أخر الأخبارالقضية الفلسطينيةمستجدات سياسية

التصعيد في الداخل الفلسطيني والحسابات الإسرائيلية الحرجة

محسن محمد صالح عربي 21

بالرغم من الإجراءات والاحتياطات الإسرائيلية الاستثنائية لإحكام السيطرة على الأوضاع في القدس والداخل الفلسطيني، إلا أن احتمالات التفجير وسير الأحداث باتجاه حالة انتفاضة أو اشتباك واسع، وخروج الأوضاع عن السيطرة، وسقوط الحكومة الإسرائيلية نفسها، ما تزال واردة.

منذ أشهر كانت هناك تحذيرات من احتمال انفجار الأوضاع بسبب تزامن شهر رمضان مع أعياد الفصح اليهودية، وسعي جماعات المعبد واليمين الصهيوني للتصعيد باتجاه إيجاد حقائق وممارسات جديدة على الأرض، بحيث تتحول إلى “حقوق مكتسبة”، وكان من أبرز مظاهرها الدعوة إلى ذبح قرابين في ساحات المسجد الأقصى.

الجانب الإسرائيلي المسكون بتجربة معركة سيف القدس في رمضان الماضي (أيار/ مايو 2021) وما أدت إليه من تصدُّر المقاومة للمشهد الفلسطيني، وإفشال مخططات الصهاينة في حينه في القدس، وتعثر مسار التطبيع، وتدهور صورة الكيان الإسرائيلي عالميا، وحشر سلطة رام الله في الزاوية، سعى وإلى جانبه قوى التطبيع والولايات المتحدة وحلفائها لتمرير شهر رمضان هذا، دون الدخول في مواجهة عسكرية واسعة مع المقاومة، خصوصا في قطاع غزة.

ولذلك، لم يكن مستغربا في ضوء ما سبق، وفي ضوء الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها المتحملة، أن تنعقد قمة ثلاثية تجمع رئيس الوزراء الصهيوني نفتالي بينيت والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وولي العهد الإماراتي محمد بن زايد يوم الثلاثاء 22/3/2022. وعلى الرغم من أن المباحثات تناولت الحديث عن حلف دفاعي ومواجهة إيران، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على الأمن الغذائي والطاقة، إلا أن أحد أبرز بنودها كان مناقشة الوضع الأمني المحتمل في القدس وباقي فلسطين في شهر رمضان (الذي استبقه اللقاء بعشرة أيام)، وضرورة المحافظة على استقرار الأوضاع، إدراكا من هذه القوى بالتداعيات السلبية الكبيرة عليها في حال تفجّر الأوضاع.

وبعد ذلك بأيام (26 ـ 27 آذار/ مارس 2022)، حدث لقاء في النقب في فلسطين المحتلة 1948، استضاف فيه الصهاينة وزراء خارجية الولايات المتحدة ومصر والإمارات والمغرب والبحرين، وكان في صُلب جدول أعمالهم مناقشة طرق تعزيز أجواء عيد فصح ورمضان سلمية. وقد عَقِب ذلك زيارة وزير الحرب الإسرائيلي بيني غانتس للأردن يوم 29 آذار/ مارس، ولقائه بالعاهل الأردني الملك عبد الله، حيث تم بحث موضوع التهدئة و”منع الاستفزازات” في القدس، وفي اليوم التالي استقبل ملكُ الأردن الرئيسَ الإسرائيلي إسحق هيرتزوج، حيث تم بحث الموضوع نفسه.

إن انعقاد لقاءات قمة بهذا المستوى، يعكس مدى القلق الإسرائيلي والغربي والعربي “المطبِّع”، مما قد يحدث في رمضان، وتنسيق الجهود لتمريره وتجاوزه.

***

اقرأ أيضاً: المسجد الأقصى يشتعل في وجه قرابين وصلوات المستوطنين


من ناحية ثانية، فإن انشغال العالم بالحرب الروسية على أوكرانيا؛ وسعي الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين لتوفير الدعم الكامل لأوكرانيا وتحشيد البيئة الدولية ضد روسيا، وعدم الرغبة في هذا الوقت الحساس بالذات، في عودة العالم للانشغال بقضية فلسطين، خصوصا مع سهولة توفر أجواء المقارنة التي تكشف زيف النفاق الغربي ومعاييره المزدوجة في التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي، وما يمارسه من بطش وتدمير مع توفير الغطاء اللازم له، بينما يتم تنفيذ أقسى العقوبات ضد الهجوم أو الاحتلال الروسي، مع دعم أوكرانيا عسكريا وسياسيا وإعلاميا لمواجهة الروس.

كما أنه بحاجة إلى بيئة عربية مناسبة، في ضوء حاجة الأوروبيين والأمريكان إلى مصادر طاقة بديلة للغاز والنفط الروسي، المُرشحُ الرئيسي لتوفيرها هو العالم العربي.

من ناحية ثالثة، فإن عمليات المقاومة النوعية الأربعة في بئر السبع والخضيرة وبني براك وتل أبيب، التي زلزلت ثلاثٌ منها الأمن الإسرائيلي قُبيل رمضان بأيام، بينما حدثت الرابعة ولعلها الأقوى والأقسى في الأسبوع الأول من رمضان، قد أصابت منظومة الحكم والأمن الإسرائيلي بحالة من الهستيريا، وأدخلها في الوقت نفسه في حسابات متداخلة ومعقدة.

فالعمليات (وإن اتّصف منفذوها بالالتزام الديني)، إلا أنها اتخذت شكلا فرديا، ولم تتحمل مسؤوليتها أي من الفصائل بشكل مباشر، مما جعل عملية الانتقام عملية صعبة. كما تُدرك الحكومة أن التصعيد مع قطاع غزة، أو إفلات الحبل للمستوطنين في القدس وباقي الضفة الغربية قد يُسبّب لها نتائج كارثية، سعت هي نفسها بالتنسيق مع أمريكا والمطبّعين العرب لتجنبها قبيل رمضان.

كما تدرك في الوقت نفسه أن ظهورها بمظهر العاجز، وهي التي تضم في قيادتها عتاة اليمين الصهيوني، قد يؤدي إلى تفككها وسقوطها. وفي المقابل، فإن الحرب على غزة أو الولوغ في برامج تهويد الأقصى، سيؤدي إلى انسحاب الحزب العربي المشارك في الائتلاف الحكومي، ومن ثم سقوط الحكومة أيضا. وهذا ما يجعل حسابات الحكومة حسابات حرجة.

وفي محاولة لموازنة الأمور، قامت الحكومة الإسرائيلية بنشر أعداد كبيرة من قوات الشرطة والجيش، وشجعت تسليح الصهاينة في فلسطين المحتلة 1948، وأعطت ضوءاً أخضر لمزيد من برامج الاستيطان، بما في ذلك تزويد البؤر الاستيطانية بالكهرباء؛ كما تساهلت في اقتحامات الصهاينة للأقصى، غير أن الأمر اختلف عندما حاولت جماعات يهودية ذبح قرابين في الأقصى، حيث ووجه ذلك بتهديد حازم ومكشوف من قوى المقاومة في غزة بإعلان الاستنفار والتعبئة الشعبية، والدخول في معركة جديدة مع الاحتلال، وهو ما اضطر الحكومة الإسرائيلية لرفع الغطاء عن ذبح القرابين، ومنعه، وإلزام المسؤول عن ذلك المشروع بعدم الوجود حتى منتصف أيار/ مايو القادم، أي إلى ما بعد رمضان.
ولعل التوقعات التي تحدث عنها الشيخ بسام جرار، من ناحية رابعة، بزوال “إسرائيل” سنة 2022 قد أحدثت بيئة شعبية فلسطينية وعربية إسلامية لدى قطاعات من الناس، تدفع أيضا باتجاه أجواء التصعيد ضدّ الاحتلال.

ومن ناحية خامسة، فإن استقالة عضو الكنيست عيديت سيلمان من حزب يمينا في 6/4/2022 الذي يرأسه بينيت، وتَحوّلها للمعارضة، قد أفقد الحكومة أغلبيتها البرلمانية، وجعلها عرضة للسقوط في أي لحظة. ثم إن وضع عضو الكنيست نير أورباخ القلق وتهديده بالانسحاب من حزب يمينا أيضا يضع هذه الحكومة في مهبّ الريح. وقد تتعرض هذه الحكومة لاختبار عسير في حال التصويت على الثقة في أيار/ مايو 2022 عندما يعود الكنيست للانعقاد.

وبشكل عام، لا يرغب الشركاء الرئيسيون في الحكومة الإسرائيلية في انفراط عقدها، وسيعملون ما يستطيعون لتجاوز حالتهم الحرجة، خصوصا أنهم مجمعون على رفض عودة نتنياهو رئيسا للوزراء، غير أن الحالة “الفسيفسائية” التي جمعتهم تظل مهددة بالانفراط في أي لحظة.

***

أما المطبعون العرب، فهم قلقون أكثر من تفجر أي مواجهة شاملة؛ لأن عملية التطبيع هي بحد ذاتها قشرة سطحية رسمية، تسير عكس إرادة الشعوب، ولأن تصاعد المقاومة في فلسطين يعني سقوط برامج التطبيع، ومحاصرة وتجريم عرَّابيها، وفشل البرامج الصهيونية والأمريكية الغربية في المنطقة.

ولعل الرسالة التي بعث بها الطفل الجزائري عبد الخالق بودودة إلى شعب فلسطين وأطفالها، تعبر بصدق وقوة عن هوية الأمة وإرادتها وبوصلتها ورفضها للتطبيع. هذا الطفل ابن العاشرة الذي فاز بالجائزة الكبرى في حفظ القرآن في مسابقة “مزامير داود” في الجزائر قبيل بداية شهر رمضان، التي تبرع بقيمتها كاملة لأطفال فلسطين، ولبس علم فلسطين قبل أن يتسلم الجائزة، أعلن أن كل شيء يهون في سبيل فلسطين، وأنه يفديها وأطفالها بماله وروحه، وخاطب أبناء فلسطين أن “كل أبناء الجزائر معكم، ولن يهدأ لنا بال حتى نصلي في القدس كما صلى عمر وصلاح الدين، فالنصر قادم لا محالة”.

هذا الخطاب، هو خطاب أمة عزيزة كريمة، تسكن القدس وفلسطين في قلوبها، ولا يُسكتها أو يُطوعها تطبيع، ولن تحيد بوصلتها عن القدس، وعن مواصلة الجهاد والتحرير. وهو خطاب يرافق مواقف رياضيين ورموزا وقوى شعبية واسعة. ولذلك، فإن الحسابات الإسرائيلية الحرجة لبينيت وحتى نتنياهو (لو عاد لرئاسة الوزراء) ليست مقتصرة على فلسطين، ولا أجيالها الشابة الصاعدة المقاومة، بل على كل الأجيال الصاعدة في بيئتنا العربية والإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى