أخر الأخبارمقالات

لبنان والأردن وفلسطين والمؤشر العالمي للسعادة و”التعاسة“

محسن محمد صالح عربي 21

بحسب التقرير العالمي للسعادة لسنة 2022 الذي صدر مؤخراً، فإن عدداً من بلداننا العربية كانت في ذيل القائمة ضمن “الأتعس” عالمياً. إذ جاء لبنان الثاني عالمياً والأول عربياً في “التعاسة” (مرتبة 145 من أصل 146 دولة)، وجاء الأردن الثاني عربياً في “التعاسة” (مرتبة 134)، أما السلطة الفلسطينية فحصلت على المرتبة 122. وبما أن كاتب هذه السطور فلسطيني يحمل الجنسية الأردنية ويقيم في لبنان، فقد حمل “المجد” من أطرافه!! ولله الحمد من قبل ومن بعد.

***

مركز إعداد هذا التقرير هو جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة، ويشرف على إعداده جيفري ساكس Jeffry Sachs، بالتعاون مع بعض الجامعات العالمية. وتعود فكرته إلى اقتراح دولة بوتان في الأمم المتحدة لموضوع السعادة باعتبارها مساراً شاملاً للتنمية. وقد تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة ذلك في قرار صدر في 19/7/2011، وحددت في السنة التالية يوم 20 آذار/ مارس من كل عام يوماً عالمياً للسعادة.

وضع القائمون على إعداد التقرير عدة معايير لتحديد مؤشرات السعادة والبلدان الأكثر سعادة أو تعاسة من غيرها. وتضمنت هذه المعايير الدخل المالي للفرد؛ ومعدلات توقعات حياة صحية، وتوفر الرعاية الاجتماعية، وحرية الفرد في اختيار طريقته في العيش والحياة، وتوفر أجواء الكرم والتبرع للعمل الخيري، ومدى الفساد الحكومي واتساعه. بالإضافة إلى مدى توفر عناصر إيجابية نفسية كالضحك والاستمتاع بالحياة وإمكانية أن يعمل الشخص في المجالات التي يرغب بها؛ وكذلك مدى تأثير عناصر سلبية كالقلق والحزن والغضب.

وتعاون القائمون على المشروع مع مؤسسة غالوب العالمية لتوفير استطلاعات رأي من نحو ألف شخص من كل بلد، بالإضافة إلى مصادر المعلومات الأخرى.

وبحسب هذا التقرير تتصدر فنلندا المؤشر العالمي للسعادة، تليها الدانمارك ثم أيسلندا ثم سويسرا ثم هولندا ثم لوكسمبرج ثم السويد ثم النرويج، والدول الثماني هذه كلها دول أوروبية. أما اللافت للنظر فهو أن الكيان الإسرائيلي حلّ تاسعاً على المستوى العالمي، تليه نيوزيلاندا، فالنمسا، فأستراليا، فإيرلندا، فألمانيا، فكندا، فالولايات المتحدة في المرتبة 16.

أما البلاد العربية فتصدَّرتها البحرين 21، تليها الإمارات 24، فالسعودية 25، ثم الكويت 50، ثم ليبيا 86، ثم الجزائر 96، فالمغرب 100.

***

ولنا مع هذا التقرير وقفتان:

الأولى أن التقرير يشير إلى مدى البؤس الذي تعيشه منطقتنا العربية، في ظل أنظمة وبيئات فاسدة ومستبدة، جرَّت الويلات والكوارث على شعوبها.

عصفت الأزمات السياسية والاقتصادية بلبنان خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وصاحبها انتشار جائحة كورونا التي عمقت الأزمة وأوصلتها إلى مديات خطيرة. وهو ما جعل لبنان الأتعس عربياً والثاني عالمياً، بعد أن كان سنة 2019 في المرتبة التاسعة عربياً، و91 عالمياً من أصل 156 دولة مشاركة في التقييم. واجتمع الفساد السياسي مع الفساد المالي مع المحاصصة الطائفية لينهكوا المجتمع اللبناني وليعاني نحو 74% من الفقر و41% من البطالة؛ ولتنهار العملة اللبنانية إلى نحو 6% فقط من قيمتها الأصلية، وبعبارة أخرى فإذا كانت القيمة الشرائية لمرتب اللبناني تساوي ألف دولار فقد أصبحت قدرته الشرائية بالمبلغ نفسه لا تزيد عن ستين أو 65 دولاراً!!

بعد أن كان دخل الفرد اللبناني هو الأعلى عربياً بعد دول الخليج العربي. أصبح المقيم في لبنان يدفع ما يزيد عن مرتب خريج جامعي يُدرِّس في مدرسة أو في وظيفة حكومية ليغطي اشتراك خمسة أو عشرة أمبير كهرباء لتزويد بيته بالحد الأدنى من متطلبات الكهرباء كالإضاءة ونحوها لثماني أو عشر ساعات من أصل 21 ساعة من الانقطاع اليومي للكهرباء. هذا مع إغلاق البنوك على ودائع الناس، وعدم قدرتهم على سحب أموالهم إلا بمبالغ محدودة جداً وبخسائر كبيرة.

أما فلسطينييو لبنان، فلعل حالتهم من الحالات الأصعب عالمياً، إذ إن نسب الفقر والبطالة أكبر بكثير من اللبنانيين، وهم محرومون رسمياً من العمل في معظم القطاعات، ونحو 98% ممن يعملون لا يملكون عقود عمل وهم عرضة للفصل التعسفي، ولا يملكون حق الحصول على إجازات سنوية أو إجازات مرضية.

والأردن من البلدان التي تصاعدت فيها نسب الفقر إلى نحو 16% بينما ترفعها تقديرات أخرى إلى 24%؛ كما ارتفعت نسب البطالة إلى نحو 25%، ووصلت إلى نحو 50% وسط الشباب وخصوصاً خريجي الجامعات. وتتناقل الأدبيات الشعبية الكثير عن “تكشيرة” الأردني المثقل بالديون والغلاء والهموم التي لا تنتهي. وكان الأردن قد حصل على المرتبة 90 في مؤشر السعادة سنة 2019، قبل أن يتدهور وضعه إلى المرتبة 134 سنة 2022.

أما مناطق السلطة الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة) فلا أدري كيف تُقاس سعادة شعبٍ تحت الاحتلال، وهو في مرحلة تحرّر وطني. وعلى أي حال، فإن هذا المؤشر أعطى السلطة المرتبة 122 سنة 2022 متراجعة 12 مركزاً للوراء بعد أن كانت 110 سنة 2019. ولا حاجة لوصف حالة الفلسطينيين تحت الاحتلال أو تحت الحصار في قطاع غزة؛ في بيئة يصل فيها الناتج المحلي الإجمال الإسرائيلي 26 ضعف الناتج الفلسطيني، ودخل الفرد الإسرائيلي 14 ضعف دخل الفلسطيني، بما يعكس مدى الاستغلال والجشع الصهيوني ومصادرته للثروات الطبيعية، وتعطيله الموارد البشرية، وتدميره إمكانات التنمية. وتصل نسب الفقر رسمياً في قطاع غزة إلى 53% والبطالة إلى 47%. وهل هناك أسوأ من الاحتلال الذي يهلك الحرث والنسل، ويسعى لتغيير هوية الأرض والإنسان، ومصادرة التاريخ والتراث والمقدسات.

****

أما الوقفة الثانية فهي متعلقة بطريقة تعامل “تقرير السعادة” مع مفهوم السعادة، وطريقة تطبيقها على الأرض. فعلى الرغم من وضع التقرير لمعايير معظمها مادية وبعضها نفسية أو معنوية؛ إلا أنه يظل قاصراً عن جعل هذا المفهوم قابلاً بدقة للقياس. سواء من ناحية تحديد الوزن النوعي لكل معيار، أم من ناحية غياب معايير أخرى، أم من ناحية تفاوت قيمة المعايير بين إنسان وآخر.

يأتي هذا التقرير مثلاً ليصف الكيان الصهيوني “إسرائيل” ضمن أفضل عشر دول في مؤشر السعادة العالمي، وهو وفق الحسابات المادية التي أشرنا إليها يضع هذا الكيان في مراتب متقدمة عن دول معروفة بقوتها واستقرارها ورعايتها لأبنائها مثل النمسا وأستراليا وألمانيا وكندا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية… وغيرها. ولا تلحظ إحصاءات واستطلاعات هذا التقرير حالة الكيان المدجَّج بالسلاح، وحالة الاحتلال والعدوان والممارسات البشعة التي يمارسها يومياً بحق شعب أعزل، ولا حالة مصادرة الممتلكات والثروات التي على أساسها يتم احتساب سعادته؛ ولا حالة الشعور بالخوف وانعدام الأمان لدى الصهاينة نتيجة أعمال المقاومة الفلسطينية؛ وعندما اضطر نحو خمسة ملايين صهيوني في أيار/ مايو 2021 للنزول مذعورين “وبسعادة!!” إلى الملاجئ في معركة سيف القدس؛ ولا حالة القلق ولا الرغبة بالهجرة التي تساور ملايين الصهاينة كلما اشتعلت الانتفاضة في فلسطين…؛ ولا حالة الصراع العرقي والطائفي داخل الكيان… فعن أي سعادة يتحدثون؟!

في المقابل، لم يلحظ التقرير حالة “السعادة” الهائلة التي يشعر بها الإنسان وهو يسترد كرامته أو يُحرر أرضه أو يفشل إرادة العدو؛ فانتصار الفلسطينيين في معركة سيف القدس والشيخ جراح ومشاعرهم المملوءة بالعزة والكرامة والسعادة لا تسعها المؤشرات. أما توزيع الشراب والكنافة والزغاريد الممزوجة بالرضا والعزة واستعلاء الإيمان، والفرحة بالنكاية في العدو، والمختلطة كذلك بالألم والحزن والغضب، عند استشهاد أحد الأقارب أو الأصحاب… فلا مقياس يصلح لها.

أما الأفغان الذين وضعهم التقرير كأتعس شعوب العالم؛ فلم يلحظ مدى سعادتهم السنة الماضية بتحقيق أحد أكبر الإنجازات العالمية في القرن الحادي والعشرين بهزيمة أمريكا واضطرارها للانسحاب المرتبك من أفغانستان، وسقوط حكومتها العميلة فيها.

***

من ناحية ثانية، تجاوز التقرير إعطاء وزن نوعي لحالة التفكك الاجتماعي وتدمير الأسرة، وانتشار الشذوذ الجنسي في البيئة الغربية وانعكاساتها الخطيرة على البنى المجتمعية، وخصوصاً الأطفال الذين أصبح معظمهم يفتقر للأمن النفسي والاجتماعي؛ بعد أن وصلت نسب المواليد غير الشرعيين (أولاد الزنا) في فرنسا مثلاً إلى 60%، والسويد إلى 55% (السابعة عالمياً في السعادة!!)، وفنلندا إلى 45% (الأولى عالمياً في السعادة!!) والدانمارك 55%… وغيرها. في الوقت الذي ما يزال فيه الأطفال في المجتمعات العربية والإسلامية يجدون محاضن اجتماعية أفضل بكثير من مثيلتها الغربية، على الرغم مما فيها من مشكلات.

ولم يعط التقرير وزناً حقيقياً لمعدلات الانتحار العالمية، إذ إن هذه المعدلات ضئيلة جداً في بلادنا العربية والإسلامية، قياساً بالعالم الغربي “السعيد”. فهي مثلاً في فنلندا والسويد والنرويج والدانمارك وأيسلندا أكثر من 20 ضعف مثيلتها في الأردن، بحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية لسنة 2019.
كما أن التقرير لم يعط وزناً نوعياً لانتشار الجريمة وتعاطي المخدرات في البلدان “السعيدة” مقارنة بالبلدان “التعيسة”. وتكفي الإشارة مثلاً إلى أن الولايات المتحدة تحوي في سجونها مليونين و70 ألف سجين، بمعدل هو الأعلى عالمياً، وأن معظم دول العالم الأعلى في معدل الجريمة والسجون وتعاطي المخدرات هي بلدان غربية أو غير عربية ومسلمة.

وفي فنلندا مثلاً فإن معدل الوفيات نتيجة المخدرات هو أكثر من 30 ضعف الوفيات للسبب نفسه في الأردن ومصر، وهو معدل أعلى بكثير في روسيا (47 ضعفاً) وفي الولايات المتحدة (57 ضعفاً).

ونستطيع الاستمرار في تقديم مؤشرات أخرى كالأمراض النفسية والأمراض الجنسية بما فيها الإيدز وغيرها مما تتفوق فيه مناطقنا أخلاقياً وسلوكياً ونفسياً على معظم العالم الغربي. وهذا ليس مدحاً لعالمنا، فنحن ما زلنا متفوقين نسبياً في عدد من المجالات، بالرغم مما لدينا من تخلف وفساد واستبداد، نتيجة ما بقي لدينا من دين وتراث وعادات إيجابية، وسيكون لدينا أضعاف أضعاف ذلك لو رجعنا لديننا وتولى قيادتنا زعماء أكفاء أتقياء يملكون مشاريع حضارية.

***

اقرأ أيضاً: فلسطين وأوكرانيا وازدواجية المعايير

وأخيراً، فإن للمؤمنين حالة سعادة لا تدركها المعايير المادية، وحالة شعور بالرضا يصعب قياسها…، وإن معاني الإيمان والثقة بالله والرضا بالقضاء والقدر، ومعاني العزة والكرامة، والتكافل الاجتماعي، والرعاية الأسرية، وحسن التربية، وصناعة الرجال والأجيال، وتحقيق الأهداف الكبرى في الحياة، وبناء الحضارات… لا ترتبط بالضرورة بمعايير الفقر والغنى…

وكثيرا ما تكون بيئات التحدي وحالات “القلق الإيجابي” سلالم للإبداع والتطوير والوصول إلى مشاعر داخلية عميقة بالسعادة نتيجة “الصعود” وتحقيق الإنجاز، والفوز برضا الله سبحانه.

ويظل معيار “السعادة” في حياتنا معياراً نسبياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى