القضية الفلسطينيةترجماتدراساتمستجدات سياسية

دور غزة في النضال الفلسطيني ومآلاته

صالح النعامي مركز الجزيرة للدراسات

مثَّلت هبَّة القدس التي تفجرت في مايو/أيار 2021 ردًّا على قرارات إسرائيل بطرد عوائل فلسطينية من بعض أحياء القدس الشرقية واحتجاجًا على سياساتها تجاه المسجد الأقصى، حدثًا نادرًا واستثنائيًّا في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني. فمنذ العام 1967 لم يحدث أن توحد الفلسطينيون في القدس، وقطاع غزة، والضفة الغربية، وفلسطين الداخل، وبعض مناطق الشتات في ممارسة هذه الحالة النضالية انتصارًا لقضية بعينها. بادرت حركة حماس خلال هذه الهبَّة بإطلاق الصواريخ على القدس ومدن إسرائيلية، في إطار ما أسمته “معركة سيف القدس”؛ معلنة عزمها فرض معادلة جديدة تربط غزة بالقدس وتشرّعِ استخدام كل أدوات النضال المتاحة لديها ضد ممارسات الاحتلال في المدينة المقدسة. وقد أسفرت العمليات الهجومية لجيش الاحتلال في أعقاب ذلك عن مقتل وجرح المئات من الفلسطينيين وتدمير عشرات المنازل والأبراج والمرافق العامة.

وبعد حوالي تسعة أشهر على “هبَّة القدس”، عادت إسرائيل إلى نفس الممارسات التي رأت حماس أنها تستوجب ردودًا أثناء الهبَّة؛ حيث تواصل تطبيق سياستها التهويدية في المدينة التي تشمل  طرد المقدسيين من بيوتهم؛ وتغيير الواقع الديمغرافي  في المدينة لصالح المستوطنين اليهود، ومحاولة تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى؛ فضلًا عن مواصلة حسم مصير الضفة الغربية عبر تطوير المشروع الاستيطاني وتوسيع دائرة القمع ضد الفلسطينيين هناك، التي تمثلت مؤخرًا في العودة إلى استئناف عمليات الاغتيال في قلب المدن الفلسطينية(1)؛ إلى جانب مواصلة تشديد الحصار على غزة ووضع شروط “تعجيزية” لإعادة إعمارها.

يفرض هذا الواقع طرح سؤالين رئيسيين: هل يمكن لغزة أن تربط مجددًا بين اتجاهات فعلها النضالي وممارسات سلطات الاحتلال في ساحات فلسطينية أخرى كما فعلت حماس في “هَبَّة القدس”؟ وكيف تؤثر بيئة الفعل النضالي في غزة واتجاهاته على فاعليته ومكانته ضمن النضال الفلسطيني؟

من أجل الإجابة على هذين السؤالين، فإن هذه الورقة ستحلِّل خمسة مستويات متداخلة من المحددات التي توجه الفاعلين المؤثرين في النضال الفلسطيني في غزة وتختبر انعكاسات سلوكهم على جدوى وعوائد هذا النضال:

أولًا: الرؤى والاعتبارات المختلفة التي توجه أداء الفعل النضالي لحركة حماس، بوصفها الفاعل الرئيس في قطاع غزة، المسؤول عن أداء معظم مناشط النضال وتتحمل جُلَّ تبعاته.

ثانيًا: سلوك القوى التي تشارك حماس الفعل النضالي في القطاع، ومواقف السلطة الفلسطينية تجاهه واتجاهات الرأي العام الفلسطيني إزاءه.

ثالثًا: سياسات ومواقف إسرائيل التي تؤثر على فعل غزة النضالي.

رابعًا: اتجاهات تدخل القوى الإقليمية والدولية وتداعياتها المختلفة.

خامسًا: جدوى ومستقبل النضال الفلسطيني في غزة وانعكاساته على القضية الفلسطينية.

أولًا: نضال غزة واعتبارات حماس

أسهمت ثلاثة تطورات متقاربة في إحداث تحولات جوهرية على اتجاهات النضال الفلسطيني في قطاع غزة، وهي: تنفيذ إسرائيل خطة “فك الارتباط”، في 2005، التي سحبت بموجبها جيشها من القطاع، وفوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، في 2006، وتشكيلها الحكومة الفلسطينية العاشرة، وسيطرة الحركة على القطاع، في يوليو/تموز 2007، بعد مواجهات دامية مع حركة “فتح”. قبل هذه التطورات لم يكن الفعل النضالي المسلح في غزة -الذي كان ذا قدرات متواضعة- يخضع لاعتبارات جغرافية. فحماس التي مارست العمل المسلح من منطلق تجسيد التزاماتها الأيديولوجية وانسجامًا مع تصورها أن النضال المسلح يمثل السبيل إلى تحرير فلسطين، كانت تستهدف الوجود العسكري للاحتلال ومشروعه الاستيطاني في القطاع وخارجه؛ فضلًا عن أن الكثير من العمليات العسكرية كانت تبررها بالرد على ممارسات الاحتلال في الضفة الغربية والقدس وتجاه الأسرى الفلسطينيين في سجونه.

وقد سمحت سيطرة حركة حماس على القطاع لها وللفصائل الأخرى بتطوير إمكانياتها العسكرية بشكل كبير؛ سيما على صعيد بناء ترسانة صاروخية، أحدث تحولًا كبيرًا في قدراتها الحربية واتجاهات الفعل النضالي المسلح. لكن انسحاب إسرائيل من قطاع غزة وسيطرة حماس المطلقة عليه أفضى إلى نتيجتين “سلبيتين” في كل ما يتعلق بالنضال المسلح؛ حيث نزع الانسحاب “الشرعية” عن “حق المقاومة” في استهداف العمق الإسرائيلي في نظر الكثير من القوى الدولية الفاعلة، التي قبلت حُجَّة إسرائيل بأنها انسحبت من قطاع غزة وبالتالي فإن إطلاق الصواريخ عليها يعد اعتداء عليها وانتهاكًا لسيادتها، وعزَّز في المقابل، “الشرعية” الداخلية في إسرائيل لاستخدام قدر غير متناسب من القوة في الرد على عمليات المقاومة عبر استهداف مقدراتها العسكرية واللوجستية والمرافق العامة. وتحرص إسرائيل على تكبيد حماس أثمانًا باهظة ردًّا على سلوكها العسكري -الذي تمارسه وبقية الفصائل في القطاع- وبوصفها الجهة التي تملك السلطة هناك؛ ولتدفع بهذا نحو تآكل قدراتها العسكرية؛ ولتدفع بها إلى الضغط على الفصائل الأخرى لوقف نشاطاتها الحربية. إلى جانب ذلك، فإن سيطرة حماس على غزة منحت إسرائيل، التي تتحكم في المنافذ البرية والبحرية للقطاع، الفرصة لممارسة الضغوط عليها عبر تشديد الحصار؛ وهو ما فاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية على السواء، وانعكس سلبًا على الجمهور الفلسطيني في القطاع. وأسهم الحصار الإسرائيلي وما تبعه من تداعيات اقتصادية وإنسانية في تقدم الاعتبار الجغرافي كمكوِّن من الاعتبارات التي تحكم وتيرة واتجاهات عملها النضالي المسلح. ففي إطار مراعاة الأوضاع الاقتصادية والإنسانية للجماهير الفلسطينية في غزة، تتجنب حركة حماس، في الغالب، تنفيذ أعمال حربية في حال التزمت إسرائيل بتفاهمات التهدئة التي يجري التوصل إليها بوساطة مصرية والتي تتضمن تسهيلات اقتصادية، سواء على صعيد إدخال المواد الغذائية والطبية عبر المنافذ التجارية وزيادة مساحة الصيد وغيرها من إجراءات، خشية أن يرد الاحتلال بالتراجع عن هذه التسهيلات. وفي المقابل، فإن حماس وغيرها من الفصائل تشن عمليات إطلاق صواريخ وقذائف باتجاه الحدود ردًّا على تلكؤ إسرائيل في تنفيذ بنود الاتفاق وكاحتجاج ضمني على تردي الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.

وبفعل الاعتبارات الجغرافية، كان جُلُّ الفعل النضالي المسلح لحماس يتعلق بممارسات إسرائيل ضد قطاع غزة؛ بحيث ظل يتمحور حول تأمين الحدود والتصدي لعمليات التوغل، والرد على العمليات الإسرائيلية الهادفة للمسِّ بقدراتها العسكرية، وعمليات الاغتيال التي تستهدف قادة وعناصر حماس وغيرها من الفصائل داخل القطاع في إطار الحروب أو جولات التصعيد ولإحباط عمليات التسلل ذات الطابع الاستخباري إلى غزة. وفي المقابل، تراجع ربط حركة حماس عملها المقاوم بممارسات إسرائيل الاحتلالية في الساحات الفلسطينية الأخرى.

وبرز أيضًا دور الحصار، كأحد أهم مكونات البيئة التي أثَّرت على اتجاهات الفعل النضالي لحماس؛ حيث ربطت قيادة الحركة بين التزامها بالنضال المسلح ومواصلة إسرائيل فرض الحصار على غزة(2)، حتى إن معظم الحروب وجولات التصعيد التي شهدتها غزة، انتهت بتفاهمات تهدئة غير مباشرة تعلقت بالأساس بواقع الحصار ولم تتعرض لسلوك الاحتلال خارج حدود القطاع.

من هنا، كانت حرب مايو/أيار 2021 تحولًا استثنائيًّا في مسار مقاومة غزة؛ حيث إن حركة حماس بادرت إلى إطلاق الصواريخ على “القدس المحتلة” ومستوطنات داخل إسرائيل ردًّا على قرار إحدى “المحاكم الإسرائيلية” طرد فلسطينيين من منازلهم في الشيخ جراح وبسبب ما اعتبرته مسًّا بالمسجد الأقصى؛ وهو ما رأت أنه يأتي في إطار “معادلة غزة/القدس” أي سيكون التصعيد العسكري من “المقاومة” في غزة بمقابل أي مسٍّ إسرائيلي بالقدس. ويعد هذا التحول تغليبًا للالتزامات الأيديولوجية على الاعتبارات الوطنية للفعل النضالي في نطاقها الجغرافي المتعلق بحدود غزة. فقبل معركة “سيف القدس” (مايو/أيار 2021)، كانت عمليات حماس العسكرية تأتي ردًّا على الاعتداءات الإسرائيلية التي تستهدف قطاع غزة؛ أو كاحتجاج على تشديد الحصار وما يسفر عنه من مزيد من التدهور على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية؛ في حين أن محاولة فرض “معادلة غزة/القدس” جاءت في إطار التزام حماس الأيديولوجي بوجوب تحرير فلسطين. وبالتالي، فإنها رأت أن واجبها الرد على ممارسات الاحتلال في أية بقعة من بقاع فلسطين التاريخية وتحديدًا في القدس.

أسفرت هذه الحرب عن نتائج متباينة أظهرت أزمة الخيارات التي تقف أمامها حماس عند المفاضلة بين منطلقاتها الأيديولوجية والاعتبارات الجغرافية في توجيه فعلها النضالي. فقد أسهمت حرب مايو/أيار 2021 إلى جانب المناشط النضالية في الساحات الأخرى، في إعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة من جديد؛ سيما في ظل انسداد المسار السياسي لحل الصراع وتراجع خيار حل الدولتين؛ وسيادة المناخ الإقليمي السلبي بعد تطبيع أربع دول عربية (الإمارات، والبحرين، والسودان، والمغرب) علاقاتها بإسرائيل؛ وتوسعها في بناء شراكات معها. كما أسهمت في تعزيز مكانة الحركة على الصعيد الوطني؛ حيث إن الأغلبية المطلقة من الفلسطينيين (53%) رأوا في أعقاب الحرب أنها الأجدر بتمثيل وقيادة الشعب الفلسطيني؛ مقابل 14% منحوا ثقتهم لحركة “فتح” بقيادة رئيس السلطة، محمود عباس(3).

وفي المقابل، كان لهذه الحرب تداعيات “سلبية” على حركة حماس بوصفها جهة حكم في قطاع غزة. فإلى جانب الخسائر في الأرواح، فاقم ت نتائج الحرب الأوضاع الاقتصادية والإنسانية؛ حيث لا تزال إسرائيل تربط ملف إعادة إعمار ما تدمَّر خلال الحرب بشروط مستحيلة بالنسبة لحماس، مثل إنهاء ملف أسراها من جنود ومستوطنين لدى الحركة ونزع سلاحها؛ مع العلم بأن الكثير من المنازل والمرافق التي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية في حرب 2014 لم تتم إعادة بنائها حتى الآن(4).

ثانيًا: نضال غزة والفاعلين المحليين

إن تسليط الأضواء مجددًا على ممارسات الاحتلال في القدس، وتحديدًا طرد المقدسيين من منازلهم، يضع حركة حماس، كفاعل نضال رئيس في قطاع غزة أمام أزمة خيارات حقيقية؛ ويجعلها بين مطرقة التزاماتها الأيديولوجية والوطنية وسندان اعتباراتها الجغرافية كجهة حكم؛ رغم أن قيادتها السياسية جدَّدت التزامها بـ”معادلة غزة/القدس”(5). فردُّ حماس على ممارسات الاحتلال في القدس سيُقابل بردود عسكرية إسرائيلية تفاقم الأوضاع الاقتصادية سوءًا في القطاع وهو ما سيترتب عليه مزيد من التدهور على واقع أهالي غزة الإنساني. وفي المقابل، فإن حماس من خلال ردِّها على ممارسات الاحتلال في القدس، في مايو/أيار الماضي (2021) -وهي جزء من التزاماتها الأيديولوجية- رفعت سقف توقعات الفلسطينيين في كل مناطق وجودهم؛ وبالتالي سيكون من الصعب عليها تجاهل هذه الممارسات مجددًا وعدم الرد عليها؛ سيما في حال نفذت إسرائيل كل قرارات محاكم الاحتلال المتعلقة بطرد العوائل المقدسية من منازلها أو دمرت قرية “الخان الأحمر” في محيط المدينة، وغيرها من ممارسات.

ومن أجل بناء توقعات مستقبلية بشأن ترجيح حماس الالتزامات الأيديولوجية على الاعتبارات الوطنية الجغرافية أو العكس؛ فإن تقديم مقاربة موضوعية إزاء مواقف وواقع سلوك وتوجهات الفاعلين المحليين الآخرين كجهات مؤثرة على خيارات حماس يمكن أن يساعد على استجلاء الصورة؛ سيما الرأي العام المحلي، وسياسات السلطة الفلسطينية، واتجاهات سلوك شركاء حماس في الفعل النضالي داخل غزة.

الرأي العام المحلي: يمكن الافتراض أن الرأي العام الداخلي يعد أحد الفاعلين المحليين الذين تأخذهم حركة حماس بالحسبان عندما تحدد اتجاهات فعلها النضالي؛ على اعتبار أن الحركة معنية بتحسين مكانتها على الصعيد الوطني على حساب السلطة الفلسطينية وحركة “فتح”؛ مع العلم بأن الجمهور الفلسطيني أبدى دعمًا كبيرًا لتطبيق “معادلة غزة/القدس”. فقد أيَّد 68% من الفلسطينيين استئناف الحركة إطلاق الصواريخ على إسرائيل ردًّا على أي قرار إسرائيلي بطرد المقدسيين من بيوتهم؛ مع العلم بأن 77% رأوا أن حماس قد انتصرت في حرب مايو/أيار 2021 و65% يعتقدون أن الحركة حققت أهدافها من الحرب في حين أن 72% منهم يرون أن دافع الحركة لإطلاق الصواريخ كان الدفاع عن القدس والأقصى(6). في الوقت ذاته، رفع أداء حماس في الحرب من سقف توقعات الجماهير؛ لدرجة أن “الاستغاثة” بقائد جناحها العسكري، محمد الضيف، باتت أحد الشعارات الرائجة في المظاهرات التي تنظم ضد سلوك الاحتلال في القدس والضفة الغربية(7). ومن الواضح أن موقف الجمهور الفلسطيني سيكون ضمن العوامل التي قد تحفز حماس على تكريس الربط بين فعلها النضالي وسياسات الاحتلال في الساحات الفلسطينية الأخرى؛ من منطلق أن ذلك يحسِّن من مكانة الحركة على الصعيد الوطني في ظل تراجع مكانة السلطة وحركة “فتح”.

سياسات السلطة الفلسطينية: هناك تأثيرات متضاربة لسياسات السلطة الفلسطينية على اتجاهات وفاعلية الفعل النضالي انطلاقًا من قطاع غزة. فتدهور مكانة السلطة الفلسطينية الجماهيرية في ظل مواصلة إسرائيل التهويد والاستيطان وفشل اتفاقية أوسلو في تحقيق أية اختراقات على صعيد استعادة الفلسطينيين حقوقهم الوطنية؛ يمكن أن يعزز من فرص توجه حماس للتشبث بربط عملها النضالي المسلح بسلوك الاحتلال في الساحات الأخرى؛ سيما في القدس؛ في إطار سعيها لتحسين مكانتها السياسية(8). وفي المقابل، فإن إسهام السلطة الفلسطينية في تهدئة ساحة الضفة الغربية وتجفيف بيئة النضال الوطني -النضال المسلح وبعض أشكال “المقاومة الشعبية”- عبر التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال يقلِّص من حجم التحديات الأمنية على إسرائيل ويحسِّن من قدرتها للتفرغ لمواجهة الفعل النضالي في قطاع غزة في ظروف أفضل. في الوقت ذاته، فإن اعتراف الإقليم والمجتمع الدولي بالسلطة الفلسطينية كصاحبة الولاية القانونية في غزة وأنها الطرف الوحيد المسؤول عن إعادة الإعمار في القطاع، قلَّص من فرص ترميم آثار الحروب، على اعتبار أن السلطة التي ترى في حماس خصمًا لها، غير معنية بتحسين الأوضاع الاقتصادية هناك تحت حكم الحركة؛ وهذا ما يفاقم كلفة الفعل النضالي في غزة.

عدم انضباط الفعل النضالي: على الرغم من مبادرة حركة حماس لتشكيل “غرفة عمليات مشتركة” تضم ممثلين عن الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية في قطاع غزة بهدف تنسيق العمل النضالي المسلح؛ إلا أن بعض الفصائل تتجاهل وجود الغرفة وتبادر أحيانًا إلى استهداف إسرائيل دون العودة إلى “غرفة العمليات المشتركة”؛ وذلك إما بسبب طبيعة ارتباط هذه الفصائل بقوى إقليمية أو نتيجة لخلافها مع حماس أو بفعل ضعف الانضباط التنظيمي في صفوفها. ولكن سلوك هذه الفصائل يمنح إسرائيل المبرر لشن عمليات تستهدف المقدرات والإمكانيات العسكرية في غزة وتحديدًا تلك التي تخص حركة حماس بناء على معلومات استخبارية؛ فضلًا عن أن هذا يتسبب في إحراج حماس أمام مصر والمجتمع الدولي.

ثالثًا: المحدِّد الإسرائيلي

تلعب إسرائيل دورًا مركزيًّا في التأثير على اتجاهات فعل غزة النضالي المسلح ومسوغاته ومستوى فاعليته. فمناشط إسرائيل ككيان استعماري استيطاني استدعت دائمًا فعلًا ممانعًا من القوى والفصائل المنضوية في إطار حركة التحرر الوطني الفلسطيني. ومع ذلك، فإن العديد من المحددات التي تضبط سلوك إسرائيل تجاه غزة توفر بيئة تفرض على حماس فعلها النضالي وتسهم بشكل كبير في تحديد اتجاهاته. ويتضح بعد ستة عشر عامًا على فوز حركة حماس في الانتخابات أن إسرائيل تعمل جاهدة على عدم السماح بتوافر الظروف التي تمكِّن الحركة من استغلال سيطرتها على هذه البقعة الجغرافية في تطوير قدرات عسكرية نوعية تمثل تهديدًا لعمقها الاستراتيجي. ولتحقيق هذا الهدف، لجأت إسرائيل إلى نمطَيْ عمل، أولًا: استغلال سيطرتها على الحدود البرية والبحرية والجوية في تشديد الحصار على غزة؛ وتلعب مصر دورًا مهمًّا في تمكينها أو منعها من ذلك(9)؛ ثانيًا: ضرب المقدرات العسكرية للحركة والعمل على تآكلها، إما عبر المبادرة إلى عمليات هجومية، أو من خلال استغلال ردود الفصائل على عملياتها لتبرير شنِّ المزيد من العمليات الهجومية سواء خلال الحروب أو جولات التصعيد، استنادًا إلى بنك أهداف معد مسبقًا بناء على معلومات استخبارية.

وتضع إسرائيل لموافقتها على تحسين الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة شروطًا لا يمكن لحركة حماس قبولها وتعتبرها تعجيزية؛ فخطة “الأمن مقابل الاقتصاد” التي طرحها ووزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد، للتعامل مع غزة، ترمي إلى تجريد القطاع من السلاح وتغيير البيئة السياسية الحاكمة فيه؛ فضلًا عن إطلاق سراح جنود إسرائيل ومستوطنيها الأسرى لدى الحركة(10). والجدير بالذكر أن لبيد هو رئيس الوزراء البديل الذي سيخلف نفتالي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

إلى جانب ذلك، تبدو إسرائيل مصمِّمة على إحباط أية محاولة من قبل حماس لربط فعلها المقاوم في غزة بممارسات الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ لما ينطوي عليه التسليم بهذا الربط من مخاطر على المشروع “الاستيطاني والتهويدي”، ومكانة إسرائيل الإقليمية وقوة ردعها.

من هنا، وفي ظل التزام إسرائيل باستراتيجية الحصار ضد غزة، فإن الحسابات الاستراتيجية والسياسية قد تدفع حماس مستقبلًا للتصعيد عسكريًّا ردًّا على سياسات الاحتلال تجاه القدس والضفة الغربية؛ من منطلق أن الرد على هذه السياسات يظل أفضل من اضطرار الحركة للتصعيد ردًّا على تشديد الحصار على القطاع. قد ترى حماس أن مواجهة عسكرية مع إسرائيل ردًّا على ممارسات الاحتلال في القدس لا تنسجم فقط مع منطلقاتها الأيديولوجية وتعيد القضية الفلسطينية إلى الواجهة، بل تعزز أيضًا مكانة الحركة السياسية على الصعيد الوطني؛ حيث إن هذا السلوك ينسجم مع تطلعات الفلسطينيين؛ فضلًا عن أن جهود الوساطة التي تستهدف التوصل إلى تحقيق تهدئة بين الحركة وإسرائيل في أعقاب هذه المواجهة ستركز تحديدًا على معالجة الحصار على القطاع وتداعياته، كما حدث في أعقاب “سيف القدس”؛ وبالتالي تسهم في تخفيف مظاهر الحصار.

ومما يوفر بيئة قد تشجع حماس على تبني هذه المقاربة، أن سلوك إسرائيل وخطابها الرسمي يدل على أنها غير معنية بعمل عسكري يفضي إلى تصفية حكم حركة حماس، بسبب كلفته البشرية، والاقتصادية والسياسية؛ سيما في ظل عدم وجود طرف آخر يمكن أن يتولى مقاليد الأمور في القطاع؛ ما يعني المخاطرة بالتورط في وحول غزة لأمد بعيد. وقد اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي، لبيد، أن أي مسار عسكري يفضي إلى احتلال قطاع غزة يتناقض مع المصلحة الوطنية الإسرائيلية(11). إلى جانب ذلك، فإن التحول الواضح في منظومة قيم المجتمع الإسرائيلي يقلِّص من قدرة دوائر صنع القرار في تل أبيب على المبادرة بعمل عسكري بري كبير بوصفه متطلبًا لتفكيك قدرات حماس العسكرية في القطاع بشكل جذري، حتى لو لم يكن الهدف منه إعادة احتلال غزة وإسقاط حكم الحركة؛ حيث بات واضحًا أن دوائر الحكم في إسرائيل التي تعي عمق حساسية المجتمع الإسرائيلي لسقوط عدد كبير من القتلى في صفوف الجنود، تتخوف من تبعات عدم استعداد هذا المجتمع لتحمل تكاليف وخسائر عمل عسكري بري في عمق قطاع غزة(12).

رابعًا: الفاعلون الإقليميون

يلعب العديد من الفاعلين الإقليميين أدوارًا متباينة التأثير والاتجاه على بيئة العمل النضالي في قطاع غزة. وتعد مصر الأكثر تأثيرًا على ظروف العمل النضالي في قطاع غزة لأنها تتحكم في معبر “رفح”، بوابة قطاع غزة الوحيدة نحو العالم، في ظل سيطرة إسرائيل على الحدود البرية والبحرية وأجواء قطاع غزة. وتخضع علاقة مصر بحركة حماس إلى محددين رئيسيين، أولًا: موقف الرئيس عبد الفتاح السيسي المعادي من جماعة الإخوان المسلمين، التي تنتمي إليها حركة حماس(13)؛ ثانيًا: توظيف مصر العلاقة مع إسرائيل والتعاون معها في توفير بيئة تسمح بتحسين مكانتها الدولية وتحديدًا لدى الولايات المتحدة(14). وتولَّد عن هذه المحدديْن أنماط سلوك مصري أثَّرت سلبًا على بيئة الفعل النضالي في غزة. فقد منح التحكمُ في معبر رفح مصرَ القدرة على احتكار ملف الوساطة بين حماس وإسرائيل والإسهام في التوصل لتفاهمات تهدئة بين الجانبين؛ دون أن تبدي قدرًا كافيًا من الاستعداد لتطبيق التزاماتها في هذه الاتفاقات أو إلزام إسرائيل بتعهداتها فيها، كما ترى حركة حماس(15).

وتنفذ مصر، بالتنسيق مع إسرائيل، خطوات تهدف إلى تقليص قدرة الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة على مراكمة القدرات العسكرية؛ عبر فرض رقابة على المواد التي يجري إدخالها إلى القطاع عبر معبر “رفح” بحيث لا تكون ذات استخدام مزدوج على الصعيدين، المدني والعسكري(16). وأقرَّت إسرائيل الرسمية بأن مصر أقدمت على تدمير الأنفاق التي كانت تربط قطاع غزة بشمال سيناء ويجري عبرها تهريب السلاح بناء على طلبها وفي إطار مخطط لتقليص قدرة حماس على مراكمة القوة العسكرية(17). من هنا، فإن محصلة الدور المصري، تمثل تحديًا كبيرًا للفعل النضالي الفلسطيني داخل قطاع غزة، سواء على صعيد قدرته على مراكمة الإمكانيات العسكرية وعلى صعيد تحقيق إنجازات في أعقاب الحروب وجولات التصعيد ضمن اتفاقات التهدئة التي تتم بوساطة مصرية.

وفي المقابل، قادة حركة حماس يقرُّون بدور إيران الحاسم في دعمها بالسلاح والمال(18). لكن الدعم الإيراني ينحصر بشكل أساس في الدعم المالي والتدريب؛ حيث إن قدرة إيران على تزويد حماس بسلاح كاسر للتوازن الاستراتيجي مع إسرائيل، محدودة بفعل الحصار؛ مما جعل الحركة تعتمد بشكل أساس على قدراتها التصنيعية الذاتية. وأقرت إسرائيل بأن جميع الصواريخ التي أطلقتها حماس في حرب مايو/أيار 2021 صُنعت في قطاع غزة ولم تكن صواريخ إيرانية(19). ومن الواضح أن حصول حماس على المقدرات العسكرية التي تزود إيران بها جماعات أخرى متحالفة معها في الإقليم، مثل حزب الله وجماعة “أنصار الله” الحوثية سيكسر التوازن القائم حاليًّا بين الحركة وإسرائيل. فعلى سبيل المثال، أحد أهم الأسباب التي تقلِّص دافعية إسرائيل لخوض مواجهة عسكرية مع حزب الله حقيقة أنها تدَّعي أن لديها معلومات تفيد بامتلاكه عدد كبير من الصواريخ ذات المدى الطويل وذات رؤوس متفجرة كبيرة وبعضها صواريخ ذات دقة إصابة عالية؛ مما يعني أن مثل هذه المواجهة قد تتسبب في أضرار غير مسبوقة للعمق المدني الإسرائيلي.

وتلعب القوى الدولية وتحديدًا الولايات المتحدة وأوروبا دورًا مهمًّا في التأثير على فاعلية النضال الفلسطيني في غزة. فكل من الولايات المتحدة والكثير من الدول الأوروبية تعتبر حركة حماس حركة “إرهابية”؛ وهذا الموقف يعد عائقًا إضافيًّا إلى جملة العوائق التي تعترض إعادة الإعمار في القطاع سيما بعد الحروب وموجات التصعيد العسكري التي تسفر عن الكثير من الدمار. فهذه الدول ترفض التعاطي مع الحركة التي تدير شؤون الحكم في القطاع وتصر على أن تكون السلطة الفلسطينية الطرف الوحيد الذي من حقه احتكار ملف إدارة مشاريع إعادة الإعمار والإشراف عليها. إلى جانب ذلك، فإن الشروط التي وضعتها “الرباعية الدولية” للاعتراف بأية حكومة تمثل السلطة الفلسطينية، والمتمثلة في إلزامها بنبذ “الإرهاب” والاعتراف بإسرائيل والالتزام بالاتفاقيات الموقَّعة معها، تسهم في تقليص فرص تشكيل حكومة بمشاركة حماس كنتيجة للحوار الفلسطيني الداخلي؛ وهذا يعيق الجهود الهادفة لإنهاء الانقسام الداخلي ويحبط فرص التوصل لتفاهم وطني داخلي حول مسألة النضال وضمن ذلك النضال في غزة؛ ويحول دون تكريس بيئة سياسية داخلية تخفض الكلفة الاقتصادية والإنسانية لهذا النضال.

خامسًا: جدوى النضال في غزة ومستقبله

يعد الفعل النضالي المسلح في غزة أهم أشكال النضال الفلسطيني في الوقت الحالي وأكثرها تأثيرًا على القضية الفلسطينية بسبب طابع الظروف السائدة في الضفة الغربية.

وللنضال الفلسطيني في غزة مستويات واتجاهات تأثير متباينة على مصلحة قطاع غزة ومصلحة عموم الشعب الفلسطيني. باتت غزة، بفعل ما راكمته من قدرات عسكرية في إطار الحرص على تحسين مكانتها في النضال الوطني، البقعة الجغرافية الوحيدة ضمن أرض فلسطين التاريخية التي لا يقتحمها الاحتلال إلا في إطار حرب شاملة أو تصعيد عسكري كبير، وتسليمه المسبق برد فلسطيني؛ وذلك بخلاف ما يحدث في الضفة الغربية. ونجحت المقاومة في غزة بالمس بمكانة إسرائيل الإقليمية وقوة ردعها؛ على اعتبار أنها الطرف الأكثر جرأة في المنطقة على استهداف العمق الإسرائيلي سواء كان ذلك في إطار المبادرة أو برد فعل على السلوك الإسرائيلي في الحروب وجولات التصعيد؛ مع كل ما ينطوي عليه ذلك من تعطيل لأنماط الحياة والمس بمستوى الأمن الشخصي للمستوطنين في إسرائيل واستهداف رموزها “السيادية”(20). وعزز الأداء النضالي المسلح لغزة في الحرب الأخيرة مكانتها في الوعي الجمعي الفلسطيني؛ وكرَّس الرهان عليها كمقوِّم رئيس في مواجهة الاحتلال.

لكن من ناحية أخرى، تدفع الحاضنة الجماهيرية للنضال في غزة كلفة كبيرة مقابل تواصل هذا النضال؛ على صعيد سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى جرَّاء العمليات الحربية الإسرائيلية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية التي تتفاقم بعد كل حرب وجولة تصعيد، وكذلك الدمار الواسع الذي يلحق بالمنازل والمرافق العامة والبنى التحتية؛ حيث إن موازين القوى لصالح إسرائيل وآلتها الحربية ذات القدرة التدميرية الكبيرة دون أن يكون لحماس والفصائل الأخرى في المقابل قدرات عسكرية رادعة؛ فضلًا عن البيئة الداخلية والإقليمية والدولية السائدة حاليًّا التي لا تساعد على دفع الاحتلال إلى إعادة تقييم أسلوب تعاطيه مع القطاع. وهذا ما يفسر حقيقة أن اتفاقات التهدئة غير المباشرة التي تتوصل إليها حماس وإسرائيل برعاية مصرية تعالج بعض مظاهر الحصار دون أن تتعاطى مع تحدي إعادة إعمار ما دمَّره الاحتلال.

وعلى صعيد مصلحة عموم الشعب الفلسطيني؛ فإن الإنجازات التي راكمتها غزة على صعيد القدرات العسكرية وأنماط استخدامها يتلقاها عموم الفلسطينيين بترحاب معلن؛ وعلى الرغم من أن الفعل النضالي المسلح في غزة لم ينجح في التأثير بشكل كبير على سياسات الاحتلال في الضفة والقدس، إلا أن مراعاته باتت أحد الاعتبارات التي تأخذها دوائر صنع القرار في إسرائيل بالحسبان، عندما يتعلق الأمر بممارستها في القدس وتحديدًا بعد حرب مايو/أيار 2021(21).

وبالمقابل، لم ينجح نضال غزة حتى الآن في أن يكون مؤثرًا بشكل حاسم على سياسات وقرارات الاحتلال في الساحات الفلسطينية الأخرى، سيما في القدس والضفة الغربية. فميزان القوة العسكرية الذي يميل لصالح إسرائيل بشكل كبير لا يمكِّن حماس من تشكيل تهديد عليها بحيث يجعلها تعيد النظر في سياسات الاستيطان والتهويد في الضفة الغربية؛ سيما أن هذه السياسات تحظى بقدر كبير من الدعم الداخلي الإسرائيلي. لذلك انتهت حرب مايو/أيار 2021 إلى اتفاق تهدئة بين حماس وإسرائيل يتعلق بمعالجة بعض مظاهر الحصار على القطاع، وذلك كما انتهت إليه حروب وجولات التصعيد السابقة؛ دون أن تقدم إسرائيل أية التزامات بشأن سياساتها في الضفة والقدس.

أما فيما يتعلق باستشراف اتجاهات النضال الفلسطيني في غزة وجدواه في المستقبل، فيمكن الإشارة إلى ثلاثة سيناريوهات:

الأول: أن تعود حماس إلى ربط مناشط نضالها المسلح فقط بأنماط السلوك الإسرائيلي ضد غزة والحصار المفروض على القطاع؛ كما كانت عليه الأمور قبل حرب مايو/أيار 2021. وفق هذا السيناريو لا تشكِّل غزة تحديًا لسياسات الاحتلال في الساحات الفلسطينية الأخرى؛ وتحديدًا في الضفة الغربية والقدس؛ ولن تسهم في تغيير الواقع الاقتصادي والإنساني لحاضنة النضال الجماهيرية في القطاع؛ على اعتبار أنه يرجح أن تنتهي الحروب وجولات التصعيد الكبيرة التي يمكن أن تسفر عن المناشط الحربية لهذا النضال عن صيغ مشابهة لتفاهمات التهدئة التي جرى التوصل إليها سابقًا؛ والتي لم تتعاط مع نتائج الحروب وتحديات الحصار.

الثاني: أن تتشبث حماس بمعادلة “غزة/القدس”؛ وتربط مجددًا نضالها المسلح في المستقبل بسلوك الاحتلال في الساحات الفلسطينية الأخرى. يرجح أن يسهم هذا السيناريو في الحفاظ على القضية الفلسطينية وتوحيد ساحات النضال الفلسطيني وتسليط الأضواء على ممارسات الاحتلال وخطورتها في عموم الساحات الفلسطينية، ويرفع الروح المعنوية للفلسطينيين في كل أماكن وجودهم ويعزز من قيمة النضال في وعيهم الجمعي. لكن في حال ظلت الظروف الداخلية والإقليمية السائدة حاليًّا على حالها، فإن قدرة نضال غزة ستكون محدودة، من حيث الإسهام في إحداث تحول على توجهات الاحتلال من الصراع وإجباره على أن يتراجع عن سياساته في الساحات الفلسطينية الأخرى. فبقاء الظروف الداخلية على حالها يعني بقاء ساحة النضال في الضفة الغربية خاملة؛ وهذا يمكِّن إسرائيل من الانفراد بغزة واستغلال فائض قوتها العسكرية ضدها؛ مع كل ما يترتب عليه الأمر من تكبد خسائر كبيرة في الأرواح وإلحاق دمار كبير بالممتلكات والبنى التحتية. وهذا يزيد من فرص أن تنتهي أية حرب أو مواجهة عسكرية مستقبلًا تندلع إثر تشبث حماس بنفس المعادلة إلى ما انتهت إليه حرب مايو/أيار 2021؛ أي اتفاق تهدئة غير مباشر يعالج بعض مظاهر الحصار على القطاع دون أن تقدم إسرائيل أية التزامات بشأن التراجع عن سياساتها في القدس والضفة.

الثالث: حدوث تحولات داخلية وإقليمية تحسِّن من فاعلية نضال غزة وتحسن من قدرة حماس على ربطه بممارسات الاحتلال في الساحة الفلسطينية. فحدوث توافق فلسطيني داخلي شامل في المرحلة المقبلة على أهداف النضال الوطني وأدواته يزيد من فرص انضمام ساحات جغرافية جديدة إلى دائرة الفعل النضالي ضد الاحتلال ويقلِّص الأعباء عن كاهل غزة ويخفض كلفة مناشط فعلها النضالي. فتأجيج النضال الفلسطيني، بصوره المختلفة في الضفة الغربية في ظل تواصل الفعل النضالي انطلاقًا من غزة سيقلِّص هامش المناورة أمام إسرائيل ويزيد من التحديات التي تواجه جيشها. فالضفة الغربية تضم مئات المستوطنات وعشرات القواعد العسكرية وتنتشر فيها شبكات من الطرق التي يسلكها يوميًّا آلاف المستوطنين والجنود؛ وهذا يستدعي توجيه قوات كبيرة من الجيش النظامي والاحتياط لضبط الحالة الأمنية. وهذا قد يقلص، من جانب، قدرة إسرائيل للتفرغ لمواجهة غزة وسيزيد، من جانب آخر، من فرص توجهها لإعادة النظر في سياساتها المتعلقة بالقدس والضفة الغربية؛ سيما في حالة انعدام اليقين المتعلقة بالجبهة الشمالية.

أضف إلى ذلك، أن حدوث تحولات في المستقبل في اتجاهات السياسة الخارجية للقوى الإقليمية المؤثرة في الساحة الفلسطينية وتحديدًا في قطاع غزة، قد تمنح الفعل النضالي في القطاع إسنادًا سياسيًّا من جانب، وتعزز فاعليته عبر تزويد غزة بإمكانيات عسكرية نوعية أو توفير دعم سياسي نوعي؛ وهذا ما يزيد من فاعلية نضال غزة ويساعد على ربطه بمواجهة “ممارسات الاحتلال” في الساحات الفلسطينية الأخرى. ومثل هذا التحول حصل على سبيل المثال إبان الربيع العربي؛ حيث تحسنت قدرة الفصائل الفلسطينية وتحديدًا حماس في الحصول على السلاح والوسائل القتالية بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني؛ وتقدّم موقف مصر الرسمي في دعمه لغزة خلال 2012، حتى إن الرئيس المصري الراحل، محمد مرسي، أرسل رئيس حكومته، هشام قنديل، إلى القطاع في آخر أيام الحرب في رسالة دعم سياسي واضحة ومتقدمة جدًّا عن مواقف مصر السابقة واللاحقة، أي في حروب 2008 و2014 و2021.

لكن فرص تحقق هذا السيناريو تبدو حاليًّا متدنية؛ على اعتبار أن إمكانية تحقيق توافق فلسطيني داخلي يسمح بانضمام الضفة الغربية إلى دائرة النضال الوطني محدودة؛ حيث إن السلطة الفلسطينية، التي تمسك بزمام الأمور في الضفة الغربية، تبدو غير مستعدة لإعادة النظر في وظيفتها ونمط علاقتها مع إسرائيل؛ وهذا يعني مواصلتها الإسهام في تجفيف بيئة النضال في الضفة الغربية.

يبدو السيناريو الثاني هو الأقرب إلى حماس أي أن تربط نضالها المسلح بممارسات الاحتلال في الساحات الأخرى، ولو أدركت مسبقًا أن هذا الربط لن يفضي إلى إحداث تحول في ممارسات الاحتلال في تلك الساحات، وحتى لو كانت هذه الحروب أو جولات التصعيد الناجمة عن هذا الربط ستنتهي بتفاهمات تهدئة تعالج بعض ظروف الحصار على القطاع فقط. وذلك لأنه سيكون من الصعب عليها أن تتراجع عن ربط نضالها المسلح بممارسات الاحتلال تحديدًا في القدس بعدما تعاظم مستوى توقعات الفلسطينيين منها، وهذا الأخير مما تدل عليه نتائج استطلاعات الرأي.

وإن كان قادة حماس يعلنون أنهم مستعدون لخوض غمار مواجهات عسكرية ردًّا على تشديد الحصار على القطاع، فإنه يمكن الافتراض أنهم سيفضِّلون اندلاع مواجهة عسكرية مع الاحتلال بسبب ربط الحركة نضالها المسلح بممارسات الاحتلال في القدس؛ لأن هذا الربط يعكس التزام الحركة الأيديولوجي من ناحية، ومن ناحية ثانية يعزز من مكانتها السياسية على الصعيد الوطني؛ ومن الناحية الواقعية يسمح بالعودة إلى نفس تفاهمات التهدئة التي تعالج مظاهر الحصار على غزة.

وهذا أيضًا لا يعني أن حماس ستربط تلقائيًّا بين التصعيد العسكري في غزة وسياسات إسرائيل “العدوانية” في القدس وغيرها من الساحات بالمطلق ومهما كانت، لأن كلفة هذا الربط ستكون مكلفة جدًّا على الحركة وحاضنتها الجماهيرية. لذا، يرجح أن تُقْدِم حماس على الرد عسكريًّا في حال أقدمت إسرائيل على ممارسات خطيرة في القدس تستفز الجماهير الفلسطينية وتثير غضبًا شعبيًّا كبيرًا، سيما إذا تعلق الأمر بطرد عدد كبير من العوائل المقدسية في بيوتها أو الإقدام على ممارسات تغير الواقع في المسجد.

وفيما يتعلق بالعلاقة بين نضال غزة وواقع مسار حل الصراع مع الاحتلال سياسيًّا، فإنه يتوجب استحضار حقيقة أن فرص تسوية هذا الصراع قد انهارت في أعقاب تراجع حل الدولتين، الذي يمثل الحد الأدنى المقبول فلسطينيًّا بعد طرح خطة “صفقة القرن”؛ وفي ظل انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف “القومي” والديني. من هنا، فإن هذا الواقع سيزيد من مستوى رهانات الفلسطينيين على دور النضال الوطني عبر كل ساحاته، وضمن ذلك ساحة غزة، كمرتكز أساس في سعيهم لنيل حقوقهم الوطنية.

خاتمة

ترى غزة في نهجها النضالي أنها تلعب دورًا رئيسًا ومهمًّا في عموم النضال الفلسطيني؛ وتسهم بشكل كبير في الحفاظ على القضية الوطنية في الوجدان الفلسطيني والعربي والإسلامي؛ فضلًا عن أنها باتت تمثِّل تحديًا كبيرًا للاحتلال الإسرائيلي بفضل البنية العسكرية التي نجحت في تدشينها. لكن قدرة حماس والفصائل التي تشاركها الفعل النضالي في غزة على إحداث تحول في سياسات الاحتلال في غزة والضفة الغربية تبقى محدودة بفعل تأثير الظروف الداخلية والإقليمية والدولية. من هنا، فإن تحسين فاعلية نضال غزة وزيادة تأثيره على سياسات الاحتلال في القطاع والضفة والقدس سيتوقف على حدوث تحولات على البيئات الداخلية والإقليمية والدولية، بحيث تفضي إلى خفض الكلفة التي تدفعها غزة مقابل نضالها من جانب، وتزيد في المقابل من الكلفة التي تدفعها “إسرائيل”.

مراجع
  1. من ذلك، إقدام الاحتلال على اغتيال ثلاثة نشطاء فلسطينيين في نابلس في 8 فبراير/شباط 2022.
  2. “السنوار يهدد الاحتلال: لن نقبل ببقاء الأزمة الإنسانية بغزة”، عربي 21، 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، (تاريخ الدخول: 27 فبراير/شباط 2022): https://bit.ly/3M5uGfo
  3. “نتائج استطلاع الرأي العام رقم (80)”، المركز الفلسطيني للدراسات السياسية والمسحية، 4 يوليو/تموز 2021، (تاريخ الدخول: 22 فبراير/شباط 2022): https://bit.ly/33XJBY0.
  4. عدنان أبو عامر، “حماس طلبت 3 مليارات دولار والسلطة تتمسك بإشراف مباشر.. “عربي بوست” يكشف تفاصيل خطة إعادة إعمار غزة”، عربي بوست، 10 يونيو/حزيران 2021، (تاريخ الدخول: 18 فبراير/شباط 2022): https://bit.ly/3JtlVtE
  5. “هنية: معادلة ربط غزة بالقدس ثابتة ولن تتغير ومستمرون ما لم يتوقف العدوان والإرهاب”، سبوتنك، 11 مايو/أيار 2021، (تاريخ الدخول: 15 فبراير/شباط 2022): https://bit.ly/3t8P2Mr
  6. “نتائج استطلاع الرأي العام رقم (80)”، مرجع سابق.
  7. “لماذا يهتف شباب القدس بحياة محمد الضيف؟”، الأناضول، 7 مايو/أيار 2021، (تاريخ الدخول: 18 فبراير/شباط 2022): https://bit.ly/3gTKyDu
  8. 77% من الفلسطينيين يطالبون بوقف التنسيق الأمني و69% يطالبون بوقف العمل باتفاقيات أوسلو. انظر: “نتائج استطلاع الرأي العام رقم (75)”، مركز البحوث السياسية والمسحية، 5 أغسطس/آب 2020، (تاريخ الدخول: 19 فبراير/شباط 2022): https://bit.ly/3I1Xlj6. وثلاثة أرباع الفلسطينيين يطالبون بإقالة رئيسها محمود عباس. انظر: “البيان الصحفي: نتائج استطلاع الرأي العام قبل الجولة الأولى من الانتخابات المحلية”، مركز البحوث السياسية والمسحية، 14- 23 أكتوبر/تشرين الأول 2021، (تاريخ الدخول: 19 فبراير/شباط 2022): https://bit.ly/3JF1n1c
  9. سيجري التطرق إلى ذلك لاحقًا.
  10. غيلي كوهين، عميحي شطاين، “اقتصاد مقابل الأمن: خطة لبيد للتسوية في قطاع غزة” ( كلكلاه تمورت بيطحون: هتوخنيت شل لبيد لهسدراه برتسوعات عزاه)K قناة كان، 12 سبتمبر/أيلول 2021، (تاريخ الدخول: 12 سبتمبر/أيلول 2021): https://bit.ly/3sQ7edi
  11. إيتمار أيخنر، “خطة لبيد للتسوية في قطاع غزة”( توخنيت لبيد لهسدراه برتسوعات عزاه)، يديعوت أحرونوت، 12 سبتمبر/أيلول 2021، (تاريخ الدخول: 19 فبراير/شباط 2022): https://bit.ly/3JCwOJv
  12. دلَّلت الباحثة الإسرائيلية، بنينا شوكر، على أن إدراك عدم جاهزية المجتمع لتحمل سقوط قتلى والخوف من تهاوي صموده خلال الحرب باتا من أهم الاعتبارات التي توجه دوائر صنع القرار في إسرائيل في كل ما يتعلق بقرارات الحرب، وتحديدًا تجاه غزة. انظر: بنينا شوكر، “حساسية المجتمع الإسرائيلي للخسائر البشرية وأثرها على صنع القرار في القضايا العسكرية”، معهد القدس للاستراتيجية والأمن، 8 فبراير/شباط 2022، (تاريخ الدخول: 8 فبراير/شباط 2022): https://bit.ly/3oNTL4s
  13. بسبب هذا الموقف اعتبرت محاكم مصرية حركة حماس وجناحها العسكري “تنظيمًا إرهابيًّا”، فضلًا عن حملات دعائية ضد الحركة واعتقال العديد من نشطائها العسكريين أثناء وجودهم في مصر.
  14. للإحاطة بطابع محددات العلاقة بين إسرائيل ونظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، انظر: صالح النعامي، العلاقات المصرية الإسرائيلية بعد ثورة 25 يناير، (الدوحة، مركز الجزيرة للدراسات، 2017).
  15. هذا ما جعل حركة حماس توجه انتقادًا غير مسبوق للدور المصري في جهود التهدئة وتتهمها بالتراجع عن تعهدها بإلزام إسرائيل بما قطعته من تعهدات في الاتفاقات التي رعتها مصر، انظر: “انتقد بشدة دور مصر تجاه غزة.. مصدر قيادي في حماس للجزيرة: ندرس خيارات التصعيد مع إسرائيل”، الجزيرة نت، 6 ديسمبر/كانون الأول 2021، (تاريخ الدخول: 20 فبراير/شباط 2022): https://bit.ly/3IaNgQU
  16. “آلية أمنية مصرية جديدة لتشغيل معبر رفح بالتوافق مع إسرائيل”، سما، 27 سبتمبر/أيلول 2021، (تاريخ الدخول: 20 فبراير/شباط 2022): https://bit.ly/3s7YyjA
  17. هذا ما قاله وزير الاستخبارات والطاقة الإسرائيلي السابق، يوفال شطاينتس، انظر: “شطاينتس: مصر أغرقت الأنفاق بغزة بناء على طلب إسرائيل” (شطاينتس: متسرايم تسيفا منهروت بعزاه لبكشت يسرائيل)، هارتس، 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، (تاريخ الدخول: 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2016): https://bit.ly/3s3pila.
  18. “السنوار: إيران قدمت لنا المال والسلاح والخبرات ولها الفضل الأكبر في دعم المقاومة”، المنار، 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، (تاريخ الدخول: 22 فبراير/شباط 2022): https://bit.ly/35fO1d0
  19. هذا ما أقر به عاموس يادلين، رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلي السابق. انظر: عاموس يادلين، “سابقة لبنان: خمسة أسباب تجعلنا مطالبين الآن بوقف العملية في غزة”( إفيكت ليفنون: حميش سيبوت شبغللان حييفيم عخشاف لسييم إت همفتسع بعزاه)، قناة 12، 18 مايو/أيار 2021، (تاريخ الدخول: 18 مايو/أيار 2021): https://bit.ly/3BLPHa9
  20. هذه الرأي يتبنَّاه وعبَّر عنه الكثير من القيادات العسكرية الإسرائيلية، مثل نائب رئيس الأركان السابق، يئير جولان، الذي لاحظ أن أية مواجهة عسكرية مع حماس باتت أكثر خطورة وأكبر كلفة من سابقتها. انظر: يئير جولان، “ميزان الإنجازات يميل لصالح حماس”( مأزان ههيسيغيم نوتي لطوفات حماس )، هآرتس، 23 مايو/أيار 2021، (تاريخ الدخول: 23 مايو/أيار 2021): https://bit.ly/3JTMrwB
  21. نضال وتد، “أجهزة الأمن الإسرائيلية تتحسب لتداعيات أحداث الشيخ جراح على غزة”، العربي الجديد، 14 فبراير/شباط 2022، (تاريخ الدخول: 14 فبراير/شباط 2022): https://bit.ly/3HekUnB

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى