القضية الفلسطينيةمستجدات سياسيةمقالات

بين أوكرانيا وفلسطين ميزان العدالة أعوج

أحمد النجار عربي 21

تتصاعد الحرب الروسية الأوكرانية، إذ اتخذ الروس قرارا بغزو أوكرانيا لأنهم يعتبرونها تاريخا وحضارة يجب أن تكون موالية وقريبة ولا تحيد عن ذلك أبدا.. وأوكرانيا التي رأت في نفسها مستقلة ومن حقها الانصهار في أوروبا والانضمام إلى حلف الناتو وبدعم وتوجيه كامل من الولايات المتحدة الأمريكية لاعتبارات سياسية وأمنية وعسكرية، هذا الحلم الأوكراني، ترفضه روسيا وريثة السوفييت وتقف حائلا أمام ذلك؛ وتعتبره مسارا مرعبا تسلكه حكومة كييف يهدد أمن روسيا القومي ويعمل على إبادة طموحها في استعادة أمجاد وتاريخ السوفييت الذي تم تفكيكه والقضاء عليه في 25 ديسمبر/ كانون الأول 1991، إضافة إلى التهديد الاستراتيجي للعاصمة الروسية إذ ستكون في مرمى صواريخ النيتو التي لا تبعدها سوى 500 كيلو متر فقط.

في هذه الحرب تحاول روسيا إظهار نفسها قوةً عظمى تتحدى العالم بأكمله وتحاول لفت الأنظار إلى طموحها في عودة الاتحاد السوفييتي قبل انهياره، ومما ينسب إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قوله تعليقا على حادثة تفكك الاتحاد السوفييتي: “من لا يراوده الأسى لغياب الدولة السوفييتية.. إنسانٌ بلا قلب”..

فالحرب بين الطرفين تشتد يوما بعد أخر، ولم تستخدم روسيا من قوتها العسكرية إلا جزءا بسيطا، والمعركة لم تحسم بعد ولم يحقق أي من الأطراف أهدافه المعلنة والخفية، لكن كل المؤشرات تقول إن القادم عظيم وبركان قد يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة تتغير من خلالها الخريطة الجيوسياسية وينتهي عصر أحادي القطبية.

على الأرض معركة ضارية بين الأطراف يزداد زخمها، عندما بدأها الروس كان ظاهرها مناورات تكتيكية ثم تطورت إلى عملية عسكرية في عمق الأراضي الأوكرانية مستخدمة كل أنواع الأسلحة القتالية، في المقابل أوكرانيا بدأت بالمقاومة والدفاع عن نفسها وكبدت القوات الروسية خسائر فادحة تم توثيقها في كثير من المقاطع المصورة التي أظهرت خسائر كبيرة في صفوف جنود ومعدات القوات الروسية، معلنة عن مواصلة المقاومة للغزو الروسي لآخر لحظة.

على الأرض حرب تحرق اليابس والأخضر وكل طرف يبذل كل ما بوسعه لإلحاق الهزيمة بالطرف الآخر والميدان مشتعل، لكنْ ثمة أمر كشفته هذه الحرب وهو الاعوجاج الكبير في ميزان العدالة، إذ لم تبق دولة إلا وقد أدانت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وشرعت لأوكرانيا المقاومة بكافة السبل والأدوات وأعلن الغرب دعمه ووقوفه بجانب أوكرانيا وقبلت فتح باب التطوع لغير الأوكرانيين الأجانب  في مواجهة روسيا.

لطالما تغنى الغرب وأمريكا وأوروبا بحقوق الإنسان والحريات والديمقراطية والحياد لكن عندما اقتربت الحرب من حدودهم ومستهم بشكل مباشر، كشفت وجههم الحقيقي، فأصبح الانحياز علنيا، والإدانة والاستنكار انقلبت إلى دعم وتعبئة وتحريض ومقاطعة وفرض عقوبات ومضاعفتها ومزيد من العزلة التي طالت كل القطاعات الاقتصادية والخدمية والمشاركة في الرياضة العالمية، إضافة حظر البريد والإعلان عبر الشبكة العنكبوتية وإغلاق المجالات الجوية أمامها، وطردها لبعثات دبلوماسية واستدعاء سفراء وعقد اجتماعات ولقاءات متواصلة وتأهب الجنائية الدولية للتحقيق في ارتكاب روسيا جرائم حرب، بالإضافة إلى تقديم الدعم العسكري والمالي.

ذلك جميل لو لم تحكمه ازدواجية المعايير وسياسة الكيل بمكيالين، هذه هي مواقف الغرب وأوروبا وأمريكا الداعمة لأوكرانيا، أما فلسطين فلا حق لها في المقاومة ومقاومتها تعرف بالإرهاب ولا تطوع بل حصار خانق، والتعاطف شبه معدوم، لم نر ذرة من هذه المواقف إبان احتلال إسرائيل لأرض فلسطين عام 1948 وارتكابها أفظع المجازر وتهجير الفلسطينيين من بيوتهم  قسرا، ولم نشاهد أيا من هذه المواقف إبان العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أعوام 2008 ـ 2012 ـ 2014 ـ 2021، فلم نر شيئا من هذه المواقف الفاعلة ضد إسرائيل على ارتكابها أفظع الجرائم بحق الفلسطينيين واحتلالها لأرض كان يسكنها الآمنون بالإضافة إلى سرقتها في كل يوم لمزيد من الأرض في الضفة والقدس ناهيك عن سياسة إعدام الأطفال وهدم البيوت على رؤوس ساكنيها.

لكن عندما أصبح الاعتداء ضد الغرب فقد سارع العالم أجمع للتنديد بروسيا، فتخيلوا مثالا بسيطا عندما تم حرق قطاع غزة في عام 2014 وتضامن اللاعب أبو تريكة مع غزة ضيقوا عليه وزعموا أن لا سياسة في الرياضة، تلك هي عدالة الغرب الكاذبة “الكيل بمكيالين” التي تتبعها، و”شجّعت إسرائيل على ارتكاب مزيد من الجرائم ضد الشعب الفلسطيني”.

هذا هو ميزان الغرب وأمريكا، دعم أوكرانيا بالسلاح حق مشروع للدفاع عن النفس، بينما دعم غزة بالسلاح لمقاومة الاحتلال إجرام ويعاقب صاحبه بالسجن، ومقاطعة روسيا اقتصاديا لغزوها أوكرانيا واجب إنساني، بينما مقاطعة إسرائيل لجرائمها ضد الفلسطينيين إجرام وعمل غير أخلاقي.. الآن يذوق الغرب من الكأس المر لعلهم يشعرون بمن كانوا يقهرون ويعدمون في كل يوم وليلة وهم لا يشعرون، لعلهم يمتنعون بعد ذلك عن ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين والتفريق بين الجنس الأبيض وباقي أجناس الأرض ولعل الحرب الروسية الأوكرانية تقنع الغرب وأمريكا بأن الذي يحتل فلسطين ويقتل هو مجرم لا يقل في إجرامه عن قاتل الأوكراني ذي الشعر الأشقر والعيون الزرقاء فالكل سواء ولا داعي لاعوجاج العدالة والكيل بمكيالين..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى