياسية.. ما الجديد؟

تجتمع هذه التحولات التي سبق الإشارة إليها، لتقديم صورة جيوسياسية تبدو مختلفة تماما في عشرينيات القرن الحالي عما كانت عليه في بداية عقد ما قبل الانتفاضات.

هناك المزيد من الدول غير المستقرة، والمزيد من الجهات الفاعلة غير الحكومية (المحلية والوطنية وعبر الوطنية) تعمل داخلها، والمزيد من القوى الإقليمية والدولية المستعدة للتدخل في هذه المجالات، إما من خلال رعاية اللاعبين المحليين أو نشر جيوشهم الخاصة.

قد تحتل المحركات الجديدة للنزاع الصدارة: الضغط الديمغرافي، والتوسع الحضري السريع، وتغيير المناخ وندرة الموارد الطبيعية، وانتقال الطاقة وتأثيرها على سوق العمل.

يمكن أن تكون النتيجة الإيجابية لانسحاب الولايات المتحدة تدريجيا من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هو تحمل القوى الإقليمية أعباء الأمن. في ضوء التكلفة الباهظة للصراع وخطر التخلف عن المسيرة بالمقارنة مع تقدم مناطق أخرى، وهو ما قد يدفع القوى الإقليمية -كما نلحظ الآن- إلى الاشتراك في جهود نزع التصعيد، وأخذ خطوات في اتجاه بنية أمنية إقليمية جديدة.

“يجب أن يتغير كل شيء ليبقى كل شيء على حاله ” هذا اقتباس من كتاب إيطالي شهير، لكنه ينطبق على تعريف السياسة في منطقة تتسم بالسيولة الشديدة، ويحيط بها عالم من عدم اليقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى