مقالات

تحقيق بيغاسوس والعشق الحرام بين الاحتلال والأنظمة العربية

فراس أبو هلال عربي21

يكشف تحقيق طويل نشرته صحيفة نيويورك تايمز بعد عمل استمر لمدة عام تفاصيل مثيرة عن استخدام دولة الاحتلال لبرنامج “بيغاسوس” التجسسي، بهدف الحصول على نفوذ سياسي في المنطقة والعالم. وللعرب بالتأكيد “حصة” الأسد في هذه التفاصيل التي ترجمتها صحيفة “عربي21” الإلكترونية كاملة.

يؤكد التحقيق أن برنامج بيغاسوس الذي تنتجه شركة NSO “الإسرائيلية” لا يمكن التعامل معه باعتباره عملا تقنيا أو تجاريا بحتا، دون فهم ارتباطه الوثيق بحكومة الاحتلال. أسست الشركة وتدار من قبل ضباط وخبراء سابقين عملوا في أجهزة الأمن والمخابرات “الإسرائيلية”، فيما يحظر بيع أي رخصة من البرنامج إلا للدول والحكومات، ولا يمكن أن يحصل ذلك دون موافقة حكومة تل أبيب، ما يعني أن الشركة ليست سوى ذراع أمنية وسياسية للحكومة وأجهزة استخباراتها.

يقدم البرنامج عدة تفاصيل مذهلة ومخزية عن استخدام الاحتلال لبرنامج التجسس بيغاسوس للتأثير على سياسات دول عربية ولتفعيل التطبيع مع هذه الدول:

• أوقفت شركة NSO المنتجة للبرنامج تجديد رخصة السعودية بعد اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، ولكنها أعادته بعد اتصال هاتفي بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ونتنياهو. ابن سلمان وافق في الاتصال على فتح المجال السعودي لطيران الاحتلال ثمنا لتجديد الرخصة، ثم ضغط نتنياهو على الشركة لتجديد الرخصة السعودية رغم رفضها في البداية.

• لعب البرنامج دورا كبيرا في تسهيل توقيع اتفاقيات التطبيع بين الاحتلال وكل من الإمارات والبحرين والمغرب، حيث وافقت تل أبيب على منح رخصة البرنامج لكل الدول الموقعة على اتفاقيات التطبيع.

وبعيدا عن الدول العربية، يجري صراع بين واشنطن وتل أبيب حول البرنامج بعد أن صنفت الولايات المتحدة البرنامج ضمن القائمة السوداء، ما يعرضها للعقوبات ومنع الاستخدام داخل أمريكا. تروج دوائر “إسرائيلية” أن العقوبات الأمريكية هي جزء من مؤامرة للسيطرة على البرنامج، فيما ترد إدارة “بايدن” بأن البرنامج أصبح يمثل خطرا خارجا عن السيطرة بعد استخدامه من قبل حكومات ديكتاتورية لملاحقة الصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان والمعارضين.

يحصل هذا الصراع في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة بالفعل لشراء الشركة المنتجة لفيروس “بيغاسوس”، بحيث يصبح خاضعا للقوانين والإجراءات الأمريكية، وبالطبع للتأكد من أنه لن يستخدم من قبل دول معينة بما لا يتوافق مع المصالح الأمريكية.

ما يهمنا كشعوب عربية من هذا التحقيق، هو تأكيد المؤكد، وتقديم دليل جديد على بؤس سياسات الأنظمة العربية التي صارت غالبية الشعوب على دراية بها. فبينما تسعى دولة الاحتلال للاستفادة من البحث العلمي والإنجازات التقنية لتوسيع نفوذها في العالم، وللتأثير على السياسة الخارجية لدول العالم والمنطقة، وبينما تدخل واشنطن في صراع مع “حليفها المدلل” حتى تضمن تفوقها الاستخباراتي في العالم، تفتح الدول العربية أبوابها وأراضيها للاحتلال، وتعقد اتفاقيات التطبيع، وتقدم تنازلات على حساب الشعب الفلسطيني، فقط للحصول على برنامج تجسس تستخدمه ضد مواطنيها!

هكذا تظهر الصورة واضحة عن “انحراف” الأنظمة العربية عن دورها السياسي، فبدلا من العمل على حماية مواطنيها والدفاع عن مصالح شعوبها، فإنها تقدم تنازلات سياسية خطيرة لدول معادية بهدف الحصول على قدرات تؤهلها للتجسس على مواطنيها!

في تفاصيل هذا الانحراف، يجب أن يشار هنا إلى مسألتين غاية في الأهمية: الأولى أن هذا التحقيق يعري كذب الأنظمة التي وقعت اتفاقات التطبيع عام 2020 وبررت ذلك بأسباب سياسية محلية وأخرى تتعلق “بدعم الشعب الفلسطيني”، حيث يؤكد التحقيق هذا أن مسألة الحصول على برامج تجسس وتكنولوجيا الأمن السيبراني هي في صلب الأهداف من وراء التطبيع مع الاحتلال. أما المسألة الثانية فهي أن الدول العربية التي اشترت برامج التجسس على مواطنيها قامت عمليا بتسليم خصوصية هؤلاء المواطنين لدولة الاحتلال، حيث إن كل المعلومات التي يحصل عليها بيغاسوس تذهب بالضرورة للخوادم “servers” المملوكة من قبل الشركة “الإسرائيلية”.

يؤكد التحقيق أيضا أكذوبة “ديمقراطية إسرائيل” ودعمها للديمقراطيات. لا يمكن لدولة احتلال أن تكون ديمقراطية، ولا يمكن أن يدعم الاحتلال الديمقراطية في الشرق الأوسط، بل إنه معني أكثر من غيره بترسيخ الديكتاتورية في الدول العربية، أولا لأنه يدرك سهولة التلاعب بالأنظمة الديكتاتورية لتعمل لصالحه بدلا من العمل لشعوبها، وثانيا لأنه يريد الاستمرار بترويج أكذوبة “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”!

قد يكون تحقيق “نيويورك تايمز” قدم الكثير من التفاصيل الدقيقة عن صفقات برنامج “بيغاسوس” ودوره في شراء النفوذ للاحتلال في المنطقة والعالم، أما نحن كعرب، فلم يكشف لنا جديدا، وإنما أكد لنا فقط ما نعرفه تماما عن سياسات الأنظمة العربية البائسة، أو عن “العشق الحرام” المزمن بين نظام الاحتلال العنصري وأنظمة القمع العربي!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى