أخر الأخبارالقضية الفلسطينية

النضال الفلسطيني في الضفة الغربية وتحدي المأسسة الأمنية

محمود جرابعة الجزيرة للدراسات

شكَّل الحراك الشعبي الفلسطيني في عموم أرض فلسطين التاريخية أثناء حرب مايو/أيار 2021 صورة نادرة من النضال الفلسطيني الموحد في مرحلة ما بعد الانقسام ما بين قطاع غزة والضفة الغربية في عام 2007. ومع ذلك، لم تلعب السلطة الفلسطينية دورًا فاعلًا في إيقاف الحرب أو التأثير في مجرياتها بشكل ملموس واكتفت في كثير من بعض الأحيان بإصدار بيانات رسمية تقليدية تدعو لوقف العنف والتهدئة(1). وبالرغم من انتهاء الحرب، لم تتوقف المواجهات الشعبية والعمليات المسلحة، سواء كانت فردية أو منظمة، ضد جنود الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية. بالتزامن، كثفت إسرائيل من نشاطاتها العسكرية وأعادت سياسة اغتيال النشطاء في قلب المدن الفلسطينية التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، وزادت اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، وخاصة في المناطق المصنَّفة (ب، ج) مع تصاعد حدة التوتر في حي الشيخ جراح ومدينة القدس.

يطرح هذا الواقع سؤالين محوريين يتعلقان بمستقبل النضال في الضفة الغربية: أولًا: إلى أي مدى أثَّرت السلطة الفلسطينية، والتي تعتبر الفاعل السياسي والأمني المسيطر على مقاليد الأمور في الضفة الغربية منذ إنشاء السلطة الفلسطينية عام 1994، على النضال وأشكاله وديناميكياته؟ وثانيًا: ما محددات النضال في الضفة الغربية؟ وكيف يمكن فهم سياقات نشاط الفاعلين الأساسيين الهادفة إلى خلق معادلات سياسية وأمنية جديدة؟ من أجل الإجابة على هذين السؤالين، سوف تتناول هذه الورقة خمسة محاور أساسية:

أولًا: توقيع اتفاق أوسلو وانطلاق مرحلة التعاون الأمني ما بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.

ثانيًا: مأسسة الأجهزة الأمنية وبناء عقيدة أمنية ورؤية نضالية جديدة في مرحلة ما بعد الانتفاضة الثانية.

ثالثًا: مرحلة ما بعد الانقسام الفلسطيني والاختلاف على الرؤى الأمنية والسياسية فلسطينيًّا مع توجه السلطة لحصر كافة أشكال النضال ضمن أجهزتها الرسمية.

رابعًا: تحدي مأسسة السلطة الأمنية عن طريق مجموعات مختلفة من الفاعلين المحليين ومحافظة حركة حماس، منافس السلطة الرئيسي في الضفة، على شعبيتها الجماهيرية مع تراجع مشروع السلطة السياسي.

خامسًا: الدينامكيات التي ستحدد شكل وطبيعة النضال في الضفة الغربية خلال الفترة القادمة.

أوسلو والنضال الفلسطيني

شكَّلت اتفاقيات أوسلو، الموقَّعة ما بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية عام 1993، نقطة تحول في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني. فبعد حرب الخليج الثانية (1990-1991) وتراجع الدعم العربي وتراكم الضغط الدولي على منظمة التحرير، اختار ياسر عرفات اللجوء إلى “السلام” مع إسرائيل كبديل عن الكفاح المسلح. كجزء من الاتفاق، جرى تأسيس السلطة الفلسطينية في عام 1994 كهيئة حاكمة مؤقتة في الضفة الغربية وقطاع غزة لمدة خمس سنوات. من الناحية الشكلية المؤسساتية، أنشئ مجلس تشريعي فلسطيني ومجموعة من الوزارات التي أصبحت مسؤولة عن إدارة الشؤون المدنية والأمنية للفلسطينيين في المناطق التي باتت تخضع لسيطرة السلطة. بناء على الاتفاق مع إسرائيل، قُسِّمت الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق أمنية وإدارية: خضعت المنطقة (أ)، والتي تحتوي على التجمعات السكانية والمدن الرئيسية، للسيطرة الكاملة للسلطة الفلسطينية، بما في ذلك المسؤولية الأمنية. أما في المناطق (ب)، فقد جرى تقسيم السيطرة ما بين السلطة وإسرائيل؛ حيث احتفظت الأخيرة بالسيطرة الأمنية، بينما تولَّت السلطة المسؤولية المدنية عن السكان. أما المناطق (ج)، والتي تشكِّل حوالي 61% من مساحة الضفة الغربية، فخضعت بالكامل للسيطرة المدنية والأمنية الإسرائيلية.

نصَّ اتفاق أوسلو على أن تنسحب إسرائيل تدريجيًّا من المناطق (ب) و(ج) وذلك ضمن خطة جرى الاتفاق عليها بين الطرفين(2). بدلًا من الانسحاب، عززت إسرائيل من سيطرتها على المناطق (ب) و(ج) وضاعفت من نشاطاتها العسكرية وعدد المستوطنين. ومع مرور الوقت، أخضعت إسرائيل هذه المناطق إلى نظام معقد من الآليات الاستيطانية والإدارية والقانونية وذلك من أجل السيطرة على السكان والأرض وذلك بهدف ضم المنطقة (ج) كاملة إلى إسرائيل.

من الناحية الأمنية، ألزمت اتفاقات أوسلو السلطة الفلسطينية بالتعاون مع الإسرائيليين في إطار “سلام أمني” وذلك عن طريق التدريب المشترك والمشاركة الاستخبارية المكثفة والتنسيق الأمني. نصَّت المادة الثامنة من اتفاقيات أوسلو على أن السلطة الفلسطينية يجب أن تحافظ على “النظام العام والأمن الداخلي” من خلال “قوة شرطة قوية”(3). حرصت السلطة على الالتزام بالتفاهمات الأمنية وذلك لكي “لا تشكِّل ذريعة” لإسرائيل للتملص من الاتفاقات، وقامت على إثر ذلك باعتقالات شملت بشكل خاص ناشطي حركة حماس وقادتها، بلغت ذروتها عام 1996 عندما اعتقلت السلطة حوالي 2000 من قادة ونشطاء حركة حماس وأغلقت جمعيات ومؤسسات تابعة للحركة في قطاع غزة والضفة الغربية(4). وبالرغم من أن السلطة كانت تعمل على نزع سلاح المقاومة في تلك الفترة بهدف توحيد السلاح تحت إطارها وضمن مشروعها السياسي القائم على حل الدولتين، إلا أن عرفات سمح، أو على الأقل غضَّ الطرف، في بعض الحالات وبشكل تكتيكي بالمظاهرات الشعبية أو العمل المسلح وذلك لكي يمارس الضغط السياسي/الأمني على إسرائيل. ففي عام 1996، قررت إسرائيل بصورة أحادية فتح نفق أسفل المسجد الأقصى وهو ما أدى إلى هبَّة النفق التي تخللتها مظاهرات شعبية شاركت فيها قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني. اتسمت الهبَّة الشعبية في البداية بالعمل الشعبي السلمي ولكنها تحولت بعد وقت قصير إلى مواجهات مسلحة انخرطت فيها أجهزة الأمن الفلسطينية وهو ما أدى إلى استشهاد عدد منهم وتدمير بعض مقراتهم.

بعد المواجهات الدامية، عام 1996، استأنف عرفات المفاوضات مع إسرائيل من أجل إنجاز “تسوية دائمة تقوم على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338”(5)؛ حيث كان من المقرر أن تنتهي الفترة الانتقالية لاتفاقيات أوسلو عام 1999 وذلك بإقامة دولة فلسطينية. ولكن فشلت المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في إحداث اختراقات جوهرية بهذا الخصوص. ومع فشل عملية السلام واستمرار إسرائيل في سياساتها التوسعية، اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية أو ما يطلق عليها انتفاضة الأقصى في سبتمبر/أيلول 2000 وذلك بعد زيارة استفزازية لزعيم المعارضة الإسرائيلية، آنذاك، آرييل شارون، للمسجد الأقصى. في البداية، تميزت الانتفاضة بدعم شعبي كبير، لكن طبيعة الانتفاضة تغيرت بشكل واسع مقارنة بالانتفاضة الأولى والتي كانت تتميز بطابعها الشعبي والجماهيري. فبدلًا من الاحتجاجات الجماهيرية والمقاطعات الاقتصادية، انتقلت الانتفاضة سريعًا إلى المواجهات المسلحة والعمليات التفجيرية داخل إسرائيل وخرجت عن السيطرة، وخاصة بعد انخراط حركة حماس والجهاد الإسلامي فيها. هذه المرة، شاركت بعض الأجهزة الأمنية الفلسطينية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر في العمل العسكري مع وجود غطاء سياسي فلسطيني من قبل ياسر عرفات وحركة فتح التي انخرطت في المواجهات المسلحة عن طريق كتائب شهداء الأقصى. دفع ذلك إسرائيل إلى اجتياح الضفة الغربية، وتدمير جميع مقرات الأجهزة الأمنية تقريبًا ومحاصرة ياسر عرفات حتى وفاته عام 2014.

وبالتالي، تميزت السنوات الأولى لاتفاق أوسلو بخليط متنوع من الأساليب النضالية التي حاول الفلسطينيين الدمج بينها سواء بشكل تكتيكي أو استراتيجي مع طغيان العمل المسلح في بعض المحطات، والذي اشتركت فيه الأجهزة الأمنية الفلسطينية في بعض الأحيان، على العمل الشعبي/الجماهيري. جاء ذلك ضمن رؤية عرفات السياسية التي سعى من خلالها إلى الموازنة/المزاوجة ما بين أشكال متنوعة من النضال بهدف إجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية.

مأسسة الأمن

بسبب انخراط جزء من الأجهزة الأمنية في الانتفاضة الثانية (2000)، بدأت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في الضغط على السلطة الفلسطينية “لإصلاح” القطاع الأمني بما يتوافق مع “رؤية” عملية السلام وحل الدولتين. ركَّز الإصلاح على “مأسسة الأمن” واحتكاره من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية فقط، مع محاربة ما كان يطلق عليه “الفلتان الأمني”. وبالتزامن، بدأ يتشكل تيار فلسطيني يهدف إلى تحدي سلطة عرفات والعمل على استحداث إصلاحات بنيوية على شكل وطبيعة النظام السياسي الفلسطيني، وأهمها طبيعة ودور الأجهزة الأمنية ووظيفتها. وكنتيجة لذلك، استُحدِث منصب رئيس وزراء فلسطين وذلك بهدف تهميش عرفات وإقصائه، تلاه تعيين أول رئيس وزراء وهو محمود عباس (أبو مازن) -وحليفه محمد دحلان في تلك الفترة- في نوفمبر/تشرين الثاني 2003، والذي استقال بعد مئة يوم نتيجة الخلافات الشديدة مع ياسر عرفات. توافقت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والسلطة الفلسطينية، التي كانت منقسمة ما بين عرفات وعباس، في أبريل/نيسان 2003، على خارطة الطريق وذلك لإعادة إحياء عملية السلام وإنهاء “العنف والإرهاب” وبناء قيادة فلسطينية “تتصرف بحسم ضد الإرهاب”. تضمنت خارطة الطريق مجموعة من الإجراءات للتعامل مع الفلسطينيين بما يشمل إعادة إصلاح الأجهزة الأمنية وتدريبها تحت إشراف الولايات المتحدة الأميركية بحيث تعمل على إحباط الهجمات الفلسطينية واعتقال وتعطيل وتقييد استهداف إسرائيل، وتفكيك البنية العسكرية ومصادرة السلاح من قبل الأجهزة الفلسطينية التي أُعيد تشكيلها(6).

كنتيجة، دُمِجت الأجهزة الأمنية وأعيدت هيكلتها مع ترسيخ عقيدة أمنية جديدة بدأت تتشكل وتبرز منذ العام 2005 وتُعرف بعقيدة “دايتون”؛ وذلك نسبة إلى الجنرال الأميركي، كيث دايتون، الذي أشرف على إصلاح الأجهزة الأمنية. تقوم العقيدة الأمنية الجديدة على ركيزتين أساسيتين:

أولًا: استمرار التنسيق الأمني وتبادل المعلومات الاستخبارية مع إسرائيل. فمنذ توليه السلطة، عام 2005، خلفًا للرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، عزَّز أبو مازن التنسيق الأمني مع إسرائيل كنهج أساسي لإدارة النزاع. وبالرغم من اتخاذ أبو مازن العديد من القرارات منذ العام 2015 لوقف التنسيق الأمني وذلك بعد توقف عملية السلام وفشلها، إلا أن أجهزة السلطة استمرت بالالتزام بهذه السياسة وتفضيلها كاستراتيجية أساسية وحيوية لإدارة العلاقات مع إسرائيل واستمراريتها. وفي العادة، تقوم الأجهزة الأمنية بمشاركة المعلومات الاستخبارية حول النشطاء مع إسرائيل وتعمل على إحباط أية هجمات أو مخططات وإفشالها قبل التحول إلى عمل عسكري أو جماهيري منظم سواء ضد الجيش الإسرائيلي أو المستوطنات في الضفة الغربية(7).

ثانيًا: حماية مشروع السلطة السياسي والقائم على عملية السلام مع إسرائيل والمفاوضات. وبالتالي، حصر النضال الفلسطيني ضمن رؤية السلطة ومشروعها السياسي ومحاربة كافة التوجهات السياسية والنضالات التي تتعارض مع هذا التوجه.

اعتقد أبو مازن بأن المقاومة المسلحة أو الانتفاضة الشعبية لن تؤدي إلا إلى المزيد من الدمار والآثار الكارثية على المجتمع والسياسة الفلسطينية. وبالتالي، تمسك باستراتيجيته القائمة على المفاوضات كطريق وحيد للوصول إلى إقامة دولة فلسطينية. لم تتفق كافة القوى الفلسطينية مع رؤية أبو مازن هذه واستمرت بعض المجموعات داخل حركة فتح في معارضة توجهاته مع تمسكها بالمقاومة ضد إسرائيل، وهو نفس الموقف الذي كانت تتبنَّاه حركة حماس والجهاد الإسلامي. ونتيجة لذلك، زاد الاستقطاب داخل المجتمع الفلسطيني ما بين رؤيتين: رؤية أبو مازن وجزء من حركة فتح والتي كانت تريد حصر النضال ضمن أجهزة السلطة الفلسطينية ومحاربة ما يطلق عليه “الفلتان الأمني”، ورؤية حركة حماس والجهاد الإسلامي وبعض المجموعات داخل حركة فتح والتي كانت تصر على التمسك بكافة أشكال المقاومة ضد إسرائيل، بما في ذلك المقاومة المسلحة.

استراتيجية “صفر تسامح”

منذ الانقسام الفلسطيني في عام 2007، تبلورت بشكل أوضح استراتيجية السلطة في مأسسة الأمن وذلك بعدما أصبحت أكثر حزمًا في استهداف كافة أشكال النضال في الضفة الغربية باعتبارها جزءًا من حالة الفلتان الأمني ومعضلة في مسار إقامة الدولة الفلسطينية. وعن طريق الدعم الأميركي والإسرائيلي، اتبعت السلطة الفلسطينية استراتيجية “صفر تسامح” ضد كافة أشكال النضال في الضفة الغربية والتي لا تتفق مع رؤيتها وذلك بهدف تجفيف المعارضة وقمعها قبل تشكلها أو تحولها إلى حركات جماهيرية واسعة يمكن أن تتحدى السلطة أو تؤدي إلى إسقاطها(8). فبعد الانقسام، قامت الأجهزة الأمنية الفلسطينية بعملية واسعة وعميقة ووقائية ضد كافة أشكال النضال وخاصة المسلح. ركزت حملات السلطة بشكل أساسي ضد بنية حركة حماس العسكرية، والمالية، والسياسية والاجتماعية والنقابية، باعتبارها خارجة عن إطار القانون وجزءًا مما تطلق عليه السلطة “الفلتان الأمني”. وشملت أيضًا حملات السلطة الأمنية كافة عناصر حركة فتح الذين كانوا ينشطون ضمن كتائب شهداء الأقصى ويدعمون العمل المسلح. وبعكس حركة حماس التي تعتبر المنافس الأبرز للسلطة الفلسطينية وطردت أجهزتها الأمنية من قطاع غزة أثناء الحسم عام 2007، قامت السلطة باحتواء جزء كبير من عناصر كتائب شهداء الأقصى إما عن طريق الاستيعاب في أجهزتها البيروقراطية/الأمنية أو الاعتقال والإقصاء.

ومنذ عام 2007، كثَّفت السلطة من استخدام نظام الاعتقالات والاستدعاءات، الذي يجري فيه تعذيب السجناء في بعض الحالات(9)، ضد معارضيها أو النشطاء وذلك بهدف قمع المعارضة الداخلية ومنع تبلورها(10). يشير تقرير “محامون من أجل العدالة” إلى أن السلطة اعتقلت سياسيًّا خلال العام 2021 أكثر من 340 شخصًا(11). وبناء على التنسيق الأمني، تسهِّل السلطة الفلسطينية في كثير من الأحيان دخول الجيش الإسرائيلي إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها من أجل تنفيذ عمليات اعتقال أو اغتيال للنشطاء الفلسطينيين(12) ويتبع الطرفان ما يطلق عليه “سياسة الباب الدوار”؛ حيث يجري اعتقال الفلسطينيين من قبل الجيش الإسرائيلي فور إطلاق سراحهم من سجون السلطة الفلسطينية، أو العكس (13).

وتهدف السلطة من وراء استراتيجيتها الأمنية إلى حصر النضال الفلسطيني تحت إطارها المؤسساتي واحتكار الأجهزة الأمنية لاستخدام السلاح وذلك بهدف فرض النظام والقانون وحماية الأمن الداخلي ضمن رؤية السلطة السياسية القائمة على المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي. والأهم، تعمل السلطة على منع تمدد حركة حماس وتوسعها في الضفة الغربية بصورة يمكن أن تهدد نفوذ الأجهزة الأمنية وحركة فتح. تسيطر حركة فتح على الأجهزة الأمنية، التي تتشكَّل بالأساس من كوادر الحركة. وبالتالي، فإن مأسسة الأمن تعني السيطرة الحصرية لحركة فتح على قطاع الأمن والنظام السياسي الفلسطيني وشبكات واسعة من الولاءات الاجتماعية والعائلية في الضفة الغربية(14).

اليوم، وبعد مرور 15 عامًا على الانقسام الفلسطيني الداخلي، باتت الأجهزة الأمنية تتحكم وتهيمن على كافة الدوائر السياسية والمجتمعية(15) وتتدخل في كافة مناحي الحياة في الضفة الغربية، من سياسات التوظيف في الوظيفة العمومية، إلى التحويلات البنكية، والنشاطات السياسية في الحيز العام والجامعات، وإلى مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي. ويساعد الأجهزة الأمنية في القيام بوظيفتها الغطاء السياسي الذي توفره السلطة والدعم المالي الكبير الذي تحظى به. يتألف قطاع الأمن الفلسطيني من حوالي 53 ألفًا وتستحوذ المؤسسة الأمنية على نحو 20 في المئة من موازنة السلطة الفلسطينية (مليار دولار)، غالبيتها تذهب كرواتب للأجهزة الأمنية التي يحمل 92% من أفرادها رتبًا عسكرية مرتفعة (49.6% من الرتب بين ضابط ولواء، و43.4% في المئة ضباط صف، والبقية من الجنود)(16). وبالرغم من أن ميزانية قطاع الأمن أكثر من قطاعات الصحة والتعليم مجتمعة، إلا أن الأجهزة الأمنية تركز على الأمن الداخلي ولا تتدخل لوقف اعتداءات الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين ضد المواطنين الفلسطينيين(17).

يضاف إلى الأجهزة الأمنية، مجموعة من النخب والشرائح التي تشكلت، أو استفادت، من اتفاق أوسلو وبات مصيرها مرتبطًا بصورة عضوية باستمرارية أجهزة السلطة الفلسطينية ومأسستها الأمنية الهادفة إلى محاربة ما يطلق عليه “الفلتان الأمني”. يشير طارق دعنا، باحث فلسطيني، إلى تكوُّن أربع شرائح فلسطينية رأت في الانتفاضة الثانية والاشتباك المباشر أو غير المباشر مع الاحتلال تهديدًا لمصالحها الاقتصادية والسياسية(18):

أولًا: بعد توقيع اتفاق أوسلو، تكونت شريحة سياسية من القيادات السياسية العليا في السلطة الفلسطينية و”حركة فتح”، يضاف إليه قيادات بعض الأحزاب الهامشية في منظمة التحرير. أصبحت هذه الشريحة تلعب دورًا رئيسيًّا في التأثير على القرار السياسي الفلسطيني وخاصة التنسيق الأمني الذي يضمن الحفاظ على مصالحها السياسية والاقتصادية.

ثانيًا: شريحة فلسطينية رأسمالية من المستثمرين العائدين مع “منظمة التحرير” والذين منحهم عرفات امتيازات اقتصادية واحتكارية واسعة وهو ما أسهم في مراكمة نفوذهم داخل الاقتصاد والمجتمع الفلسطيني ومنحهم سلطة سياسية كبيرة؛ حيث يُسنَد إلى بعضهم وزارات أساسية في العادة في الحكومة الفلسطينية.

ثالثًا: شريحة البيروقراط والذين يتولون إدارة مؤسسات السلطة ويرسخون شبكات متعددة ومتشعبة من نظام الولاء والعلاقات الزبائنيَّة عن طريق نظام التوظيف والذي يجري تسخيره في كثير من الأحيان لخدمة أهداف سياسية، مثل حشد الموظفين للخروج في المسيرات لدعم السلطة.

رابعًا: شريحة مديري المنظمات غير الحكومية والتي استفادت من التمويل الخارجي المشروط وتمكنت من احتواء العديد من القيادات والأطر اليسارية التي نشطت في فترة الانتفاضة الأولى.

وبالتالي، عملت السلطة الفلسطينية ومجموعة من النخب المتحالفة معها على وضع تصور محدد للنضال الفلسطيني مرتبط بمأسسة الأمن والتخلص بالتالي من كافة أشكال المعارضة الداخلية سواء كانت من قبل حركة حماس أو بعض الأطراف داخل حركة فتح التي لم توافق على توجهات السلطة الأمنية وتعارض توجهاتها السياسية. وكمحصلة نهائية، أصبح الانقسام الفلسطيني أكثر وضوحًا بين السلطة ونخبتها الذين يفضلون المفاوضات والحل السياسي مع إسرائيل بالرغم من تراجع فرص تطبيقه، ومجموعة من النخب الذين يتحدُّون سرديات هذه النخب ورؤيتها ويسعون إلى التمسك بكافة أشكال النضال، بما في ذلك العمل المسلح.

تحدي المأسسة الأمنية

مع توسع نفوذها، استطاعت السلطة الهيمنة على الحياة الأمنية، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الضفة الغربية. ومع ذلك، يتصاعد الرفض الشعبي وعدم الرضا عن أداء السلطة السياسي وهو ما يشير إلى اتساع الصدع واختلاف المصالح مع بين ما تريده السلطة الفلسطينية ومصالح شرائح شعبية واسعة. يُظهر استطلاع للرأي العام الفلسطيني أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، في ديسمبر/كانون الأول 2021، أن مؤسسات السلطة، التي جرى إنشاؤها كنواة لدولة فلسطينية، تواجه رفضًا شعبيًّا حيث يؤيد 48% من فلسطينيي الضفة الغربية حلَّها وترى غالبيتهم (56%) أنها أصبحت عبئًا على الشعب الفلسطيني. ويتعزز ذلك مع اعتقاد 84% بوجود فساد في مؤسسات السلطة وذلك حسب الاستطلاع سابق الذكر.

ويشير الاستطلاع السابق إلى أن غالبية الفلسطينيين في الضفة الغربية (57%) يعارضون مشروع أبو مازن القائم على حل الدولتين؛ حيث ترى غالبية كبيرة (57%) أن هذا الحل لم يعد عمليًّا. وربما يرجع السبب في ذلك إلى أن 74% من فلسطينيي الضفة، الذين يعانون مباشرة من توسع الاستيطان وسياسات إسرائيل الاحتلالية، يرون أن فرص إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 أصبحت ضئيلة أو غير قائمة(19). وبدلًا من تأييد مشاريع السلطة السياسية، يميل القسم الأكبر من الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى تأييد العمل المسلح (38%) أو المقاومة الشعبية السلمية (21%). فقط ثلث الفلسطينيين في الضفة يؤيدون نهج السلطة في المفاوضات.

وربما يفسر ذلك تصاعد حدة المواجهات في الضفة الغربية خلال السنوات القليلة الماضية؛ حيث يكاد لا يمر يوم دون اشتباك ما بين الناشطين الفلسطينيين وجنود الاحتلال أو المستوطنين في الضفة الغربية. فبناء على معلومات إحصائية نشرها المكتب الإعلامي لحركة حماس في الضفة الغربية، وصلت العمليات النضالية في العام 2021 إلى ذروتها، مقارنة بالأعوام الأربعة الأخيرة. فخلال العام 2021، جرى تنفيذ 10850 عملًا ضمن حركة النضال الفلسطيني كان بينها 441 عملية وصفتها حركة حماس التي أصدرت الإحصائيات بأنها كانت مؤثرة. ويُظهر الجدول التالي عدد العمليات ونوعيتها التي نُفِّذت في العام 2021(20):

طبيعة العمل النضالي

الأعداد

إطلاق نار

191

طعن أو محاولة طعن

41

دهس أو محاولة دهس

21

زرع أو إلقاء العبوات الناسفة

55

استهداف الآليات والأماكن العسكرية بالحرق أو التحطيم

133

إلقاء الحجارة

3594

إلقاء الزجاجات الحارقة والألعاب النارية

568

مواجهات بأشكال متعددة

3693

مقاومة اعتداءات المستوطنين

1094

مظاهرات ومَسِيرات

1306

إضرابات عامة

12

عمليات إرباك ليلي ضد المخططات الاستيطانية

142

ونتيجة لتصاعد الأحداث في الضفة الغربية، استشهد من بداية العام 2022 وحتى 15 مارس/آذار 2022، عشرون شخصًا في الضفة الغربية غالبيتهم العظمى من الشباب وذلك في إحصائية نشرتها وزارة الصحة الفلسطينية(21).

وفي ظل الأوضاع سابقة الذكر، تشكِّل مجموعة من الديناميات الداخلية والفاعلين تحديًا مركزيًّا لمساعي السلطة الهادفة إلى مأسسة النضال وحصره ضمن أطر السلطة الرسمية، وأهمها:

أولًا: “معاقل المقاومة المسلحة”: لا تزال تنشط مجموعة من الخلايا المسلحة والتي تتبع لعدد من الفصائل الفلسطينية، في مجموعة من المناطق، وخاصة مخيمي جنين ومخيم بلاطة، في شمال الضفة الغربية. ويمكن وصف هذه المناطق بأنها خارجة عن السيطرة الأمنية الكاملة للسلطة الفلسطينية وتشكِّل تحديًا أمنيًّا لها ولمساعيها في احتكار السلاح. ومنذ حرب مايو/أيار 2021، زاد نشاط مجموعة من الخلايا المسلحة في هذه المناطق واستهدافها للقوات الإسرائيلية مما جعلها عرضة للهجمات من قبل إسرائيل والسلطة الفلسطينية على حدٍّ سواء؛ حيث اغتالت إسرائيل في قلب هذه المناطق مجموعة من المقاومين المسلحين(22). بدورها، تكافح السلطة لإخضاع الخلايا المسلحة وتفكيكها باعتبارها “خارجة عن القانون” وهو ما يثير غضب الفلسطينيين ويزيد من الانقسامات الفلسطينية الداخلية. فالخلايا المسلحة داخل المخيمات تنتمي إلى العديد من الفصائل بما فيها حركة حماس، والجهاد الإسلامي، وكتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح والتي تدور بينها وبين قوات أمن السلطة الفلسطينية اشتباكات مسلحة في بعض الأحيان كما حصل في نوفمبر/تشرين الثاني 2021. وبينما تقول السلطة إنها تسعى إلى فرض الأمن، تقول حركتا حماس والجهاد الإسلامي: إن الهدف يتعلق بالمقاومة ضد إسرائيل(23).

ثانيًا: النضال الفردي: بسبب قمع إسرائيل والسلطة الفلسطينية للتنظيمات الفلسطينية، تحول جزء كبير من النضال إلى العمل الفردي المستقل الذي يفتقر إلى مركز ثقل واضح وغياب مشاركة عملياتية لإحدى المنظمات الفاعلة في أية مرحلة من مراحل الإعداد للهجوم وتنفيذه. فمنذ أكتوبر/تشرين الأول 2015، بدأ النضال الفردي والهجمات المستقلة تطغى على العمل النضالي في الضفة الغربية بعدما كان ذلك يجري التخطيط له وتنفيذه في العادة من قبل التنظيمات الفلسطينية. في الفترة من 1 أكتوبر/تشرين الأول 2015 إلى 31 ديسمبر/كانون الأول 2017، نفَّذ 700 مهاجم مستقل 560 هجومًا. وتظهر المعطيات أن 399 من المهاجمين (61٪) تصرفوا بمفردهم و255 (39٪) نفذوا الهجوم مع شريك أو أكثر. من بين 618 مهاجمًا جرى الإبلاغ عن جنسهم، شكَّل الذكور 526 (85٪) والإناث 92 (15٪). كان متوسط ​​عمر الذكور والإناث متماثلًا: 22.3 سنة(24). وحتى اليوم، باتت تتكرر العمليات الفردية وأصبحت إحدى الأدوات الرئيسية المهيمنة في النضال، وخاصة المسلح، في الضفة الغربية. وتتركز في العادة هذه العمليات في مدينة القدس أو تستهدف الحواجز العسكرية، أي في المناطق الخارجة عن سيطرة السلطة الفلسطينية والتي لا تستطيع في العادة التدخل لوقفها بعد انطلاقها لأنها تفتقر إلى بنية تنظيمية ويصعب التنبؤ بها أو اكتشافها أثناء مرحلة الإعداد أو التنفيذ.

ثالثًا: تحدي حركة حماس: استطاعت السلطة الفلسطينية وإسرائيل من إضعاف حركة حماس عسكريًّا في الضفة الغربية وتفكيك بنيتها النقابية والطلابية والسياسية في مرحلة ما بعد الانقسام وذلك عن طريق استهداف أذرعها الخدماتية، والسياسية، والنقابية، والطلابية(25). ومع ذلك، لا تزال الحركة تشكِّل التهديد الأبرز لمشروع السلطة السياسي في الضفة الغربية وذلك بسبب تماسكها الداخلي من جهة، وتمتعها بتأييد جماهيري كبير يقوم على قاعدة تبنيها للعمل المقاوم، بما في ذلك العسكري، ضد إسرائيل، ومعارضتها البارزة لمشاريع السلطة الساعية للمفاوضات والتنسيق الأمني مع إسرائيل. أظهر استطلاع للرأي العام الفلسطيني، أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في ديسمبر/كانون الأول 2021، أن 20% من سكان الضفة يؤيدون الحركة -مقابل 27% لحركة فتح- وذلك بالرغم من القمع السياسي والأمني المتواصل الذي تتعرض له بنيتها المالية والعسكرية والاجتماعية (انظر الشكل التالي). ويرجع السبب في ذلك إلى مجموعة متنوعة من الشبكات الاجتماعية والدينية والعائلية الموالية للحركة في الضفة الغربية.

2

منذ الحرب الأخيرة على قطاع غزة، زاد التوتر ما بين حركة حماس والسلطة الفلسطينية وأصبحت الحركة أكثر جرأة في التعبير عن مواقفها. فبعد جنازة وصفي قبها، الوزير السابق في حكومة حماس، في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وتأبينه من عدد كبير من الفلسطينيين في مدينة جنين، وخروج ملثمين مسلحين يتبعون لحركة حماس بصورة نادرة(26)، ردَّت السلطة الفلسطينية بحملة اعتقالات واستجواب لمجموعة من المشاركين في التأبين(27). وزادت السلطة من ضغطها عن طريق تحذير أو اعتقال النشطاء وذلك لمنعهم من المشاركة في احتفالات إطلاق سراح السجناء أو تنظيم نشاطات سياسية، وخاصة الذين ينتمون للحركة(28). في المقابل، تسعى حركة حماس إلى تحويل التذمر والسخط تجاه السلطة وأجهزتها الأمنية إلى مكاسب سياسية لدعم مشروعها القائم على النضال بكافة أشكاله، بما في ذلك العمل المسلح.

وبالتالي، فإنه بعد حوالي عشرين عامًا من العمل على مأسسة الأجهزة الأمنية لا تزال السلطة الفلسطينية تواجه تحديات جوهرية في مساعيها لاحتكار النضال الفلسطيني وحصره وتعريفه وتحديده بما يتلاءم مع مشروعها السياسي القائم على المفاوضات مع إسرائيل وذلك في ظل رفض شعبي لمشاريع السلطة السياسية ومعارضة حركات سياسية ذات ثقل شعبي، وخاصة حركة حماس، لهذه التوجهات.

مستقبل النضال في الضفة الغربية

سيتحدد مستقبل النضال في الضفة الغربية بناء على مجموعة من التطورات المتداخلة والتي ستؤثر على الأغلب في طبيعته وتوقيته واتساعه.

أولًا: مصير حركة فتح والسلطة: ستؤثر على الأرجح أوضاع فتح الداخلية وخلافة أبو مازن على مشروع السلطة الفلسطينية السياسي بشكل عام والمأسسة الأمنية بشكل خاص. فكما ذكرنا سابقًا، تشكِّل حركة فتح عصب الأجهزة الأمنية وبيروقراطية السلطة ولكنها تواجه واحدة من أسوأ أزماتها منذ إنشائها عام 1965. ظهر ذلك جليًّا أثناء التحضيرات الخاصة بالانتخابات البرلمانية التي كان من المزمع عقدها العام 2021؛ ومن ثم أُلغيت لاحقًا. أعلن أبو مازن أن سبب إلغاء الانتخابات يرجع إلى رفض إسرائيل السماح للسلطة بإجراء الانتخابات في مدينة القدس. ولكن، يبدو أن صراعات الحركة الداخلية كانت العامل الأساسي لإلغائها. أعلن العديد من التيارات داخل فتح عن نيته خوض الانتخابات، وشكَّل العديد منها تحديًا حقيقيًّا لسلطة أبو مازن. قرَّر مروان البرغوثي، الذي يقضي حكمًا طويلًا في السجون الإسرائيلية ويتمتع بشعبية كبيرة داخل حركة فتح، خوض الانتخابات بعيدًا عن قائمة فتح الرسمية وذلك بالتعاون مع ناصر القدوة، وزير خارجية السلطة الفلسطينية الأسبق وابن شقيقة ياسر عرفات. عمل أيضًا محمد دحلان، الذي يتمتع بشعبية داخل حركة فتح وبالتحديد في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية، على تشكيل جبهة أخرى داخل حركة فتح. كذلك فعل رئيس الوزراء الفلسطيني السابق، سلام فياض.

ويمكن القول بأن الانقسامات داخل حركة فتح متجذرة في بنيتها بين مجموعة من التيارات ذات المصالح المختلفة. وفي حال غياب أبو مازن، الذي يبلغ حاليًّا 85 عامًا، يمكن أن تتعمق هذه الانقسامات وتزداد ضراوة وهو ما يمكن أن يؤثر على بنية السلطة وتماسكها في حال لم تتمكن النخبة الحاكمة والمؤثرة من الاتفاق على مرحلة ما بعد أبو مازن. ويزيد الأمور تعقيدًا، عدم وجود آليات قانونية واضحة لخلافته وهو ما سيفتح الباب على الأغلب لمزيد من الانقسامات الفلسطينية الداخلية والانهيارات داخل حركة فتح، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار وجود مجموعات داخل حركة فتح تعارض توجهات أبو مازن ومقارباته السياسية والأمنية. فلا يزال جزء من مقاتلي حركة فتح، سواء في جنين أو نابلس، خارج منظومة السلطة وأجهزتها الأمنية بشكل كامل(29). كذلك يمكن أن يبرز مجددًا تيار القيادي المفصول من حركة فتح، محمد دحلان، والذي لا يزال يتمتع بنفوذ داخل حركة فتح وخاصة في المخيمات ويشكِّل بالتالي تحديًا جوهريًّا للسلطة من الداخل(30). وستؤثر على الأغلب هذه الانقسامات على شعبية حركة فتح وقدرتها على إحراز انتصار واضح وكبير في أية انتخابات تنافسية مستقبلية.

وبالتالي، يعمل أبو مازن والمقربون منه حاليًّا على الاستعداد لكافة السيناريوهات التي قد تنتج عن غياب مفاجئ لأبو مازن. ففي فبراير/شباط 2022، اجتمعت اللجنة المركزية لمنظمة التحرير في رام الله وكان من أحد نتائج الاجتماع تعيين مقربين من أبو مازن في مناصب مهمة في منظمة التحرير يمكن أن تخولهم السيطرة على بيروقراطية السلطة في حال وفاة أبو مازن أو استقالته وبالتالي ضمان استمرارية مشروع مأسسة الأمن. لذلك، جاء تعيين حسين الشيخ، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والمرشح المحتمل لخلافة عباس، خَلَفًا للراحل صائب عريقات في موقع أمين سرِّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. ولا يتمتع الشيخ بقربه من عباس فقط، بل من الإسرائيليين حيث يعتبر المسؤول عن التنسيق الأمني بين الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي(31)، حيث يترأس الهيئة العامة للشؤون المدنية التي تسيطر على خط التنسيق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية وهو ما سيمكِّنه بالتالي من استكمال مشاريع السلطة الأمنية مع إسرائيل وضمان فاعليتها.

ثانيًا: تراجع فرص عملية السلام: لم تعد الحلول السلمية تتمتع بشعبية أو دعم سياسي واسع سواء بين الفلسطينيين أو الإسرائيليين ومن غير المرجح أن يجري استئناف المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية في المستقبل القريب. فحل الدولة الواحدة غير مطروح للنقاش بسبب معارضته الجذرية من قبل الفلسطينيين والإسرائيليين في هذه المرحلة. كذلك الحال بالنسبة لحل الدولتين الذي لم يعد يتمتع بشعبية واسعة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وفي ظل تلاشي الحل السياسي، من المرجح أن يستمر أبو مازن في التجاوب مع طرح “الحلول الاقتصادية”، أي تقديم تسهيلات اقتصادية للفلسطينيين من قبل إسرائيل مقابل المحافظة على الوضع القائم والهدوء. والمحافظة على الهدوء بالمنطق الإسرائيلي تعني ملاحقة كافة الاحتجاجات الشعبية “والمقاومة في الضفة الغربية”(32)؛ وهو ما يؤكده الجانب الإسرائيلي الذي صرَّح وزير دفاعه، بيني غانتس، بأن اجتماعاته الأخيرة مع أبو مازن تهدف إلى “تعزيز التعاون الأمني والحفاظ على الاستقرار الأمني ومنع الإرهاب والعنف”(33). ومن أجل القيام بذلك، تحتاج إسرائيل إلى تعاون السلطة والأجهزة الأمنية.

ولكن، مقاربات السلطة الاقتصادية/الأمنية تواجه معارضة فلسطينية واسعة، وخاصة من حركتي حماس والجهاد الإسلامي ومجموعات من حركة فتح والذين يفضِّلون عوضًا عن ذلك الاشتباك مع الاحتلال بكافة الأدوات الممكنة في الضفة الغربية. وبالتالي، فإن خيارات السلطة السياسية والأمنية ستعمِّق على الأغلب من حدة الانقسامات والاستقطابات الفلسطينية الداخلية ما بين تيار السلطة ومعارضيه.

ثالثًا: المقاومة الشعبية وتفجر الاشتباكات: من الصعب التنبؤ بمسار النضال الفلسطيني في الضفة الغربية والذي يبقى مفتوحًا على كافة الاحتمالات. من الناحية النظرية، يتبنى أبو مازن المقاومة الشعبية السلمية ضد الاحتلال في الضفة الغربية(34). ولكن من الناحية العملية، لا تزال السلطة مترددة في تفعيل هذا الخيار على نطاق واسع ولا تفضِّله وذلك لسببين أساسيين: أولًا: تتخوف السلطة في حال دعمها للنضال الشعبي السلمي من أن تخرج الاحتجاجات عن سيطرتها وأن تتحول بالتالي إلى انتفاضة مسلحة يمكن أن تهدد أركان السلطة. ثانيًا: لا توجد ثقة في القيادة الفلسطينية ونواياها وبالتالي فلن تستطيع حشد الفلسطينيين خلف نضال شعبي جماهيري واسع.

وبنفس الصورة، من المستبعد اندلاع مواجهات عسكرية واسعة في الضفة الغربية وذلك لأسباب عدة، منها: أولًا: منذ العام 2007، جرى تفكيك قسم كبير من البنية العسكرية التابعة لحركات المقاومة في الضفة الغربية وبالتالي فهي غير قادرة على استئناف العمل العسكري طالما استمرت السلطة وإسرائيل في ملاحقة هذه الخلايا واستهدافها. ثانيًا: لا تزال أجهزة الأمن الفلسطينية تحافظ على عقيدتها الأمنية في ملاحقة المقاومة المسلحة ومن المستبعد أن تسمح بتنامي هذه المقاومة. ثالثًا: باتت إسرائيل تُحكم سيطرتها على كافة مناطق الضفة الغربية وتخترق في كثير من الأحيان بنية الحركات المقاومة من الداخل وتقوم بعمليات وقائية مستمرة لضمان عدم تراكم المقاومة المسلحة وتناميها.

خاتمة

تتمسك السلطة بنهجها التفاوضي مع إسرائيل ولا تزال تفضل المفاوضات على النضال، وخاصة إذا كان هذا النضال مرتبطًا بعمل جماهيري واسع والذي يمكن أن يتحول إلى مواجهات مسلحة. ومع ذلك، فإن كافة الاحتمالات لا تزال مطروحة في الضفة الغربية مع توسع اعتداءات الجيش والمستوطنين على الفلسطينيين. يشير تطور الأحداث إلى أن الاحتجاجات الشعبية ستبقى الشكل المسيطر على النضال في الضفة الغربية مع احتمالية تصعيدها وانتشارها، وخاصة إذا تواصل مسار السياسات التصعيدية الإسرائيلية الحالي في مدينة القدس، وزيادة عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة، أو حدث تصعيد مفاجئ من إسرائيل ضد بؤر المقاومة، وخاصة مخيمي جنين وبلاطة. ولكن من المستبعد أن تتحول الاحتجاجات الشعبية إلى انتفاضة مسلحة وذلك بسبب تفكيك غالبية البنية العسكرية لحركات المقاومة على مدار السنوات الماضية من جهة، وبسبب العقيدة الأمنية التي تتبعها الأجهزة الأمنية الفلسطينية ضد كافة أشكال عسكرة الانتفاضة، من جهة أخرى. ومع ذلك، يبقى ترجيح العمل العسكري الفردي وتصاعده، سواء عن طريق عمليات الدهس والطعن أو إطلاق النار ضد أهداف إسرائيلية، مرجحًا.

مراجع
  1. ، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://www.maannews.net/news/2060144.html
  2. عدنان أبو عامر، صدى (مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي)، 19 يوليو/تموز 2021،  (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022):  https://carnegieendowment.org/sada/84997\
  3. دائرة شؤون اللاجئين، منظمة التحرير الفلسطينية، المحطة السادسة: العودة إلى أرض الوطن، 5 يوليو/تموز 2018 (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022):  https://kurzelinks.de/1l33
  4. وكالة وفا، اتفاقية أوسلو (إعلان المبادئ- حول ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية)-13 سبتمبر/أيلول 1993، (بدون تاريخ): https://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4888
  5. قناة الجزيرة، محطات بارزة في علاقة السلطة الفلسطينية وحركة حماس، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2005، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022):   https://kurzelinks.de/9b9p
  6. وكالة وفا، اتفاقية أوسلو، مصدر سبق ذكره.
  7. وكالة وفا، خريطة الطريق، (بدون تاريخ)، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022):   https://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4190
  8. Somdeep Sen, The PA was always meant to ‘kill’ the Palestinian cause, Aljazeera, 6 August 2021 (access on 06 March 2022) https://kurzelinks.de/uev8 
  9. Jehad Barakat, Why is the Palestinian Authority cracking down on opposition?, , Aljazeera,  25 January 2022 (access on 06 March 2022) https://kurzelinks.de/ecav
  10. خالد كريزم، بعد إعلان حالة الطوارئ.. ما مصير الاعتقالات السياسية في الضفة الغربية؟، ن بوست، 1 أبريل/نيسان 2020، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://www.noonpost.com/content/36539
  11. Somdeep Sen, The PA was always meant to ‘kill’ the Palestinian cause.
  12. محامون من أجل العدالة، أكثر من ٣٤٠ حالة اعتقال سياسي عام 2021، 31 ديسمبر/كانون الأول 2021، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://kurzelinks.de/d607
  13. Yara Hawari, The Palestinian Authority’s crackdown on protest shows it will never serve its own people, the Guardian, 1September 2021 (access on 06 March 2022) https://kurzelinks.de/a026
  14. عدنان أبو عامر، “الباب الدوار” سياسة السلطة الفلسطينية وإسرائيل لملاحقة حماس في الضفة الغربية، الموقع الشخصي، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2019، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://kurzelinks.de/pqge
  15. خليل الشقاقي، صراع القوى بين فتح وحماس يمنع المصالحة والوحدة، المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، 2 يوليو/تموز 2019، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://pcpsr.org/ar/node/758
  16. Alaa Tartir, Nizar Banat killing: The world must stop enabling PA crimes,  Middle East Eye, 25 June 2021, (access on 06 March 2022) https://kurzelinks.de/douy
  17. خليل موسى، السلطة الفلسطينية تصرف مليار دولار على قوات الأمن، إندبندنت عربي، 1 مارس/آذار 2021، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://kurzelinks.de/ls7q
  18. خليل موسى، السلطة الفلسطينية تصرف مليار دولار على قوات الأمن، نفس المصدر السابق.
  19. انظر للمزيد حول هذه الشرائح ودورها في إجهاض الانتفاضة الثانية: طارق دعنا، “نخبةٌ” على النقيض: الانتفاضة الثانية وأعداؤها، متراس، 8 فبراير/شباط 2019، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://kurzelinks.de/6amh
  20. المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، نتائج استطلاع الرأي العام رقم (82)، 27 ديسمبر/كانون الأول 2021، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://www.pcpsr.org/ar/node/867
  21. شهاب، تقرير 2021.. عام المقاومة بالضفة ينذر ببركان في وجه الاحتلال، 1 يناير/كانون الثاني 2022، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://kurzelinks.de/add2
  22. وكالة معًا، بالأسماء.. عشرون شهيدًا في الضفة منذ بداية العام، 15 مارس/آذار 2022، (تاريخ الدخول: 16 مارس/آذار 2022): https://www.maannews.net/news/2062810.html
  23. على سبيل المثال، اغتالت إسرائيل، في 8 فبراير/شباط 2022، ثلاثة شبان في مخيم بلاطة (فرانس 24، مقتل ثلاثة فلسطينيين من كتائب “شهداء الأقصى” برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://kurzelinks.de/s9uf. وفي 1 مارس/آذار 2022، اغتالت إسرائيل ناشطين في مخيم جنين، انظر: قناة الجزيرة، استشهاد فلسطينيين اثنين وإصابة 3 آخرين في مخيم جنين، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://kurzelinks.de/7zv2
  24. عوض الرجوب، مخيم جنين مجددًا.. لماذا اشتبكت أجهزة الأمن الفلسطينية مع مسلحين؟، 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://kurzelinks.de/mexd
  25. Ariel Meraria and Boaz Ganor, Interviews With, and Tests of, Palestinian Independent Assailants, Terrorism and Political Violence, 28 October 2020 (access on 06 March 2022) https://kurzelinks.de/zj0n
  26. أحمد ملحم، ارتفاع وتيرة الاعتقالات السياسية في الضفة وغزة قبل تحديد موعد الانتخابات، 23 يناير/كانون الثاني 2020، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://kurzelinks.de/2m5r
  27. انظر على اليوتيوب: مــــقاومون من القســام يشاركون في تشييع جثمان القائد الوطني ووزير الأسرى السابق وصفي قبها في جنين، 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://www.youtube.com/watch?v=zPX1q5gGHNo
  28. Jehad Barakat, Why is the Palestinian Authority cracking down on opposition?
  29. Jehad Barakat, Why is the Palestinian Authority cracking down on opposition?
  30.  عربي 21، جنين.. مدينة تتمسك بسلاحها وتحتضن المقاومين بالضفة، 16 أغسطس/آب 2021، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://kurzelinks.de/trzj
  31. عربي 21، دحلان يهاجم السلطة على خلفية اعتقال النشطاء في الضفة، 23 أغسطس/آب 2021، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://kurzelinks.de/fjlf
  32. آرون بوكسرمان، بينما يدك عباس منظمة التحرير الفلسطينية بالموالين له، الصراع على خلافته يلوح في الأفق، 9 فبراير/شباط 2022، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://kurzelinks.de/q8li
  33. قناة الجزيرة، عباس يجتمع مع غانتس بمنزله قرب تل أبيب ويتعهد باستمرار التنسيق الأمني بالضفة وحماس تعتبر لقاءهما يعمق الانقسام، 29 ديسمبر/كانون الأول 2021، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://kurzelinks.de/5bz4
  34. آرون بوكسرمان، بينما يدك عباس منظمة التحرير الفلسطينية بالموالين له، الصراع على خلافته يلوح في الأفق، مصدر سبق ذكره.
  35. وكالة معًا، الرئيس خلال المجلس المركزي: ندعو لتوسيع نطاق المقاومة السلمية ولن نقبل باستمرار الاحتلال، 6 فبراير/شباط 2022، (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2022): https://www.maannews.net/news/2060144.html

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى