القضية الفلسطينيةمقالات

من حرب 2014.. السيلة الحارثية خطوة إلى الأمام

ساري عرابي متراس

يمكن اعتبارُ العام 2014 فارقاً في الانتقال بالحالة الكفاحيّة في الضفّة الغربيّة نحو مرحلةٍ جديدة. يعني ذلك أنّ الفلسطينيّين أمام مرحلتين زمنيّتين منذ ما اصطلح على تسميته “الانقسام”؛ الأولى منذ عام 2007، والثانية منذ عام 2014.

قبل الشروع في بيان التحوّل وما نجم عنه من سماتِ مرحلةٍ جديدة، يجدر الوقوف مع المرحلة السابقة، والتي أخذت شكلين مختلفين في كلٍّ من الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة.

نتائج الانتفاضة المُتباينة

في حين انتهت انتفاضةُ الأقصى إلى بُنية مقاومةٍ في قطاع غزّة مؤسسةً على تلك الانتفاضة، ثمّ على استكمال الانسحاب الإسرائيليّ عام 2005، ثمّ على سيطرة “حماس” على القطاع عام 2007، فقد انتهت في الضفّة الغربيّة إلى العكس تماماً.

في الضفّة الغربيّة، انتهت الانتفاضةُ باستنزاف المجتمع وفصائل المقاومة فيها، وهو ما تعزّز مع اجتياح مناطق “أ” في عملية “السور الواقي” عام 2002، ثمّ بتجريف الحالة الوطنيّة، واستكمال تفكيك فصائل المقاومة بجهدٍ مزدوجٍ مكثّف من الاحتلال والسّلطة الفلسطينيّة، وهو جهدٌ تغطّى في بعضه بـ”الانقسام” الذي التبست صورتُه لدى الجماهير في الضفّة الغربيّة تحديداً.

وقد جرى توظيفُ سياسات الاحتلال الاستنزافيّة في انتفاضة الأقصى، ثمّ حالة الفلتان في نهايتها، لإعادة إنتاج سياسات الهندسة الاجتماعيّة في الضفّة، وهي السياسات التي أخذت كذلك دفعةً إضافيّة بعد العام 2007. وفي هذه الأثناء راكم الاحتلالُ من تفوقِهِ الاستخباراتيّ على نحوٍ كاسحٍ وغير مسبوق.

وبينما نتحدث عن الاختلاف بين أوضاع الضفّة الغربيّة وغزّة بعد 2007، ينبغي الانتباه إلى استحالةِ مطابقة أنماط المقاومة في الضفّة الغربيّة لأنماطها في القطاع، لاختلاف ظروف كلٍّ منهما. إذ إنَّ بعض التقييمات لأوضاع الضفّة لم تكن تُلاحظ التبايناتِ بين ساحتها وبين ساحة غزّة، وصعوبة استنساخ نماذج الانتفاضة الشاملة، بنسختها الأولى عام 1987 أو الثانية عام 2000، ما دامت شروطها الموضوعيّة غير متوفّرة.

لكن ذلك لا يعني أنَّ حالة موات كاملة كانت تسود الضفّة طوال السنوات السبعة الأولى من الانقسام، فالإحصائيات تشير إلى أنماطٍ متنوعة من المقاومة في الضفّة (والتي نُدرج فيها القدس بالرغم من ظروفها الخاصّة نسبيّاً)، بعضها كان مدفوعاً بمحاولاتٍ تنظيميّة.

وقد اتسمت تلك المرحلة بقوّةٍ واضحةٍ للسلطة الفلسطينيّة، استفادت من الانعكاسات الدعائيّة للانقسام الذي كانت ساحته الرئيسية غزّة، ومن إعادة تفعيل سياسة السلام الاقتصاديّ بعد الحصار الذي تعرّضت له حكومة حركة “حماس”، وترافق ذلك مع كثافة الحملة الأمنيّة على كوادرها، واتصافها بالترويع الشديد متغطيةً بالانقسام، متعديةً إلى تجريف الحالة الوطنيّة عموماً.

يمكن اعتبارُ العام 2014 فارقاً في الانتقال بالحالة الكفاحيّة في الضفّة الغربيّة نحو مرحلةٍ جديدة. يعني ذلك أنّ الفلسطينيّين أمام مرحلتين زمنيّتين منذ ما اصطلح على تسميته “الانقسام”؛ الأولى منذ عام 2007، والثانية منذ عام 2014.

قبل الشروع في بيان التحوّل وما نجم عنه من سماتِ مرحلةٍ جديدة، يجدر الوقوف مع المرحلة السابقة، والتي أخذت شكلين مختلفين في كلٍّ من الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة.

نتائج الانتفاضة المُتباينة

في حين انتهت انتفاضةُ الأقصى إلى بُنية مقاومةٍ في قطاع غزّة مؤسسةً على تلك الانتفاضة، ثمّ على استكمال الانسحاب الإسرائيليّ عام 2005، ثمّ على سيطرة “حماس” على القطاع عام 2007، فقد انتهت في الضفّة الغربيّة إلى العكس تماماً.

في الضفّة الغربيّة، انتهت الانتفاضةُ باستنزاف المجتمع وفصائل المقاومة فيها، وهو ما تعزّز مع اجتياح مناطق “أ” في عملية “السور الواقي” عام 2002، ثمّ بتجريف الحالة الوطنيّة، واستكمال تفكيك فصائل المقاومة بجهدٍ مزدوجٍ مكثّف من الاحتلال والسّلطة الفلسطينيّة، وهو جهدٌ تغطّى في بعضه بـ”الانقسام” الذي التبست صورتُه لدى الجماهير في الضفّة الغربيّة تحديداً.

وقد جرى توظيفُ سياسات الاحتلال الاستنزافيّة في انتفاضة الأقصى، ثمّ حالة الفلتان في نهايتها، لإعادة إنتاج سياسات الهندسة الاجتماعيّة في الضفّة، وهي السياسات التي أخذت كذلك دفعةً إضافيّة بعد العام 2007. وفي هذه الأثناء راكم الاحتلالُ من تفوقِهِ الاستخباراتيّ على نحوٍ كاسحٍ وغير مسبوق.

وبينما نتحدث عن الاختلاف بين أوضاع الضفّة الغربيّة وغزّة بعد 2007، ينبغي الانتباه إلى استحالةِ مطابقة أنماط المقاومة في الضفّة الغربيّة لأنماطها في القطاع، لاختلاف ظروف كلٍّ منهما. إذ إنَّ بعض التقييمات لأوضاع الضفّة لم تكن تُلاحظ التبايناتِ بين ساحتها وبين ساحة غزّة، وصعوبة استنساخ نماذج الانتفاضة الشاملة، بنسختها الأولى عام 1987 أو الثانية عام 2000، ما دامت شروطها الموضوعيّة غير متوفّرة.

لكن ذلك لا يعني أنَّ حالة موات كاملة كانت تسود الضفّة طوال السنوات السبعة الأولى من الانقسام، فالإحصائيات تشير إلى أنماطٍ متنوعة من المقاومة في الضفّة (والتي نُدرج فيها القدس بالرغم من ظروفها الخاصّة نسبيّاً)، بعضها كان مدفوعاً بمحاولاتٍ تنظيميّة.

وقد اتسمت تلك المرحلة بقوّةٍ واضحةٍ للسلطة الفلسطينيّة، استفادت من الانعكاسات الدعائيّة للانقسام الذي كانت ساحته الرئيسية غزّة، ومن إعادة تفعيل سياسة السلام الاقتصاديّ بعد الحصار الذي تعرّضت له حكومة حركة “حماس”، وترافق ذلك مع كثافة الحملة الأمنيّة على كوادرها، واتصافها بالترويع الشديد متغطيةً بالانقسام، متعديةً إلى تجريف الحالة الوطنيّة عموماً.

شكّلت هذه الحربُ أهمَّ رافعةٍ تعبويّةٍ للجماهير في ساحة الضفّة الغربيّة، بعد أن عانت من عمليات التجريف والتفكيك. وأخذت تلك الحربُ تزيح من التباساتِ “الانقسام” من تلك الساحة، وتُعيد رموز المقاومة، بغضّ النظر عن انتمائهم الحزبيّ، إلى صدارة الوعي الجماهيريّ، حتّى في ألعاب الأطفال، الذين اكتشفوا من جديد “محمد الضيف” و”أبو عبيدة”، وأعادوا تسمية لعبتهم “عرب ويهود” إلى “قسّام ويهود”، وفي بروز جيلٍ شابٍ جديد يتخذ من قاموس المقاومة كلماته وقيمه.

بينما ظهر الأثرُ السياسيّ للحرب بالفوز الساحق الذي حقّقته الكتلة الإسلامية (ذراع “حماس” الطلابية) عام 2015 في انتخابات مجلس الطلبة في جامعة بيرزيت. حصلت الكتلة يومها، ولأوّل مرّةٍ في تاريخها، على 26 مقعداً، مقابل 19 مقعداً لكتلة الشبيبة ذراع حركة “فتح”، مما مكّنها، لو أرادت، تشكيل المجلس منفردةً.

كما أن ذلك الفوز كان أول فوزٍ لها بعد الانقسام. وقد كانت النتيجة في الانتخابات السابقة لتلك 23 مقعداً لكتلة “فتح” مقابل 20 مقعداً لكتلة “حماس”، ولم يكن ثمة متغير يفسّر هذا الصعود المفاجئ والكبير في النتيجة سوى الحرب. وهكذا، كانت نتيجةُ انتخابات بيرزيت انعكاساً سريعاً للحرب، ولا يعني ذلك ضرورةَ استمرار النتيجة نفسها لتكون دليلاً مستمراً على حصول التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة في الضفّة.

أما هبّة القدس، التي انطلقت في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، فقد كانت الانعكاسَ الأهمّ للحرب، وصاحبة الدلالة الأكبر على الأثر المعنويّ الهائل لها، ونتيجةً للجهد الفرديّ والمُنظّم على السواء في دفع الحالة الكفاحيّة في الضفّة الغربية. فقد سبقت تلك الهبة عمليةٌ لخلية تابعة لحركة “حماس” قرب بلدة بيت فوريك، ثمّ كانت عملية الطعن التي نفّذها الشهيد مهند الحلبي في البلدة القديمة للقدس، وهو ينحدر تنظيميّاً من حركة الجهاد الإسلاميّ.

من ناحيةٍ أخرى، تتفق الإحصائياتُ الفلسطينيّة والإسرائيليّة، كإحصائيات جهاز الـ”شاباك” وجيش الاحتلال، على تصاعد أعمال المقاومة منذ النصف الثاني من العام 2014، في حين كانت إحصائيات الـ”شاباك” تُشير باستمرار إلى تراجع أعمال المقاومة في الضفّة الغربيّة من بعد العام 2007. وهو الأمر الذي يجعل العام 2014 فاصلاً بالفعل، دون أن يعني ذلك أنَّ وتيرةَ العمل المقاوم واحدةٌ من بعد العام 2014، لكنها في أقلّ أحوالها تتسمُ بثباتٍ لا يرجع بمستواها أبداً إلى ما قبل العام 2014.

بالإضافة لحرب العام 2014، التي شكّلت رافعةً تعبويّة، فإنّ هبّة القدس شكّلت رافعةً ذاتيّةً في ساحة الضفّة الغربية، بما رافقها من تعبئةٍ وطنيّةٍ كثيفة في المنابر الإعلاميّة التابعة لفصائل المقاومة، بالإضافة للمنابر الشخصيّة على مواقع التواصل الاجتماعي. وهو الأمرُ الذي تنبّهت له أجهزة الاحتلال، فأغلقت مقرات القنوات الفضائيّة التابعة لفصائل المقاومة في الضفّة، واعتقلت بعض موظفيها، وداهمت إذاعاتٍ محليّة وأغلقت بعضها، وحاكمت فلسطينيين بتهم التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي.

بيد أنّ من أهم عوامل التعبئة الذاتيّة هو العمليات النوعيّة، سواءً كانت ذاتيّة، أم كانت مُوجّهةً من فصائل المقاومة، وما تبع ذلك من عودة ظاهرة المطاردين، حتى لو كانت قصيرة. يعني ذلك أنّ المشهد إزاء حالةٍ كفاحيّة مفتوحة، من عناصر التثوير فيها الاعتداءاتُ على المسجد الأقصى، والهبات المتّصلة به كما في أعوام (2017، و2019، و2021)، وتغول العدوان الاستيطانيّ لا بالتمدّد الاستعماري فحسب، بل وباعتداءات المستوطنين المباشرة على الفلسطينيين وممتلكاتهم.

قفزة إلى الأمام

لقد كانت الذروة القريبة لهذا المسار، في هبّة أبريل- مايو/ نيسان- أيار 2021، التي تدحرجت من القدس، وصولاً لمعركة المقاومة “سيف القدس” من غزّة، لتلفّ الفلسطينيين كلّهم. عزّزت هذه الهبّة من التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة في الضفّة الغربيّة، وبرز عنها نجاحٌ نسبيٌّ للتنظيمات المُقاوِمَة في محاولاتها المستمرّة لإعادة بناء نفسها. وهو الأمر الذي تجلّى أخيراً على نحوٍ واضحٍ في “كتيبة جنين”1، وفي التصدّي الواسع لاقتحام الاحتلال لبلدة السيلة الحارثية ومحاولة تأخير وتعطيل هدمه لمنزل الأسير محمود جرادات، المُتهم بتنفيذ عملية إطلاق نار في بقايا مستوطنة “حومش”.

وصولاً إلى هذه المشهدية الاستثنائية، ينبغي الحديث عن آلاف الأسرى وعشرات الشهداء، في قلب الهبات المتواصلة، وإلى جانب العديد من العمليات النوعية، ومحاولات التنظيمات إعادة البناء والتشكيل، وعودة ظاهرة المطاردين، وبؤر مواجهة الاستيطان كما في “بيتا”، والوحدة على أرضية المقاومة كما في جنين، وبقدر ما في نابلس، وهذه الحالة التي تتسم بالصعود أو الثبات، جديرةٌ بأخذها في سياق ظرفها الموضوعيّ، وعدم مقارنتها بالانتفاضات الواسعة أو بالحروب على غزّة.

وبالنظر إلى هذا المسار الطويل، والذي يحظى بعمليات دفعٍ متنوعةٍ بين فترة وأخرى، والذي يستفيد من الانزياح الشعبيّ عن السلطة الفلسطينيّة وتراجع قدراتِها الاقتصاديّة وانكشاف مقولاتِها السياسيّة وتقادم شرعيتها الانتخابيّة إلى درجة التآكل، ومظاهر الوحدة على خيار المقاومة، والتأييد الجارف الذي تحظى به المقاومة، فإنّ فرصةَ اتساع الحالة الكفاحيّة، أو تطوّر بعض مظاهرها قائمةٌ باستمرار. لكنّها تحتاج إلى المزيد من التنظيم، والإبداع في التقاط الفرصة والتحايل على تفوق العدوّ وتطوير الحالة، وتوسيع قاعدتها لاستيعاب الضربات، وهي مسؤولية تنظيمات المقاومة، المطالبة اليوم بخطوات أكثر جذريّةً على المستوى السياسيّ، وأكثر تركيزاً على هذه الساحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى