القضية الفلسطينيةمقالات

في عامها الخامس والثلاثين حماس وأسئلة الانطلاقات

عبد الرحمن اشتيه

مدخل … تدخل حماس عامها الخامس والثلاثين في خضمّ تحدياتٍ متزايدة، وتعمّقٍ للظروف والأزمات الموضوعية والذاتية لحركةٍ انطلقت كامتداد لفكرة إسلامية رفعت المقاومة المفتوحة كخيار استراتيجي شامل لتحرير فلسطين من محتل إحلالي كان يوم انطلاقة حماس الأولى قد مضى على وجوده أربعين سنة.

وفي ذكرى انطلاقة حماس الرابعة والثلاثين فإنّ هذا المقال يطرح الواقع والأفق لهذه الحركة في سياق أسئلة، إذ إنّ حركة مثل حماس لا شكّ وأنّ كل عام هو انطلاقة جديدة من المراجعات إلى تجديد وتأكيد وتحديد المفاهيم والوسائل والغايات قصيرة وبعيدة المدى، بل إنّ العام الواحد في واقعنا الفلسطيني بما له من مركزية عربية وإسلامية وإقليمية صار يحتوي على عدّة انعطافات تفرض على أيّ فاعل فلسطيني أن يقف عندها باعتبارها انطلاقات ومحاور تقييم واستخلاصات.

من الطبيعي أن لا يحاول المقال تبنّي الحيادية في موضوع يمثّل كاتِبه انتماءً وفكرةً؛ لكن تبقى ضرورة الموضوعية حاضرة في محاولةٍ لطرح الأسئلة الافتراضية الأقرب لتركيز الصورة؛ إذ إنّ السؤال الصحيح يعتبر أكثر من نصف الجواب.
والأسئلة التي يتناولها المثال كالتالي:
سؤال التاريخ الذي لم يحدث، ماذا لو لم تكن حماس؟!
سؤال الخيارات الصعبة، البيت الداخلي والمصالحة إلى أين وكيف ؟!
سؤال الجرد السنوي 2021، التحدّيات والإخفاقات والإنجازات ؟!
سؤال أجندة عام 2022، الأولويات والإمكانات ؟!

(1) سؤال التاريخ الذي لم يحدث، ماذا لو لم تكن حماس ؟!
والمقصد من السؤال يبتعد عن الجدليّات نحو الظروف والسياقات الزمنية والمكانية التي ولدت فيها حماس، وكذلك الجذور التي جاءت منها حماس.
يمكن استحضار النقاط التالية كإجمال لواقع الضفة الغربية وقطاع غزة أواخر ثمانينيات القرن الماضي:-
1. اجتماعياً كان لا يزال المجتمع _رغم أكثريته المحافظة_ متأثراً بحالات التغريب وردّات فعل تبنّي الأحزاب للمناهج العلمانية والشيوعية إضافةً إلى الجهد الحثيث لإغراق الفلسطينيين في سوق الحاجة للعمل لدى الاحتلال وفي مستوطناته، لكن كان تأثير الصحوة الإسلامية في بداية امتدادها وتجذّرها ليس في إطار الشكل فحسب؛ وإنما في إطار المضمون والنوذج الذي صار المجتمع يلمحه في تفوّق “الإسلاميين” في مجالس الطلبة في الجامعات وفي العمل الخيري الذي بدأوه في أواخر السبعينيات.

2. سياسياً كان الواقع الفلسطيني ما قبيل فكّ الارتباط الأردني بالضفة الغربية قد تشظى أمام الأفق المسدود والانتكاسات التي وقع فيها العمل الفدائي وقيادة منظمة التحرير من أيلول الأسود إلى الحرب الأهلية في لبنان والاجتياح الإسرائيلي الأول والثاني لـِ لبنان، وفي ظل عقم المنظمة عن وقف الهبوط في سقوفها أو حتى عن معالجة الفساد الذي استشرى في كل مجالات عملها، هذا الواقع ترافق مع محاولات صمود لرفض مخططات فرض نظام الإدارة المدنية وروابط القرى الذي عمل الاحتلال على تجذيره في الضفة وقطاع غزة.
وكل ذلك مرتبط بالضرورة بالمخطط الذي سعت إليه الإدارات الأمريكية المتعاقبة لتفريغ القضية الفلسطينية من محتواها والعمل على إنضاج فكرة أن يكون الممثل لفلسطين جاهزاً للاعتراف بإسرائيل وحقها في الوجود والتوسع !!

3. انطلقت حماس يومها مع انطلاق انتفاضة الحجارة مُعبّرةً عن حالةٍ شعبيّةٍ فلسطينية في وقت كان قد تراكمت فيه ويلات النّكبة والنّكسة ومفرداتها التي ارتبطت بتشتّت الجهد الفلسطيني المقاوم بين التبعيّات لقرارات الوهم العربية وبين محاولات تصريف “العمل الفدائي” في سوق الاعتراف الدولي _بأيّ ثمن_ وبين محطات الاقتتال مع بعض الأنظمة العربية أو الأحزاب العربية أو الاقتتال بين التشكيلات والفصائل الفلسطينية.
⃪ هنا فإنّ الإجابة على هذا التساؤل يمكن تناولها من خلال التالي :
𝟙) حين انطلقت حماس عبّرت عن الموقع الأقرب لمفهوم الثورة على المحتل حيث انطلقت من داخل الأراضي المحتلة، ومُعبّرةً عن ذاتها يومها أنّها جزءٌ من كلٍّ يهدف للمقاومة حتى التحرير ويرفض الحلول الجزئية أو حلول التحريك المؤدية لاستنزاف أُحادي الجانب.
من منظورٍ آخر، فإنّ حماس راكمت لانطلاقتها عملاً في الميدان وبين فئات المجتمع وأعطت انطلاقتها زخماً باتصالها العضوي بالمسجد كمركز ومحور للبيئة الإسلامية التي تنتمي إليها وتدعو لها.
𝟚) لذلك وحيث أن الطبيعة تأبى الفراغ فإنه لو لم تكن حماس؛ لكان الواقعُ متطلباً لمن يملؤُ المكان برؤية إسلامية وطرح جديد أو متجدد للمقاومة كخيار شامل نحو تحرير فلسطين.
𝟛) حماس يومها التقطت اللحظة التاريخية وصنعت فرصة لتملأ الحيّز بوجودها، وللسائل أن يسأل: لو لم تكن حماس، أين كان يمكن أن تصل مخططات المحتل في تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها ؟ وما الذي كان يمكن لأوسلو أن تحدثه في أن تكون واجهة للتهديد والتطبيع “والأسرلة” بشكل متسارع.
𝟜) ماذا لو لم تكن حماس كما هي اليوم في غزة ؟ أين يمكن أن تكون مخططات المحتل لو لم يراكم الفعل المقاوم في الضفة وغزة استحقاق انسحاب شارون من غزة ؟؟ وأين يمكن أن تكون القضية الفلسطينية لو سارت بنهج السلام لأجل السلام فقط ؟! وأين كنا سنكون اليوم دون سلاح المقاومة الذي ما فتئت السلطة تنادي بسحبه ليكون الفلسطينيون وثوابتهم عُزّلاً أمام آلة الهدم والتهويد والاحتلال والاستيطان الصهيوني !!
𝟝) من منظورٍ آخر يمكن طرح تساؤل: ماذا خسرت الضفة الغربية بإقصاء ومحاربة حماس ومعها كلُّ حالةٍ مقاوِمة ؟! ماذا خسرت اجتماعياً ووطنياً ؟ بل كيف شكّل سلاح المقاومة قوة حتى لمحور السلطة لوقف تنازلاتها ؟ وكيف شكّلت محاربة حماس في الضفة والمقاومة فرصة ذهبيّة لتعزيز الاستيطان وتضاعفه السريع وإنهاء حتى فكرة الدويلة الموعودة من خلال أوسلو ؟!
𝟞) ليس أن الواقع اليوم بخلاف ذلك ؛ إنما الذي مثّله وجود حماس وقيادتها للمقاومة الفاعلة هو المانع الأساسي الذي رفع صوت الشعب الفلسطيني أنّ قضيّته ليست قضيّة إنسانيّة يمكن التخلص منها عبر حكم ذاتي هزيل يكون مطية لتطويع الأنظمة العربية نحو علنيّة التطبيع، هذا التطبيع الذي مثّلت حماس السدّ المنيع والأمل المتزايد للأمة العربية والإسلامية في أن لا يتجاوز الأنظمة وأن لا يتم مخطط أوسلو.

(2) سؤال الخيارات الصعبة، البيت الداخلي والمصالحة إلى أين وكيف ؟!
باعتقادي أنه لم يواجه حماس طوال سنوات وجودها سؤال ملحّ بخياراته الصعبة مثل سؤال البيت الفلسطيني الداخلي خاصةً فيما يتعلق بحركة فتح، صعوبة الخيارات كانت نابعة من التالي:
1. الجدلية التي أوقعت فيها فتح نفسها حين دخلت وأدخلت الشعب الفلسطيني نفق أوسلو بحيث تكلّست داخل سلطة حكم ذاتي، تفرض أوسلو على هذه السلطة أن تكون مُشرْعِناً للاحتلال باسم الشعب الممثل وحامياً له وفق بنودٍ أمنيّة.
2. هذه التركيبة كانت كفيلة بأن تجد حماس السلطة في مواجهتها، لذلك فإن شرخ الانقسام لم يبدأ حين سيطرت حماس على قطاع غزة، بل بدأ اعتباريّاً من نظرة إقصائية ومتفردة في تعامل حركة فتح داخل منظمة التحرير، وبدأ واقعاً عند الوقوع في أوسلو كمشروع تصفوي سيتصادم بالضرورة مع أي مشروع مقاومة فضلاً عن صدامه مع أي حالة مقاومة.
3. لذلك فإنّ مصطلح “طرفي الانقسام” كان ابتذالاً للأزمة كون أن خيار التسوية ليس خياراً شعبياً، وكون أن خمسة عشر سنة من عمر هذا المصطلح أثبتت أن الأمر يتجاوز الانقسام وهو في حقيقته تصادم برنامجين لمشروعين.
4. مع الإشارة هنا إلى السياسة التي راكمتها “السلطة” من خلال إصرارها على أن تكون أداة أمنيّة في ظل زيادة ظاهرة الفساد وتحقيق الخلافات المجتمعية كذلك هو وقود يهدّد السِّلم الأهلي ويصبّ لصالح المحتل.
⃪ من هنا فإنّ الخيارات الصعبة التي تواجه حماس في البيت الداخلي تتمثل من خلال:-
1) يقع على عاتق حماس الحفاظ على مفهوم الوحدة الوطنية كأساس ناظم لمقاومتها بما يقتضيه ذلك من عضّ على الجراح وبما يفصل في التعامل _قدر الإمكان_ بين اختلاف البرامج وبين ضرورة الحرص على تجنّب الدم الفلسطيني، واليوم يُثبت حتى لشريحة واسعة داخل فتح أن الحسم الذي أقدمت عليه حماس لفترة عام 2007 جاء خيار المضطر حمايةً لمشروع شعب وتفويتاً للفرصة على المحتل في حرب أهلية مستدامة.
2) وحيث أن الانتخابات حلٌّ اتُّفق عليه وكذلك مسار الشراكة الفلسطينية فإن تهرّب الآخر تحت واقع انقساماته الداخلية واستطلاعات الرأي السلبية ودلالات نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات المحلية في الضفة الغربية، كل ذلك يجعل حماس أمام خيار الإصرار على شروطها فيما يتعلق بتراتبية الانتخابات خاصة وأن محطات المصالحة السابقة شهدت تنازلات متعددة من قبل حماس لصالح إتمام المصالحة.
3) يقع على عاتق حماس مسؤولية الحفاظ على نهج المقاومة وتوسيعه ليكون مشروعاً تحرّرياً يستوعب الجميع دون إقصاء، وهذا ما سعت له حماس من خلال سنوات وجودها وصولاً لتأسيس الغرفة المشتركة للفصائل المسلّحة في غزة، وإصرارها على الإطار القيادي المؤقت كون أن الوحدة الوطنية لا تتعلق بفصيلين وإن مثّلا الغالبية، وإنما كل الفاعلين في أماكن تواجد الشعب الفلسطيني بتشكيلاتهم ومن خلال المؤسسات الناظمة لهم.
4) في ظل إصرار فتح على حالة الإقصاء باسم منظمة التحرير والتي أُفقدت شرعيتها ومبرّرات وجودها نتيجة وضعها الحالي، ويلزمها حتى تعود ممثلة للشعب الفلسطيني أن تقبل بهذا الالتفاف الجماهيري حول خيار المقاومة.
والواقع الذي يشهده قطاع غزة حيث تقود حماس تماسكاً اجتماعياً وبيئة حاضنة للمقاومة بمختلف فصائلها المسلحة في مقابل انحسار الضفة لتكون فيها السلطة درعاً واقياً لإسرائيل، وإقصائياً وصل إلى حد ملاحقة جنازات الشهداء وإفراجات الأسرى على اختلاف فصائلهم.
كل ذلك يجعل حماس أمام خيارات صعبة قد تلزمها أن تتجاوز فكرة المصالحة كمحطة استهلاك إعلامي أو تجاذبات أو اضطرار تعود إليه فتح والسلطة كلما أُغلقت أمامها منافذ المفاوضات العبثية وزادت اشتراطات الراعي الرسمي لأوسلو واشتراطات إسرائيل عليها، بحيث تضطر حماس أن تمضي جامعةً معها الكل الوطني باتجاه المشتركات وفي إطار منهجي يتأسس على خيار المقاومة الشاملة حتى دحر الاحتلال، هذا الكل الوطني بالتأكيد سيحتوي على تشكيلات تابعة لفتح أو منقسمة عنها كون أن المقاومة ومحاربة الفساد لم تكن يوماً حكراً على فصيل دون آخر، وهي الجامع الذي يمكن أن يعزز المشتركات ويؤسس لمرحلة التحرير.

(3) سؤال الجرد السنوي 2021، التحدّيات والإخفاقات والإنجازات ؟!
فرضت حماس على نفسها ومن خلال هيكليّتها وبناها التنظيمية ومع تطور تشكيلاتها وطبيعة حضورها، فرضت مراجعة ذاتية دورية اقتضت منها وهي تنظر للمستقبل وتستشرف الآفاق أن تراجع واقعها ومحطات تفاعلها بل وأن تقرأ التحديات المترتبة على إنجازاتها كما تقرأ الصعوبات والعبر في الإخفاقات.
وحيث أن عام 2021 تخلّلته أحداث كبيرة سيكون لبعضها أثر جوهري في تطور حضور حماس وفي استعادة حضور القضية الفلسطينية بثوابتها من القدس وحتى الأسرى، فيمكن تناول هذا العام من خلال النقاط التالية:-
1) تخرج حماس بعامها الرابع والثلاثين وقد أنجزت ترتيب بيتها الداخلي بانتخابات دورية لم تتعطل برغم كل الظروف وأفرزت بكل سلاسة منظومة قيادية وشرعية متجددة بما يعكس انسجاماً ما بين المبدأ كشورى والتطبيق كعمل مؤسسي ديمقراطي شمل الضفة والقطاع والخارج والسجون، وبالتأكيد فإنّ الواقع فيه ما فيه من التعقيدات التي رغم صعوبة تفاصيلها خاصةً مع واقع الضفة الغربية إلا أن الانتخابات الداخلية لدى حماس أعطاها حضوراً مميزاً لجهة ما تنادي به وفعالية داخلية مستمرة لجهة تدافع الأجيال وتجدد مراكز تشكيل وصناعة القرار.
2) يمضي العام 2021 وقد سطّرت حماس فوزاً انتخابياً يمكن أن نسميه فوز “الصندوق المغلق” إذ أن الانتخابات التشريعية التي ألغتها السلطة بعد إقرارها باتفاق فصائلي ورعايات إقليمية، شكّلت جاهزية حماس لخوض هذه الانتخابات رغم أعباء غزة إدارياً طوال خمسة عشر سنة وما يقابلها من تغييب حماس في الضفة، ورغم تنازل حماس عن شروطها فيما يتعلق بتزامن انتخابات المجلس التشريعي والمجلس الوطني، رغم كل ذلك فإن استعداد حماس الإيجابي والسريع في تشكيل قائمة تمثل الضفة والقطاع والالتفاف الداخلي وما مثّلته قواعد الحركة في الضفة وكوادرها من تأكيد على دورها الفاعل واستعادة النواة الصلبة رغم ظروف الملاحقة والقمع؛ كل ذلك عكس قوةً وزخماً لم تخسره الحركة على مرّ السنوات.
هذه الصورة وما رافقها من انسحاب فتح من هذا الميدان عبر بوابة الإلغاء نتيجة انقساماتها الداخلية في ثلاثة قوائم عدا عن المتوزعين على قوائم أخرى مكّن لحماس فوزاً عبر صندوق مغلق لا يمكن قراءته إلا في سياق حضور شعبي والتفاف حول خيار المقاومة وانكفاء لبرنامج أسلو نتيجة لفشله كخيار تسوية ولتفشّي القمع والفساد في هيكلية السلطة.
تجدر الإشارة إلى أن خطوة السلطة بإلغاء الانتخابات شكّلت حلقة مهمة في ضرورة إعادة حماس للنظر حول جدوى أي اتفاق يمكن للسلطة وفتح أن تتدخل فيه على هواها، خاصة مع الحدث المأساوي الذي فرقت به السلطة عددا من المحرمات باغتيالها للناشط الفلسطيني نزار بنات والذي وقفت حماس عنده كثيراً ليس مناكفة وإنما أقل واجبات الانتماء لوطنها وفكرها.
3) أما الإنجاز المفصلي فهو التموضع الجديد لحماس كمقاومة تهدف إلى تحرير فلسطين وانطلاق الإمكانات المتواضعة عسكرياً من داخل بقعة جغرافية صغيرة مثل غزة لتخوض معركة “سيف القدس” مشكلةً ردعاً حقيقياً للكيان المحتل ومخترقةً كل خطوطه الحمراء، واضعةً له الأقصى كخطٍ أحمر وأحياء القدس كذلك.
شكلت سيف القدس معركةً جامعةً من غزة والضفة إلى القدس والداخل بل والشتات، وكانت استجابةً حماس لنداءات المرابطين في المسجد الأقصى تصاعداً هاماً.
وفي المقابل فإن سيف القدس إنجاز له تحدياته أولها إعادة إعمار القطاع وفكّ حصاره مع مزامنة الجهود في إطار صفقة تبادل للأسرى بعد هذا الانتظار الطويل وتعليق الأمل على حماس _بعد الله_ من قِبَل الأسرى من مختلف الفصائل.
4) ولعلّ من أهم الإنجازات التي ظهرت في الميدان جليّاً خلال 2021 كيف تشكّل فكر حماس ورؤيتها للمقاومة ومفرداتها بل ورموزها ثقافة ممتدة في صفوف الفلسطينيين على مختلف أماكن تواجدهم، وأملاً وحالةً في الأمة تناهض التطبيع “الرسمي” وتعلن التزامها مع المقاومة والقضية الفلسطينية، وبذلك بان تجذّر القضية الفلسطينية بأبعادها وعمقها العربي والإسلامي.
5) تمرّ حماس نحو عامها الخامس والثلاثين، وكما شكلت سيفاً للقدس فإنها شكلت سنداً للأسرى بعد الهجمة الشرسة التي نظّمها المحتل تحت وقع انتكاسته بهرب الأبطال في نفق الحرية، هنا وقع على حماس داخل سجون الاحتلال مع كل الفصائل تنظيم خطوات موحدة وإقرار إضراب جماعي للأسرى، هذه الصورة من الإعداد والجاهزية وما أسندها من تصريح مباشر لغرفة المقاومة المشتركة حول جاهزيتها للدخول في معركة من أجل الأسرى ألجأ المحتل للرجوع عن معظم قراراته وتخفيف تغوّله باتجاه أسرى حركة الجهاد الإسلامي بعد أن كان قد تقرّر تفريق وحل تنظيم الجهاد، وتراجع أيضاً _ولو تدريجيّاً_ عن قراراته.
لذلك فإنّ حماس وهي تُراكِم إسنادها للحركة الأسيرة من خارج السجون وتُراكِمُ جهدها في مواجهة المحتل من داخل قلاع الأسر عبر هيئة قيادية تمثل أبناء الحركة الأسرى لتشكل حلقة مهمة من حلقات مقاومة المحتل وأدوات قمعه وصهره لوعي الفلسطيني المقاوِم أو عزله عن محيطه الخارجي والاستفراد به.

سؤال أجندة عام 2022، الأولويات والإمكانات ؟!
لا يدّعي عاقل أن حماس تمتلك عصاً سحرية أو قوة حاسمة للصراع مع المحتل وأدواته الأمنيّة والتطبيعية، مثلما لا يُنكر عاقل أن المتغيرات الإقليمية والدولية باتت مجبرة على استيعاب حماس كلاعب رئيسي يمثل نسبة كبيرة من الفلسطينيين، وعلى هذا فإن حماس أمام أولويات متعددة تتجاوز إمكاناتها خاصة في ظل استمرار محاولات اجتثاثها في الضفة وحصارها في غزة والتضييق عيلها في أماكن تواجدها عربياً من خلال أنظمة متسارعة باتجاه علنيّة التطبيع، ودوليّاً من خلال محاولات شبيهة بتصنيفها كمنظمة إرهابية في بريطانيا.
ولئن كانت الأسئلة التي طُرحت في هذه الورقة تناولت التحديات فإن الأولويات التي يُفترض أن ترتّبها حماس يمكن أن تكون التالي:-
1) ترفع حماس في فاتحة هذا العام أنها “درع للقدس” وهذا يُملي عليها عدم الرجوع لما قبل
أيّار /2021 من خلال ردع أي محاولة صهيونية للمساس بالقدس والمقدسات.
2) أولوية قطاع غزة ورفع الظلم الواقع عليه من الأهمية التي تجعلنا نفهم أن حماس ستُقدم على خيارات مفتوحة في حال استمر الحصار خلال هذا العام، خيارات _برأيي_ ستضطر كل مشارك في الحصار للوقوف عند التزاماته رغماً عنه.
3) تدخل حماس عامها الخامس والثلاثين فيما لا يزال المحتل متعنّتاً باتجاه قضية التبادل للأسرى، وهو ما دعا حماس للتصريح قبل أشهر أن تدعيم نقاط قوتها في هذا الملف حقّ مشروع وأولوية للإفراج عن الأسرى وليكون عام 2022 عام حرية الأسرى رغماً عن المحتل وبغض النظر عن ظروف حكوماته وضغطها الداخلي.
4) إنّ حماس وهي تستحوذ على التفافٍ شعبيّ، وتتحول مقاومتها لأمل ٍجماعيّ يدفعها ذلك لتطوير قدرتها على المواءمة ما بين التوسع والامتداد الجماهيري الأفقي والحفاظ على بُنيةٍ ونواةٍ تستوعبُ المتغيرات وتُراكم المُنجَزات وتتأهل لسدّ الفراغات التي لا شكّ ستُحدثها آلة المحتل الهمجيّة عبر ما دأبت عليه من اغتيالٍ واعتقالٍ وإبعاد.
5) ولعلّ من أولى الأولويات تلك التي تقع على عاتق أبناء حماس في الضفة الغربية؛ إذ أنّ الصمود والمراغمة ومراكمة المواجهة للمحتل ومقاومة القمع، على أهمية كل ذلك، إلا أنّ المرحلة تتطلب استنهاضاً يوازي التحديات، ولا شكّ أنّ ماكنة وأذرع الحركة في الضفة الاجتماعية والطلابية قد بانت متجذرة بطريقة استعصت على الكسر، وواضحٌ حجم حضور حماس بذراعها العسكريّ طوال سنوات القمع وما تتحدث عنه مخابرات الاحتلال مؤخراً عن محاولات متكررة من الذراع العسكريّ لحماس، كون أن المعركة مفتوحة مع المحتل.
ومع ذلك يبقى على حماس واجب وأولوية استثمار نقاط قوتها لخلق بيئة العمل وصناعة الفرص لا انتظارها، ولربّما من المهم استنهاض دور أذرع الحركة باتجاه المقاومة الشعبيّة الفاعلة المستمرة والجامعة.
6) تقع على عاتق حماس مسؤولية قيادة دفّة المقاومة داخل البيت الفلسطيني وتجذير مفاهيم الوحدة الوطنية المستندة إلى برنامج مقاومة يُعزّز الموجود في غزة، ويُعزّز الحالة المقاومة شعبيّاً في الضفة بآليات مشتبكة مع الاحتلال والاستيطان.
وذلك متصل بالدور المنوط بحماس من خلال قيامها بدور فاعل في مخيمات الشتات الفلسطيني خدمةً وتواصلاً وعطاءً واستثماراً لمحطات العودة بشكل يوازي تلك المكانة التي باتت تحتلّها حماس في قلوب أهلها هناك.
7) ولعلّ من أهم التحديات الخارجية ما تسعى له بعض الأنظمة العربية من هرولةٍ نحو التطبيع المتزامن مع استهداف المقاومة الفلسطينية سواءً بالملاحقة أو بقرارات تصنيفها كمنظمة إرهابية، وهذا بالتأكيد يجعل من أولويات الحركة تعزيز دور العلاقات الخارجية والتواصلات مع المؤسسات الشعبية إضافةً إلى استثمار الجهود لمعارك قانونية مهمة لدفع تهمة الإرهاب وجرائم الحرب وكل ما يمكن أن تديره الدعاية الإعلامية لمنظومة الاحتلال وأدواتها الداعمة أو المطبّعة.

الخاتمة … انطلاقة تقترب من التحرير
يزداد الحديث الداخلي في صفوف حماس عن نبوءات زوال وانهيار “إسرائيل” خلال العقد الحالي، ولربما يحصل الاستشهاد بتركيز أكبر على ما ينظر له د. بسام جرار منذ ثلاثة عقود حول زوال “إسرائل” عام 2022 وما تحدث عنه الشيخ الشهيد أحمد ياسين زعيم ومؤسس حماس عن زوال “إسرائيل” بحلول عام 2027، مع الإشارة إلى أن تلك النبوءات لا تبتعد عن نبوءات لدي متديّني اليهود حول زوال دولتهم، وهي متصلة بما تحدث عنه بعض ساسة اليهود عن تحدّي إطالة عمر دولتهم!
نبوءات لا ينبغي استدعاؤها إلا من باب الاستبشار والأمل وواجب الإعداد بالعمل، أو هكذا تراه حماس في خطابها الداخلي.
لكن الذي تُنظّر له حماس في ضوء ما تُسطّره عملياً وما تؤهل نفسها له بالتخطيط وبذل التضحيات ومراكمة الإنجازات هو أن تكون فاعلاً ضمن هذا الدفع القدري، وما يشهده الكيان الإسرائيلي من تفكّك مجتمعيّ وتشتّت سياسيّ مع ضعف تشكيلة حكومته _وإن كان لا يزال في همجيّته وإجرامه متفوقاً_ إلا أن القراءات المتأنّية تشير إلى انكفاء “إسرائيلي” رغم حالات “إعلان” التطبيع من قبل بعض الأنظمة العربية التي يمكن قراءتها في إطار تباين المحاور وانكشاف الأغطية.
أضف إلى ذلك ما نلحظه من تسارع في المتغيّرات الإقليمية خلال العقد الماضي وتزايد التضامن من قبل الشعوب الغربية والشعب الأمريكي خصوصاً مع القضية الفلسطينية، وبداية استشعار الإدارة الأمريكية بالفاتورة الباهظة التي تدفعها لحماية ودعم “إسرائيل” في ظل تراجعاتها الضرورية في المنطقة العربية والإسلامية، كما حصل بانسحابها “الدراميّ” من أفغانستان أو عودتها لمفاوضات مع إيران بخصوص ملفها النوويّ.
هذا المشهد _من زاويته الفلسطينية_ وعلى اختلاف الفاعلين فيه ومستويات تأثيرهم مرتبط بالضرورة مع أهمية ودور حماس الريادي الذي اختطّته لنفسها منذ عامها الأول وما راكمت فيه من تضحيات جِسام، ولم تنفصل خلال مسيرتها عن التضحيات المتتالية من قِبَل شعبها وفصائله.
ولئن نجحت حماس خلال مسيرتها في الحفاظ على وحدة متماسكة في بُنيتها وبنت خطواتها على أساس رؤية منسجمة مع منطلقاتها المرتبطة بعمق قضية فلسطين إسلامياً وعربياً، والمتصورة للمقاومة كاستراتيجية لا تكتيك واعتبرت أن طريق التحرير يتطلّبُ تمتين الجبهة الداخلية لشعبها وتوسيع جبهات الدعم والإسناد وتكثيف جبهات المواجهة والصمود أمام المحتل وصاغت سياساتها ومراجعاتها على أساس فهم المقاصد والمصالح وسموّ الوسائل بسموّ الغايات، ولم تُدخِل في حساباتها المصيريرة المصالح الذاتية والفئوية ولا أعادت تموضعاتها بناء على أثر كيّ الوعي بفعل ضربات المحتل ولَعِبه على المتناقضات أو بناء على الرغبة في اكتساب شرعيتها من دول ومنظمات في مقابل تنازلها عن مبرّرات وجودها وقررت علاقاتها الداخلية والخارجية بناء على تركيز الموارد والقوى لصالح قضيتها فاقتربت من الآخر وابتعدت بحسب انسجامه مع قضية فلسطين دون انحيازٍ أو ارتهانٍ أو ذوبانٍ أو تدخّلٍ في شؤون أطراف علاقاتها _قدر الإمكان_ لكل ذلك، فإن حماس رسمت رؤية واضحة وثابتة نحو تحرير فلسطين باعتبارها _أي حماس_ واحد من مجموع وليست “وحيدة” وجزءاً من كلّ وليست “الكلّ” والأصحّ وليس “الصحّ”،
وخياراً يلتفّ حوله شعبها، فالمقاومة الشاملة الواعية المستمرة التي يتوحّد فيها المجموع هي الطريق لتحرير فلسطين، والمنارة التي تجتمعُ إليها طاقات الأمّة وقدراتها دُوَلاً ومؤسساتٍ وأفراداً وجماعاتٍ.
وكلما زاد هذا الخيار مراكمةً للإنجازات وثباتاً رغم التضحيات ورسوخاً في الفكرة وتوحيداً للجموع واستيعاباً للمتغيرات؛ كلما أصبح التحرير صورةً وواقعاً أقرب، وصارت إمكانية تحويل التنبؤ إلى نبأ فعليّ أكثر وضوحاً.
_هل تبدو الصورة حالمة ؟!! ….. يعتمد ذلك على من يُجيب
_وقد يقول أحدهم: في ضوء الواقع وما سبقه من نكساتٍ ونكباتٍ فذلك مستحيل ..
_وقد تجيبه حماس: بالتأكيد مستحيل طالما غيّبنا ما تتطلبّه الصورة من تضحياتٍ وثبات ٍوأملٍ وعملٍ، وإيمانٍ أنّ ما أُخذ بالقوة لايُستردُّ إلا بالقوة، وكلما اصطدم شعبنا مع هذا المحتل في ميادين المواجهة أدرك كم هو ضعيف وهشّ رغم جبروته.
_وكم نقول كلما قاومناه نحو التحرير وصدق الله إذ يقول: ” مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ ۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ …”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى