القضية الفلسطينيةدراساتمستجدات سياسية

أزمة انعقاد المجلس المركزي وتداعياتها على النظام السياسي الفلسطيني

الزيتونة للدراسات والاستشارات

ملخص:

أسهم إصرار قيادة السلطة الفلسطينية على عقد المجلس المركزي الفلسطيني في رام الله في 6-7 /2022/2 دون توافق وطني، وفي ظلّ مقاطعة واسعة من القوى الفلسطينية والنخب المستقلة، في تعميق حالة الانقسام الفلسطيني، وزاد من حجم الصعوبات التي تعترض طريق إنجاز المصالحة الوطنية، وإعادة بناء منظمة التحرير، واستئناف المسار الديموقراطي. وأخذت الساحة الفلسطينية تشهد استقطاباً عريضاً بين فتح وبعض الفصائل الصغيرة، وبين طيف واسع من القوى الفلسطينية الفاعلة.

وثمة خمسة سيناريوهات لمستقبل العمل الفلسطيني بعد أزمة انعقاد المجلس المركزي، تتلخص أولاً في استمرار حالة الجمود واستمرار الوضع القائم، وثانياً في توجُّه المعارضين لقيادة السلطة لتشكيل مرجعية وطنية جديدة، وثالثاً في التَّمسك بمنظمة التحرير، ولكن مع سحب الاعتراف بقيادتها الحالية، وإجراء انتخابات لأطرها ومؤسساتها القيادية، ورابعاً في إنجاز المصالحة وتحقيق التوافق الوطني وإعادة بناء منظمة التحرير، وخامساً في تشكيل اصطفاف وطني انتقالي ضاغط للتعاون والتنسيق باتجاه الضغط على قيادة المنظمة لفتح الأبواب أمام عملية إصلاح جادة وحقيقية وشفافة للمنظمة، بحيث تعبِّر عن إرادة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.

ويظهر أن السيناريو الأول المتعلق باستمرار حالة الجمود ما زال قوياً وقائماً غير أن فرص السيناريو الخامس القائم على تشكيل صيغة اصطفاف وطني انتقالي ضاغط تتصاعد تدريجياً؛ ويعتمد نجاحها بدرجة كبيرة على خيارات القوى الفلسطينية، واستعدادها لمغادرة حالة التردد والانتظار.

 

مدخل:

أسهم إصرار قيادة السلطة الفلسطينية على عقد المجلس المركزي الفلسطيني في رام الله في 6-7 /2022/2 دون توافق وطني، وفي ظلّ مقاطعة واسعة من القوى الفلسطينية والنخب المستقلة، في تعميق حالة الانقسام الفلسطيني، وزاد من حجم الصعوبات التي تعترض طريق إنجاز المصالحة الوطنية، وإعادة بناء منظمة التحرير، واستئناف المسار الديموقراطي.

وبعد أن كان الانقسام الذي بدأ سنة 2007 يكاد ينحصر في ثنائية فتح وحماس، باتت الساحة الفلسطينية تشهد في الوقت الراهن انقساماً عريضاً من نوع آخر بين قيادة السلطة وفتح وبعض الفصائل المؤيدة لها من جهة، وبين طيف واسع من القوى الفلسطينية الفاعلة والنخب الوطنية في الجهة الأخرى.

وفي خطوة متشددة تزيد من تعقيد الأمور، اشترط المجلس المركزي على من يرغب بالمشاركة في حكومة الوحدة الوطنية؛ الالتزام بقرارات الشرعية الدولية والبرنامج الوطني المتمثل بإعلان الاستقلال سنة 1988، وهو ما يشمل ضمناً الاعتراف بـ”دولة إسرائيل” وبقرارَي مجلس الأمن 242 و338. كما علّق المجلس إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني على ضمان موافقة “إسرائيل” على شمولها لمدينة القدس، وهو ما يعني عملياً تأجيل الانتخابات بشكل مفتوح إلى أجل غير مسمى.

وانتخب المجلس المركزي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس الهيئة العامة للشؤون المدنية، المسؤول عن ملف العلاقة مع “إسرائيل”، حسين الشيخ عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير خلفاً لصائب عريقات، وهو ما عُدَّ تمهيداً لاختياره أمين سرّ للجنة التنفيذية، وتأهيله لمرحلة ما بعد غياب محمود عباس. كما انتخب المجلس مرشح فتح روحي فتوح رئيساً للمجلس الوطني الفلسطيني خلفاً لسليم الزعنون الذي قدَّم استقالته من رئاسة المجلس.

وكانت اللجنة المركزية لحركة فتح استبقت جلسة المجلس المركزي بعقد اجتماع في 18/1/2022، قررت خلاله التجديد بالإجماع لمحمود عباس رئيساً لحركة فتح ومنظمة التحرير ودولة فلسطين، كما انتخبت بالإجماع أيضاً حسين الشيخ مرشحاً لعضوية اللجنة التنفيذية للمنظمة، وروحي فتوح مرشحاً لرئاسة المجلس الوطني الفلسطيني.

ورداً على انفراد قيادة السلطة بالدعوة لانعقاد المجلس المركزي، قاطعت 4 فصائل فلسطينية أعضاء في منظمة التحرير أعمال المجلس وهي: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والمبادرة الوطنية، والجبهة الشعبية – القيادة العامة، والصاعقة، كما قاطعته حركتا حماس والجهاد الإسلامي والعديد من الشخصيات المستقلة. وأصدرت حركتا حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية بياناً مشتركاً أكّدت فيه إنها “لن تعترف بالتعيينات التي أعلن عنها المجلس المركزي في اجتماعه اللا شرعي الأخير”، ودعت إلى البدء فوراً بحوار وطني جادّ على مستوى الأمناء العامين للفصائل كافة، للاتفاق على تشكيل مجلس وطني انتقالي جديد يضم الجميع، ويمهّد لإجراء انتخابات شاملة، ولإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل مؤسساتها.

أولاً: أزمة المجلس المركزي تعمّق التناقضات:

جاء انعقاد المجلس المركزي وما صدر عنه من قرارات مثيرة للجدل ومعزّزة للانقسام في الساحة الفلسطينية، بعد أيام من الحوار الاستكشافي الذي استضافته الجزائر أواخر كانون الثاني/ يناير 2021، بحضور 6 فصائل فلسطينية في مقدمتها حركتا فتح وحماس. وعلى الرغم من أنه لم تصدر أي تصريحات إعلامية حول مجريات الحوار والنتائج التي تمخضت عنه، فإن إصرار قيادة فتح والسلطة على عقد المجلس المركزي بصورة فردية ودون توافق وطني، يُبرز بشكل واضح عدم تحقيق تقدّم في حوارات الجزائر على طريق إنجاز المصالحة وإصلاح النظام السياسي الفلسطيني.

وفي ضوء التعقيدات الجديدة التي أضافتها الخطوات التصعيدية الأخيرة لقيادة السلطة الفلسطينية، تتزايد التناقضات والتباينات في الساحة الفلسطينية على أكثر من صعيد:

• ثمَّة تناقض في الرؤية والاستراتيجية الوطنية لمواجهة الاحتلال وإدارة العلاقة معه؛ حيث تتمسك السلطة وحركة فتح والقوى المؤيدة لها باتفاقيات أوسلو والتنسيق الأمني وخيار المفاوضات، وتراه الخيار الواقعي الوحيد المتاح أمام الشعب الفلسطيني؛ فيما تتبنى حماس والجهاد والشعبية والديموقراطية والعديد من الفصائل الأخرى وكثير من المستقلين والفعاليات الشعبية، المقاومة بأشكالها كافة خياراً استراتيجياً لمواجهة الاحتلال وإدارة العلاقة معه، وترفض استمرار المفاوضات والالتزام باستحقاقات اتفاقية أوسلو، وتدين التنسيق الأمني وتراه جريمة وطنية.

• يتكرّس تناقض آخر في موقف الطرفين من صيغ العمل المؤسسي المشترك، حيث تصرّ قيادة فتح والسلطة على التفرّد باتخاذ القرارات الوطنية بمعزل عن بقية القوى الفلسطينية، وتعطّل الجهود الوطنية لتفعيل منظمة التحرير وإعادة بناء أُطرها على أسس ديموقراطية، فيما تتمسّك القوى المعارضة لتفرّد قيادة السلطة وهيمنة حركة فتح على مؤسسات العمل الوطني، بضرورة إصلاح النظام السياسي الفلسطيني وتنفيذ الاتفاقيات الموقّعة بهذا الخصوص. وقد جاءت الجلسة الأخيرة للمجلس المركزي، التي وُصفت بأنها الجلسة التي قاطعتها معظم الفصائل الفلسطينية والمستقلون، لتُفاقم من حدّة الخلاف والانقسام الوطني، ولتعزّز نهج التفرّد في اتخاذ القرارات، ولتضع مزيداً من العراقيل في وجه محاولات تحقيق التوافق الوطني، ولتضعف فرص إعادة بناء المنظمة وتفعيل أُطرها.

• يتعزّز تناقض ثالث يتعلّق بالموقف من المسار الديموقراطي. ففيما تتمسك معظم الفصائل الفلسطينية والنخب الوطنية بإجراء الانتخابات، وتجديد شرعية المؤسسات التنفيذية والتشريعية (الرئاسة، والمجلس التشريعي، والمجلس الوطني)، تتهرّب قيادة السلطة بمبررات ضعيفة وغير مقنعة من الاستحقاقات الانتخابية، خشية خسارة الانتخابات، وهو ما يفسّر قرارات المجلس المركزي الأخيرة التي وَضَعت شرطَيْن تعجيزيين لإجراء الانتخابات وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية.

ثانياً: السيناريوهات المحتملة لمستقبل العمل الفلسطيني بعد أزمة المجلس المركزي:

في ضوء التداعيات الخطيرة والتحديات الصعبة التي فرضتها الجلسة الأخيرة للمجلس المركزي، والتي ربما تكون الأخطر في تاريخه، يبدو مستقبل النظام السياسي الفلسطيني وصِيَغ العمل الوطني أمام مجموعات من السيناريوهات المتوقّعة خلال الفترة القادمة:

السيناريو الأول: الجمود واستمرار الوضع القائم:

وهو سيناريو المراوحة في المكان، دون تحقيق نتائج عملية تنجز التوافق الوطني المنشود، وتنهي حالة الانقسام الآخذة بالتعمّق والاتساع.

ومن أهم النتائج المترتبة على استمرار الوضع القائم:

1. استمرار حالة الضعف والشلل في الساحة الوطنية، في ظلّ تعطيل دور منظمة التحرير كمرجعية وإطار جامع، والتفرّد بالقرارات السياسية، واحتكار مؤسسات العمل الوطني.

2. استنزاف جهود الشعب الفلسطيني في إدارة الانقسام، وإشغاله بمحاولات غير منتجة لترتيب البيت الفلسطيني وتحقيق التوافق الوطني.

3. منح قيادة السلطة مزيداً من الوقت لمواصلة خياراتها السياسية، التي ألحقت الضرر بمصالح الشعب الفلسطيني.

4. التأثير سلباً في استقلالية القرار الوطني، وتواصل حالة الارتهان للتأثير الخارجي، واستمرار التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن الفلسطيني.

5. إعاقة فرص بلورة مشروع وطني توافقي، لإدارة المواجهة مع الاحتلال، وإنجاز حقوق الشعب الفلسطيني.

السيناريو الثاني: توجّه المعارضين لقيادة السلطة لتشكيل مرجعية وطنية جديدة:

وهو سيناريو ينطوي على تغيير وتحوّل جوهري في موقف القوى الفلسطينية الرافضة لاستمرار الوضع القائم، والمُعارِضة للنهج المتفرّد لقيادة السلطة في إدارة المؤسسات الوطنية وفي احتكار القرار الفلسطيني.

غير أن هذا السيناريو يواجه مجموعات تحديات أهمها:

1. تفضيل مختلف القوى الفلسطينية لخيار إعادة بناء منظمة التحرير كمرجعية وطنية، والرفض القوي لفصائل منظمة التحرير لإنشاء أي إطار وطني بديل عنها.

2. صعوبة الحصول على الشرعية والاعتراف العربي والإسرائيلي والدولي بالمرجعية الوطنية الجديدة، في ظل تمسّك الجانب الإسرائيلي والأطراف العربية والدولية بالسلطة الفلسطينية وبقيادة المنظمة الحالية، ورفضها التعامل مع أيّ بدائل أخرى.

3. النتائج الخطيرة المتوقّعة لإنشاء مرجعية وطنية جديدة، حيث يُرجّح أن يتسبب ذلك بحالة اشتباك ومواجهة سياسية بين شرعيَّتين وإطارَيْن وطنيَّيْن، والانتقال من حالة الانقسام إلى حالة المواجهة السياسية التي قد تتطور باتجاهات أكثر خطورة.

السيناريو الثالث: التمسّك بمنظمة التحرير، وسحب الاعتراف بقيادتها الحالية، وإجراء انتخابات جديدة لأطرها ومؤسساتها القيادية:

يحافظ هذا السيناريو على منظمة التحرير كمرجعية وطنية، كما أن فصائل منظمة التحرير المعارِضة لنهج قيادة السلطة لا ترفض التعاطي مع هذه الفكرة من حيث المبدأ، غير أنه يواجه معظم التحديات والعقبات التي تعترض فرص نجاح تشكيل مرجعية وطنية جديدة، حيث يتطلّب الحصول على الاعتراف العربي والإقليمي والدولي بالمؤسسات الجديدة المنتخبة لمنظمة التحرير، كما أن النتائج المترتبة على المضي فيه خطيرة هي الأُخرى على صعيد المواجهة السياسية بين قيادتَيْن وشرعيَّتين تتنافسان على قيادة ذات الإطار.

السيناريو الرابع: إنجاز المصالحة وتحقيق التوافق الوطني وإعادة بناء منظمة التحرير:

وهو السيناريو المفضل على المستوى الشعبي، والنتائج المترتبة على نجاحه تحقّق المصالح الوطنية، وتنهي حالة الضعف والشَّلل في النظام السياسي الفلسطيني، وتعزّز قدرة الشعب الفلسطيني على إدارة المواجهة مع الاحتلال. لكن هذا السيناريو يصطدم بمجموعة عقبات صعبة، أبرزها:

1. عدم استعداد قيادة فتح والسلطة لتقديم استحقاقات التوافق الوطني على صعيد القبول بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وانتخابات المجلس الوطني، في ظلّ ترجيح خسارتها لتلك الانتخابات في الوقت الراهن. كما تعارض بصورة عملية التجاوب مع الدعوات لإعادة بناء منظمة التحرير، وترفض التخلي عن تفرّدها بالقرارات السياسية واحتكارها للسيطرة على المؤسسات الوطنية.

2. لا تولي الأطراف العربية اهتماماً جدياً بتحقيق التوافق الوطني الفلسطيني وبتجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية وإصلاح النظام السياسي الفلسطيني، خشية النتائج المترتبة على ذلك في ظلّ حالة الضعف التي تمر بها السلطة بسبب تدني شعبيَّتها وفشل خياراتها السياسية.

3. تعارض “إسرائيل” والولايات المتحدة إدماج حماس والجهاد الإسلامي في المؤسسات القيادية الفلسطينية، وتفضل استمرار الوضع القائم الذي يديم حالة الضعف الفلسطيني، ويَحُول دون تعزيز قوَّة الموقف السياسي الفلسطيني باتجاه المزيد من الممانعة والاستقلالية.

السيناريو الخامس: سيناريو الاصطفاف الوطني الانتقالي الضاغط:

وهو سيناريو يقوم على التمسّك بإطار منظمة التحرير، والتقدّم خطوة مهمة وضاغطة على طريق تفعيلها كإطار وطني، عبر تشكيل صيغة وطنية انتقالية أو مرحلية للتعاون والتنسيق المستدام بين المعارضين لنهج قيادة السلطة من القوى والهيئات والنخب والشخصيات الوطنية، وبحيث ترتكز الصيغة الانتقالية على برنامج المقاومة والتمسك بحقوق الشعب الفلسطيني، ورفض اتفاقية أوسلو واستحقاقاتها السياسية والأمنية؛ باتجاه الضغط على قيادة منظمة التحرير لفتح الأبواب أمام عملية إصلاح جادة وشفافة وتمثيلية حقيقية للمنظمة.

ومن أهم المتطلبات اللازمة لنجاح هذا السيناريو:

1. استعداد القوى المنضوية في منظمة التحرير لقبول خيار الصيغة الانتقالية الضاغطة، ولمغادرة مربع التردّد والانتظار.

2. قدرة الأطراف المشارِكة في الصيغة الجديدة على شرح مبرراتها سياسياً وشعبياً، من أجل تحقيق القناعة بجدواها وأهميتها، لتوفير حاضنة سياسية وشعبية داعمة.

3. تحقيق حدّ أدنى من التفهّم لدى بعض الأوساط العربية والإقليمية والدولية، وشرح مبررات هذه الخطوة وأهدافها.

4. تجنّب الاستفزاز، وتحاشي الدخول في تنازع ومواجهة سياسية حادّة مع قيادة السلطة، والحيلولة دون الاستنزاف في صراع سياسي داخلي.

ثالثاً: الترجيح بين السيناريوهات وخيارات الأطراف:

يتضح مما سبق أن من أهم المحددات التي من شأنها أن تعزز فرص نجاح أي من السيناريوهات السابقة أو تضعفها:

1. توجهات قيادة فتح والسلطة وأولوياتها التنظيمية والسياسية: حيث تتمسك بخياراتها السياسية، ولا تبدي استعداداً لمغادرة مربع اتفاقية أوسلو واستحقاقاتها السياسية والأمنية. ولا يحمل قرار المجلس المركزي الأخير بتعليق الاعتراف بـ”إسرائيل” ووقف الالتزام بالاتفاقيات الموقعة معها أي جديد، حيث صدر قرار مماثل عن المجلس سنة 2018 وتمّ تجاوزه من القيادة الفلسطينية التي أحال إليها المجلس مسؤولية تنفيذ القرار الجديد.

وعلى صعيد الأولويات التنظيمية والقيادية، تبدو قيادة السلطة معنية بترتيب أوراقها استعداداً للمرحلة القادمة، وبشكل خاص التعامل مع احتمالات غياب محمود عباس، ولا تبدو معنية في المرحلة الراهنة بتحقيق التوافق الوطني وإنهاء الانقسام واستئناف المسار الانتخابي وتفعيل منظمة التحرير وإعادة بناء مؤسساتها، وتفضّل استمرار حالة الجمود القائمة حالياً.

2. موقف حركتَي حماس والجهاد الإسلامي: تتزايد القناعة لدى الحركتين بصعوبة الوصول إلى توافقات مع قيادة السلطة فيما يخص الموقف من التسوية السياسية وخيار المقاومة في ظلّ المعطيات الراهنة. كما تتزايد العقبات التي تضعها قيادة السلطة أمام انضمامها لمؤسسات منظمة التحرير، إضافة إلى ذلك، لا يبدو خيار إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني أمراً مرجّحا في المدى المنظور.

وبالتالي، فإن سيناريو استمرار الوضع القائم سلبي للغاية من وجهة نظر الحركتَين، وفي الوقت ذاته تُدركان صعوبة الذهاب نحو إنشاء مرجعية وطنية جديدة منافِسة لمنظمة التحرير، كما تُدركان صعوبة إجراء انتخابات جديدة لمؤسسات منظمة التحرير، بمعزل عن حركة فتح في ظلّ الظروف الحالية، وبالتالي تغدو الصيغة الانتقالية أمراً جيداً ومقبولاً من وجهة نظرهما ضمن المعطيات الراهنة.

3. موقف فصائل منظمة التحرير المعارِضة لنهج قيادتها الحالي، ومدى استعداد هذه الفصائل للتقدم خطوات نوعية إلى الأمام بخصوص صِيَغ التعاون والتنسيق في المرحلة القادمة: فعلى الرغم من الحسابات المعقَّدة، وإدراك تلك الفصائل للاستحقاقات المُترتبة على رفع سقف الخلاف مع قيادة السلطة، يُلاحظ أنها باتت تُبدي استعداداً أكبر للخروج من دائرة الخيارات التقليدية التي تُسهم في إدامة الواقع السلبي القائم، وربما تكون مهيأة في الوقت الراهن، أكثر من أي وقت مضى، لمغادرة حالة التردُّد والانتظار، والتعاطي بصورة إيجابية مع فكرة الاصطفاف الوطني الانتقالي الضاغط التي لا تخالف قناعاتها بضرورة التمسك بمنظمة التحرير كإطار فلسطيني جامع، وكمكتسب وطني ينبغي الحفاظ عليه، وفي الوقت ذاته تُجنّبها الدخول في مواجهة ساخنة مع قيادة السلطة إن هي اختارت الدخول في تنافس حادّ معها.

4. موقف الشعب الفلسطيني ونخبه وفعالياته الوطنية: تشير استطلاعات الرأي المحايدة إلى تراجع كبير في منسوب الثقة ومستوى التأييد في الشارع الفلسطيني لقيادة السلطة الفلسطينية ولخياراتها السياسية، حيث يرى أقلّ من 20% من الفلسطينيين أن قيادة السلطة مؤهلة لتمثيل الشعب الفلسطيني وجديرة بقيادته، ويطالب نحو 75% من الفلسطينيين باستقالة الرئيس محمود عباس. ويُعزى هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل تتعلق بفشل رهاناتها السياسية على اتفاقية أوسلو ومسار التسوية، وتَفشِّي مظاهر الخلل والفساد المالي والإداري في أجهزتها ومؤسساتها، وتأثير سجلّها السلبي في مجال الحريات وحقوق الإنسان وتأجيل الاستحقاقات الديموقراطية.

وفي ظلّ الشعور المتزايد بوصول الأمور في الواقع الفلسطيني إلى طريق مسدود، من غير المرجّح أن تؤيد نسبة كبيرة من الفلسطينيين إدامة حالة العجز والشلل السياسي القائمة حالياً.

5. الموقف الرسمي العربي: ينحاز الموقف الرسمي العربي، في المجمل، لصالح تأييد استمرار الوضع القائم، ويدعم شرعية القيادة الفلسطينية الحالية، ويرفض البحث في خيارات بديلة لصيغ العمل الوطني الفلسطيني. ومع توّجه العديد من الحكومات العربية لتطبيع علاقاتها مع دولة الاحتلال، من غير المُرجّح أن يدعم الموقف الرسمي العربي، أو يتقبل، خيارات بديلة في الساحة الفلسطينية تستند إلى خيار المقاومة.

6. الموقف الإسرائيلي: يتمسّك الموقف الإسرائيلي بخيار السلطة الفلسطينية، ويرفض بشدة إجراء تغييرات غير مرغوبة في مؤسسات القرار والتمثيل الفلسطيني، ويُفضِّل استمرار الوضع القائم والخيارات السياسية والأمنية الحالية للسلطة الفلسطينية. وثمَّة اعتقاد واسع في أوساط القوى الفلسطينية التي عارضت انعقاد الجلسة الأخيرة للمجلس المركزي، بأن التأثير الإسرائيلي كان حاضراً في ترجيح كفَّة الشخصيات التي تمّ اختيارها لملء المناصب الشاغرة في منظمة التحرير، استعداداً لمرحلة ما بعد غياب محمود عباس.

7. الموقف الأمريكي: لا يبدو الموقف الأمريكي بعيداً عن حسابات الموقف الإسرائيلي بخصوص تفضيل استمرار الوضع القائم والخيارات السياسية والأمنية الحالية لقيادة السلطة الفلسطينية، ويرفض التعاطي مع أي صيغ أو مرجعيات فلسطينية جديدة.

رابعاً: السيناريو المرجَّح:

وفي ضوء المحددات السابقة، ومواقف وخيارات الأطراف الفلسطينية والخارجية، يمكن ترجيح ما يلي:

• فرص نجاح السيناريو الأول؛ الجمود والمراوحة في المكان واستمرار الوضع الحالي، ما تزال قائمة وقوية في ظلّ المعطيات الراهنة، ولا سيّما في حال فشلت الأطراف المعارضة لتوجهات قيادة السلطة في امتلاك الإرادة والرغبة بمغادرة مربع الانتظار والتردد.

• فرص نجاح السيناريو الثاني؛ الذي يتمثّل في توجّه القوى الفلسطينية المعارضة لتوجهات قيادة السلطة للبحث في تشكيل إطار وطني جديد ومرجعية بديلة عن منظمة التحرير، تبدو ضعيفة وغير مُرجّحة في الوقت الراهن. فعلى الرغم من معارضتها لتوجهات القيادة الفلسطينية، تتمسك فصائل منظمة التحرير بها كمرجعية وطنية. كما أن فرص تحقيق شرعية أو اعتراف أو قبول عربي ودولي بأي بإطار بديل عن السلطة والمنظمة، تبدو غير قائمة ضمن المعطيات الحالية.

• فرص نجاح السيناريو الثالث؛ التمسّك بمنظمة التحرير وسحب الاعتراف بقيادتها الحالية وإجراء انتخابات جديدة لأطرها ومؤسساتها القيادية، تبدو هي الأخرى ضعيفة وغير مرجّحة. فعلى الرغم من أن هذا السيناريو يحافظ على منظمة التحرير كمكتسب وطني، ويقلّل حجم التباينات بين القوى المعارِضة لنهج القيادة الحالية للسلطة، فإن نجاحه يعتمد بصورة أساسية على مدى قدرة تلك الأطراف على تحقيق اعتراف عربي وإقليمي ودولي، وهو أمر متعذّر في الوقت الراهن، كما أنه يُنشئ حالة تنازع وتنافس قوية مع قيادة فتح والسلطة، وقد يُدخل الساحة الفلسطينية في حالة اشتباك ومواجهة خطيرة.

• فرص نجاح السيناريو الرابع؛ لا تُرجح المعطيات الحالية، وسلوك قيادة السلطة وفتح، ومواقف الأطراف العربية، والموقفان الإسرائيلي والأمريكي، فرص نجاح هذا السيناريو، سيناريو إنجاز المصالحة، وتحقيق التوافق الوطني، وإعادة بناء منظمة التحرير، وإجراء الانتخابات، حيث تُفضل هذه الأطراف استمرار الوضع القائم. كما أن المحاولات المتكررة التي بذلتها أطراف متعددة لإنجاز المصالحة والتوافق الوطني، اصطدمت بمواقف متشددة من قيادة السلطة أدّت إلى إجهاض تلك المحاولات التي كان آخرها الدعوة الجزائرية للحوار بين الأطراف الفلسطينية.

• تتزايد فرص نجاح السيناريو الخامس؛ صيغة الاصطفاف الوطني الانتقالي أو المرحلي للتعاون والتنسيق وفق برنامج المقاومة، ويُرجّح أن تتعزّز خلال الفترة القادمة للأسباب التالية:

1. وصول كثير من الشخصيات والفعاليات والقوى الفلسطينية، ومن ضمنها فصائل في منظمة التحرير، إلى مرحلة اليأس من إمكانية تعديل سلوك قيادة السلطة، والوصول إلى توافق وطني معها بخصوص تفعيل أطر منظمة التحرير الفلسطينية، واستئناف المسار الديموقراطي، في ظلّ السلوك الحالي للقيادة الفلسطينية، وخياراتها وأولوياتها السياسية والتنظيمية.

2. تزايد أوجه التعاون والتنسيق بين القوى الفلسطينية المعارِضة لنهج قيادة السلطة في الفترة الماضية على أكثر من صعيد سياسي وميداني، وهو ما يوفّر أرضية وفرصاً أفضل لتطوير صيغ التنسيق خلال المرحلة المقبلة، بما يتيح التقدّم خطوة نوعية إلى الأمام. فقد شكَّلت معركة سيف القدس فرصة مهمة للتلاقي والتنسيق الميداني بين تلك القوى في مجال المقاومة ومواجهة الاحتلال، كما أن صدور بيان مشترك يُعبِّر عن موقف موحّد لحماس والجهاد والشعبية يرفض الاعتراف بشرعية انعقاد المجلس المركزي، يُشكِّل خطوة متقدمة على صعيد تعزيز التنسيق السياسي بين تلك الأطراف إزاء التعامل مع الوضع الفلسطيني القائم.

3. انخفاض التكاليف المترتبة على الذهاب نحو الصيغة الانتقالية الضاغطة، وعدم الحاجة لإجراء تغييرات جوهرية على موقف فصائل منظمة التحرير المتمسك بالمنظمة كإطار ومرجعية وطنية.

وتنطوي صيغة الاصطفاف الوطني الضاغط على عدد من الميِّزات ونقاط القوة المهمة التي يُرجّح أن تحضر في حسابات القوى المعارضة لتوجهات القيادة الفلسطينية عند التفكير بمغادرة حالة الجمود القائمة، ومن أبرزها:

1. الحفاظ على إطار منظمة التحرير كمكتسب وطني مهم.

2. لا تتطلب هذه الصيغة اعترافاً رسمياً من أي طرف إقليمي أو دولي، لكونها صيغة تعاون وتنسيق داخلي بين المؤمنين بخيار المقاومة والرافضين لخيار أوسلو والتنسيق الأمني، ولا تطرح نفسها بديلاً عن السلطة أو المنظمة.

3. تشكّل الصيغة الجديدة ورقة ضغط مهمة على قيادة السلطة لحسم أمرها، ولمغادرة مربع المماطلة والتسويف في تنفيذ الاستحقاقات الديموقراطية، واستحقاق إعادة بناء منظمة التحرير وتفعيل مؤسساتها.

4. في حال إصرار قيادة السلطة الفلسطينية على نهجها السياسي، وتفرّدها بالقرار الوطني، وإغلاقها الأبواب أمام إعادة بناء المنظمة وتفعيل مؤسساتها، على الرغم من الضغوط الجماعية التي تتيحها هذه الصيغة، فإن الصيغة الجديدة تُشكِّل اختباراً مهماً لمدى قدرة القوى المشارِكة فيها على الانتقال خطوة إضافية باتجاه إعادة بناء المنظمة وتفعيل أطرها بمعزل عن قيادة فتح والسلطة، أو اليأس من إمكانية تحقيق ذلك ضمن حالة إجماع وطني.

5. تحقّق هذه الصيغة فرصة أفضل لتطوير مجالات التعاون والتنسيق بين الأطراف المشاركة، كما توفّر فرصة أفضل لتحرّكها السياسي الجماعي المؤثِّر فلسطينياً وخارجياً، وتحقق أرضية مشتركة للتعبير عن الموقف السياسي تجاه القضايا الوطنية المهمة.

6. لا تثير الصيغة الوطنية الضاغطة مستوى الاستفزاز وردود الفعل والإشكالات ذاتها التي يثيرها التوجّه لتشكيل مرجعية وطنية جديدة.

وفي ضوء ما سبق، يُرجّح أن يراوح مستقبل الوضع الفلسطيني خلال الفترة القادمة بين سيناريو الجمود واستمرار الوضع القائم، وسيناريو التوجه نحو الصيغة الوطنية الانتقالية الضاغطة التي تتعزز فرصها بصورة تدريجية. وسيعتمد الأمر بدرجة كبيرة على خيارات القوى الفلسطينية، واستعدادها لمغادرة حالة التردد والانتظار.

خامساً: التوصيات:

1. على الرغم من الصعوبات والتحديات التي تواجه خيار تحقيق التوافق الوطني الشامل وإنجاز المصالحة وإنهاء حالة الانقسام السياسي، ينبغي التمسك بهذا الخيار والسعي لإنجاحه بكل السبل الممكنة.

2. بالنظر إلى التداعيات السلبية المترتبة على استمرار حالة الضعف والعجز في النظام السياسي الفلسطيني بوضعه القائم، يغدو البحث عن مخارج من المأزق السياسي الحالي أمراً مُلحّاً وبالغ الأهمية، وهو ما يفرض على قوى الشعب الفلسطيني ونخبه وفعالياته الوطنية تحمّل مسؤولياتها، والنهوض بواجباتها، واتخاذ قرارات شجاعة وخطوات جريئة تنهي حالة العجز والشلل.

3. تُمثِّل صيغة الاصطفاف الوطني الانتقالي الضاغط خياراً واقعياً يستحق الدراسة الجادة والمعمّقة من القوى والشخصيات والفعاليات الفلسطينية، حيث إنه يعزّز آليات التنسيق والتعاون السياسي والميداني في مواجهة الاحتلال، ويشكّل ضغطاً مطلوباً على القيادة الفلسطينية من أجل التوقف عن سياسات التفرّد بالقرار، وتعطيل المؤسسات الوطنية، وتأجيل استحقاقات التوافق الوطني، واستئناف المسار الديموقراطي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى